خطبة مكتوبة بعنوان: (-الزجر عن تتبع عيوب المؤمنين وإشاعتها وعظم فضل الستر عليهم -)

الزجر عن تتبع عيوب المؤمنين وإشاعتها وعظم فضل الستر عليهم

الخطبة الأولى:ــــــــــ

الحمد لله السميع العليم، اللطيف الخبير، المطلع على خفايا الأمور، وأسرار العبيد، لا يَعُزُبُ عنه مثقال ذرة في السماوات، ولا في الأرض، ولا أصغرُ من ذلك، ولا أكبر، وهو بكل شيء عليم، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد بن عبد الله النبي الأمي العربي الذي يؤمن بالله وكلماته، وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه.

أما بعد، أيها الناس:

فلا ريب أنا لا نخلوا من الخطأ والزلل، ولا نسلم من العيوب واللمم، ويحصل منا التقصير في جنب الله، ونقع في ظلم أنفسنا بشيء من الذنوب، وقد تتنافر نفوسنا وتضيق ويحصل منها ما لا يجوز مع بعض من نجالس من أهلٍ وقرابة ورِفاق أو من نُعامل ونُجاور ونُجادل، وكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.

والتفتيش عن عثرات عباد الله المؤمنين، وتتبع عوراتهم، واستقصاء زللهم، واللهج بمساوئهم، وكشف المستور من عيوبهم، خُلق مذموم، وطبع مرذول، وسبيل قبيح، ودليلُ ضعفِ إيمانِ وأدبِ فاعله، ناهيك عن فضح صاحب العيب ومُقترف الخطأ بين العباد، وهتك ستره المغطى، وإشاعة فاحشته، عبر مجالس الناس ومحادثاتهم فيها أو الهاتف أو رسائله، فكيف إذا كان الفضح والهتك والإشاعة على مستوى المدينة أو البلد كلها، أو الأرض بجميع دويلاتها، وعن طريق أجهزة المعلومات، وبرامج التواصل، ومواقع الإنترنيت، ومقاطع اليوتيوب، وصفحات الفيسبوك، وتغريدات تويتر، ورسائل الوتساب والتليغرام، والتي يرتادها مئات الملايين من البشر، فهذا يُسجِّل ويصور ويعلق ثم ينشر، وهذا يكتب ويغرد ثم يرسل، وهذا يشجع ويحرض ويثني ويكتب الإعجاب، وهذا يتابع ولا يتروى بل ينشر، وأشد وأعظم من ذلك أن يُفعل هذا الأمر المعيب مع من لم تثبت عليه بعد تهمة، فكيف إذا كانت زوراً وبهتاناً وإفكاً، فهذا أغلظ وأظلم أقبح.

ألم يردع هؤلاء القوم قول ربهم – عز وجل – زاجراً ومقبِّحاً: { وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ }.

أما أفزعهم قول ربهم سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ }.

أما طرق أسماعهم قول نبيهم صلى الله عليه وسلم الصحيح الثابت: (( وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا )).

ألا يخشون أن تدور الدائرة عليهم فيعاقبهم الله تعالى بفضحهم حتى في بيوتهم، ويُخْزَون بين زوجاتهم وأبنائهم وبناتهم وآبائهم وأمهاتهم وقرابتهم وعشيرتهم وقبيلتهم، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال واصفاً أصحاب هذا الحال ومهدداً لهم: (( يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ )).

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال زاجراً ومُحذِّراً: (( لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللهِ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ )).

وقد قال بعض السلف الصالح – رحمهم الله -: (( رَأَيْت أَقْوَاماً من النَّاس لَهُم عُيُوب فَسَكَتُوا عَن عُيُوب النَّاس فَستر الله عيوبهم، وزالت عَنْهُم تِلْكَ الْعُيُوب، وَرَأَيْت أَقْوَاماً لم تكن لَهُم عُيُوب اشتغلوا بعيوب النَّاس فَصَارَت لَهُم عُيُوب )).

أيها الناس:

إن الشريعة الإسلامية شريعة طيبة جميلة رفيعة لا تعود على الناس وبلدانهم وأممهم إلا بكل ما يُصلحهم، ويقوي لُحمتهم، ويزيد في ألفتهم وتآلفهم، ويشرح صدورهم ويطمئنهم، فقد صانت العورات شديداً، وحمت المستترين بستر الله من الفضح والفضيحة، فنهت عن تتبع العورات، وحرمت التجسس والتحسس على المؤمنين، وهددت المشيع للقبائح وقبحته، بل أهدرت حق من اطلع على عوراتهم بغير إذنٍ منهم ورضاً، فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَوِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ، خَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ )).

وصحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْكَ )).

بل وأعظمت الشريعة الأجر والعاقبة لمن ستر أخاه المسلم، ورَغَّبَت المسلمين في ستر بعضهم على بعض، فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )).

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )).

ومعنى هذا الحديث:

أن الله يستر معاصي وعيوب العبد يوم القيامة بين أهل الموقف جزاء ستره على أخيه المسلم عيوبه في الدنيا.

والستر من الصفات الجليلة، والأخلاق الفاضلة، والآداب النبيلة التي يحبها الله – جلَّ وعلا -، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ الله – عَزَّ وَجَلَّ – حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ )).

وثبت عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: (( إِنَّ الله حَلِيمٌ رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السَّتْرَ )).

بل وزجرت الشريعة العبد عن فضح نفسه بإظهار فواحشه وقبائحه ومعاصيه بالمجاهرة بفعلها أو التحدث أمام الناس بفعله لها، ودعته إلى ستر نفسه، فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ ا للهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ، عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ )).

وبالإسناد الصحيح إلى سعيد بن المسيب – رحمه الله -: (( أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَنَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: اسْتَتِرْ بِسِتْرِ الله، وَتُبْ إِلَى الله، فَإِنَّ النَّاسَ يُغَيِّرُونَ وَلَا يُعَيِّرُونَ، وَالله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، فَلَمْ تَقَرَّ نَفْسُهُ، حَتَّى أَتَى عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا ذَكَرَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ تَقَرَّهُ نَفْسُهُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَلَمَّا أَكْثَرَ بَعَثَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلِ اشْتَكَى؟ أَبِهِ جِنَّةٌ؟:، فَقَالُوا: لَا وَالله يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ لَصَحِيحٌ، قَالَ: أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟، قَالُوا: بَلْ ثَيِّبٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ )).

أيها الناس:

ما أجمل ما قاله الإمام الزاهد عبد الله بن المبارك – رحمه الله -، إذ قال: (( كان الرجل إذا رأى من أخيه ما يكره أمره في سِتر، ونهاه في ستر، فيؤجر في سَتره، ويؤجر في نهيه، فأما اليوم فإذا رأى أحد من أحد ما يكره أستغضب أخاه، وهتك ستره )).

وقال الإمام العابد فضيل بن عياض – رحمه الله -: (( الْمُؤْمِنُ يَسْتُرُ وَيَنْصَحُ، وَالْفَاجِرُ يَهْتِكُ وَيَفْضَحُ )).

أيها الناس:

اتقوا الله في أنفسكم فلا تهلكوها ولا تورطوها ولا تظلموها ولا تُسيئوا إليها بأن توقعوها فيما حرم الله تعالى عليها من التعدي على الناس في أنفسهم وأعراضهم وأهليهم وأمانتهم وأعمالهم، بتتبع عوراتهم، والتنقيب عن عيوبهم، والاستمتاع بخللهم، ونشر ما وقفتم عليه من خطأ لهم، وهتك سترهم وفضحهم بين الناس، فحقوقهم لا يُسقطها كثرة صلاتكم وصيامكم وحجكم واعتماركم وصدقاتكم ودعائكم وذكركم لله وتلاوتكم للقرآن وغيرها من الطاعات، بل لا يسقطها إلا عفوهم وتنازلهم ومسامحتهم، وكلما بعدت ديارهم عنكم أو قلت خلطتكم لهم كلما عسر عليكم رد مظالمهم، وصعب عليكم طلب التحلل منهم، وتَعَذَّر كسب مسامحتهم.

فإن لم تنالوا عفوهم ومسامحتهم فيا لخسارة كبيرة قد حلت بكم، ويا لبؤس شديد قد وقعتم فيه، ويا لفظاعة ما وصلتم إليه من حال، إذ القصاص أمامكم يوم العرض والجزاء، يوم يُبعثر ما في القبور، ويًحصَّل ما في الصدور، يوم يُقتص حتى للشاة من أختها ذات القرون التي نطحتها، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه:  (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )).

وصح عن صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال: (( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ )).

