إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > خطبة مكتوبة عن: ” شهر رجب وتخصيصه بشيء مِن العبادات والاحتفالات وبعض ما لا يصح فيه “.

خطبة مكتوبة عن: ” شهر رجب وتخصيصه بشيء مِن العبادات والاحتفالات وبعض ما لا يصح فيه “.

  • 16 أبريل 2015
  • 11٬352
  • إدارة الموقع

شهر رجب وتخصيصه بشيء مِن العبادات والاحتفالات وبعض ما لا يصح فيه

 

الخطبة الأولى:ـــــــــــــــــــــــــــ

 الحمد لله مُنشئ الأيام والشهور، ومُفني الأعوام والدُّهور، ويُديل الأيام بين عباده عبرة لذوي العقول الأبصار، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، الشَّافع المشفَّع يوم المَحشر، اللهم صل وسلِّم وبارك عليه، وعلى آل بيته وأصحابه الدائبين في طاعته.

أما بعد، أيها المسلمون:

لقد ذهب نِصف عامنا هذا عنَّا وارتحل، وانقضت عنَّا أيامه إلى غير عودة، ونحن في غفلة شديدة عن الآخرة، وتنافس كبير على العاجلة، وضَعف وتقصير وتكاسل عن أعمال البِّر الطيِّبة، وتسويف وتباطؤ عن التوبة والإنابة، وما أكثر ما سمعنا: إنَّ فلانًا قد قضى نَحبه ومات، وترك ماله وأهله وخِلانه، وأصبح في قبره رهين أعماله، وفيها الصالح أو السيئ مِن أقواله وأفعاله واعتقاداته، ألا فهل مِن مُتَّعِظ؟ وهل مِن تائب عن آثامه؟، وهل مِن تارك لبدعه وضلالاته؟ وهل مِن كافٍّ عن مخالفته لِما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ قبل أنَّ تأتي عليه ساعة سَكرته، وتَحلَّ به لحظة منيَّته، ويُعاني حشرَجة صدره، ويُكابد منازعة روحه، قبل أنْ ينطق نادمًا مُتوجِّعًا فيقول: { يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ }.

أيها المسلمون:

إنكم قد دخلتكم في أحد الأشهر الأربعة الحُرُم، ألا وهو شهر رجب، وقد قال الله ـ عز وجل ـ في إثبات حرمته وحرمتها: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ )).

فاحذروا أشد الحذر أنْ تظلموا أنفسكم في هذا الشهر وباقي الأشهر الحُرُم بالسيئات والخطايا، والبدع والضلالات، ، والفسق والفجور، والظلم والعدوان، والقتل والاقتتال، والغش والكذب، والغيبة والبهتان، والحسد والغِلّ، فإن الله ـ جل شأنه ـ قد زجركم ونهاكم عن ذلك فقال سبحانه: { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

فإنَّ السيئات مِن البدع والمعاصي تعظُم وتشتدّ، وتكبُر وتتغلَّظ في كل زمان أو مكان فاضل.

وقد ثبت عن قتادة التابعي ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( إِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا )).

أيها المسلمون:

هذه وقفات أربع يَجدُر بِكم وبغيركم مِن المسلمين أنْ تتنبَّهوا لها، وتفقهوا حُكمها، وتتبصَّروا بواقع الناس معها، لِتسلم لكم عباداتكم مِن النقص والزَّلل، وأنفسكم مِن الإثْم والوِزر، وتقِلَّ في بلادكم البِدع والآثام، فلا تُغضِبوا ربَّكم، وتَسْعَدوا في دنياكم وأُخْرَاكم:

الوقفة الأولى / عن حكم تخصيص شهر رجبٍ أو أوَّلِ يوم منه أو أوَّلِ جمعة أو خميس منه بالصيام.

جرت عادة بعض المسلمين على تخصيص شهر رجبٍ أو أوَّلِ يوم منه أو أوَّلِ خميس أو أوَّلِ جمعة فيه بالصيام، وهذا التخصيص لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ، فما فصاموا هذه الأيام، ولا دعوا الناس إلى صيامها، بل لا زال العلماء على اختلاف بلدانهم ومذاهبهم وأزمانهم: يُنكرون ما يُروى عن ذلك مِن أحاديث ضعيفة أو مكذوبة، ويُبيِّنون للناس بطلانها وأنها لا تصح.

