إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > أمورٌ ينبغي التَّنبّه لَهَا ومُراعاتها عند إعمَال اللِّسَان بِذكرِ الله تعالى

أمورٌ ينبغي التَّنبّه لَهَا ومُراعاتها عند إعمَال اللِّسَان بِذكرِ الله تعالى

  • 9 نوفمبر 2015
  • 265
  • إدارة الموقع

أمورٌ ينبغي التَّنبّه لَهَا ومُراعاتها عند إعمَال اللِّسَان بِذكرِ الله تعالى

الحمد لله مُسْتوجِب الحمد والعبادة، المتابع لأهل طاعته إعانتَه وإمدادَه، والصلاة والسلام على نبيه وحبيبه محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن اتَّبع رشادَه.

أما بعد، أيها النبهاء الفضلاء – سددكم الله وأعانكم على ذكره -:

فثمة أمور ثلاثة ينبغي أن تتنبهوا لها، وتعرفوا حكمها، وتعملوا بها وتراعوها عند ذكركم لربكم سبحانه:

الأمر الأول:

أن الأصل في ذكر العبد لربه – جل وعلا – أن لا يرفع صوته به.

ويدل عليه:

قول الله – عز وجل – في سورة الأعراف آمراً:

{ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ }.

ويدل عليه أيضاً:

ما أخرجه الإمام البخاري في “صحيحه”(6610) عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – أنه قال:

(( كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لاَ نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلاَ نَعْلُو شَرَفًا، وَلاَ نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا )).

وأخرجه الإمام مسلم في “صحيحه”(2704) بلفظ:

(( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ )).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري”(6/ 135 – رقم:2830) عقب هذا الحديث:

قال الطبري: فيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر، وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين.انتهى.اهـ

وإلى عدم رفع العبد صوته بالذكر ذهب الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.

وأخرج الحافظ ابن أبي شيبة في “مصنفه”(30174) وغيره عن قيس بن عباد – رحمه الله – أنه قال:

(( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الذِّكْرِ )).

وإسناده صحيح.

ويستثنى من هذا الأصل المواضع التي وردت السُّنَّة النبوية الثابتة بأن يُجهر فيها ببعض الأذكار، فالمستحب حينها أن يَجهر الذاكر.

وهي مواضع قليلة ومعروفة.

وقال العلامة محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله – في كتابه “سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها”(7/ 454 – عند حديث رقم: 3160):

ثم إن الأصل في الأذكار خفض الصوت فيها، كما هو المنصوص عليه في الكتاب والسنة إلا ما استثني.اهـ

الأمر الثاني:

قول الأذكار جماعياً بصوت واحد مرتفع مسموع يوافق الناس فيه بعضهم بعضاً، من البدع المحدثة في الدين، والبدع محرمة بنص السنة النبوية المشتهرة.

ومن أمثلة ذلك عند الناس اليوم:

أولاً: النطق بالأذكار التي تقال بعد السلام من صلاة الفريضة جماعياً.

ثانياً: أن يجلس الناس في مسجد أو بيت أو زاوية فيذكرون الله ذكراً جماعياً.

ثالثاً: ذكر الله في الطواف حول الكعبة أو السعي بين الصفا والمروة أو صعيد عرفة أو موقف مزدلفة جماعياً.

رابعاً: تكبير الناس في يومي عيد الفطر وعيد الأضحى وأيام التشريق تكبيراً جماعياً.

خامساً: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جماعياً عند سماع ذكره في خطبة الجمعة والعيد والاستسقاء أو في موعظة وما شابه ذلك.

ومن بحث عن ذكر الله تعالى جماعياً بصوت متوافق ومرتفع في مثل هذه المواضع والأحوال المذكورة وغيرها فلن يجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يذكر الله مع أصحابه بهذه الطريقة، ولن يجدها عن الصحابة – رضي الله عنهم – مع بعضهم، ولا عن التابعين وباقي سلف الأمة الصالح، ولا عن الأئمة الأربعة، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.

وسيجد هذا الفعل، وهذه الطريقة عن أقبح الناس عقيدة ومذهباً، وهم الشيعة الرافضة، وغلاة المتصوفة، فهم من بدأها، وجاء بها إلى المسلمين، ونشرها في بلدانهم ومساجدهم ومجالسهم.

وقد قال الفقيه المالكي إبراهيم بن موسى الغرناطي الشهير بالشاطبي – رحمه الله – في كتابه “الاعتصام”(ص: 506):

وأما بالعادة: فكالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان، فإن بينه وبين الذكر المشروع بوناً بعيداً، إذ هما كالمتضادين عادة.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية الحراني الدمشقي – رحمه الله – في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم”(1/ 358):

قال قيس بن عباد – وهو من كبار التابعين -: (( كانوا يستحبون خفض الصوت: عند الذكر، وعند القتال، وعند الجنائز )).

وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة، في هذه المواطن، مع امتلاء القلوب بذكر الله، وإجلاله وإكرامه، كما أن حالهم في الصلاة كذلك.

وكان رفع الصوت في هذه المواطن الثلاث، من عادة أهل الكتاب والأعاجم، ثم قد ابتلي بها كثير من هذه الأمة.اهـ

بل وصل الحال بالصوفية وأتباعهم في الذكر الجماعي إلى الرقص معه، والضرب عليه ببعض آلات المعازف كالدف والطبل، ويفعلونه حتى في المساجد، وفي صعيد عرفة، يوم عرفة.

وقد رأيت ذلك بعيني، وسمعته بأذني، وهو موجود أيضاً عبر الشبكة العالمية “الإنترنيت”، وفي مقاطع “اليوتيوب”، ويستطيع مطالعتها كل أحد حتى من لم يُصدِّق.

الأمر الثالث:

الحرص الشديد على الأذكار الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتُحفظ، ويُذكر الله تعالى بها، وما قيد منها بزمان أو مكان أو عدد فيقال كما ورد، وما أطلق فيذكر الله به على كل حال، وفي أي وقت، إلا حال قضاء الحاجة من بول وغائط، وحال مواقعة الرجل لامرأته.

فأذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظها جامعة، ومعانيها شاملة، وهي معصومة من الخطأ، لأنها جاءت من عند الله تعالى، وسهلة الحفظ والنطق، ومعلوم فضلها في نفسها وعلى غيرها، وأنها أفضل الذكر وأعظمه وأجمله، ومعروف كبير أجرها وثوابها.

وإن مما يُؤسف له أن تجد بعض الناس قد أهملوا حفظ أذكاره صلى الله عليه وسلم، وضَعُف ذكرهم لربهم بها، واعتاضوا عنها بأوراد وأذكار كتبها بعض الناس.

ولينتبه أهل هذا الحال لأنفسهم حتى لا يكونوا كالذين قال الله – عز وجل – في شأنهم: { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ }.

حيث استبدلوا الذكر والورد النبوي الذي جاء من عند الله تعالى بأوراد وأحزاب مخلوقين.

بل إن بعضهم يعتاض عن الأذكار والأوراد النبوية بأوراد وأحزاب غلاة المتصوفة، وشيوخ الطرق الصوفية، فلكل واحد منهم أو من أتباعه المشهورين حزب وورد قد كتبه، وهو يَعُجُّ بالألفاظ المحرمة، والأمور المخالفة للعقيدة، والبدع المنكرة.

هذا وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لمعرفة الحق واتباعه، ومعرفة الباطل واجتنابه، وأن يكرمنا بالإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه سميع الدعاء.

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد