إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة بعنوان: ” أحكام عشر ذي الحجة الأُوَل واغتنام أوقاتها بالأعمال الصالحة “.

خطبة بعنوان: ” أحكام عشر ذي الحجة الأُوَل واغتنام أوقاتها بالأعمال الصالحة “.

  • 17 سبتمبر 2014
  • 2٬519
  • إدارة الموقع

أحكام عشر ذي الحجة الأُوَل واغتنام أوقاتها بالأعمال الصالحة

الخطبة الأولى:ـــــــــ

الحمد لله الذي وفَّق مَن شاء مِن عباده لتحصيل المكاسب والأجور، وجعل شغلهم بتحقيق الإيمان والعمل الصالح، والاستكثار منه، يرجون تجارة لن تبور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، والمستكثر مِن طاعته، فاللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومَن سلك طريقهم إلي يوم الدين.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله تعالى حق تقواه، وتعرضوا لأسباب رحمته ومغفرته، واعملوا كل سبب يوصلكم إلى رضوانه، وينيلكم فضله العظيم، ويقربكم مِن جنته، ويباعدكم عن ناره، فإن رحمة الله قريب مِن المحسنين، وتذكروا أنكم بعد أيام قليلة داخلون في أيام جلية فاضلة معظمة، هي أعظم أيام السنة، إنها العشر الأُوَلُ مِن شهر ذي الحجة، أحد الأشهر الأربعة الحرم، وقد نوه الله ـ جل وعلا ـ في كتابه بشأنها وعظمها وأنها أيام ذكر له سبحانه، فقال تعالى: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }.

وأعلى النبي صلى الله عليه وسلم أمرها وأكبره وأظهره، فصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

وقد دَلَّ هذا الحديث على: عظم شأن أيام العشر عند الله سبحانه، بل إن أهل العلم  قد نصُّوا على أنها أفضل أيام السَّنَة، وأفضل حتى مِن أيام العشر الأخيرة مِن شهر رمضان.

ودَلَّ الحديث أيضًا على: أن التَّقرُب إلى الله بالأعمال الصالحة في أيام العشر أحبُّ إليه سبحانه مِن التَّقرُب في سائر أيام الدنيا.

ورغَّب الحديث في الإكثار مِن الأعمال الصالحة في أيام العشر كالحج والصلاة والصيام والصدقة وتلاوة القرآن وذكر الله واستغفاره ودعائه وغيرها، وبيَّن أن الأجور عليها مضاعفة.

أيها المسلمون:

احرصوا غاية الحرص على أنفسكم، وعلى أهليكم كبارًا وصغارًا في أن تكونوا مِن المكثرين في أيام العشر مِن الأعمال الصالحة، وليُعن بعضكم بعضًا عليها، ويذكِّره بفضلها، ولا يثبطنكم الشيطان، فإنها أيام قليلة، لكنها عظيمة الأجور، سريعة الرحيل، مَن حُرم خيرها فقد حُرم خيرًا كثيرًا، وقد كان السلف الصالح يجتهدون بالطاعات فيها كثيرًا، فثبت عن القاسم بن أبي أيوب أنه قال: (( وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ )).

أيها المسلمون:

إن مِن جملة العبادات الجليلة التي يجدر بنا العناية بها أيام العشر الفاضلة، والاستزادة منها، والمسارعة إليها هذه العبادات:

أولًا: صيام الأيام التسعة الأول منها، فصيامها سُنَّة عند الأئمة الأربعة وغيرهم مِن أهل العلم، وكان هذا الصيام مشهورًا في عصر السلف الصالح مِن الصحابة والتابعين فمَن بعدهم.

وثانيًا: الإكثار مِن تلاوة القرآن، ومَن قوي على ختمه مرة فأكثر فقد أسدى إلى نفسه خيرًا كبيرًا.

وثالثًا: الإكثار فيها مِن الصدقة على الفقراء وسائر طُرق البِرِّ، وإعانة إخوانكم المسلمين، وتفريج كروبهم.

ورابعًا: المحافظة على صلاة الفريضة في أوقاتها، ومع الجماعة، والحرص على النوافل كالسُّنَن الرواتب وصلاة الضُّحى وسُنَّة الوضوء وقيام الليل والوتر.

وخامسًا: الإكثار مِن ذكر الله ودعائه وتسبيحه وتحميده وتهليله واستغفاره في سائر الأوقات، وفي بيتك وسيارتك وعملك، وحين دخولك وخروجك ومشيك، فهو يسير على اللسان، وعظيم في الأجر.

وسادسًا: تكبير الله عزَّ وجلَّ فيها والإكثار منه: “الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد”.

وقد جرى على هذا التكبير في أيام العشر عمل السلف الصالح مِن أهل القرون المفضلة وعلى رأسهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في “صحيحه”: (( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا )).

وقال ميمون بن مِهران ـ رحمه الله ـ: (( أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج مِن كثرتها )).

