إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: ” خطبة عيد المسلمين الأوَّل عيد الفطر “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” خطبة عيد المسلمين الأوَّل عيد الفطر “.

  • 3 يوليو 2016
  • 22٬528
  • إدارة الموقع

خطبة عيد المسلمين الأوَّل عيد الفطر

 

الخطبة الأولى: ــــــــــــــ

الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر.

الحمد لله الرحيمِ الغفَّار المَرجوِّ ثوابُه، العزيزِ الجبَّار المَخشيِّ عذابه، المتكبِّرِ القهَّار المَرهوبِ عقابُه، الجوادِ الكريم الذي شمِل العالَمين إنعامُه، وعمَّ جميعَ المخلوقين إكرامُه، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الموصوف بالخلق العظيم، والرحمة بالمؤمنين، والرِّفق واللِّين، فصلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آل بيته وأصحابه ما لَاح هِلالٌ وأنوَر، وطلع الصُّبحُ وأسْفَر.

أمَّا بعد، فيا عباد الله:

اتقوا الله ربَّكم حق التقوى، واجعلوا تقواه نُصب أعينكم في السِّر والعلن، وحال إقامتكم وفي أسفاركم، فقد قال سبحانه آمرًا لكم: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }، واعلموا أنَّ تقواه ــ عزَّ وجلَّ ــ إنَّما تكون بالمسارعة إلى مغفرته ورضوانه، بفعلِ الحسنات المُنجيات، وترْكِ الخطيئات المُهلكات، قبْلَ انصرامِ العُمُر، وفواتِ أوقاتهِ وساعاته، فإنَّ هذه الليالي والأيَّامَ تُحسَبُ مِن آجالكم، وهي خزائنٌ لأعمالكم: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا }، فأودِعوا فيها مِن الأعمال الصالحة ما يَسرُّكم بعد الموت وعند الحساب والجزاء، يوم يُقال للمحسِن والمحسنين: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي } { كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ }، واحذَروا أنْ تُودِعوا فيها مِن الأعمال ما يَسوؤكم، يوم يقول المُفرِّطُ متحسِّرًا: { رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ }.

عباد الله:

احذروا الوقوع في الشرك بالله، فإنَّه أعظمُ ذنْبٍ عُصي اللهُ بِه، وهو ناقضٌ للإسلام ومُبطلٌ له، ولا يُغفَرُ لِمَن مات ولم يَتُب مِنه، ويُحبِطُ جميع طاعات صاحبه، ومُحرَّمٌ على فاعله دخول الجنَّة، وهو مِن الخالدين في النار، ألا وإنَّ مِن الشرك: صرفَ شيء مِن العبادات لغير الله، لاسيَّما عبادة الدعاء، حيث نَرى بعض الناس يَصرفونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول بعضهم داعيًا: “فرج عنَّا يا رسول الله”، “يا رسول الله اجعلنا في شفاعتك”، وبعضهم يَصرفها للبدوي فيدعوه قائلًا: “مدد يا بدوي”، وبعضهم يدعو الجيلاني فيقول: “أغثنا يا جيلاني”، وبعضهم يدعو المِيرغني فيقول:”ادفع عنا يا مِيرغني”، وبعضهم يدعو الحسين فيقول:”اكشف ما بنا يا حسين”، “أجرنا مِن النار يا حسين”، وبعضهم يدعو الرِّفاعي فيقول:”شيئًا لله يا رِفاعي”، وهذا يدعو فلان، وتلك تدعو فلانة.

يَرتكبون هذا الشرك الشنيع الغليظ مع أنَّ الله تعالى قد زجَرهم ونهاهم عن ذلك بأوضح عبارة وأبينها في القرآن، وهُم يَقرؤونها باستمرار، حيث قال سبحانه: { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا }، فنهانا سبحانه في هذه الآية أنْ ندعوَ معَه أيّ أحدٍ حتى ولو عَظُم وجَلَّ بين الخلق، حتى ولو كان مَلَكًا مقربًا، أو نبيًا مرسلًا، أو وليًا صالحًا، ثم حكَم بأنَّ دعاءه معه شِرك وكفر، وصحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ مآلَ مَن دعا مع الله غيرَه ومقرَّه النار، فقال صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ )).

