إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > مقال بعنوان: “إفادة الحريصين بالأحكام الفقهية الخاصة بالأضحية والمضحِّين “.

مقال بعنوان: “إفادة الحريصين بالأحكام الفقهية الخاصة بالأضحية والمضحِّين “.

  • 23 أغسطس 2017
  • 3٬028
  • إدارة الموقع

 إفادة الحريصين بالأحكام الفقهية الخاصة بالأضحية والمضحِّين

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للخلق أجمعين، وعلى آله وأصحابه المكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد أيها المسلم ــ وفقك الله للفقه في دينه ــ:

فإن مِن التقصير الذي تقع فيه جموع كثيرة مِن المسلمين في عامة الأقطار:

“ترك تعلُّم الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات التي سيقومون بأدائها، ودخلوا في زمَن أحكامها”.

وإن مِن العبادات التي قربت أيامها، وبدأ دخول شيء مِن أحكامها:

” التقرب إلى الله بذبح الأضاحي “.

وقد كتبت هذه الرسالة المختصرة عن الأحكام الخاصة بها، تذكيرًا لي ولك، وقد جعلتها في مسائل ليسهل عليك فهمها، ويحصل الإلمام بها، وتضبطها جيدًا.

فأسأل الله تعالى أن ينفعني وإياك بها في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.

ثم أقول مستعينًا بالله القوي العزيز:

المسألة الأولى / عن المراد بالأضحية.

قال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ في كتابه “رسائل فقهية” (ص:45):

الأضحية هي: ما يُذبح مِن بهيمة الأنعام في أيام الأضحى بسبب العيد تقربًا إلى الله ــ عزَّ وجلَّ ــ.اهـ

المسألة الثانية / عن مشروعية الأضحية.

قال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (23/ 161):

وأما الأضحية فإنها مِن أعظم شعائر الإسلام، وهي النُّسك العام في جميع الأمصار، والنُّسك المقرون بالصلاة، وهي مِن ملة إبراهيم الذي أُمرنا باتباع ملته.اهـ

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (10/ 3):

ولا خلاف في كونها من شرائع الدين.اهـ

وهي مشروعة بالسُّنة النبوية المستفيضة، وبالقول والفعل عنه صلى الله عليه وسلم

حيث قال أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( ضَحَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ )).

رواه البخاري (5565 )، ومسلم ( 1966).

وقال صلى الله عليه وسلم للناس في خطبة عيد الأضحى معلِّمًا ومرغِّبًا: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا )).

رواه البخاري (951)، ومسلم ( 1961) مِن حديث البراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ.

بل وضحى صلى الله عليه وسلم حتى في السفر، فقال ثوبان ــ رضي الله عنه ــ: (( ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ: أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ»، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ )).

رواه مسلم (1975).

وأعطى صلى الله عليه وسلم أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ غنمًا ليضحوا بها.

حيث ذكر عقبة بن عامر ــ رضي الله عنه ــ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ أَنْتَ» )).

رواه البخاري (2500)، ومسلم (1965).

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (13/ 360):

وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية.اهـ

وقال الفقيه ابن جاسر الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام” (ص:956):

والأضحية مشروعة إجماعًا.اهـ

وفي كتاب “مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 71) للعلامة عبيد الله المباركفوري ــ رحمه الله ــ:

والأصل في مشروعيتها الكتاب والسُّنة والإجماع.

أما الكتاب، فقوله تعالى: { فصل لربك وانحر } أي: صل صلاة العيد وانحر النسك، أي: الأضحية، كما قاله جمع من المفسرين.

وأمَّا السُّنة، فما روي في ذلك من أحاديث الباب، وهي متواترة من جهة المعنى، لأنها مشتركة في أمر واحد، وهو مشروعية الأضحية.

وأمَّا الإجماع، فهو ظاهر لا خلاف في كونها من شرائع الدين، وقد تواتر عمل المسلمين بذلك من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وهي من سُّنة إبراهيم ــ عليه السلام ــ لقوله تعالى: { وفديناه بذبح عظيم }.اهـ

المسألة الثالثة / عن الأضحية للمسافر.

قال ثوبان ــ رضي الله عنه ــ: (( ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ»، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ )).

رواه مسلم (1975).

وأخرجه الحاكم (7557) بلفظ: (( ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحيته في السفر ثم قال: «يا ثوبان أصلح لحمها» فلم أزل أطعمه منها حتى قدمنا المدينة )).

وقال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.اهـ

ووافقه الذهبي.

