إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > مقال بعنوان: ” تأنيس الْمُدَّكِرِ بأحكام عيد الفطر “.

مقال بعنوان: ” تأنيس الْمُدَّكِرِ بأحكام عيد الفطر “.

  • 12 يوليو 2015
  • 961
  • إدارة الموقع

تأنيس الْمُدَّكِرِ بأحكام عيد الفطر

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه.

وبعد:

فهذه رسالة فقهية بعنوان:

تأنيس الْمُدَّكِرِ بأحكام عيد الفطر “.

تضمنت جملة طيبة ومختصرة مِن أحكام عيد الفطر، وسننه، وآدبه.

وقد جعلتها في مسائل ليسهل فهمها، ويحصل الإلمام بها، وتُضبط جيدًا.

والله – عزَّ وجلَّ – المسؤول أن يجعلها خالصة لوجهه، مُدنية مِن رضاه، وأن ينفع بها كاتبها وقارئها والساعي بين الناس في نشرها، أو تفقيههم بها، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء.

ثم أقول مستعينًا بالله – جل وعلا -:

المسألة الأولى / عن صلاة العيد.

وتحتها فرعان:

الفرع الأول: عن مشروعية صلاة العيد.

قال الإمام ابن تيمية الحراني ـ رحمه الله ـ عن صلاة العيد كما في “مجموع الفتاوى” (23/ 161):

إنها مِن أعظم شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظم مِن الجمعة.اهـ

ومشروعيتها ثابتة بالسنة النبوية المشتهرة المستفيضة بين الناس، وإجماع أهل العلم.

وقال إمام الحرمين عبد الملك الجويني الشافعي – رحمه الله – في كتابه “نهاية المطلب في دراية المذهب” (2/ 611- رقم:1569):

الأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع.

قال الله تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }، قيل: أراد صلاة العيد.

ونَقلُ صلاة العيد متواترٌ، والإجماع مِن الكافة منعقدٌ.اهـ

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني” (2/ 253):

الأصل في صلاة العيد الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }،

– و – المشهور في التفسير: أن المراد بذلك صلاة العيد، وأما السنة فـثبت بالتواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة العيدين، وأجمع المسلمون على صلاة العيدين.اهـ

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده يداومون عليها، ولم يأت عنهم تركها في عيد من الأعياد.

وقال عبد الله بن عباس – رضي الله عنه -:

(( شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الخُطْبَةِ )).

[ رواه البخاري (962) واللفظ له، ومسلم (884) ].

بل حتى النساء كن يشهدنها على عهده صلى الله عليه وسلم، فقد قالت أم عطية – رضي الله عنها -:

(( كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ )).

[ رواه البخاري (971) واللفظ له، ومسلم (890) ].

وقال الإمام إسحاق بن راهويه ـ رحمه الله ـ كما في “مسائل إسحاق بن منصور الكوسج” (2/ 375 – رقم:2865):

يستحب الخروج لهن في العيدين، لما مضت السنة بذلك، ولكن لا يتزيَّن ولا يتطيَّبن.اهـ

فإذا خرجن على هذه الصفة جمعن بين فعل السنة، واجتناب الفتنة.

وصلاة العيد من السُّنن المؤكدة عند جماهير أهل العلم.

نسَبه إليهم:

النَّووي الشافعي في كتابه “المجموع شرح المهذب” (5/ 6)، وابن جُزَي المالكي في كتابه “القوانين الفقهية” (ص:103).

ومِن حجتهم على سنيتها:

ما أخرجه البخاري (1891) واللفظ له، ومسلم (11) عن طلحة بن عبيد الله – رضي الله عنه -:

(( أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا )).

حيث أخبر صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى لم يُوجب إلا الفرائض الخمس، وهي: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني” (2/ 265):

لا خلاف بين أهل العلم في أن صلاة العيد مع الإمام ركعتان، وفيما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العيد ركعتين، وفعله الأئمة بعده إلى عصرنا، لم نعلم أحدًا فعل غير ذلك، ولا خالف فيه.اهـ

وقال فيه الشافعية أبو زكريا النَّووي – رحمه الله –  في كتابه “المجموع شرح المهذب” (5/ 24):

تُسنُّ صلاة العيد جماعة، وهذا مجمعٌ عليه، للأحاديث الصَّحيحة المشهورة.اهـ

الفرع الثاني: عن مكان صلاة العيد.

المستحب لجميع الناس في كل الأمصار أن يصلوا صلاة العيد في مُصلى خارج البلد، عدا أهل مكة فيصلون في المسجد الحرام.

حيث قال الإمام الشافعي – رحمه الله – في كتابه “الأم” (1/ 389):

بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذلك مَن كان بعده، وعامة أهل البلدان إلا أهل مكة، فإنه لم يبلغنا أن أحدًا مِن السلف صلى بهم عيدًا إلا في مسجدهم، …، ولم أعلمهم صلوا عيدًا قط ولا استسقاء إلا فيه.اهـ

وقال الحافظ ابن عبد البر النَّمري المالكي – رحمه الله – في كتابه “التمهيد” (6/ 31):

وقد اتفق مالك وسائر العلماء على أن صلاة العيدين يُبْرَزُ لها في كل بلد إلا بمكة فإنها تصلى في المسجد الحرام.اهـ

وقال أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه -:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ )).

[ رواه البخاري (956) واللفظ له، ومسلم (889) ].

