إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > مقال بعنوان: ” تبصير الأجلَّة بما نُقل مِن إجماع على استحباب عقد الإحرام عقب صلاة “.

مقال بعنوان: ” تبصير الأجلَّة بما نُقل مِن إجماع على استحباب عقد الإحرام عقب صلاة “.

  • 20 أغسطس 2014
  • 629
  • إدارة الموقع

تبصير الأجلَّة بما نُقل مِن إجماع على استحباب عقد الإحرام عقب صلاة

الحمد لله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهَدى، والصلاة على نبيِّه محمد المُجتبى، وعلى آله وأصحابه أُولِي الأحلام والنُّهى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا يَترى.

أمَّا بعد، أيُّها الفضلاء ــ سدَّدكم الله وزادكم علمًا ــ:

فهذه رسالة فقهية قليلة الورقات جَمَعْت فيها ما وقفت عليه مِن إجماعات للفقهاء ــ رحمهم الله تعالى ــ حول:

“استحباب عقد الإحرام بحج أو عُمرة بعد صلاة”.

وزدت عليها بنقولات في اتفاق الأئمة الأربعة على هذه المسألة، وجماهير العلماء.

وعامة مادتها مأخوذة مِن شرح لي على كتاب الحج مِن كتاب “بلوغ المرام مِن أدلَّة الأحكام” للحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ.

فأسأل الله الغنيَّ الكريم أنْ ينفعني وإيَّاكم بها، إنَّه سميع الدعاء.

ودونكم ــ سلَّمكم الله ــ كلامهم، مع مورده ومصدره:

أوَّلًا ــ قال الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سُننه” (3/ 182 ــ رقم:819):

وهو الذي يَستحِبه أهل العلم أنْ يُحرِم الرَّجل في دُبُر الصلاة.اهـ

ثانيًا ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ الأندلسي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (11/ 94):

واستحبَّ الجميع أنْ يكون ابتداء المُحرِم بالتلبية بِإِثْر صلاة يصليها.

وكان مالك يَستحب أنْ يَبتدئ المُحرِم بالتلبية بِإِثْر صلاة نافلة، أقلها ركعتان، وكَرِه أنْ يُحرِم بِإِثْر الفريضة دون نافلة، فإنْ أحرم بِإِثْر صلاة مكتوبة فلا حرج.

وقال غيره: ويحرم بِإِثْر نافلة أو فريضة مِن ميقاته إذا كانت صلاة يُتنفل بعدها، فإنْ كان في غير وقت صلاة لم يَبرح حتى يَحِلَّ وقت صلاة فيصلِّي، ثمَّ يُحرِم إذا استوت بِه راحلته.اهـ

وقال في كتابه “التمهيد” (15/ 132):

استحبَّ الجميع أنْ يكون ابتداء المُحرِم بالتلبية بِإِثْر صلاة يُصلِّيها نافلة أو فريضة مِن ميقاته إذا كانت صلاة لا يُتنفَّل بعدها، فإنْ كان في غير وقت صلاة لم يَبرَح حتى يَحِلَّ وقت صلاة فيصلي ثمَّ يُحرِم إذا استوت بِه راحلته.اهـ

ثالثًا ــ وقال الإمام البغوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح السُّنَّة” (7/ 58):

قال سعيد: ” فمن أخذ بقول ابن عباس أهلَّ في مُصَلَّاه إذا فرغ مِن ركعتيه “.

والعمل على هذا عند أهل العلم يستحِبُّون أنْ يكون إحرامه عقيب الصلوات.

ثم مِنهم: مَن يذهب إلى أنَّه يُحرِم في مكانه إذا فرغ مِن الصلاة.

ومِنهم مَن يقول: يُحرِم إذا ركب واستوت بِه ناقته، وإنْ لم يَكن وقت صلاة، صلى ركعتين، ثمَّ أحرَم.اهـ

رابعًا ــ وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (4/ 179):

وقوله: (( كان ــ عليه السلام ــ يركع بذِي الحُليفة ركعتين، فإذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحُليفة أهلَّ )).

الركعتان قبْل الإحرام مشروعة، وسُنَّة في الإحرام عند الكافة أنْ يكون بِإِثْر صلاة.

واستحبَّ مالك أنْ يكون بِإِثْر صلاة ركعتي نفلِ فأكثر، كما جاء عنه ــ عليه السلام ــ.

واستحبَّ الحسَن إثْر صلاة فرض، لأنَّه رُوي أنَّ هاتين الركعتين اللتين صلَّى ــ عليه السلام ــ كانتا صلاة الصبح.

والأوَّل أظهر.