وقال العلامة الشوكاني ــ رحمه الله ــ عقبه في كتابه “نيل الأوطار” (5/ 190):

فيه تصريح أن الأضحية مشروعة للمسافر كما تشرع للمقيم وبه قال الجمهور.اهـ

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المهذب” (8/ 405):

يُستحب التضحية للمسافر كالحاضر، هذا مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء.اهـ

وأخرج النسائي (4383) واللفظ له، والحاكم (7538-7541) عن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: (( كُنَّا فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ الْأَضْحَى، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَشْتَرِي الْمُسِنَّةَ بِالْجَذَعَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ لَنَا رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ هَذَا الْيَوْمُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ الْمُسِنَّةَ بِالْجَذَعَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْجَذَعَ يُوفِي مِمَّا يُوفِي مِنْهُ الثَّنِيُّ» )).

وصححه: الحاكم، والألباني، ومحمد علي آدم الإثيوبي.

وقال العلامة محمد علي آدم الإثيوبي ــ سلمه الله ــ في كتابه “ذخيرة العقبى في شرح المجتبى” (33/ 316) عقبه:

المسألة الثانية: فِي فوائده:

ومنها: مشروعيّة الأضحية فِي السفر.اهـ

وقال الفقيه أبو بكر الجصاص الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح مختصر الطحاوي” (7/ 317):

إلا أن الفقهاء متفقون على أنها غير واجبة على المسافرين.اهـ

المسألة الرابعة / عن نوع هذه المشروعية للأضحية.

قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ــ رحمه الله ــ في كتابه “أضواء البيان” (5/ 619):

أكثر أهل العلم مِن الصحابة فمَن بعدهم على أن الأضحية سُنَّة لا واجبة.اهـ

وبنحوه قال الفقيه النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المهذب” (8/ 354)، والحافظ ابن حجر العسقلاني  ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (10/ 3)، وغيرهما.

واستُدِل على كونها سُنَّة لا واجبة بما يأتي:

أولًا ــ بحديث أم سلمة ــ رضي الله عنها ــ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).

رواه مسلم (1977).

ووجه الاستدلال مِن هذا الحديث:

أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّق الأضحية بإرادة المضحي، والواجب لا يُعلَّق على الإرادة.

ثانيًا ــ بالآثار الواردة عن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ في ترك الأضحية مع اليسار والقدرة.

حيث ثبت عن حذيفة بن أَسِيد ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ــ وَمَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يُسْتَنَّ بِهِمَا )).

رواه عبد الرزاق (8139)، والطبراني في “المعجم الكبير (3058)، والبيهقي (19035)، واللفظ لهما.

وصححه: ابن حزم، والنووي، وابن كثير، والألباني.

وثبت عن أبي مسعود الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدَعَ الْأُضْحِيَةَ وَإِنِّي لَمِنْ أَيْسَرِكُمْ بِهَا مَخَافَةَ أَنْ يُحْسَبَ أَنَّهَا حَتْمٌ وَاجِبٌ )).

رواه عبد الرزاق (8148 -8149)، والبيهقي (19039).

وصححه: ابن حزم، والألباني.

وقال البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” في باب “سنة الأضحية” ( قبل حديث رقم: 5545 ) جازمًا:

وقال ابن عمر: (( هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ )).

وصححه: ابن حزم.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (10 / 3):

وصله حماد بن سَلَمة في “مصنفه” بسند جيد إلى ابن عمر.اهـ

وأخرج الخطيب البغدادي في كتابه “المتفق والمفترق” (1275) عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنه قال لرجل عن الأضحية:

(( أيحسبها حتمًا؟ لا، ولكنها حسنة )).

وقال الفقيه ابن حزم  الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المحلى” (6/ 10 ــ مسألة رقم:973):

لا يصح عن أحد مِن الصحابة أن الأضحية واجبة.اهـ

وقال الفقيه أبو الحسن ابن بطَّال المالكي ــ رحمه الله ــ عن فوائد هذا الترك للأضحية مِن هؤلاء الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ:

وهكذا ينبغي للعالم الذي يُقتدى به إذا خشي مِن العامة أن يلتزموا السُّنن التزام الفرائض أن يَترك فعلها ليُتأسى به فيها، ولئلا يُخلط على الناس أمر دينهم، فلا يُفرِّقوا بين فرضه ونفله.اهـ

ومَن ضحى وهو يخشى الفقر والحاجة، فليُبشر بموعود الله الحسن له، حيث يُخلِفُه عليه في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، حيث قال سبحانه: { ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }.

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 163-164):

ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ترك الأضحية، ونَدب إليها، فلا ينبغي لموسر تركها اهـ

وثبت عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( مَن وَجَدَ سَعَةً فلم يُضَحِّ فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنا )).

