إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > مقال بعنوان: ” تبصير الأحبَّة بحكم ذبح الكافر الكتابي للأضحية “.

مقال بعنوان: ” تبصير الأحبَّة بحكم ذبح الكافر الكتابي للأضحية “.

  • 28 أغسطس 2017
  • 602
  • إدارة الموقع

تبصير الأحبَّة بحكم ذبح الكافر الكتابي للأضحية

الحمد لله على ما له مِن الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والنِّعم الظاهرة والباطنة، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه.

وبعد:

فإن الأفضل أن يذبح المضحي أضحيته بيده، لأنه فِعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال أنس بن مالك – رضي الله عنه -:

(( ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ )).

رواه البخاري (5558) واللفظ له، ومسلم (1966).

وفي حديث عائشة رضي الله عنهاـ:

(( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ» ، ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ» ، فَفَعَلَتْ: ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» )).

رواه مسلم (1967).

وقال العلامة أبو زكريا النووي الشافعي – رحمه الله – في “شرح صحيح مسلم” (13/ 116):

قوله: (( وَانْكَفَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا )).

فيه:

إجزاء الذَّكر في الأضحية، وأن الأفضل أن يذبحها بنفسه، وهما مُجمع عليهما.اهـ

وقال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في “صحيحه” معلقًا بالجزم:

(( وَأَمَرَ أَبُو مُوسَى بَنَاتِهِ أَنْ يُضَحِّينَ بِأَيْدِيهِنَّ )).

وذكَر الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ـ رحمه الله ـ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (10/ 21) مَن وصله، وقال عقبه:

وسنده صحيح.اهـ

وثبت عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أنه:

(( كَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ )).

رواه مالك في “الموطأ” ( 145).

فإن وكَّل في ذبح أو نَحر أضحيته مسلمًا جاز باتفاق العلماء.

لِمَا أخرج مسلم (1218) عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ )).

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي – رحمه الله – في كتابه “التمهيد” (2/ 107):

وفيه مِن الفقه:

أن يتولى الرجل نَحر هديه بيده، وذلك عند أهل العلم مُستحب مُستحسن، لفعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك بيده، ولأنها قربة إلى الله – عزَّ و جلَّ – فمباشرتها أولى.

وجائز أن ينحر الهدى والضحايا غير صاحبها، ألا ترى أن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – نَحر بعض هَدى رسول الله صلى الله عليه و سلم، وهو أمر لا خلاف بين العلماء في إجازته، فأغنى عن الكلام فيه، وقد جاءت رواية عن بعض اهل العلم: “أن مَن نَحر أضحيته غيره كان عليه الإعادة ولم يجزه”.

وهذا محمول عند أهل الفهم على أنها نُحرت بغير إذن صاحبها، وهو موضع اختلاف.

وأما إذا كان صاحب الهَدي او الضَّحية قد أَمر بنحر هديه أو ذبح أضحيته، فلا خلاف بين الفقهاء في إجازة ذلك، كما لو وكَّل غيره بشراء هديه فاشتراه، جاز بإجماع.اهـ

وقال الفقيه عون الدين ابن هبيرة الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “الإفصاح” (1/ 335):

واتفقوا – أي: الأئمة الأربعة – على أَن ذبح العَبْد مِن المسلمين في الجواز كالحرِّ وامرأة مِن المسلمين، والمراهق في ذلك كالرَّجل.اهـ

قلت:

وأما توكيل الكافر الكتابي في ذبح الأضحية فجائز عند أكثر أهل العلم.

لأنه مِن أهل الذكاة شرعًا، وتحل بتذكيته ذبيحته، لقول الله سبحانه في سورة المائدة:

{ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ }.

وقال العلامة السعدي – رحمه الله – في “تفسيره” (1/ 221):

أي: ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم – يا معشر المسلمين – دون باقي الكفار، فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين، وذلك لأن أهل الكتاب ينتسبون إلى الأنبياء والكتب.اهـ

وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – في كتابه “دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب” (ص: 70):

ودخول ذبائحهم في طعامهم أجمع عليه المسلمون.اهـ

ونقل الإجماع أيضًا على دخول ذبائحهم في آية سورة المائدة:

أبو الحسن ابن بطال المالكي في “شرح صحيح” (5/ 414)، وبدر الدين العيني الحنفي في كتابه “عمدة القاري شرح صحيح البخاري” (21/ 118).

وقال الإمام البخاري – رحمه الله – في “صحيحه” (عند حديث رقم: 5508) جازمًا:

وقال ابن عباس: (( طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ )).اهـ

وقال الحافظ ابن كثير الشافعي في “تفسيره” (3/ 40):

ثم ذكَر حكم ذبائح أهل الكتابين مِن اليهود والنصارى، فقال: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ }.

قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جُبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول، وإبراهيم النَّخعي والسُّدِّي ومُقاتل بن حيَّان:

يعني: ذبائحهم.اهـ

ونسبه:

القاضي عياض المالكي في كتابه “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (6/ 115)، وأبو العباس القرطبي المالكي في كتابه “المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم” (3/ 600) إلى أكثر أهل العلم.

وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوى” (35/ 232):

ومِن المعلوم أن حِلَّ ذبائحهم ونسائهم ثبت بالكتاب والسنة والإجماع.اهـ

ونقل الإجماع أيضًا:

الحسين بن مسعود البغوي الشافعي في كتابه “شرح السنة” (11/ 171)، والقاضي عياض المالكي في كتابه “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (6/ 115)، وموفق الدين ابن قدامة الحنبلي في كتابه “المغني” (13/ 293)، وأبو العباس القرطبي المالكي في كتابه “المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم” (3/ 600)، وابن كثير الشافعي في “تفسيره” (3/ 40)، وبدر الدين العيني الحنفي في كتابه “عمدة القاري شرح صحيح البخاري” (21/ 118).

وقال الفقيه عون الدين ابن هبيرة الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “الإفصاح” (1/ 335):

واختلفوا هل يجوز أن يذبحها كتابي؟

فقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز مع الكراهة.

وقال مالك: لا يجوز أَن يذبحها إلا مسلم.

وعن أحمد روايتان كالمذهبين أشهرهما الجواز.اهـ

وممن نُقل عنه الجواز مِن التابعين:

إبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح – في رواية صحيحة عنهما -، والزهري.

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني” (13/ 389):

وجملته أنه يُستحب أن لا يذبح الأضحية إلا مسلم لأنها قربة، فلا يليها غير أهل القُربة، وإن استناب ذميًّا في ذبحها جاز مع الكراهة.

وهذا قول الشافعي، وأبي ثور وابن المنذر.

وحُكي عن أحمد: لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم.

وهذا قول مالك.

وممن كره ذلك: علي، وابن عباس،  وجابر – رضي الله عنهم -، وبه قال الحسن و ابن سيرين.اهـ

ثم قال في ترجيح الجواز:

ولنا: أن مَن جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم.

ويجوز أن يتولى الكافر ما كان قُربة للمسلم كبناء المساجد والقناطر، …، والمستحب أن يذبحها المسلم ليخرج مِن الخلاف، وإن ذبحها بيده كان أفضل.اهـ

وقال ابن حزم الظاهري – رحمه الله – في كتابه “المحلى” (6/ 44 – مسألة:983):

ونَستحب للمضحي رجلًا كان أو امرأة أن يذبح أضحيته أو ينحرها بيده، فإن ذبحها أو نَحرها له بأمره مسلم غيره، أو كتابي أجزأه، ولا حرج في ذلك.

وقولنا هذا هو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان.اهـ

وقال الفقيه بدر الدين العيني الحنفي – رحمه الله – في كتابه “البناية شرح الهداية” (12 / 59) بعد ذكر الجواز عند الحنفية:

وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال مالك: لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم.اهـ

وممن رويت عنه الكراهة مِن التابعين:

سعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخرساني، ومجاهد، وعطاء بن ابي رباح في رواية، والشعبي، وطاوس.

وعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما -:

(( أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَذْبَحَ النُّسُكَ إِلَّا مُسْلِمٌ )).

أخرجه أحمد ابن منيع كما في “المطالب العالية” (2292)، و “إتحاف الخيرة” (4759).

وإسناده حسن.

وجاء نَحوه عن علي بن أبي طالب وابن عباس – رضي الله عنهما -.

وضعفهما ابن حزم الظاهري – رحمه الله – في كتابه “المحلى” (6/ 45 – مسألة:983).

ثم قال بعد ذلك:

إلا أنه عن الحسن، وإبراهيم، والشعبي، وسعيد بن جبير، صحيح.اهـ

تنبيه مهم جدًا:

قال العلامة ابن جاسر الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام” (2/ 219):

ومراد الأصحاب:

جواز توكيل الذمي الكتابي في ذبيحة هَدي المسلم أو أضحيته إذا كان الكتابي يذبح الأضحية أو الهدي أو ينحرهما في موضعه الشرعي بشروطه المعتبرة.

أما إن كان يذبحها بضرب المسامير، أو الفؤوس في الرأس، ونَحوه، أو بالكهرباء كما عليه عمل بعض النصارى في هذا الزمن، فإنه لا يصح توكيله، ولا تحل ذبيحته بذلك، لأن ذبحه للبهيمة على هذه الصفة لا يُسمَّى ذكاة، ولا تحل بذلك، بل حكمها حكم الميتة، فهي حرام كما لو فعل ذلك مسلم وأولى.اهـ

وقال العلامة عبد العزيز ابن باز – رحمه الله – كما في “مجموع فتاويه” (23/ 16):

إذا كانت اللحوم مِن بلاد أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فلا بأس؛ لأن الله تعالى أباح لنا طعامهم، وطعامهم ذبائحهم، فلا مانع من أن نأكل منها إذا لم نعلم ما يمنع من ذلك، فأما إذا علمنا أنها ذبحت خنقًا أو ضربا في الرءوس بالمطارق ونحوها، أو المسدسات، أو صرعًا بالكهرباء فلا نأكل منها.اهـ

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.