عباد الله:

ابتعدوا عن الحلِف بغير الله، كالحلِف بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو الكعبة، أو الأولياء، أو الآباء والأمهات، أو الشَّرف، أو الأمانة، أو الذِّمة، أو العيش والملح، أو غير ذلك، فإنَّ الحلف بغير الله مِن الذنوب العظيمة، والأوزار الثقيلة، وقد تعدَّدت الأحاديث النَّبوية في النهي عنه، وتنوَّعت في بيان تحريمه وقُبْحه، بل أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه شرك، فصحَّ أنَّ ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ: (( سَمِعَ رَجُلاً يَحْلِفُ: لاَ، وَالْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ )).

عباد الله:

إيَّاكم وإحداثَ البِدع في الدين، أو فِعلَها، أو دعوةَ الناس إليها، أو نشرَها بينهم، فإنَّ البدعة مِن المُحرَّمات الشديدة، والمُنكرات الشنيعة، والسيئات الخطيرة، يدُل على ذلك كثرة الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحذِّر منها في مجامع الناس حين يَخطبهم، ويَصفها بأنَّها شرٌّ وضلالة، فصحَّ عن جابر ــ رضي الله عنه ــ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب كان يقول: (( أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ))، وثبت عن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( أَلَا وَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ))، وصحَّ عن ابنه عبد الله ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً )).

والبدعة هي: كلُّ ما أُحْدِث في دين الله بعد النبي صلى الله عليه وسلم، واكتمال الشَّرع بوفاته، مِن الاعتقادات، أو الأقوال، أو الأفعال، التي يُتقرَّب إلى الله بِها، ويُبتغى الأجْر والثواب مِن فِعلها.

ومِن أمثلة البدع: التَّمسُّح والاستلام بالأيدي لقبور الصالحين، أو قُبَبِها، أو رُخامِها، أو سياجاتِها، أو أعمدتِها، أو سُتورِها، أو مقامِ إبراهيم، أو جُدارانِ وسُتورِ الكعبة، أو أبدانِ وثيابِ مَن يُظن صلاحه، طلبًا للبركة.

ومِن أمثلة البدع أيضًا: قراءة سورة الفاتحة بعد صلاة الفريضة، أو بعد دفن الميت على رُوحه، أو عند خِطبة المرأة، أو عَقْد النكاح عليها، أو عند افتتاح مشروعٍ تجاريٍّ، أو عند أيّ أمْرٍ مُهم.

ومِن أمثلة البدع أيضًا: المآتم التي تُقام حين موت قريب، فتراهم يجتمعون له في بيت أو خِيام أو ساحات، ويأتون بمُقرأ أو مُقرئين ليقرءوا القرآن على روحه، أو يَجلِبون مصاحف فيقرأ الناس فيها على روح الميت، ويَصنعون معها الأطعمة، ويُقيمون الولائم والموائد للحاضرين، وكلما جاءت طائفة إلى هذا المأتم جدَّدوا قراءة الفاتحة لروح الميت.

ومِن أمثلة البدع أيضًا: الذِّكر الجماعي بصوت واحد مرتفع، يُوافِق الناس فيه بعضهم بعضًا، سواء في المساجد، أو الزوايا أو الخَلوات، أو في المآتم، والموالد، والاحتفالات، أو في الطواف، والسعي، وصَعيد عرفة، ومشعر مزدلفة، وبعد السلام مِن صلاة الفريضة، وفي الأعياد، وعند زيارة القبور.

ومِن أمثلة البدع أيضًا: الاحتفالات والموالد التي يُقيمونها كالاحتفال بِذِكْرَى ليلةِ الإسراء والمعراج، أو المولد النَّبوي، أو الهجرة النَّبوية، أو موالدِ الأولياء، ناهيك عن الموالد الأسبوعية والشهرية في المساجد، أو الحضرات، أو الزوايا، أو الخلوات.