رواه الدار قطني (4743)، والحاكم (7566)، والبيهقي (19013)، وابن عبد البر في “التمهيد” (23/ 191).

وصححه: الذهبي، وغيره.

المسألة الخامسة / عن الأجناس التي يُضحَّى بها مِن الحيوانات.

الأنواع التي تُجزئ الأضحية بها مِن الحيوانات باتفاق العلماء، هي:

الإبل، والبقر، والضأن، والمعز، ذكورًا وإناثًا.

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (23/ 188):

والذي يُضحى به بإجماع مِن المسلمين: الأزواج الثمانية، وهي: الضأن، والمعز، والإبل، والبقر.اهـ

ومَن ضحى بغيرها لم تُجزئه عند عامة العلماء، الأئمة الأربعة، وغيرهم.

بقال الفقيه أبو بكر الجصاص الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح مختصر الطحاوي” (7/ 327):

ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.اهـ

وقال ابن الفقيه ابن رشد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” (2/ 435):

كلهم مجمعون على أنه لا تجوز الضحية بغير بهيمة الانعام إلا ما حكي عن الحسن بن الصالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، والظبي عن واحد.اهـ

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ “شرح صحيح مسلم” (13/ 125 ــ عند حديث رقم:1963):

وأجمع العلماء على أنه لا تجزئ الضحية بغير الإبل، والبقر، والغنم، إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبي عن واحد، وبه قال داود في بقرة الوحش.اهـ

وقال في كتابه “المجموع شرح المهذب” (8/ 369):

يصح التضحية بالذَّكر والأنثى بالإجماع.اهـ

المسألة السادسة / عن أفضل ما يُضحَّى به مَن الأصناف الأربعة السابقة.

أفضل ما يُضحَّى به مِن الأصناف الأربعة:

الإبل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز، ثم سُبع بَدنة، ثم سُبع بقرة.

وإلى هذا ذهب أكثر العلماء مِن السلف الصالح فمَن بعدهم.

حيث قال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ “شرح صحيح مسلم” (13/ 126 ــ عند حديث رقم:1963):

ومذهبنا ومذهب الجمهور أن أفضل الأنواع: البَدنة، ثم البقرة، ثم الضأن، ثم المعز.

وقال مالك: الغنم أفضل.اهـ

ويدل على هذه الأفضلية التي ذهب إليها أكثر العلماء، ما يأتي:

أولًا ــ قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: (( مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ )).

رواه البخاري (881)، ومسلم (850)، مِن حديث أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ.

والمراد بالبَدنة: الناقة مِن الإبل.

ووجه الاستدلال مِن هذا الحديث:

أنه صلى الله عليه وسلم قدَّم الإبل في القُربة إلى الله سبحانه فجعلها في الدرجة الأولى، وجعل البقر في الدرجة الثانية، والغنم في الثالثة.

وقال الفقيه سراج الدين ابن الملقن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التوضيح لشرح الجامع الصحيح” (5/ 16):

 فالشافعي والأكثرون ذهبوا إلى أن التضحية بالبُدن أفضل من البقر، لتقديم البَدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة.اهـ

وبنحوه قال الفقيه النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في ” شرح صحيح مسلم” (8/ 147).

وَسَلَّمَ

ثانيًا ــ قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح حين سئل: أيُّ الرقاب أفضل؟: (( أَعْلاَهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا )).

رواه البخاري (2581) واللفظ له، ومسلم (84) مِن حديث أبي ذر ــ رضي الله عنه ــ.

والإبل أغلى في الثمن وأنفس مِن البقر، والبقر أغلى وأنفس مِن الغنم، وأكثر لحمًا، ونفعًا للفقراء.

ثالثًا ــ القياس على الهدي في الحج.

حيث قال ابن الفقيه رشد الحفيد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” (2/ 320):

العلماء متفقون على أن الأفضل في الهدايا الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ثم المعز.اهـ

ووجه ذلك:

أن الهدي مِن أعظم شعائر الحجاج أيام النَّحر، والأضحية مِن أعظم شعائر غير الحجاج في الأمصار، وهما نُسك بالنَّص، وأيام ذبحهما واحدة، وطريقة التصرف في لحمهما متفقة، ويجزئ فيهما سُبع البدنة والبقرة، فكانا كذلك في الأفضلية.

المسألة السابعة / عن الاشتراك بين المضحين في الإبل والبقر.

وتحت هذه المسألة فرعان:

الفرع الأول: عن حكم اشتراك أكثر مِن مُضحٍّ في ناقة أو بقرة.

يجوز أن يشترك في البعير أو البقرة سبعة مِن المضحِّين، ولا يجوز أكثر مِن سبعة.

