إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > التاريخ والسيرة > خطبة مكتوبة بعنوان: “صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وآدابه وشيء من هديه “.

خطبة مكتوبة بعنوان: “صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وآدابه وشيء من هديه “.

  • 17 مايو 2017
  • 1٬541
  • إدارة الموقع

صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وآدابه وشيء من هديه 

الخطبة الأول:ــــــــــــــــــــ

الحمد لله المستحق لجميع الكمالات، بارئ الأرض والسماوات، المُدبِّر لكل المخلوقات العلويات والسفليات، أحمده سبحانه على جميع الحالات، وأشكره على نعمه المتواليات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أفعاله وصفاته العظيمات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلى العالمين بالهدى والبيِّنات، فصلَّى الله عليه أفضل الصلوات، وأبلغ التسليمات، وعلى آله العاملين بالصالحات، وأزواجه الطيبات الطاهرات، وأصحابه الذين رغِمت بهم أنوف أهل البدع والضلالات، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى بلوغ الميقات، وعنَّا معهم ما أقيمت الصلوات، وتُلِيَت التحيات.

أما بعد، عباد الله:

فإن مِنَّة الله – جلَّ وعلا – علينا ببعثه فينا وإلينا عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم لعظيمة القدر، جليلة الشأن، كبيرة النفع، سابغة الخير، وإنه لمرحوم ومنصور وسعيد مَن آمن به، وصدَّقه، واتَّبعه، وقد نوَّه الله الجواد الكريم بهذه المِنَّة الكبرى، والنِّعمة العظمى، في تنزيله المُبِين، فقال سبحانه في سورة آل عمران: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ }.

فلقد كنا ضُلَّالًا فهدانا الله به، متفرِّقين أعداء فجمعنا الله وألَّف بين قلوبنا به، عالة فأغنانا الله به، أذلَّة فأعزَّنا الله ونصرَنا به، أهل جهالةٍ بالله وعمى فبصَّرنا الله به، فالحمد لله أن اصطفاه مِن بين خلقه فبعثه إلينا مبشرًا ونذيرًا وداعيًا، والحمد له سبحانه أنْ أكرمنا بالإيمان به، ومتابعته في أحواله وأقواله وأفعاله، وتِرْكِ ما تركه ولم يفعله، ولولا اللهُ ما اهتدينا، ولا تصدَّقنا، ولا صلَّينا، { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }.