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري” (2/ 522 – حديث رقم:956) عقب هذا الحديث:

واسْتُدِل به على استحباب الخروج إلى الصحراء لصلاة العيد، وأن ذلك أفضل مِن صلاتها في المسجد، لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مع فضل مسجده.اهـ

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني” (2/ 260):

السنة أن يُصلى العيد في المُصلى،…، ولنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء بعده، ولا يترك النبي صلى الله عليه وسلم الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل الناقص مع بعده، ولا يَشرَع لأمته ترك الفضائل، ولأننا قد أمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص، والمنهي عنه هو الكامل، ولم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العيد بمسجده إلا مِن عذر، ولأن هذا إجماع المسلمين، فإن الناس في كل عصر ومصر يخرجون إلى المصلى فيصلون العيد في المصلى مع سعة المسجد وضيقه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في المصلى مع شرف مسجده.اهـ

المسألة الثانية / عن الاغتسال للعيد.

وتحتها ثلاثة فروع:

الفرع الأول: عن مشروعية الغسل للعيد.

الاغتسال للعيد فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت عن نافع – رحمه الله -:

(( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِلْعِيدَيْنِ )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين”(15) ].

وثبت عن الجعد بن عبد الرحمن – رحمه الله – أنه قال:

(( رَأَيْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمُصَلَّى )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين”(16) ].

وقال ابن رشد الحفيد المالكي ـ رحمه الله ـ في كتابه “بداية المجتهد” (1/ 505):

أجمع العلماء على استحسان الغسل لصلاة العيدين.اهـ

الفرع الثاني: عن وقت الاغتسال للعيد.

الأفضل أن يكون الاغتسال بعد صلاة الفجر وقبل الذهاب إلى المصلى، وأن تكون صفته كصفة غسل الجنابة.

وعليه يدل ظاهر أكثر الآثار الواردة عن الصحابة – رضي الله عنهم -.

فقد ثبت عن محمد بن إسحاق أنه قال: قلت لنافع: كيف كان ابن عمر يصلي يوم العيد؟ فقال:

(( كَانَ يَشْهَدُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَيَغْتَسِلُ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَيَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا عِنْدَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى فَيَجْلِسُ فِيهِ حَتَّى يَجِيءُ الْإِمَامُ, فَإِذَا جَاءَ الْإِمَامُ صَلَّى مَعَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَدْخُلُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي بَيْتَهُ )).

[ رواه الحارث ابن أبي أسامة في “مسنده” كما في “المطالب العالية”(2753) و “بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث”(207) ].

وثبت عن الجعد بن عبد الرحمن – رحمه الله – أنه قال:

(( رَأَيْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمُصَلَّى )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين”(16) ].

وإن اغتسل قبل صلاة الفجر لضيق الوقت، وحتى يتمكن مِن التبكير إلى المُصلى فحسن، وقد فعله جمع مِن السلف الصالح، واستحسنه كثير مِن الفقهاء.

الفرع الثالث: عن أهل هذا الغسل.

قال فقيه الشافعية أبو زكريا النووي – رحمه الله – في كتابه “المجموع شرح المهذب” (2/ 233):

ومِن الغسل المسنون غسل العيدين، وهو سنة لكل أحد بالاتفاق، سواء الرجال والنساء والصبيان، لأنه يراد للزينة، وكلهم من أهلها، بخلاف الجمعة فإنه لقطع الرائحة، فاختص بحاضرها على الصحيح.اهـ

المسألة الثالثة / عن التجمل في العيد بأحسن الثياب والطيب.

قال عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما -:

(( وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ، فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوُفُودِ،… )).

[ رواه البخاري (3054) ومسلم (2068) ].

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه “فتح الباري” (6/ 67-68) عقبه:

وقد دل هذا الحديث على التجمل للعيد، وأنه كان معتادًا بينهم…، وهذا التزين في العيد يستوي فيه الخارج إلى الصلاة، والجالس في بيته حتى النساء والأطفال.اهـ

وقال أيضًا (5/ 372):

ولا خلاف بين العلماء – فيما نعلمه – في استحباب لبس الثياب، أجود الثياب لشهود الجمعة والأعياد.اهـ

وقال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ في كتابه “الأم” (1/  387):

ويلبس الصبيان أحسن ما يقدرون عليه ذكورًا وإناثًا.اهـ

وثبت عن محمد بن إسحاق أنه قال: قلت لنافع: كيف كان ابن عمر يصلي يوم العيد؟ فقال:

(( كَانَ يَشْهَدُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَيَغْتَسِلُ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَيَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا عِنْدَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى فَيَجْلِسُ فِيهِ )).

[ رواه الحارث ابن أبي أسامة في “مسنده” كما في “المطالب العالية”(2753) و “بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث”(207) ].

وقال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ كما في كتاب “الأوسط” (4/ 265) لابن المنذر:

سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والتطيب في كل عيد.اهـ

وقال الحافظ ابن عبد البر النَّمري المالكي – رحمه الله – في كتابه “الاستذكار” (7/ 11) في شأن الاغتسال للعيدين:

واتفق الفقهاء على أنه حسن لمن فعله، والطيب يجزئ عندهم منه، ومَن جمعهما فهو أفضل.اهـ

وأما المرأة، فإذا خرجت إلى صلاة العيد فإنها تخرج غير مُتزيِّنة ولا متطيِّبة, ولا متبرِّجة ولا سافرة عن حجابها، لأنـَّها منهيَّـة عن ذٰلك في جميع أحوال خروجها، والخروجُ للعبادة أشدّ في النهي.

المسألة الرابعة / عن الأكل قبل الذهاب إلى مصلى العيد.

يُسَنُّ للمسلم في يوم عيد الفطر أن يأكل تمرات بعد صلاة الفجر وقبل الخروج من بيته إلى مصلى العيد، وذلك لقول أنس – رضي الله عنه -:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ )).