فقال الحافظ ابن حجرٍ العَسْقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ:

لم يَرِد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه مُعيَّن، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه، حديث صحيح.اهـ

وقال الحافظ ابن رجبٍ الحنبلي ــ رحمه الله ــ:

وأمَّا الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه.اهـ

بل قد صحَّ عن ابن الحُرِّ ـ رحمه الله ـ أنَّه قال: (( رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ أَكُفَّ الرِّجَالِ فِي صَوْمِ رَجَبَ، حَتَّى يَضَعُونَهَا فِي الطَّعَامِ، وَيَقُولُ: « كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ» )).

وقال فقيه المالكية الطَّرْطُوشي ــ رحمه الله ــ بعد قول عمر ــ رضي الله عنه ــ هذا، وغيره:

دلَّتْ هذه الآثار على أنَّ الذي في أيدي الناس مِن تعظيمه ــ يعني: شهر رجب ــ إنَّما هي غَبَرات مِن بقايا عقود الجاهلية.اهـ

وأمَّا مَن كانت له عادة بصيام يوم وإفطار يوم مِن كل شهر في السَّنة، أو صيام الأيام البيض، أو الاثنين والخميس مِن كل شهر، فهذا لا حرج عليه في صيامها في رجب، لأنه لم يَقصِد تخصيص شهر رجب، ولا تعظيمه على باقي الشهور بالصيام فيه.

الوقفة الثانية / عن حُكم تخصيص شهر رجبٍ ببعض الصلوات.

حيث جرت عادة بعض الناس على تخصيص شهر رجب بصلاة تسمى “صلاة الرغائب”، وتكون في ليلة أوَّلِ جمعة منه، بين المغرب والعشاء، وأوَّلُ ما ظهرت هذه الصلاة في القرْن الخامس الهجري.

وهذه الصلاة يحرم على المسلم أنْ يُصليها أو يدعو الناس إلى صلاتها، لأنَّ الصلاة مَرجِعَها إلى نصوص القرآن والسُّنَّة النَّبوية الصحيحة، ولم ترد آية في القرآن تدُلُّ على صلاتها، ولا صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه صلاها أو رغَّب الناس في صلاتها، بل إنَّ الناس لم يَسمعوا بها إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ووفاة أصحابه بمئات السنين.

وقد قال الفقيه ابن العطَّارِ الشافعي الدِّمشقي ــ رحمه الله ــ:

والأحاديث المَروية في فضلها، وفي الصلاة فيها كلها موضوعة باتفاق أهل النقل والعدالة.اهـ

وقال الحافظ ابن رجبٍ الحنبلي البغدادي ــ رحمه الله ــ:

فأمَّا الصلاة فلم يَصح في شهر رجبٍ صلاة مخصوصة تختصّ به، والأحاديث المَروية في فضل صلاة الرَّغائِب في أوَّلِ ليلة جمعة مِن شهر رجبٍ كذِبٌ وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء.اهـ

بارك الله لي ولكم فيما سمعتم، وجعلنا مِن التائبين المستغفرين، إنَّه جواد كريم.

الخطبة الثانية:ـــــــــــــــــــــــــــ

 الحمد لله القوي العزيز، وصلاته وسلامه على نبيا محمد خاتَم النَّبيين، وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.

أما بعد، أيها المسلمون:

فلا يزال الحديث معكم متواصلًا عن شهر رجبٍ، وبعض ما يتعلق به، ويقع فيه مِن أمور، فأقول مستعينًا بالله ــ جلَّ وعلا ــ:

الوقفة الثالثة / عن حادثة الإسراء والمِعراج، وهل وقعت في شهر رجبٍ أم لا.

حادثة الإسراء والمِعراج حادثة عظيمة، وآية كبيرة، ومُعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة باهرة، جاء إثباتها في القرآن العظيم، وتكاثرت فيها نصوص السُّنَّة النَّبوية الصحيحة، إلا أنَّه مع ذلك لم يصحَّ في تعيين وقت وقوعها حديثٌ واحدٌ ولا أثر، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا عن تلامذتهم مِن التابعين.

وقد اختلف العلماء ــ رحمهم الله ــ في تحديد زمَن وقوعها اختلافًا كبيرًا، فمِنهم مَن قال: إنها كانت في شهر ربيعٍ الأوَّل، ومِنهم مَن قال: في ربيعٍ الآخِر، ومِنهم مَن قال: في رجب، ومِنهم مَن قال: في رمضان، ومِنهم مَن قال: في شوال، ومِنهم مَن قال: في ذي القَعْدة.

ومِنهم مَن جعلها في أوائل الشهر، ومِنهم مَن جعلها في أوسَاطِه، ومِنهم مَن جعلها أواخِرِه.