ولقد كان صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس وأشدَّهم سخاء، وكان أجودَ ما يكون في رمضان، لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه، ولا يَبيتُ عنده دينارٌ ولا درهم، فإنْ فَضَلَ ولم يَجد مَن يُعطيه وفجأَه الليلُ لم يأوِ إلى منزله حتى يتبرَّأ منه إلى مَنْ يحتاجُ إليه، ولا يأخذ مما أعطاه الله إلا قُوتَه فقط، ويُؤثِرُ منه، وكان أحسنَ الناس خَلقًا وخُلُقًا، وألينَهم كفًّا، وأطيبَهم ريحًا، وأكملَهم هديًا، وأحسنَهم عِشرة، وأعلمَهم بالله، وأشدَّهم له خشية، وكان يُسْمَع لِصدرِه أزيزٌ كأزيز المِرْجَل مِن البكاء مِن أثر قراءة القرآن، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وإنما يغضب إذا انتُهكت حرمات الله – عزَّ وجل -، فحينئذ يغضب ولا يقوم لغضبه شيء حتى يَنتصر للحق، وإذا غضب أعرض وأشاح، وكان خُلقُه القرآن، يعمل بأحكامه، ويتأدَّب بآدابه، وكان أكثرَ الناس تواضعًا، يقضي حاجة أهله، ويخفض جناحه للضَّعَفة، ويُحسن إليهم، ويتلطَّف بهم، وكان أحلمَ الناس، وأصبَرهم على الأذى، وكان أشدَّ حياءً مِن العذراء في خِدرها، والقريبُ والبعيد والقوي والضعيف عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، ولا يأكل متكئًا، ولا على خُوان، ويأكل ما تيسَّر، ولا يمتنع مِن مباح مَّا، وكان يُحب الحلواء والعسل، ويُعجبه الدُّباء أي: القَرَع -، وكان أحبُّ لحم الشَّاة إليه الذِّراع، وحين وضعت له يهود السمَّ وضعته في لحمة الذراع، وصحَّ عن أبي هريرة – رضى الله عنه – أنه قال: (( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ ))، وكان يأتى الشهرُ والشهران لا يٌوقد في بيت من بيوته نار لطعام، يعيشون فيها على التمر والماء، وكان يأكل الهدية ويقبلها وإن قلَّت، ولا يأكل الصدقة، ويُكافئ على الهدية بمثلها أو بأفضل منها، وكان يخصِف نعْلَه ويرقِّع ثوبه بيده، ويعود المريض، ويُجيب مَن دعاه مِن غني أو فقير، أو دنّيٍّ أو شريف، ولا يحتقر أحدًا، تَستتبعهُ الأَمَةُ والمسكينُ فيتبعهما حيثُ دَعواه، ويُحبُّ الفقراءَ والمساكينَ ويُجالسهم ويؤاكلهم، وكان يَقعد تارة مُتربعًا، واتكأ في أوقات، وفي كثير مِن الأوقات أو في أكثرها محتبيًا بيديه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويَلعَقُهُن، وإذا شرب شيئًا شربه على دفعات، ويتنفَّس معه خارج الإناء ثلاثًا، ويقول: (( إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ ))، وأكثر شربه وهو جالس، وشرب في أحيان قليلة واقفًا، وكان يتكلم بجوامع الكلِم – وجوامع الكلِم: ما كان قليل اللفظ كثير المعنى -، ويُعيد الكلمة ثلاثًا لتُفهم، وكلامه بَيِّن يفهمه مَن سمعه، ويحفظه مَن جلس إليه، ولا يتكلم في غير حاجة، ولا يَقعد ولا يقوم إلا على ذِكر الله تعالى، وكان أصدقَ الناس لهجةً، وأوفاهم ذِمّةً، وألينَهم عَريكة، وأكرمَهم عِشْرة، وكان يُكرِم أصحابه، ويُوقِّرهم، ويتألفّهم، ويُوسِّع عليهم إذا ضاق المجلس، ويتفقّدهم، ويسألُ عنهم، مَنْ مرضَ عادَه، ومَنْ غاب دعا له، ومَنْ مات استرجع وأتبع ذلك بالدعاء له، ومَنْ كان يتخوَّف أنْ يكونَ وَجدَ في نفسه شيئًا طيَّب خاطره، أو انطلق حتى يأتيه في منزله، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى بساتين أصحابه، ويأكل ضيافتهم، ولا يطوي بِشْرَه عنهم إلا لسبب موجِب، وإذا انتهى إلى قوم جَلسَ حيثُ ينتهي به المجلسُ، وكان أَسْكَتَ الناس في غير كِبْرٍ، وأبلَغَهم في غير تطويلٍ، وكان أكثرَ الناس تَبسُّمًا، وأحسنَهم بِشْرًا، لا يهولُه شيءٌ مِن أمورِ الدنيا، ويَلبس ما وَجَد من المُباحٍ، وإزاره إلى نصف ساقه، وركب الفرس والبعير والحمار والبغلة، وأردف معه خلفه على ناقة وعلى حمار، ولا يدع أحدًا يمشى خلفه، وعَصَب على بطنه الحَجَر مِن الجوع، وكان يبيت هو وأهله الليالي طاوين لا يجدون عشاء، بل ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في آصع من شعير أخذها لإطعام أهله، وكان وفراشه من أَدَمٍ – أي: جلد – حشوه ليف – والليف: قِشر النخل -، وكان مُتقلِّلًا مِن أمتعة الدنيا كلها، وقد أعطاه الله تعالى مفاتيحَ خزائنِ الأرض كلِّها فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها، وكان كثيرَ الذِّكر، دائمَ الفكر، يستغفرُ في المجلس الواحد مئةَ مرّة، جُلُّ ضحكه التَّبَسُّم، وضحك في أوقات حتى بدَت نواجذه – وهى الأنياب -، ويُحب الطِّيب، ولا يرده إن طيَّبه أحد أو أعطاه، ويكره الريح الكريهة، ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ويرى اللعَب المباحَ فلا يُنكره، ويَقبل عُذر المعتذر إليه، وكانت معاتبته تعريضًا: (( مَا بَالُ أَقْوَامٍ ))، ونحو ذلك، ويأمُر بالرِّفق، ويحُثُّ عليه، ويدعو لأهله بأن يَرفق الله بهم، وينهى عن العُنف، ودعا على من أدخل المشقة على المسلمين أن يشقق الله عليه، ويحُثُّ على العفو والصفح ومكارم الأخلاق، ويُحب التَّيمن فى طُهورِه وترجُّلِه – أي: تمشيط شعره – وتنعُّلِه وفي شأنه كله، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان مِن أذى، وإذا نام واضطجع اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، وجعل كفه اليمنى تحت خده الأيمن، وكان مجلسه مجلس عِلم، وحِلمٍ، وحياءٍ، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسَكِينة، لا تُرفع فيه الأصوات، ولا يُؤذَين فيه الحُرَم – أي: لا يُذكر فيه النساء -، يتعاطفون فيه بالتقوى، ويتواضعون، ويُوقَّر الكِبار، ويُرحَم الصِّغار، ويُؤثِرون المُحتاج، ويحفظون الغريب، ويَخرجون أدِلَّةً على الخير، وكان يُكرم كريم كل قوم ويولِّيه أمرهم، ويُكرم أهلَ الفضل في أخلاقهم، ويستألِفُ أهل الشَّرف بالبِرِّ لهم، ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يَجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ويصبر على مَن لم يستجب لدعوته ويَحْلَم عليهم، وصحَّ أنه: (( قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ))، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط إلا أن يُجاهِد في سبيل الله، ويتلطَّف بالكبير والصغير، ويُسلِّم عليهم، ويمازحهم، وما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، وقد جمع الله سبحانه وتعالى له صلى الله عليه وسلم كمالَ الأخلاق، ومحاسنَ الشيَّم، وآتاه مِن علم الأوَّلِين والآخِرين شيئًا كثيرًا، وما فيه نجاةَ الناس وفوزهم، وهو أمىٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا مُعلِّمَ له مِن البشر، وآتاه ما لم يؤت أحدًا مِن العالمين، واختاره على جميع الأوَّلِين والآخِرين، وكان أشجعَ الناس وأربطَهم جأشًا، وصحَّ عن علي – رضي الله عنه – أنه قال: (( كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ ))، وصحَّ عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا ))، وكان طيَّب النَّفْس مع أهله، جميل العشرة لهم، ويُسابق نساءه، وما ضرب منهن امرأة قط، ويَقرع بينهن إذا سافر إقامة للعدل بينهن، فمن فازت بالقرعة أخذها معه، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي )).