[ رواه البخاري (953) ].

وثبت عن سعيد بن المسيب – رحمه الله – أنه قال:

(( كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَأْكُلُونَ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ )).

[ رواه الشافعي في كتابه “الأم” (1/ 387) ].

وقال ابن رشد الحفيد المالكي ـ رحمه الله ـ في كتابه “بداية المجتهد” (1/ 514):

وأجمعوا على أنه يستحب أن يفطر في عيد الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وأن لا يفطر يوم الأضحى إلا بعد الانصراف من الصلاة.اهـ

ومَن لم يتيسر له تمرات أكل مما يجد، فقد ثبت عند عبد الرزاق في “مصنفه” (5734) عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: أنه سمع ابن عباس يقول:

(( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ فَلْيَفْعَلْ، قَالَ: فَلَمْ أَدَعْ أَنْ آكُلَ قَبْلَ أَنْ أَغْدُوَ مُنْذُ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَآكُلُ مِنْ طَرَفِ الصَّرِيفَةِ، قُلْنَا لَهُ: مَا الصَّرِيفَةُ؟ قَالَ: خُبْزُ الرِّقَاقِ الْأَكْلَةُ، أَوْ أَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ أَوِ النَّبِيذِ أَوِ الْمَاءِ، قُلْتُ: فَعَلَامَ تُؤَوِّلُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ قَالَ: أَظُنُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانُوا لَا يَخْرُجُونَ حَتَّى يَمْتَدَّ الضُّحَى، فَيَقُولُونَ نَطْعَمُ لِأَنْ لَا نَعْجَلَ عَنِ الصَّلَاةِ» قَالَ: وَرُبَّمَا غَدَوْتُ وَلَمْ أَذُقْ إِلَّا الْمَاءَ، ابْنُ عَبَّاسٍ الْقَائِلُ )).

المسألة الخامسة / عن سنن الخروج إلى مصلى العيد والعودة منه.

وتحتها فرعان:

الفرع الأول: عن استحباب ذهاب الناس إلى مصلى العيد مشيًا.

ثبت عن زر بن حبيش – رحمه الله – أنه قال:

(( خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي يَوْمِ فِطْرٍ، أَوْ فِي يَوْمِ أَضْحَى خَرَجَ فِي ثَوْبِ قُطْنٍ مُتَلَبِّبًا بِهِ يَمْشِي )).

[ رواه ابن أبي شيبة في “مصنفه”(5590) ].

وثبت عن جعفر بن برقان – رحمه الله – أنه قال:

(( كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْعِيدَ مَاشِيًا فَلْيَفْعَلْ )).

[ رواه عبد الرزاق في “مصنفه” (5664) وابن أبي شيبة في “مصنفه”(5604) واللفظ له ].

وثبت عن سعيد بن المسيب ـ رحمه الله ـ أنه قال:

(( سُنَّةُ الْفِطْرِ ثَلَاثٌ: الْمَشْيُ إِلَى الْمُصَلَّى، وَالْأَكْلُ قَبْلَ الْخُرُوجِ، وَالِاغْتِسَالُ )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين” (18 و 26) ].

وقال الإمام الترمذي ـ رحمه الله ـ في “سننه” (2/ 264):

أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيًا.اهـ

وقال الإمام ابن المنذر – رحمه الله  -في كتابه “الأوسط” (4/ 264):

المشي إلى العيد أحسن وأقرب إلى التَّواضع، ولا شيء على مَن ركب.اهـ 

الفرع الثاني: عن استحباب ذهاب الإمام والمأمومين إلى مصلى العيد مِن طريق والرجوع مِن طريق آخر.

قال جابر بن عبد الله – رضي الله عنه -:

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ )).

[ رواه البخاري (986) ].

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه “فتح الباري” (6/ 166):

وقد استحب كثير مِن أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره.اهـ

بل قال ابن رشد الحفيد المالكي ـ رحمه الله ـ في كتابه “بداية المجتهد” (1/ 2211-222):

وأجمعوا على أنه يستحب أن يرجع مِن غير الطريق التي مشى عليها، لثبوت ذلك مِن فعله – عليه الصلاة والسلام -.اهـ

المسالة السادسة / عن التكبير في عيد الفطر.

وتحتها سبعة فروع:

الفرع الأول: عن المراد بالتكبير في عيد الفطر.

المراد بالتكبير في عيد الفطر هو قول:

” الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد”.

وما شابهها مِن الصيغ الواردة.

الفرع الثاني: عن مشروعيته.

قال الله تعالى في ختام آيات الصيام من سورة البقرة:

{ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ }.

وقال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في “تفسيره”(1/ 307):

أخذ كثير مِن العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر مِن هذه الآية.اهـ

وقد جرى على التكبير في عيد الفطر العمل في عهد السلف الصالح من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.

 فثبت عن نافع – رحمه الله -:

(( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى وَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين” (43-46) ].

وثبت عن أبي عبد الرحمن السُّلمي – رحمه الله – أنه قال:

(( كَانُوا فِي التَّكْبِيرِ فِي الْفِطْرِ أَشَدَّ مِنْهُمْ فِي الْأَضْحَى )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين” (64) والدارقطني في “سننه” (2/ 44 رقم: 1713) والحاكم في “المستدرك” ( 1107) واللفظ لهما ].

بل قالت أم عطية – رضي الله عنها -:

(( كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ )).

[ رواه البخاري (971) واللفظ له، ومسلم (890) ].

وقال فقيه الشافعية أبو زكريا النووي – رحمه الله – في كتابه “المجموع شرح المهذب” (6/ 429 – حديث رقم:890):

وقولها: (( يكبرن مع الناس )) دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين، وهو مجمع عليه.اهـ

الفرع الثالث: عن وقت ابتدائه.