وهذا التكبير مشروع في حقِّ الرجال والنساء، والصغار والكبار، يُكبِّرون في البيوت والأسواق والمساجد والمراكب، وفي السفر والإقامة، ويُكبِّرون وهم جلوس، ويُكبِّرون وهم يمشون، ويُكبِّرون وهم يعملون، ويُكبِّرون في سائر الأوقات، إلا إنهم لا يُكبِّرون بعد السلام مِن صلاة الفريضة، سواء صلوها في المساجد أو البيوت أو العمل أو أيِّ مكان، لأن التكبير الذي يكون بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة إنما يبدأ وقته لغير الحجاج: مِن فجر يوم عرفة إلى صلاة العصر مِن آخر أيـام التَّشريق، ثم يُقطع.

أيها المسلمون:

إن شهر ذي القَعدة وشهر ذي الحِجة لَمِن الأشهر الأربعة الحُرم، وقد قال الله ـ عز وجل ـ في تعظيمها وإثبات حرمتها: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

فاحذروا أشدَّ الحذر أن تظلموا أنفسكم في هذين الشهرين وغيرهما مِن الأشهر الحُرم بالسيئات والخطايا، والبدع والضلالات، والفسق والفجور، والظلم والعدوان، والقتل والاقتتال، والغِش والكذب، والغيبة والبهتان، والحسد والغِلّ، فإن الله ـ جل شأنه ـ قد زجركم ونهاكم عن ذلك فقال سبحانه: { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

فإن السيئات مِن البدع والمعاصي تعظُم وتشتدُّ، وتكبُر وتتغلَّظ في كل زمان أو مكان فاضل، وأيام العشر زمنها مِن أفضل الأزمان، وقد ثبت عن التابعي قتادة ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( إِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا )).

بارك الله لي ولكم فيما سمعتم، وجعلنا مِن المنتفعين العاملين، وتاب علينا، إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية:ــــــــ

الحمد لله العلي العظيم، الرَّب الكريم، البَرِّ الرحيم، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.

أما بعد، أيها المسلمون:

إن مِن أعظم شعائر الإسلام في أيام العشر ذبحَ الأضاحي، لأنها النُّسُك العام الذي يُظهره المسلمون في جميع البلدان، والأحاديث في مشروعية الأضحية مستفيضة مشتهرة، وثبتت بالقول والفعل منه صلى الله عليه وسلم، بل وسماها نسكًا.

ومَن حدثته نفسه بارتفاع سعرها، وأخذته محبَّة الدراهم، فليتذكر أنه إنما أخرجها لمصلحته في آخرته لا لِتزيين دنياه، ولا يغيب عن ذهنه قول ربه – عزَّ وجلَّ – معاتبًا: { هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ }.

ومَن ضحَّى وهو يخشى الفقر والحاجة فليبشر بزيادة الخير، فقد قال الله سبحانه: { ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }.

ولم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم غنيًا، بل كان في عيش قليل يسير، ومع ذلك لم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ترك الأضحية قط.

وقد قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ : (( مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا )).

أيها المسلمون:

إذا دخلت العشر الأُوَل مِن شهر ذي الحجة فإن مُريد الأضحية منهي عن الأخذ مِن شعره وأظفاره وجلده حتى يُضحي، وإن أمسك معه جميع أهل بيته فطيبٌ ومُستحسنٌ عند أكثر الفقهاء.

ويبدأ وقت النهي عن الأخذ: مِن غروب شمس ليلة أوَّل يوم مِن أيام شهر ذي الحجة، وينتهي بذبح الأضحية، سواء ذبحها المضحي في يوم العيد أو اليوم الأوَّل أو الثاني مِن أيام التشريق، لقول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: (( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).

وفي لفظ آخر: (( مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ )).

ومَن نوى الأضحية متأخرًا كمن نواها في اليوم الثامن مِن ذي الحجة مثلًا، فوقت إمساكه عن الأخذ مِن شعره وجلده وأظفاره يبدأ مِن حين حصلت له هذه النِّيَّة.

فإن أخذ المضحي مِن ذلك شيئًا فقد أساء، وخالف السنة، ويستغفر الله، ولا فدية عليه باتفاق أهل العلم.

هذا وأسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزدنا فقها وعملًا بدينك، اللهم ارزقنا توبة نصوحًا، وأجرًا كبير، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وسائر أهلينا، اللهم مَن كان منهم حيَّا فبارك له في عمره ورزقه، وزده هدى، ومَن كان منهم ميتًا فتجاوز عنه، واجعله في قبره منعمًا، اللهم من أراد البلاد وأمنها وساكنيها  بشر فاجعل كيده في تباب، اللهم احفظ رجال أمن البلاد  وجيشها مِن بين أيديهم ومِن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ومِن فوقهم ومِن تحت أرجلهم، وانصربهم الإسلام والمسلمين، اللهم ارفع الضر عن المتضررين مِن المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، والخوف والجوع، والأمراض والأوبئة، وأعذنا وإياهم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لكل خير، واجعل عملهم في رضاك، وسددهم في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وجميع شؤونهم، إنك سميع مجيب، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.