فصلوات الله عليه وسلامه دائمين إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:ــــــــــــــــــــ

 الحمد لله المحمود على كل حال، والصلاة والسلام على عبد ورسوله محمد طيِّب الخصال، وعلى الصَّحب والآل ما تعاقبت الأيام والليال.

إما بعد، عباد الله:

فاتقوا الله ربكم حق تقاته، ولا تموتن إلا على التوحيد والسُّنَّة، واعلموا أن مِن أعظم نعم الله على كثير مِن عباده توفيقَهم للإقتداء بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في القول، والفعل، والترك، وسيرَهم على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه – رضي الله عنهم -، ولا ريب عند كل ذي دِين وإيمان أن مَن وافقه ووافقهم في القول والفعل والترك فهو على صراط مستقيم، وهو المُصيب، وعلى الحق والهدى، ومَن خالفه وخالفهم فهو على طريق ضلالة، وفي الباطل يتقلَّب، وقد قال الله – جلَّ وعزَّ – زاجرًا عن ذلك ومُرهِّبًا: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }.

وقال سبحانه مُرغِّبًا ومُبشِّرًا: { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }.

هذا وأسأل الله تعالى أن يجنبني وإياكم الشرك والبدع والمعاصي، وأن يرزقنا لزوم التوحيد والسنة والاستقامة عليهما إلى الممات، وأن يشرح صدورنا للاقتداء والاهتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، اللهم آمنا في مراكبنا ومساكننا ومساجدنا وأعمالنا وأسفارنا، وأصلح ووفق ولاتنا وجندنا وعلماءنا وأهلينا، اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وأزل ما بهم من خوف وجوع، وقهم الأمراض والأوبئة، وأعذهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم قاتل النصيريين والحوثيين والخوارج وكل مَن عاونهم وساندهم، اللهم أنزل عليهم  بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، ومزقهم في الأرض كل ممزق، واخذلهم في العالمين، إنك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

تنبيه:

هذه الخطبة مأخوذة مِن كتاب “تهذيب الأسماء واللغات” لفقيه الشافعية ومحدِّثهم أبي زكريا النووي الشافعي – رحمه الله – مع زيادات.