يبدأ التكبير في عيد الفطر عند أكثر أهل العلم من السلف الصالح فمن بعدهم:

مِن حين الغدو إلى مصلى العيد.

نسبه إليهم:

الحافظ ابن المنذر – رحمه الله – في كتابه “الإشراف” (3/ 159 و 160).

وثبت عن ابن عمر – رضي الله عنه -:

(( أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ إِذَا غَدَا إِلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين”(39) ].

وثبت عن الإمام الزهري – رحمه الله – أنه قال:

(( كَانَ النَّاسُ يُكَبِّرُونَ مِنْ حِينِ يَخْرُجُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ حَتَّى يَأْتُوا الْمُصَلَّى، حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ سَكَتُوا، فَإِذَا كَبَّرَ كَبَّرُوا )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين”(59) ].

وقال الحافظ ابن المنذر ـ رحمه الله ـ في كتابه “الأوسط” (4/ 249):

سائر الأخبار عن الأوائل دالة على أنهم كانوا يكبرون يوم الفطر إذا غدوا إلى الصلاة.اهـ

وقال فقيه الشافعية النووي ـ رحمه الله ـ في كتابه “المجموع” (5/ 48):

قال جمهور العلماء لا يُكَبَّر ليلة العيد، إنما يكبر عند الغدو إلى صلاة العيد، حكاه ابن المنذر عن أكثر العلماء.اهـ

وقال الإمام ابن جرير الطبري – رحمه الله – في “تفسيره” (3/ 479 – رقم:2903):

قال يونس: قال ابن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد:(( والجماعةُ عندنا على أن يغدوا بالتكبير إلى المصلَّى )).اهـ

وقد كتبت رسالة بعنوان:

هل يبدأ التكبير في عيد الفطر بغروب ليلته أو مِن حين الغدو إلى صلاته “.

فلينظرها مَن رام الاستزادة والتوسع في المسألة، وهي موجودة في موقعي على الشبكة العنكبوتية “الإنترنيت”.

الفرع الرابععن وقت انتهائه.

ثبت عن نافع – رحمه الله -:

(( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ الْعِيدِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى، وَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين” ( 48- 46-43) ].

وثبت عن الإمام الزهري – رحمه الله – أنه قال:

(( كَانَ النَّاسُ يُكَبِّرُونَ مِنْ حِينِ يَخْرُجُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ حَتَّى يَأْتُوا الْمُصَلَّى، حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ سَكَتُوا، فَإِذَا كَبَّرَ كَبَّرُوا )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين” (59) ].

الفرع الخامس: عن الجهر به.

ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنه -:

(( أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَدَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ )).

[ رواه الدارقطني في “سننه” (2/ 45 – رقم: 1716)، وأخرجه الفريابي في “أحكام العيدين” (43-53) بنحوه ].

وقال الإمام ابن تيمية الحراني ـ رحمه الله ـ كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 220):

ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة.اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه “فتح الباري” (6/ 133):

ولذلك يشرع إظهار التكبير في الخروج إلى العيدين في الأمصار، وهو إجماع مِن العلماء، ولا يُعلم بينهم خلاف في عيد النحر.اهـ

الفرع السادس: عن تكبير النساء.

قالت أم عطية – رضي الله عنها – في شأن خروج النساء إلى مصلى العيد:

(( كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ )).

[ رواه البخاري (971) واللفظ له، ومسلم (890) ].

والشاهد منه قولها في شأن النساء:

(( فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ )).

وقال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ في كتابه “فتح الباري” (6/ 130) عقب هذا الحديث:

لا خلاف أن النساء يكبرن…، ولكن المرأة تخفض صوتها بالتكبير.اهـ

وقال فقيه الشافعية أبو زكريا النووي – رحمه الله – في كتابه “المجموع شرح المهذب” (6/ 429 – حديث رقم:890):

وقولها: (( يكبرن مع الناس )) دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين، وهو مجمع عليه.اهـ

الفرع السابع: عن صيغه.

جاءت عدة صيغ للتكبير في العيد عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

الأولى: (( اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ )).

وثبتت عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما -.

[ رواها ابن أبي شيبة في “مصنفه”(1/ 489-490 – رقم:5645 و 5654) ].

الثانية: (( اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ )).

وثبتت عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -.

[ رواها ابن أبي شيبة في “مصنفه” (1/ 488-490 ، رقم: 5632 و 5633 و 5650-5652)، وغيره ].

وصححها العلامة الألباني – رحمه الله – وغيره.

وثبت عند ابن أبي شيبة في “مصنفه” (1/ 490 – رقم:5649) أيضًا عن التابعي إبراهيم النخعي – رحمه الله – أنه قال:

(( كَانُوا يُكَبِّرُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَحَدُهُمْ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ )).

الثالثة: ما ثبت عند عبد الرزاق في “مصنفه” (20581) ومِن طريقه البيهقي في “سننه” (3/ 316 – رقم: 6282) واللفظ له، عن أبي عثمان النهدي – رحمه الله – أنه قال:

(( كَانَ سَلْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُعَلِّمُنَا التَّكْبِيرُ يَقُولُ: كَبِّرُوا: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، أَوْ قَالَ: تَكْبِيرًا، اللهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ صَاحِبَةٌ، أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلَدٌ، أَوْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا، اللهُمَّ اغْفِرْ لَنَا، اللهُمَّ ارْحَمْنَا )).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري” (2/ 462) عن هذه الصيغة:

أصحُّ ما ورد.اهـ

المسألة السَّابعة / عن صلاة النَّوافل في مصلَّى العيد.