وجميع هذه البِدعِ المُحدَثةِ في الدين لو فَتشت عنها في القرآن فلن تجدها، ولو فتشت عنها في السُّنَّة النَّبوية الثابتة فلن تجدها، إذ لم يُقمها ولا فعلَها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، ولا أحدٌ مِن أهل القرون الثلاثة الأولى التي هي خير القرون بنصِّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح، ولا دعوا الناس إلى فِعلها، ولو فتَّشت عنها في كتب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالكٍ والشافعيِّ وأحمد وتلامذتهم فلنْ تجد لها ذِكرًا، ولنْ تجدهم فعلوها، ولا دعوا الناس إليها.

عباد الله:

تجنَّبوا مشاهدة المُحرَّمات والفواحش والقبائح والرَّذائل في القنوات الفضائية، أو اليوتيوب، أو الفيسبوك، أو تويتر، أو مواقع الإنترنت، أو السِّناب شات، أو المسارح، أو السِّينما، أو الطُّرقات، واحذروا الغِش والخِداع والتدليس والتغرير في البيع والشراء، أو في الأعمال الحِرَفية والمِهنية، أو في العقود والمناقصات والمضاربات التجارية، وابتعدوا عن التشبُّه بأهل الكفر في أفعالهم، وأقوالهم، عاداتهم، وألبستهم، وقصِّ شُعورهم، وإيَّاكم والكذب، والغيبة، والنميمة، والسُّخرية، والاستهزاء، والظلم والعدوان، والبَغْي والفجور، والغِلّ والحِقد والحسد، ولا تؤذوا الناس مِن ولاةٍ أو مسئولين أو مارَّةٍ أو جيران أو قَرابة أو رِفاق أو عُمَّال أو غيرهم في أبدانهم، ولا في أموالهم، ولا في أعراضهم، ولا في بيوتهم، ولا في طُرقاتهم، ولا في مراكبهم، واعلموا أنَّ الذُّنوب مِن شركيات وبدعٍ ومعاصٍ شرٌّ وضررٌ مُحققٌ عليكم في دنياكم، وفي قبوركم، وفي الدار الآخِرة، وإنَّها لتؤثِّر في أمْن البلاد، وتؤثِّر في رخائها واقتصادها، وتؤثِّر في قلوب أهلها، وتؤثِّر في وحدتِهم وائتلافِهم، وإنَّ ما يُصيب الناس مِن المصائب العامة أو الخاصة، الفردية أو الجماعية، فإنَّه بما كسَبت أيديهم، هُم سَببه، وهُم أهله، هُم سَببه حيث فعلوا ما يُوجبه، مِن شركياتٍ وبدعٍ ومعاص، وهُم أهله حيث كانوا مستحقين له، إذ قال الله سبحانه: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }.

عباد الله:

كُفوا ألسنَتَكم وأقلامَكم وتغريداتكم عن الطعن في ولاة أموركم وحُكامكم، وعن غِيبتهم، والوقيعة في أعراضهم، وذِكر مثالبهم، وتحريض الرعية عليهم، فإنَّكم منهيون عن ذلك شديدًا، وهو محرَّم عليكم، بل ومِن الأسباب الكبرى لفساد الدين والدنيا على الشُّعوب والمجتمعات، وقد رأيتم وعايشتم وسمعتم وقرأتم ما حلّ بالمسلمين مِن فتن، وكُروب، وشُرور، وقتل واقتتال، وذهابِ أمْن، وضعفِ اقتصاد، وتدميرِ بلدان، وتشرُّد، وتَسلُّطِ أعداءٍ، وتكفيرٍ، وتفجيرات، بسبب ترْك التعامل مع الحكام وِفْق ما جاء بِه الشرع، وكان عليه سَلف الأمَّة الصالح مِن الصحابة فمَن بعدهم، إلى أفكارِ ومخططات جماعات وأحزاب مُنحرفة، وكلامِ مُنَظِّرِيها ودعاتها ورُموزها.

