إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > مقال بعنوان: ” تبصيرُ مُريد الأضحية بحكم تشريك جميع أهل البيت في سُبع بعير أو سُبع بقرة”.

مقال بعنوان: ” تبصيرُ مُريد الأضحية بحكم تشريك جميع أهل البيت في سُبع بعير أو سُبع بقرة”.

  • 15 سبتمبر 2014
  • 1٬380
  • إدارة الموقع

تبصيرُ مُريد الأضحية بحكم تشريك جميع أهل البيت في سُبع بعير أو سُبع بقرة

الحمد لله العزيز الجبَّار، والصلاة والسلام على النبي محمد إمام المتقين الأبرار، وعلى آله وأصحابه البَررة الأخيار، والتابعين لهم بإحسان ما أضاءت الأقمار.

أمَّا بعد، أيُّها الفضلاء – سلَّمكم الله وسدَّدكم -:

فهذا مبحث فقهي لطيف حول:

“اشتراك أهل البيت الواحد في أضحية تكون سُبع بعير أو سُبع بقرة”.

عسى الله ــ عزَّ وجلَّ ــ أنْ ينفع به الكاتب والقارئ والناشر، إنَّه جواد كريم.

وسوف يكون الكلام عن هذه المسألة في وقفتين:

الوقفة الأولى / عن أفضلية التضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته على سُبع البدنة أو سُبع البقرة.

لا ريب أنَّ الأفضل لِمُريد الأضحية عن نفسه وعن أهل بيته أنْ يُضحي بشاة واحدة مِن الغنم.

وقد دَلَّ على هذه الأفضلية أمران:

الأمر الأول: ثبوت التشريك في الرأس الواحد مِن الغنم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، بخلاف التشريك في سُبع البَدنة أو البقرة فلم يأت فيه حديث ولا أثر.

ودونكم أدلة ثبوت هذا التشريك:

أولًا ــ أخرج الإمام مسلم في “صحيحه” (1967) عن أمَّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ، ثُمَّ قَالَ: اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ، فَفَعَلَتْ: ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ ))

وقال الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمهما الله ــ في “مسائله عن أبيه الإمام أحمد” (971):

سألت أبي:

قلت: يُضحَّى بالشَّاة عن أهل البيت؟.

قال: لا بأس.

قد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم كبشين قرَّب أحدهما فقال: (( بسم الله هذا عن محمد وأهل بيته …))، قال نحو هذا الكلام.اهـ

ثانيًا ــ أخرج الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147) عن عطاء بن يسار ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: سألت أبا أيوب الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى )).

وصححه: الترمذي، وابن العربي، وموفق الدين ابن قدامة، والسيوطي، والألباني، وغيرهم.

ثالثًا ــ أخرج عبد الرزاق في “مصنفه” (8150)، ومِن طريقه ابن ماجه (3148) واللفظ لهما، والبيهقي (19055)، عن أبي سَرِيحَة الغِفَاري ــ رضي الله عنه ــ قال: (( حَمَلَنِي أَهْلِي عَلَى الْجَفَاءِ بَعْدَ مَا عَلِمْتُ مِنَ السُّنَّةِ، كَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ يُضَحُّونَ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ، وَالْآنَ يُبَخِّلُنَا جِيرَانُنَا )).

وصحح إسناده: أبو العباس البوصيري الكناني، والشوكاني، والحسن الرَّباعي، والألباني.

رابعًا ــ قال عبد الرزاق الصنعاني في “مصنفه” (8152):

عن الثوري، عن خالد، عن عكرمة: (( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَذْبَحُ الشَّاةَ، يَقُولُ أَهْلُهُ: وَعَنَّا، فَيَقُولُ: وَعَنْكُمْ )).

وإسناده صحيح.

خامسًا ــ أخرج الإمام البخاري في “صحيحه” (7210) عن أبي عقيل زُهرة بن مَعبد عن جدِّه عبد الله بن هشام ــ رضي الله عنه ــ أنَّه: (( كَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ )).

وقال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين ــ رحمه الله ــ كما في “الدُّرر السَّنية في الأجوبة النجدية” (5/ 406):

وأمَّا في الفضل فقد ذَكر العلماء أنَّ الشاة أفضل مِن سُبع بَدنة.اهـ

الأمر الثاني: أنَّ التضحية بشاة واحدة تَقَرُّبٌ إلى الله تعالى بدم كامل مُستقل، والتضحية بسُبع بَدنة أو سُبع بقرة تَقَرُّبٌ بدم مشَرَّك مبَعَّض.

ولا ريب أنَّ القُربة بالدم المستقل الكامل أفضل مِن القُربة بالدم المشرَّك المُبعض.

الوقفة الثانية / عن حكم تضحية الرجل عن نفسه وعن أهل بيته بسُبع بَدنة أو سُبع بقرة.

اختلف أهل العلم مِن المتأخرين أو المعاصرين في تَشريك الرجل نفسه وأهله في الأضحية بسُبع البَدنة أو سُبع البقرة على قولين:

القول الأوَّل: أنَّ هذا التشريك لا يجوز ولا يُجزئ.

وقد قال بِه مِن الفقهاء المتأخِرين:

 عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين، وعبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأخوه محمد بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ، وعبد الله بن محمد بن حميد، وعبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ــ رحمهم الله تعالى ــ.

وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ كما في “فتاويه ورسائله” (6/ 149):

وفتوانا وفتوى مشايخنا على عدم إجزاء ذلك.اهـ

وقُوِّي هذا القول مِن جهتين:

الجهة الأولى: أنَّ هذا النوع مِن التشريك لم يأت فيه نصٌّ لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، وإنَّما ورد في الشاة الكاملة، فيُقتصر على ما ورد في النَّص ولا يُتجاوز.

وقد قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ كما في “فتاويه ورسائله” (6/ 150):

سُبع البَدنة لا يُجزئ إلا عن شخص واحد، والدليل إنَّما يُطلب مِمَّن أجازه، لأنَّه المُدَّعي إجزاء السُبع عن اثنين فصاعدًا، ولا فرْق في ذلك بين الهدايا والضحايا، ولا يَجد مُدَّعي ذلك إلى تحصيل الدليل سبيلًا، والنُّسك عبادة محضة، والعبادات توقيفية.اهـ

وقال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين ــ رحمه الله ــ كما في “الدُّرر السَّنية في الأجوبة النجدية” (5/ 406):

وأمَّا مسألة التشريك في سُبع البَدنة أو البقرة فلم أرَ ما يَدل على الجواز ولا عدمه، وإنْ كان بعض الذي أدركنا يفعلون ذلك، لكني ما رأيت ما يَدل عليه.اهـ

الجهة الثانية: أنَّ هذا التشريك لم يُنقل فعله عن السلف الصالح مِن أهل القرون المفضلة ــ رحمهم الله تعالى ــ.

حيث قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ كما في “فتاويه ورسائله” (6/ 149) عن هذا التشريك:

وأيضًا ما جاء عن السلف فِعل ذلك لا في الهدايا ولا في الضحايا.اهـ

وقال العلامة عبد الله بن محمد بن حميد ــ رحمه الله ــ كما في “الدُّرر السَّنية في الأجوبة النجدية” (5/ 408):

أمَّا الاشتراك في سُبع البَدنة، فلم أر أحدًا مِن أهل العلم يقول بِه، بل أفتى الرَّملي الشافعي وبعض فقهاء نجد قبل هذه الدعوة بالمنع، لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: (( تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته ))، ولأنَّ الشاة دم مستقل، بخلاف سُبع البَدنة، فإنَّه شِركة في دم، ولعدم مساواته لها في العقيقة والزكاة، فحينئذ يقتصر على مورِد النَّص، والله أعلم.اهـ

القول الثاني: أنَّ هذا التشريك يجوز ويُجزئ.

وقد قال بِه مِن الفقهاء المتأخِرين:

عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وعبد العزيز بن عبد الله بن باز، ومحمد بن صالح بن عثيمين، وأحمد بن يحيى النجمي ــ رحمهم الله تعالى ــ.

ووجه هذا القول:

أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد أقام سُبع البَدنة أو سُبع البقرة مقام الشاة الواحدة مِن الغنم في هَدي الحج وهَدي الإحصار، فدَلَّ على أنَّه مُجزئ عما تُجزئ عنه الشاة، وكما أجزأت هي عن الرجل وأهل بيته، أجزأ السُبع مثلها.

حيث أخرج الإمام مسلم في “صحيحه” (1318-352) عن جابر ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ )).

وأخرج أيضًا (1318-351) عن جابر ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ )).

ويُجاب عن هذا الاحتجاج بأجوبه:

الأول: أنَّ حديث جابر ــ رضي الله عنه ــ نصٌّ في إجزاء البَدنة أو البقرة عن سَبعة، وليس في التشريك في السُبع، وإدخال السُبع فيه زيادة على النَّص.

وقد أشار إلى نحو هذا الجواب العلامة عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ ــ رحمه الله ــ.

الثاني: أنَّ هذه النتيجة المأخوذة مِن حديث جابر ــ رحمه الله ــ بالإجزاء في الأضحية لم يُنقل إعمالها عن السلف الصالح مِن أهل القرون الأولى، ولا نُقل تداولها عن المتقدمين مِن أئمة الفقه وشُرَّاح الحديث، مع توافر الإبل والبقر عند الناس، حتى إنَّها عند كثير مِنهم أكثر مِن الغنم.

وقد قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ كما في “فتاويه ورسائله” (6/ 149):

وأيضًا ما جاء عن السلف فِعل ذلك، لا في الهدايا، ولا في الضحايا.اهـ

الثالث: أنَّ ذبح الشاة في الأضحية يُغاير ذبح الشاة في باب الهَدي والإحصار مِن بعض الوجوه.

إذ دَلَّ النص على جواز التشريك في الأضحية بالشاة، وقصَر الشاة في باب الهَدي والإحصار على نفس واحدة، وهذا يُضعف الإلحاق.

 وينظر للتأكد والاستزادة:

“الدُّرر السَّنية في الأجوبة النجدية” (5/ 406-408)، و “مجموعة الرسائل والمسائل النجدية” (1/ 673)، و “مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام” (ص:897) لابن جاسر، و “فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ” (6/ 148-151)، و “حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع” (4/ 220)، و “ثلاث رسائل للسعدي” (ص11-18)، و “فتاوى نور على الدرب” (18/ 203-205 رقم:122) لابن باز، و “مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز” (18/ 44)، و “اختيارات ابن باز” (ص:364-365)، و “رسائل فقهية” (ص58-60) لابن عثيمين، و “فتح الرب الودود في الفتاوى والرسائل والردود” (1/ 293) للنجمي، و “فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء” (6/ 212-213 رقم: 5 و6/ 217 رقم:8790).

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.