وتحتها ثلاثة فروع:

الفرع الأوَّل: عن تطوُّع الإمام قبل صلاة العيد.

أخرج البخاري (989)، ومسلم (884) واللَّفظ له، عن ابن عباس – رضي الله عنهما- :

(( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا )).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري”(6/ 186):

فأمـَّا الإِمام: فلا نعلمُ في كراهة الصَّلاة له خلافـًا قبلها وبعدها، وكل هذا في الصَّلاة في موضع صلاة العيد.اهـ

الفرع الثَّاني: عن تطوُّع المأموم قبل صلاة العيد.

قال الإمام مالك – رحمه الله – في كتابه “الموطَّـأ” (ص:14- رقم:422) عن نافعٍ:

(( أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاَةِ وَلاَ بَعْدَهَا )).

وإسناده صحيح.

وقال أبو الـمُعلَّى – رحمه الله -:

(( سَمِعْتُ سَعِيداً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَرِهَ الصَّلاَةَ قَبْلَ العِيدِ )).

[ ذكره البخاري في “صحيحه” (عند حديث رقم: 989) معلقًـا بالجزم ].

وثبت عن يزيد بن أبي عُبيد أنه قال:

(( صَلَّيْتُ مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَجَلَسَ وَجَلَسْتُ حَتَّى جَاءَ الْإِمَامُ، فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ رَجَعَ )).

[ رواه الفريابي في “أحكام العيدين” (173) ].

وقال الإمام الزُّهري – رحمه الله -:

لم أسمع أحدًا مِن علمائنا يذكر عن أحد مِن سلف هذه الأمـة أنه كان يصلِّي قبلها ولا بعدها.اهـ

وقد نَسَب:

ابن رشد الحفيد المالكي – رحمه الله – في كتابه “بداية المجتهد” (1/ 511-512) ترك التَّطوع قبل صلاة العيد وبعدها إلى جماهير أهل العلم.

الفرع الثَّالث: عن تحيـَّة المسجد إذا كانت صلاة العيد في المسجد.

إذا صلى العبد صلاة العيد خارج البلد في المصلَّى الـمُعدّ لذلك، فلا يصلِّي ركعتين تحيـَّة لهذا المصلَّى، لأنَّ ركعتي التَّحيـَّة خاصَّة بالمسجد، وقد دلَّ على ذٰلك حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ )).

[ رواه البخاري (444)، ومسلم (417) ].

فخصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التحية بالمسجد، والمصلى ليس بمسجد.

وأمـَّا إذا صلَّى في المسجد ففي الغالبُ أنـَّه يأتي في وقت نهي، وصلاة تحيـَّة المسجد في وقت النَّهي للعلماء فيها قولان مشهوران:

القول الأول: أنَّها لا تُصلَّى.

وبه قال أكثر أهل العلم، للأحاديث العديدة الواردة عن النَّهي عن الصَّلاة في أوقات النَّهي.

ومِن هذه الأحاديث ما أخرجه مسلم (831) عن عقبة بن عامر الجهني – رضي الله عنه – أنه قال:

(( ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ )).

القول الثاني: أنها تُصلَّى.

وهو قول الإمام الشَّافعي – رحمه الله -، لأنَّ النبَّيَّ صلى الله عليه وسلم علَّق فِعل التَّحية بدخولِ المسجد، وقد وقع، فتُصلَّى.

وقد أُجيب عن هذا الاستدلال بجوابين:

الأول: أنَّ حديث الصَّلاة عند الدُّخول إلى المسجد عامٌّ في جميع الأوقات، وحديث النَّهي خاصٌّ ببعض الأوقات، فيُقدم العمل بخاصِّ الأوقات على عامـِّها.

الثَّاني: أنَّ النَّهي الوارد للتَّحريم، وتحيَّـة المسجد سُنَّـة، وقد حكَى غيرُ واحدٍ الإجماع على سنيـَّتها، فترك المحرَّم أوْلى مِن فعل المستحبّ.

المسألة الثامنة / عن التَّكبيرات الزَّوائد في صلاة العيد.

وتحتها خمسة فروع:

الفرع الأوَّل: عن المراد بالتَّكبيرات الزَّوائد.

المراد بالتَّكبيرات الزَّوائد:

التَّكبيرات التي تكون بعد تكبيرة الإحرام في الرَّكعة الأولى، وبعد تكبيرة النُّهوض إلى الرَّكعة الثَّانية.

الفرع الثاني: عن مشروعية التَّكبيرات الزَّوائد.

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي – رحمه الله – في كتابه “شرح معاني الآثار” (4/ 350- حديث رقم: 6779):

ورأينا صلاة العيدين قد أُجْمِع أن فيهما تكبيرات زائدة على غيرهما من الصلوات.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 224):

واتفقت الأمة على أن صلاة العيد مخصوصة بتكبير زائد.اهـ

 الفرع الثَّالث: عن عدد التَّكبيرات الزَّوائد في كلِّ ركعة.

قال الإمام مالك-  رحمه الله – في كتابه “الموطَّـأ” (ص:144 – رقم:421):

 أخبرنا نافع مولى عبد الله بن عمر أنـَّه قال:

(( شَهِدْتُ الأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَبَّرَ فِي الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ بِخَمْسِ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ )).

وإسنادُه صحيح.

وثبت نحوه عن عبد الله بن عبَّاس – رضي الله عنهما -.