عباد الله:

ها قد ترحَّلت أيُّامُ رمضان ولياليه، تلك الأيُّامُ الغُرّ، والليالي الزُّهْر بعد أنْ سعدنا بصيامه، وتمتعنا بقيامه، وانشرحت صُدورنا بِذكر الله ــ عزَّ وجلَّ ــ فيه، ودعائه، واستغفاره، وقراءة القرآن، ثم جاء العيد بزُهُّوِه وبهجته وأُنْسه وفرحته، فهو تُحفةٌ للصائمين، ومَكرُمَةٌ للمتعبِّدين، وسُرورٌ للمُحسنين، وقد قال الله تعالى مُمتنًا علينا: { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.

عباد الله:

إنَّ العيد لَمِن أجملِ المظاهر التي امتنَّ الله بها على عباده، فاحرصوا فيه على صفاءِ النُّفوس وتصفيتها مِن الضغائن والشحناء، حتى يَغفر لكم ربُّكم، وكونوا فيه مِن أهل العفو والصَّفح والتجاوز، وتغافلوا عن الزَّلات والهفوات، وأظهروا الأُلْفة والتآلف، واجتنبوا الفُرْقة وأسبابها، وابتعدوا عن الخصومات والمنازعات، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا )).

نفعني الله وإيَّاكم بما سمعتم، والحمد لله البَرِّ الرحيم.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــ

الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر.

الحمد لله مُعيدِ الجُمعِ والأعياد، ومُبيدِ الأُمَمِ والأجناد، وجامعِ الناس ليومٍ لا ريبَ فيه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله المفضَّل على جميع العِباد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعَهم بإحسان إلى يوم الحشر والتًّناد.

أمَّا بعد فيا عباد الله:

اشكروا ربَّكم على ما أنعَم بِه عليكم مِن إتمام الصيام والقيام، فإنَّ ذلك لَمِن أكبر النِّعم، واسألوه أنْ يتقبَّل مِنكم، ويَتجاوز عمَّا حصل مِن التفريط والتقصير، فإنَّه تعالى أكرمُ الأكرمين، وأجودُ الأجودين، واعلموا أنَّ نبيكم صلى الله عليه وسلم قد صحَّ عنه أنَّه قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ))، وتفسير ذلك: أنَّ صيام رمضان يُقابل في الثواب عشرة أشهر، وصيام سِتٍّ مِن شوال يُقابل شهرين، فذلك تمام صيام الدهر الذي هو العام كاملًا، ولا يجب صيام السِّت مِن أوّل الشهر ولا متتابعة، فمَن بادر إلى صيامها وتابعها فهو أفضل، ومَن أخَّرَها أو فرَّقها فلا حرَج عليه، ومَن صامها قبْل قضاءِ ما فاته مِن رمضان، لم يدخل في ثواب هذا الحديث، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ ))، ومَن بقِيَت عليه أيَّامٌ مِن رمضان لم يَقضها لم يَصْدق عليه أنَّه صام رمضان.

أيَّتُها النساء:

لقد وعَظ النبي صلى الله عليه وسلم النساء في صلاة العيد بعد الرجال، واقتداء بِه صلى الله عليه وسلم أقول واعظًا لكنَّ:

اتقِينَ الله بحفظ حُدوده، والعملِ بأوامره، واجتنابِ ما نَهى عنه وزَجَر، وقُمْنَ بحقوق أزواجِكنَّ وأولادِكنَّ مِن أبناءٍ وبنات، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واحذَرْنَ أشدَّ الحَذَر أنْ تَنجرِفْنَ إلى ما تفعلُه بعض النساء اليوم مِن الخروج إلى الأسواق والمستشفيات والمُنتزهات والبحار والطُّرقات وأماكنِ العمل مُتبرِّجاتٍ مُتجمِّلاتٍ مُتطيِّباتٍ قد كشَفْنَ عن وجوهِهنَّ وشُعورِهنَّ ونُحورِهنَّ وسِيقانِهنَّ، ولبِسْنَ الألبسة الضيقة التي تُجسِّدُ وتُفصِّلُ وتُحجِّمُ أعضاءَ أبدانِهنَّ، ويَفتِنَّ بِها الخلق أكثر، فإنَّهُنَّ والله لَسْنَ على هُدىً، ولا في خيرٍ يَسرْنَ، ولا بفضيلةٍ يَعملنَ، بل في معصيةٍ شنيعة، وإثمٍ كبير، وخطيئةٍ غليظة، وكبيرةٍ مِن كبائر الذُّنوب، فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا )).