فإنْ أهَلَّ إثْر صلاة فرض أجزأه عند مالك وغيره، ولا دَم عليه إنْ أحرم بغير إثْر صلاة.اهـ

خامسًا ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (7/ 232):

يُستحب أنْ يُصلِّي ركعتين عند الإحرام، وهذه الصلاة مُجمع على استحبابها.اهـ

وقال في “شرح صحيح مسلم” (8/ 342-343 ــ عند حديث رقم:1186):

قوله: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذِي الحُليفة ركعتين ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحُليفة أهلَّ )).

فيه استحباب صلاة الركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبْل الإحرام، ويكونان نافلة.

هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصري أنَّه اسْتحبَّ كونهما بعد صلاة فرض.

قال: لأنَّه رُوي أنَّ هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح.

والصواب ما قاله الجمهور، وهو ظاهر الحديث.

قال أصحابنا وغيرهم مِن العلماء: هذه الصلاة سُنَّة، لو تركها فاتته الفضيلة ولا إثم عليه، ولا دَم.اهـ

سادسًا ــ وقال الإمام موفَّق الدِّين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (5/ 80-81):

مسألة:

قال: “فإنْ حضَر صلاة مكتوب وإلا صلَّى ركعتين”.

المستحب أنْ يُحرِم عقيب الصلاة، فإنْ حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها، وإلا صلَّى ركعتين تطوعًا، وأحرَم عقيبهما، استحبَّ ذلك عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، ورُوي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس.اهـ

سابعًا ــ وقال الفقيه عون الدِّين ابن هبيرة الحنبلي  ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح” (1/ 471) عن الأئمة الأربعة:

واتفقوا على استحباب صلاة الركعتين عند عقد الإحرام.اهـ

وأراد بقوله “اتفقوا”: أي الأئمة الأربعة.

ثامنًا ــ وقال الفقيه ابن جماعة الكِناني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك” (2/ 425):

ويُسَن صلاة ركعتين يَنوي بهما سُنَّة الإحرام بالاتفاق.اهـ

أي: باتفاق المذاهب الربعة.

تاسعًا ــ وقال الفقيه سراج الدِّين ابن الملقِّن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التوضيح لشرح الجامع الصحيح” (11/ 116):

فينبغي لِمُريد الإحرام بعد الاغتسال له:

أنْ يُصلِّي ركعتين كما فعَل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول جمهور العلماء.اهـ

عاشرًا ــ وقال الفقيه الزرقاني المصري المالكي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “الموطأ” (2/ 328 ــ رقم:746):

قوله: (( ركعتين )) أي: سُنَّة الإحرام، ففيه صلاتهما قبل الإحرام، وأنَّها نافلة، وبِه قال الجمهور سلفًا وخلفًا.

واستحَبَّ الحسن البصري: الإحرام بعد صلاة فرض، لأنَّه رُوي أنَّ الركعتين كانتا الصبح.

وأُجِيب:

بأنَّ هذا لم يَثبت.اهـ

قلت:

ومِن دلائل مشروعية عقد الإحرام بعد صلاة ركعتين:

أنَّ كل مَن وصف حجَّة النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنَّه صلَّى ثُمَّ أحرَم.

ومِن ذلك:

أوّلًا: حديث جابر بن عبد الله ــ رضي الله عنهما ــ عند الإمام مسلم في “صحيحه” (1218)، وفيه:

(( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت بِه ناقته على البيداء فأهلَّ بالتوحيد )).

ثانيًا: ما أخرجه الإمام البخاري في “صحيحه” (1534 و 2337) عن عكرمة، أنَّه سمع ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ يقول: إنَّه سمع عمر ــ رضي الله عنه ــ يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بوادي العَقيق يقول:

(( أتاني الليلة آتٍ مِن ربِّي فقال: صلَّ في هذا الوادي المبارك، وقل عُمرة في حَجَّة )).

فجعَل الدخول في النُّسك في إثْر صلاة، فدلَّ على أنَّها مقصودة.

ثالثًا: ما أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه” (1184) أنَّ عبد الله بن عمر ــ رضي الله عنهما ــ كان يقول:

(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَركع بذِي الحُليفة ركعتين، ثم إذا استوت بِه الناقة قائمة عند مسجد الحُليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات )).

قال الفقيه أبو الوليد البَاجِي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُنتقى شرح الموطأ” (2/ 252):

قوله: (( كان يُصلِّي في مسجد ذي الحُليفة ركعتين )) هذا اللفظ إذا أُطْلِق في الشَّرع اقتضى ظاهره في عُرف الاستعمال النافلة، وهو المفهوم مِن قولهم: “صلى فلان ركعتين”.اهـ

 

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.