ومِن أضعف الأقوال قول مَن قال: إنها كانت في شهر رجبٍ في ليلة السابع والعشرين منه.

حتى قال الفقيه المالكي الشهِير بابن دِحْيَة ــ رحمه الله ــ:

وذكرَ بعض القُصَّاص أنَّ الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب.اهـ

وقال الفقيه الشافعي ابنُ العطَّار الدمشقي ــ رحمه الله ــ:

وقد ذَكر بعضهم أنَّ المِعراج والإسراء كان فيه، ولم يَثبُت ذلك.اهـ

الوقفة الرابعة / عن حُكم الاحتفال بليلة الإسراء والمِعراج والاجتماع لها.

حادثة الإسراء والمِعراج معروفة مشهورة، ذكرها الله تعالى في كتابه، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح سُنَّته، وأجمع على وقوعها العلماء، ومع هذا لم يَرِد الاحتفال بها والاجتماع لها لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا عن تلامذتهم مِن التابعين، ولا عن أحد مِن أهل القرون الأولى، ولا عن أحد مِن الأئمة المتبوعِين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، بل هذا الاحتفال والاجتماع عند جميعهم متروكٌ مهجورٌ غير معمولٍ به ولا معروف.

ولا ريب أنَّ هذا الترك للاحتفال والاجتماع مِن هؤلاء السابقين الأفاضل وعلى رأسهم سيِّدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفي كل عاقل حريص على دينه في أنْ لا يكون مِن المحتفِلين والمُجتمِعين، ولا مِن الدَّاعين إلى الاحتفال والاجتماع، ولا مِن المبارِكِين به، ولا مِن الدَّاعمين بمال وطعام وشراب ومكان لأهله.

ويكفيه أيضًا: في إبطاله والإنكار على أهله، أو على مَن يُسهِّل فِعلَهم، ويُهوِّن مِن شأنه، إذ لو كان هذا الاحتفال والاجتماع مِن الخير والهُدى، والرُّشد والصلاح، وزِيادة الدِّين وقوَّته، لمَا تركه أشدُّ الناس تعظيمًا وانقيادًا لله ورسوله وشرعه، ألا وهم أهل القرون الثلاثة الأولى الذين صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في شأنهم: (( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ )).

ومَن لم يَسَعه ما وسِع النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة الإسلام الماضين مِن الترك لهذا الاحتفال والاجتماع وغيره مِن البِدع في شهر رجبٍ فلا يضُرّ إلا نفسه.

أيها المسلمون:

إنَّ الأعمال التي يفعلها العِباد مِن صيام أو صلاة أو ذِكْرٍ أو احتفالات أو غيرِها تقرُّبًا إلى الله، وطلبًا للأجر منه، ولم يأت دليل مِن القرآن أو السُّنَّة النَّبوية الصحيحة في دعوة الناس إلى فِعلها، ولا فعَلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ، ولا السَّلف الصالح، يُطلِق العلماء ويحكمون عليها: بأنَّها بدعة.

وإحداث البِدع في الدِّين أو فِعلها أو دعوة الناس إلى فِعلها في مساجدهم أو بيوتهم أو مجالسهم مِن المُحرَّمات الشَّديدة، والمنكرات الشَّنيعة، والسيئات الكبيرة، فقد صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب الناس حذَّرهم مِن البِدع، وبيَّن لهم أنَّها ضلالة، فيقول: (( أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَىُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ )).

وثبت عن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( أَلَا وَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ, وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ )).

ولا ريب عند الجميع بأنَّ ما وُصِفَ في الشَّرع بأنَّه شرٌّ، وأنَّه ضلالة، وتُوعِّدَ عليه بالنار، يكون مِن المُحرَّمات والمًنكرات والذُّنوب الكبيرة.

هذا، وأسأل الله أنْ يُجنبنا الشِّرك والبدع والمعاصي، وأنْ يرزقنا لزوم التوحيد والسُّنَّة إلى الممات، اللهم ارفع الضُّرَّ عن المتضررين مِن المسلمين، وارفع عنهم القتل والاقتتال، وأزل ما بهم مِن  خوف جوع، وأعذنا وإياهم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم قاتل اليهود والنُّصيريين والخوارج ومَن عاونهم، واشدد وطأتك عليهم، وأنزل عليهم رِجزك وعذابك، اللهم اغفر لنا ولأهالينا ولباقي المؤمنين أحياء وأمواتًا، وأعذنا وإياهم مِن النار وعذابها، وأكرمنا بالجنَّة ورِضوانك، إنَّك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.