أيَّتُها النساء:

أكثِرْنَ الصدقة، وزِدْنَ الإنفاق في سبيل الله، وأكثِرْنَ الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، واحذَرَنَ كثرة اللعن، أحْذَرْنَ أنْ تَلْعَنَّ الأبناء والبنات أو الإخوة والأخوات أو الأزواج والأقرباء أو الصاحبات والجيران أو أيّ أحَد، وابْتَعِدْنَ عن مُقابَلة إحسان الأزواج لكُنَّ بالجُحود والكُفران وعدمِ الشُّكر، واحفظنَ جميلَهم، فإنَّه قد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه مَرَّ على النساء في مُصلَّى العيد وبيَّن لهُنَّ بعضَ أسبابِ كَونِ النساء أكثر أهل النار، فقال: (( يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّار، فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ )).

أيَّتُها النساء:

اتقِينَ الله في ألبِسَتِكُنَّ وشُعورِكُنَّ وكلامِكُنَّ فلا تَتشبَّهنَ في شيء مِنها بالرجال ولا بالنساء الكافرات ولا بالنساء الفاجرات الماجنات الفاسدات حتى لا تُلحَقْنَ بِهِنَّ، وتدخُلْنَ في اللعنة، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ))، وثبت عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ )).

عباد الله:

إنَّ التهنِئةَ بالعيد قد جَرَى عليها عمَل السَّلف الصالح مِن أهل القُرون الأولى، وعلى رأسهم الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، وقد قال الإمام الآجُرِّيُّ ــ رحمه الله ــ إنَّها: “فِعلُ الصحابة، وقولُ العلماء”، وثبَت عن جُبير بن نُفير ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا الْتَقَوْا يَوْمَ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ ))، واعلموا أنَّ السُّنَّة لِمَن خرَج إلى مُصلَّى العيد مِن طريق أنْ يَرجعَ مِن طريق آخَر، لِما صحَّ عن جابر ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ )).

هذا وأسأل الكريم أنْ يُعينَنا على الاستمرار على الإكثار مِن طاعته إلى ساعة الوفاة، وأنْ يَقيَنا شرَّ أنفسنا، وشرَّ أعدائنا، وشرَّ الشيطان، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وأجدادِنا وجميع أهلنا وقَرابتنا، اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان، وجنِّبهم القتل والاقتتال، وأزِل عنهم الخوف والجوع والدَّمار، وأعذنا وإياهُم مِن الفتن ما ظهر مِنها وما بطن، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لِمَا يرضيك، واجعلهم عاملين بشريعتك، مُعظِّمين لها ومدافعين وناصرين، وأزِل بِهم الشركَ والبدعَ والآثامَ والظلمَ والعُدوانَ والبَغْيَ والفجور، اللهم اجعلنا مِمَّن صام رمضان وقامه، وقام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا فغفرت له ما تقدَّم من ذنبه، إنَّك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

تنبيه:

لكاتب هذه الخطبة رسالتان بعنوان:

1 ــ ” تذكير الخَلَف بأنَّ بدأ خطبة العيد بالتكبير هو المنقول عن السَّلف “.

2ــ ” إسعاد الصُّحبة بأنَّ السَّلف الصالح على أنَّ للعيد خطبتين لا خطبة بلا خلاف “.

وهما موجدتان في موقعه وغيره على شبكة الإنترنيت، فضع العنوان وستخرج لك بإذن الله تعالى.