وقال الفقيه الخطَّابي الشافعي – رحمه الله – في كتابه “معالم السنن” (1/ 217 – رقم:319):

وهذا قول أكثر أهل العلم.اهـ

وقال فقيه الشافعية النَّووي – رحمه الله – في كتابه “المجموع” (5/ 24):

وحكاهُ صاحب “الحَاوي” عن أكثر الصَّحابة والتَّابعين.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوى” ( 24/ 220):

وأمـَّا التَّكبير في الصَّلاة فيكبِّر المأموم تبعًا للإمام، وأكثر الصَّحابة – رضي الله عنهم – والأئمَّـة يكبِّرون سبعًا في الأُولى، وخمسًا في الثَّانية.اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 177):

فأما التكبير في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، فهو قول جمهور العلماء، وقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة، وعن عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري، وقال: (( مضت السنة به )).

وحكاه ابن أبي الزناد عن فقهاء المدينة السبعة.

وهو قول مكحول وربيعة والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود.

وأكثر أهل الحديث، منهم: ابن المديني وابن أبي شيبة وأبو خثيمة وسليمان بن داود الهاشمي وغيرهم.اهـ

الفرع الرابع: عن نسيان الإمام أو المأموم للتَّكبيرات الزَّوائد أو شيءٍ منها.

قال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله  -في كتابه “المغني” (3/ 275):

والتَّكبيرات والذِّكر بينها سُنَّة وليس بواجب، ولا تبطل الصَّلاة بتركه عمداً أو سهواً، ولا أعلم فيه خلافـًا.اهـ

الفرع الخامس: عن رفع اليدين إلى حذو المنكبين أو فروع الأذنين مع التَّكبيرات الزَّوائد.

ثبت عن ابن جُرَيْج – رحمه الله – أنـَّه قال:

(( قُلْتُ لِعَطَاءٍ: يَرْفَعُ الْإِمَامُ يَدَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَ هَذِهِ التَّكْبِيرَةِ الزِّيَادَةَ فِي صَلَاةِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَيَرْفَعُ النَّاسُ أَيْضاً )).

[ رواه عبد الرزاق في “مصنفه”(5699) ].

وقال الإمام البغوي – رحمه الله – في كتابه “شرح السُّنَّـة” (4/ 310):

“ورفعُ اليدين في تكبيرات العيد سُنَّة عند أكثر أهل العلم”.اهـ .

وباستحباب هذا الرَّفع يقول:

ابنُ قيم الجوزيَّة وابنُ باز وابنُ عثيمين – رحمهم الله -.

المسألة التاسعة / عن دعاء الاستفتاح في صلاة العيد.

دعاء الاستفتاح مستحبٌّ في صلاة العيد قياسًا على باقي الصَّلوات.

وإلى هذا ذهب عامَّة مَن يرى مشروعيَّة دعاء الاستفتاح، إلَّا أنَّهم اختلفوا في موضعه على قولين:

القول الأول: أنَّ المصلي يُقوله بعد تكبيرة الإحرام، ثمَّ يُكبِّر بعده التَّكبيرات الزَّوائد.
وهو قولُ الأكثر.

القول الثاني: أنَّ المصلي يقوله بعد الانتهاء من التَّكبيرات الزَّوائد.

المسألة العاشرة / عن قضاء صلاة العيد.

مَن فاتَته ركعة من صلاة العيد، أو أدركهم في التَّشهد، أو فاتَته صلاة العيد كلّها، هل يُشرع له أن يقضِي؟ وإن قضَى، فَعلى أيِّ صفة؟.

قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية برئاسة العلامة عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ كما في “الفتاوى” ( 8/ 306 -307 – رقم : 2328 و4517):

ومَن فاتته وأحب قضاءها استحب له ذلك، فيصليها على صفتها من دون خطبة بعدها، وبهذا قال الإمام مالك والشافعي وأحمد والنخعي وغيرهم من أهل العلم. والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:

(( إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا )).

وما روي عن أنس رضي الله عنه أنه:

(( كان إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلي بهم ركعتين، يكبر فيهما )).

ولمن حضر يوم العيد والإمام يخطب أن يستمع الخطبة ثم يقضي الصلاة بعد ذلك حتى يجمع بين المصلحتين.اهـ

وقالت أيضًا:

مَن أدرك التشهد فقط مع الإمام من صلاة العيدين صلى بعد سلام الإمام ركعتين يفعل فيهما كما فعل الإمام من تكبير وقراءة وركوع وسجود.اهـ

المسألة الحادية عشرة / عن شهود خطبة العيد.

وتحتها فرعان :

الفرع الأوَّل: عن الجلوس لاستماع خطبة العيد.

مَن صلَّى صلاة العيد مع الإمام فالسُّنـَّة والأكمل في حقِّه أن لا ينصرف حتَّى يسمع خطبة العيد.

وقد قال الحافظ ابن عبد البر النَّمري المالكي – رحمه الله – في كتابه “الاستذكار”(7/ 61):

وعلى هذا جماعة الفقهاء.اهـ

وهو المعمول به على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه -:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ )).

[ رواه البخاري( 956) واللَّفظ له، ومسلم (889) ].

وأمَّا حديث:

(( إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ )).

فأكثر أئمة الحديث على أنَّ الصَّواب فيه الإرسال، منهم: ابن معين وأبو زُرعة الرَّازي والنَّسائي وأبو داود والبَيهقِي والوادِعي.

والـمُرْسل من أقسام الحديث الضَّعيف.

الفرع الثاني: عن كلام الناس في أثناء خطبة العيد.

 يُكره لمن حضر خطبة العيد أن يتكلم في أثنائها مع غيره مِن المصلَّين، أو عبر الهاتف الجوَّال، لِـمَا فيه مِن الانشغال عن الانتفاع بالخطبة، والتَّشويش على المستمعين، والإخلال بأدب حضور مجالس الذِّكر.

