إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: ” آداب المُجَالَسَة وحقوق المُجَالَسِين “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” آداب المُجَالَسَة وحقوق المُجَالَسِين “.

  • 20 نوفمبر 2016
  • 308
  • إدارة الموقع

آداب المُجَالَسَة وحقوق المُجَالَسِين

الخطبة الأولى:ـــــــــــــــــ

الحمد الله الخلَّاق العليم، الذي منَّ على من شاء من عباده بالورع عن الحرام، وخذل من شاء فتجرأ على الآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد الأنام، أكرمه ربه فجعله الله للخلق في سائر أموره إمام، اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، وسلِّمْ تسلمًا يترى على مرِّ الأيام والأعوام.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله ـ جل وعلا ـ، فإنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة، اتقوه في السِّر والعلن، والرضا والغضب، ومع القريب والبعيد، اتقوه في مجالِسكم، ومع مُجالِسيكم، وفي سائر أحوالكم وأوقاتكم، فإنه لا يفلح إلا المتقون.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }.

أيها الناس:

 تعلمون أنه لا بد للإنسان مِن مُجَالَسة أصحابه، ولا غنى له عن لقاء أحبَّائِه، فيكلمهم ويكلمونه، ويستأنس بهم ويستأنسون به، ويمازحهم ويمازحونه، ويتقوى بهم ويتقوون به، ويسترشد بهم ويسترشدون به، ويُزيل حزنه بهم ويزيلون حزنهم به، ويتسلَّى بهم ويتسلون به، ومجالستهم قد تكون في بيت أو حاشية باب أو استراحة أو بَرٍّ أو بحر أو مزرعة أو غيرها من الأماكن، وقد كان للصحابة ـ رضي الله عنهم ـ مجالس يجلسون فيها للحديث والمؤانسة، فصحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: (( إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ )).

وصحَّ عن الإمام شعبة ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ـ رضي الله عنه ـ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَنْتُمْ جِلَاءُ حُزْنِي )).

وقيل للتابعي محمد بن المنكدر ـ رحمه الله ـ: (( مَا بَقِيَ مِنْ لَذَّتِكَ؟ قَالَ: لِقَاءُ الْإِخْوَانِ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ )).

وقال حكيم العرب أكثم بن صَيفي: (( لِقَاءُ الْأَحِبَّةِ مَسْلَاةٌ لِلْهَمِّ )).

وقال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: (( لَيْسَ سُرُورٌ يَعْدِلُ صُحْبَةَ الْإِخْوَانِ، وَلَا غَمٌّ يَعْدِلُ فِرَاقَهُمْ )).

وقال عيَّاش بن مُطرِّف ـ رحمه الله ـ: (( لَا حَيَاةَ لِمَنْ لَا إِخْوَانَ لَهُ )).

أيها الناس:

إن مِن المعلوم أن للمَجالس آدابًا، وللمجالَسِين وعليهم حقوقًا، ينبغي أن تُراعى وتُصان، ويجدر أن يُهتَّم لها ولا تُشان، وأن تُلاقى بالعمل والترحاب، إن كان أهل هذه المجالس يريدون دوامها، ويطلبون أن تزيدهم قوة وصلة، وتقوي ألفتهم، وترسِّخ أخوتهم، ويَحصل منها الأنس والسرور، وتَحلَّ بها الراحة والطمأنينة.

فمِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

أن يحفظ المجُالِس ما يدور بينه وبين مُجالِسيه مِن حديث، وما يُبدونه له مِن أسرار، وما يقع منهم مِن هفوات وهنات، فلا يخرجها عن هذا المجلس ولا يُفشيها، فإنما يتجالس الناس مع بعضهم بالأمانة، ولو علموا أن جليسهم سينشر ما يقع منهم لما جالسوه، وإن اضطروا لِمجالَسته تحفظوا معه في الحديث، وحذِروا منه.

ومِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

أن لا يستَدْرِج المجُالِس مُجالِسه أو يستفزَّه ليبيح له عن أموره الخاصة التي لا يليق أن تظهر للناس، وأحوال أهله وقرابته وما يقع بينهم، وما عنده من أسرار ومعلومات عن غيره، وعن عمله ووظيفته، لا سيما إن كان هذا المُستَدرَج طيَّب السجية، قليل الانتباه والفطنة، يأخذ أصحابه بالظاهر، فإن هذه الأمور التي يستخرجها منه لا تعنيه، وطلبه لمعرفتها فضول منه، ونقص في أدبه، وضعف في مروءته، وتعدٍّ على حق الصُّحبة، وليس بذكاء ولا فطنة، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وقد ثبت عن زيد بن أسلم ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( دُخِلَ عَلَى أَبِي دُجَانَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ، وَكَانَ وَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لِوَجْهِكَ يَتَهَلَّلُ؟ فَقَالَ: مَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَوْثَقُ عِنْدِي مِنَ اثْنَتَيْنِ: أَمَّا إِحْدَاهُمَا: فَكُنْتُ لَا أَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِينِي، وَأَمَّا الْأُخْرَى: فَكَانَ قَلْبِي لِلْمُسْلِمِينَ سَلِيمًا )).

وقال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ: (( مِنْ عَلامَةِ إعْرَاضِ اللَّهِ عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ شُغْلَهُ فِيمَا لا يَعْنِيهِ )).

وقال رجل للأحنف بن قيس: (( بِمَ سُدْتَ قَوْمَكَ – وَأَرَادَ عَيْبَهُ -؟ فَقَالَ الأَحْنَفُ: بِتَرْكِي مِنْ أَمْرِكَ مَا لا يَعْنِينِي، كَمَا عَنَاكَ مِنْ أَمْرِي ما لا يعنيك )).

ونُقل عن ابن أبي سِنان ـ رحمه الله ـ أنه: ((مَرَّ بِغُرْفَةٍ فَقَالَ: مُذْ كَمْ بُنِيَتْ هَذِهِ؟ – ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ – فَقَالَ: وَمَا عَلَيْكِ مُذْ كَمْ بُنِيَتْ، تَسْأَلِينَ عَمَّا لَا يَعْنِيكِ، فَعَاقَبَهَا بِصَوْمِ سَنَةٍ )).

ومِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

 التغافل عن ظهور مساوئ المُجَالَسِين، وما يبدو منهم من خطأ وزلل على مَن في المجلس، أو ما يحصل لهم من انكشاف عورة، أو خروج ريح لها صوت أو رائحة كريهة، ومن وجد ذلك فأظهر الغفلة أو عدم السماع والرؤية أو النعاس أو الانشغال بهاتف ونحوه ليزيل خجل صاحبه وجليسه كان ذلك من مكارم أخلاقه، وحسن العشرة، وجميل الصُّحبة.

ومِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

 أن لا يُدخِل المجُالِس نفسه في سِرِّ مُجَالِسيه أو حديث لم يُدخلوه فيه، ولا يحشرها بسؤالهم عما يقولون، ولا بالإصغاء عند تحدُّثِهم، ولا بتوجيه سمعه وذهنه إليهم، فيجعل وجهه ونظره إلى غيرهم، وذهنه وباله مُنشغل بهم يُراقب ويتنصَّت، لِما صحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا )).

والتَّحَسُّس هو: الاستماع لحديث القوم الذي لا يريدون لأحد سماعه.

والتَّجَسُّس هو: التفتيش عن عيوب الناس وبواطن أمورهم.

ومِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

 أن يُسلِّم المجُالِس على أهل المجلس عند الدخول إليه، والخروج منه، وإن زاد بالسؤال عن حالهم وحال الوالدين والأهل والعيال، وكمَّل بإظهار السرور وطلاقة الوجه بلقياهم كان أفضل وأجمل، وأقوى في الصِّلة، وأدوم للصُّحبة، وأثبت للعشرة، لِما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ )).

ومِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

أن لا يرفع المُجَالِس صوته على جُلسائه، بل يخاطبهم ويكلمهم بصوت معتدل، يُظهر فيه حُسن أدبه معهم، واحترامه لهم، وأشدّ من ذلك أنْ ينتهرهم عند حصول الخطأ منهم بعنف وشِدَّة، ويا لله كم مِن شجار أو خصومة وقطيعة قد حلَّت أو حقد وكُره وحسد دخل في النفوس بأسباب ذلك، وإن صبر عليك جليسك مرة أو مرتين أو شهورًا أو سنين عديدة فقد يأتي عليه يوم وينفجر في وجهك كالبُركان، فيُخرج لك في ساعة ما جمعه عليك في سنين، وخَفض الصوت وغضُّه في الحديث مع الآخرين مِن دواعي المودَّة، وأسباب دوام العشرة، ولهذا كان هذا الأدب من جملة وصايا لقمان الحكيم لابنه، إذ قال موصيًا له: { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ }.

ومِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

 أن لا يتكلم الإنسان على الأمور المتعلقة بالنساء من جماع وشهوة أمام مُجالِسيه، ويتأكد هذا الأدب إذا كان من يُجالِسهم من أهل زوجته، ويتجنب ذكر التَّعدُّد بوجودهم، و مِن أضرار هذا الكلام أمران:

أحدهما: أن الناس إذا سمعوا حديثك عن الجماع وأموره خَلَج في أذهانهم امرأتك، وتصوروا أنك تفعل ذلك معها.

والثاني: أن مثل هذا الحديث قد يُحرج أهل زوجتك، ويُكدِّر صفوهم، وقد صحَّ عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله ـ عنه أنه قال: (( كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ )).

فمنعه ـ رضي الله عنه ـ الحياء من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة عن حكم شرعي يتعلق بأمر الشهوة، ووكَّل في السؤال غيره، لأجل أن زوجته هي بنت النبي صلى الله عليه وسلم، والمذي يتعلق بالشهوة.

ومِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

 أن لا يتناجا اثنان ويتساران بحديث دون الثالث، إذا لم يكن في المجلس إلا ثلاثة، مُراعاة لنفسه، حتى لا يَدخلها الحزن، وينكسر قبله، وإبقاءً لصحبته حتى لا يفسدها الشيطان بتوحيش صدره عليهما، لِما صحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ )).

ومِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

 أن لا يُكثر العتاب واللوم والتثريب لِمُجالِسيه إذا أخطئوا في حقه، وبدرت منهم هفوة جهته، أو لأنهم لم يُعينوه وقت حاجة، لأن كثرة العتاب تخجيل يزيد في الوحشة، ويُخلخل الصُّحبة، ويؤدي إلى القطيعة، بل قد يجعلهم يترصدون أقواله وأفعاله معهم، ويحاسبونه على كل خطأ حصل من جهتهم حتى يُعاملوه بالمثل، ومَن مِنَّا لا تَصدر عنه زلة أو يقع في خطأ مع أصحابه، وما أحسن الصفح والتجاوز في مثل هذه الأمور، وما أجمل تناسيها وتغافلها وأطيبه.

ومِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

 أن لا تقف مع مُجالِسك في كل كلمة يقولها لك، أو كل موقف يتخذه معك، أو كل عبْسة أو ضيق يُبديه أمامك، فتظل تقول في نفسك هو يقصدني بهذا الكلام، هو يريد إهانتي، هو يرمي إلى إبعادي، هو يكرهني، هو يحسدني، ماذا تقصد من كلامك، وإلى ما ترمي وتهدف.

وإن فعلت ذلك، وكنت من أهله، فلست بصاحب عاقل، ولا تصلح للمُجالَسة، ولا يَحسُن أن تكون رفيقًا لأحد، لأنه ما من مُجالَس إلا ويقع في الخطأ والزلل، ويبدو منه التَّغير والتقلب، وهذه المسلك يفتح على نفسك باب الشيطان من جهتين:

الأولى: أنه يملؤها على صاحبك بالبغض والحقد، والضغينة والحسد، وقد يقودك إلى إلحاق الضرر به، والكيد له، والمكر به.

الثاني: أنه سيجلب لها الهمَّ والحزن، والضيق والكَدر، وتشويش الذهن، وإشغال البال.

والأليق بك أن تتغافل عن هذه الأمور وتتجاوز، ولا تُكثر الوقوف معها ولا تُدقِّق، ولا تَكترث لها، وانسها أو تناساها، ووسِّع صدرك، وكبِّر عقلك، رحمة بنفسك وبإخوانك، فقد لا يكونوا يقصدون ما خطر ببالك، أو قصدوه لأمر ونسوه، وأنت لا يزال يأكل في صدرك، ويَكبُر مع الأيام، وقد تكون أنت السبب وليس هم، لأنك شديد الحساسية، سهل التأثر، ضعيف التحمل، وقد قال بعض الحكماء: (( وَجَدْت أَكْثَرَ أُمُورِ الدُّنْيَا لَا تَجُوزُ إلَّا بِالتَّغَافُلِ )).