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:ــــــــــ

الحمد لله التواب الرحيم، العفو الغفور، الذي وسع كل شيء رحمة وعلماً، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي الطَّيِّب المُطَيَّب، وعلى آله وأصحابه والتابعين، وعنا معهم يا رب العالمين.

أما بعد، أيها الناس:

إن تحذيرَ العباد من أهل البدع والأهواء والدعاة إلى البدع والضلالات، وذمَّهم، والقدحَ فيهم، وعيبَهم، وبيانَ ما هم عليه من بدع وضلالات وانحرافات، لا يدخل في الغيبة المحرمة، ولا في الطعن الممنوع، ولا هو مذموم في الشرع باتفاق أهل العلم، لا خلاف بينهم في ذلك، وقد نقل اتفاقهم جمع من العلماء من مختلف المذاهب والبلدان والعصور، بل هو من الأمور المطلوبة شرعاً بإجماع العلماء، ومن الأعمال التي يُؤجر عليها الفاعل، إن قصد بذلك وجه الله ونصيحة الخلق، وإبعادهم عن هذا الذي يدعو إلى البدع، وما هو عليه مِن بدع وضلالات، إذ التحذير من الشر وأهله في أمر الدنيا مطلوب جداً؛ بل ومن النصيحة، ومن حبِّ الخير للناس، فكيف بتحذيرهم من الشر الذي يضر بالدِّين، ويضر بالآخرة، لا شك أنه مطلوب أكثر، بل وأولى وأوكد، وعلى هذا الطريق المستقيم سار أهل السُّنة منذ عهد الصحابة – رضي الله عنهم – إلى اليوم.

حتى قال الإمام محمد بن أبي عبد الله الشهير بابن أبي زمنين المالكي -رحمه الله – في كتابه “أصول السنة”:

ولم يزل أهل السنة يعيبون أهل الأهواء المضلة، وينهون عن مجالستهم، ويخوِّفون فتنتهم، ويخبرون بخلافهم، ولا يرون ذلك غيبة لهم، ولا طعناً عليهم.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية الحراني الدمشقي – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوى”:

ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجبٌ باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرَّجُل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلَّى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين؛ هذا أفضل، فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله.اهـ

وثبت عن غير واحد من أئمة السلف الصالح – رحمهم الله – أنهم قالوا: (( لا غيبة لمبتدع )).

ومعنى هذا:

أن عيبَ أهل البدع وذمَّهم، والقدحَ فيهم، والتحذيرَ منهم، ومن مُجالستهم ومجالسهم وكتبهم وأشرطتهم وخطبهم ومحاضراتهم لا يدخل في باب الغيبة المحرمة.

بل إن في تحذير الناس من المبتدع وضلالاته مصلحة عظيمة للمبتدع، حيث يجعله هذا التحذير يترك البدع، ولا ينشرها بين الناس، أو يتسبَّب في أن يُقلل منها، فتقلّ بذلك السيئات في صحائف أعماله، وتخف أوزاره لتناقص أعداد متابعيه على البدع والضلالات، وفيه مصلح لعموم الناس، حيث يحذرون من المبتدع، ولا يتابعونه على بدعه، فيَسْلم لهم دينهم، وتَسلم لهم آخرتهم، وهذا المسلك من أهل العلم والسنة مع المبتدع من الرحمة الشديدة بعموم الناس، وبالمبتدع ومن يُعظمه ويتابعه ويتعاطف معه.

هذا وأسأل الله الكريم أن يطهِّر قلوبنا من الغلّ والحقد والحسد، وألسنتنا من الغيبة والنميمة، ومن السبّ والشتم، ومن الكذب واللعن، ومن فُحش القول ورديء الكلام، اللهم احفظ علينا أسماعنا وألسنتنا عن كلّ قولٍ أو فعلٍ لا يرضيك عنا، ويسخطك علينا، اللهم اغفر لنا ولمن أسأنا إليه من المسلمين بقولٍ أو فعلٍ، وتجاوز عنَّا وعنه، واجعلنا وإياه مِمَّن يعفو ويصفح، اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، وارفع عنهم القتل والاقتتال، والخوف والجوع،  والأوبئة والنزوح من بيوتهم وبلدانهم، وأعذنا وإياهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك سميع الدعاء.

خطبة ألقاها:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.

في هذا الموضوع 0 التعليقات

اكتب تعليق