وقد قال فقيه المالكية ابن بطَّال – رحمه الله – في “شرح صحيح البخاري” (2/ 572):

وكَرِه العلماء كلام النَّاس والإمام يخطب.اهـ

المسألة الثانية عشرة / عن بدأ خطبة العيد بالتكبير.

بَدأ خطبة العيد بالتَّكبير جرَى عليه عملُ السَّلف الصَّالح – رحمهم الله تعالى -.

فأخرج سعيد بن منصور في “سننه” كما في “المغني”(2/ 239) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة  أنه قال:

(( يُكَبِّرُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَخْطُبُ، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ )).

وسندُه صحيح .

و(عبيد الله) هذا، قال عنه الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله -:

هو أحد الفقهاء العشرة ثمَّ السَّبعة الَّذين تدور عليهم الفتوى.اهـ

وقال الحافظ ابن حبان – رحمه الله – عنه:

وهو من سادات التَّابعين.اهـ

وثبت عن إسماعيل بن أميَّة – رحمه الله- وهو من أتباع التَّابعين – أنه قال:

(( سَمِعْتُ أَنَّهُ يُكَبَّرُ فِي الْعِيدِ تِسْعًا وَسَبْعًا )).

[ رواه عبد الرزاق في “مصنفه”(5671 – باب: التكبير في الخطبة) ].

وإسناده صحيح.

وقد نصَّ جمع من أئمة أهل الحديث والسُّنَّة على أن هذا التكبير:

مِن السُّنَّة.

وهو قول أبي حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد وابن أبي ذئب وابن المنذر وغيرهم.

بل جاء في مذاهب الأئمة الأربعة: أنـَّه يُسنُّ.

فقال العلَّامة أبو عبد الله ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله –  في كتابه “الفروع” (2/ 141-142):

ويسنُّ أن يستفتح الأولى بِسبع تكبيرات (وم) نسقاً (و)، … والثَّانية بسبع (وش) قال أحمد: “وقال عُبيد الله بن عُتبة: إنَّـه من السُّنَّـة”.اهـ

والواو  (و) تعني: موافقة الحنفية والمالكية والشافعية للحنابلة في حكم المسألة.

وتابعه على نقل اتفاقهم:

جمال الدِّين يوسف بن عبد الهادي في كتابه “مغني ذوي الأفهام” ( 7/ 350 – مع غاية المرام)، وعبد الرحمن ابن قاسم في كتابه “حاشية الروض المربع” (2/ 551).

ولم يمر بي بعد بحث طويل ومذاكرة مع بعض طلاب العلم عن أحد مِن السلف الصالح، ولا الأئمة المتقدمين أنه قال بخلاف ذلك، والله تعالى أعلم.

وعمومًا فالخروج عن جادتهم صعب، والعمل بخلافهم ليس برشد، لأنهم عند الجميع أفهم للنصوص، وأشد في العمل بها وأحرص، بل إن الأحاديث والآثار لا تُفهم إلا على ضوء فهومهم، وإلا كان الخطأ والزلل، وخطبة العيد أيضًا ظاهرة، يشهدونها ويسمعون كيف تُبدأ؟ أبالتكبير أم بالحمد؟.

ولا تنافر – بحمد الله – بين التكبير والحمد، إذ هما جميعًا تعظيم لله – عز وجل -، وثناء عليه سبحانه، ومِن بدأ خطبته بالتكبير فقد بدأها بالثناء على الله سبحانه.

وقد كتبت رسالة حول هذا الموضوع بعنوان:

تذكير الخَلَفِ بأنَّ بدأَ خطبة العيد بالتكبير هو المنقول عن السَّلف .

ومَن رام الاستزادة والتوسع فليطالعها، وهي موجودة في الشبكة العنكبوتية “الإنترنيت”.

المسألة الثالثة عشرة / للعيد خطبتان لا خطبة واحدة.

لا خلاف بين العلماء – رحمهم الله – أن للعيد خطبتين يُفصل بينهما بالجلوس.

ذكر ذلك فقيه الظاهرية أبو محمد ابن حزم الأندلسي ـ رحمه الله ـ في كتابه “المحلى” (3/ 543 – مسألة: 543) فقال:

فإذا سلَّم الإمام قام فخطب الناس خطبتين يجلس بينهما جلسة، فإذا أتمهما افترق الناس، فإن خطب قبل الصلاة فليست خطبة، ولا يجب الإنصات له،كل هذا لا خلاف فيه، إلا في مواضع نذكرها إن شاء الله تعالى.اهـ

ثم لم يذكر بعد ذلك خلافـاً في الخطبتين.

فإذا لم يكن خلاف بين مَن تقدَّمنا من أهل العلم في الخطبتين، وأجمعوا عليهما، فينبغي أن لا يحصل بيننا، والأسلم لنا متابعتهم، وجعلهم قدوتنا في ذلك.

وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله – كما في كتاب “مسائل الإمام ابن باز” (ص:82 ـــ تقييد وجمع: عبد الله بن مانع):

العلماء ألحقوا العيد بالجمعة في الخطبتين، فلا ينبغي العدول عنه.اهـ

وقال أيضًا كما في “فتاوى نور على الدرب” (13/ 364):

خطبة العيد خطبتان، يخطب خطبتين كالجمعة، هكذا قال أهل العلم.اهـ

وقال العلامة أحمد بن يحيى النجمي – رحمه الله – في كتابه “فتح الرب الودود في الفتاوى والرسائل والردود” (3/ 117):

علمًا بأن العمل الآن جارٍ على الخطبتين عند معظم الناس، وعامة الفقهاء، وفي الإتيان بخطبة واحدة جالب للبلبلة وكثرة النقاش والتساؤلات، فلو عمل الخطيب بما جرى عليه الفقهاء فهو أحسن في نظري قياساً على الجمعة.اهـ

وقد كتبت رسالة حول هذا الموضوع بعنوان:

إسعاد الصُّحبة بأن السلف الصالح على أن للعيد خطبتين لا خطبة “.