وقال حكيم العرب أكثم بن صَيفي: (( مَنْ شَدَّدَ نَفَّرَ، وَمَنْ تَرَاخَى تَأَلَّفَ، وَالشَّرَفُ فِي التَّغَافُلِ )).

وقال الخُزاعي – رحمه الله -: (( سَمِعْتُ ابْنَ زَائِدَةَ، يَقُولُ: الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ، فَحَدَّثْتُ بِهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّهَا فِي التَّغَافُلِ )).

وقال الطَّائيّ: لَيْسَ الْغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَوْمِهِ … لَكِنَّ سَيِّدَ قَوْمِهِ الْمُتَغَابِي

ومِن آداب المُجالَسة وحقوقها:

 أن لا يُثقل الجليس على مُجالِسه، فيطيل الجلوس معه أو يطلب منه البقاء إذا أراد الانصراف ويُشدد عليه في الطَّلب، لا سيما إذا عَلم أنه مشغول أو أن له أهل وأولاد ينتظرونه، أو أمّ أو أخت وحيدة أو مريضة تنتظر مؤانسته، أو والد لا يقوم غيره عليه، ويا لله كم حصل مِن طلاق، وكم تفرَّقت من أسرة، وكم حدثت مِن مشاكل بين الرجل وزوجته، وكم تكدر مِن والد ووالدة، بسبب كثرة المجالسة مع الأصحاب، وإطالة وقتها؟

بارك الله لكم في ما سمعتم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:ـــــــــــــــــ

الحمد لله على ما له من الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والنِّعم الظاهرة والباطنة، وأصلِّي وأسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه.

أما بعد، أيها الناس:

فاحرصوا ـ سددكم الله ـ على أن تكون مجالسكم عامرة بالخير والفضيلة، والمنفعة والفائدة، والعلم والنُّور، والمكارم والفضائل، والشَّهامة والمرؤة، والعِفَّة والفضيلة، والصِّدق والنُّصح، والحياء والطُّهر، والوفاء والرُّجولة، إنْ تَحدَّث فيها مُتحدث بالخير أعنتموه بالاستماع والإنصات وشكرتموه، وإن اغتاب أحد أو نَمَّ أو سَبَّ أو لعن أرشدتموه بالرفق واللين، وصرفتموه إلى حديث غيره، وإن حضر وقت الصلاة أعنتم بعضًا على فعلها في جماعة، وإن ظهر مُنْكر ومحرَّم في شاشة أغلقتموها وأزحتموه، حتى تكون هذه المجالس يوم القيامة لكم لا عليكم، وتنتفعون بها ولا تندمون، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا، فَتَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرٍ إِلَّا تَفَرَّقُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )).

واعلموا أن الصُّحبة والوفاق والودَّ ينقلب يوم القيامة إلى عداوة وبُغض إلا صُحبة المتقين، حيث قال الله تعالى: { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ }، فكونوا منهم، وسِيروا في رِكابهم، وتجمَّلوا بأخلاقهم، والزموا آدابهم.

أيها الناس:

إن أكثر مَجَالِس الناس اليوم يشوبها شيء من الَّلغط في القول، ويَكتنفها بعض الزَّلل في الفِعال، ويخدشها كَثْرة القِيل والقال، فاحرصوا ولا تنسوا أو تتغافلوا إذا قمتم منها أنْ تختموها بكفارة المجلس، لعلَّ الله أنْ يتجاوز عن ما حدث، ويعفو عن التقصير والزَّلل، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَا مِنْ إِنْسَانٍ يَكُونُ فِي مَجْلِسٍ فَيَقُولُ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ )).

اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربنا فاغفر لنا جميع ذنوبنا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم إنا نعوذ بك من دعاء لا يُسمع، وعلم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، اللهم إنا نعوذ بك من شر هؤلاء الأربع، اللهم إنا نسألم عِيشة سوية، ومِيتة نقية، ومردًا إليك غير مُخز، اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع، وارفع عنهم الأمراض والأوبئة، وأعذهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك سميع مجيب، وقوموا إلى صلاتكم.