ومن رام الاستزادة والتوسع فليطالعها، وهي موجودة في الشبكة العنكبوتية “الإنترنيت”.

المسألة الرابعة عشرة / عن التهنئة بالعيد.

التهنئة بالعيد جرى عليها عمل السلف الصالح من أهل القرون المفضلة، وعلى رأسهم الصحابة – رضي الله عنهم -.

وقال العلامة أبو عبد الله بن مفلح الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “الفروع” (2/ 15) عن التهنئة بالعيد بقول “تقبل الله منا ومنكم “:

في “النصيحة”: أنه فعل الصحابة، وأنه قول العلماء.اهـ

وصاحب كتاب “النصيحة” هو الإمام أبو بكر الآجري – رحمه الله -.

وأخرج ابن حبان في كتابه “الثقات” (9/ 90 – رقم:15348) عن علي بن ثابت – رحمه الله – أنه قال:

سألت مالك بن أنس عن قول الناس يوم العيد:

” تقبل الله منا ومنك “، فقال:

(( مَا زَالَ ذَلِك الْأَمر عِنْدنَا، مَا نَرَى بِهِ بَأْسًا )).اهـ

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة – رحمه الله – في كتابه “المغني” (2/ 295):

وقال علي بن ثابت: سألت مالك بن أنس منذ خمس وثلاثين سنة، وقال:

(( لَمْ يَزُلْ يُعْرَفُ هَذَا بِالْمَدِينَةِ )).اهـ

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ـ رحمه الله ـ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (2/ 446 – قبل حديث رقم: 951):

وَرُوِّينَا في “المحامليات” بإسناد حسن عن جبير بن نفير أنه قال:

(( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا الْتَقَوْا يَوْمَ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ )).اهـ

وحسن إسناده جلال الدين السيوطي – رحمه الله – في “الحاوي للفتاوى”(1/ 81).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي – رحمه الله – في “جزء التهنئة في الأعياد” (ص:34):

وَرُوِّينَا في كتاب “التحفة” المذكور بسند حسن أيضاً إلى محمد بن زياد الألهاني – وهو من رجال الصحيح – قال:

 (( رأيت أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ صَاحِب رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي الْعِيدِ لِأَصْحَابِهِ: تَقَبَّل اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُم )).

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني” (2/ 295):

وقال أحمد: إسناد حديث أبي أمامة إسناد جيد.اهـ

وجوده أيضًا ابن التركماني في كتابه “الجوهر النقي”(3/ 319 – بهامش “سنن” البيهقي).

وصحح التهنئة في العيد بذلك عن الصحابة – رضي الله عنهم -:

العلامة الألباني – رحمه الله – في كتابه “تمام المنة في التعليق على فقه السنة”(ص:355).

وقال في كتابه “سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة” (12/ 387 – بعد رقم: 5666):

لكن قد ثبت ذلك مِن طريق أخرى قوية:

أن الصحابة كانوا إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: (( تقبل الله منا ومنك )).اهـ

وبعض الناس – سددهم الله – قد يهنئون بالعيد قبل حلوله بيوم أو أكثر، أو يهنئون به في ليلته، والأمر في هذا سهل.

إلا أن المنقول عن السلف الصالح ـ رضي الله عنهم ـ أنهم كانوا يُهنئون بعضهم في نهار يوم العيد، ولا ريب أن الأحب عند الجميع فعلهم.

المسألة الخامسة عشرة / عن حكم صوم يوم عيد الفطر.

قال أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه -:

(( نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ)).

[ رواه البخاري ( 1991 ) واللفظ له، ومسلم (827) ].

وأخرج البخاري (1990) واللفظ له، ومسلم (1137) عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال في خطبة العيد:

(( هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ )).

وقال الحافظ ابن عبد البر النَّمري المالكي – رحمه الله –  في كتابه “التَّمهيد” (13/ 26):

وصيام هذين اليومين لا خلاف بين العلماء أنـَّه لا يجوز على حال من الأحوال لا لِـمتطوعٍ، ولا لناذرٍ، ولا لقاض فرضًا، ولا لمتمتع لا يجد هدْيًا، و لا لأحد مِن الناس كلهم أن يصومهما، وهو إجماع لا تنازع فيه.اهـ

وممن نقل الإجماع على حرمة صوم يومي العيد أيضًا:

موفق الدين ابن قدامة الحنبلي، وأبو زكريا النووي الشافعي، وابن حجر العسقلاني الشافعي، وعبد العزيز بن باز النجدي.

المسألة السادسة عشرة / لا عيد للمسلمين إلا عيدان.

قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله – كما في “مجموع فتاويه ورسائله” (3/ 111):

إنَّ جنس العيد الأصل فيه أنـَّه عبادة وقُربة إلى الله تعالى.اهـ

وثبت عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أنه قال:

(( قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ )).

[ رواه أحمد (13622 )، وأبو داود (1134)، والنسائي (1556) ].

وقال العلَّامة محمد بن صالح بن عثيمين – رحمه الله -في كتابه “الشرح الممتع على زاد المستقنع” (5/ 113) عقب هذا الحديث:

وهذا يدلُّ على أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحب أن تُحِدث أمـَّته أعيادًا سوى الأعياد الشَّرعية التي شرعها الله – عزَّ وجلّ -.اهـ

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.