وهو قول أكثر أهل العلم.

وقد نسبه إليهم: الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي في كتابه “الكافي في فقه أهل المدينة” (1/ 420)، والإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي في كتابه “المغني” (13/ 363).

وذلك قياسًا على الهدي في الحج، لأن الجميع نُسك بالنَّص، ووقت ذبحهما واحد، وطريقة توزيع لحمهما واحدة.

وقد قال جابر بن عبد الله ــ رضي الله عنهما ــ: (( حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ )).

رواه ومسلم (1318).

فقام سُبع البعير وسُبع البقرة في الهدي مقام الواحدة مِن الغنم، والواحدة مِن الغنم لا تجزئ إلا عن نفس واحدة، فكذلك السُبع.

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المهذب” (8/ 371):

يجوز أن يشترك سبعة في بَدنة أو بقرة للتضحية، سواء كانوا كلهم أهل بيت واحد أو متفرقين، أو بعضهم يريد اللحم فيجزئ عن المتقرب، وسواء كان أضحية منذورة أو تطوعًا.

هذا مذهبنا، وبه قال أحمد، وداود، وجماهير العلماء.اهـ

الفرع الثاني: عن حكم اشتراك أهل البيت الواحد في سُبع بعير أو سُبع بقرة.

لا ريب أن الأفضل لِمُريد الأضحية عن نفسه وعن أهل بيته أن يضحي بشاة واحدة مِن الغنم.

وقد دَلَّ على هذه الأفضلية أمران:

الأمر الأول: ثبوت التشريك في الرأس الواحد مِن الغنم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ــ رضي الله  عنهم ــ، بخلاف التشريك في سُبع البَدنة أو البقرة فلم يأت فيه حديث ولا أثر.

وقد صح عن أبي أيوب الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنه سُئل: (( كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» )).

رواه الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147)، وغيرهما.

وصححه: الترمذي، وابن العربي، وموفق الدين ابن قدامة المقدسي، والسيوطي، والألباني.

وصحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين ذبح أضحيته: (( بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ )).

رواه مسلم (1967).

وعن عكرمة التابعي ــ رحمه الله ــ: (( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَذْبَحُ الشَّاةَ يَقُولُ أَهْلُهُ: وَعَنَّا، فَيَقُولُ: وَعَنْكُمْ )).

رواه عبد الرزاق في “مصنفه”(8152) بسند صحيح.

وقال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين الحنبلي ــ رحمه الله ــ كما في “الدرر السَّنية” (5/ 406):

وأما في الفضل فقد ذَكر العلماء: أن الشاة أفضل مِن سُبع بَدنة.اهـ

الأمر الثاني: أن التضحية بشاة واحدة تَقَرُّبٌ إلى الله تعالى بدم كامل مستقل، والتضحية بسُبع بَدنة أو سُبع بقرة تَقَرُّبٌ بدم مُشرَّك مُبعَّض، والقُربة بالدم المستقل أفضل مِن القُربة بالدم المشرَّك.

فإن أشرَك الرجل في سُبع البعير أو سبع البقرة أهل بيته معه، ففي الإجزاء تردُّد ونظر، والبعد عنه أسلم، لثلاثة أشياء:

الأول ــ أن هذا النوع مِن التشريك لم يأت فيه نصٌّ لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ.

وإنما ورد النَّص في التشريك في الشاة الكاملة، فيُقتصر على ما ورد في النَّص، ولا يُتجاوز.

وقد قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ كما في “فتاويه ورسائله” (6/ 150):

سُبع البَدنة لا يجزئ إلا عن شخص واحد، والدليل إنما يُطلب ممن أجازه، لأنه المدَّعي إجزاء السُبع عن اثنين فصاعدًا، ولا فرق في ذلك بين الهدايا والضحايا، ولا يجد مدَّعي ذلك إلى تحصيل الدليل سبيلًا، والنُّسك عبادة محضة، والعبادات توقيفية.اهـ

وقال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين ــ رحمه الله ــ كما في “الدرر السَّنية” (5/ 406):

وأما مسألة التشريك في سُبع البَدنة أو البقرة فلم أر ما يدل على الجواز ولا عدمه.اهـ

الثاني ــ أن هذا التشريك لم يُنقل فِعله عن السلف الصالح مِن أهل القرون المفضلة ــ رحمهم الله ــ.

حيث قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ كما في “فتاويه ورسائله” (6/ 149) عن هذا التشريك:

ما جاء عن السلف فِعل ذلك لا في الهدايا، ولا في الضحايا.اهـ

وقال العلامة عبد الله بن محمد بن حميد ــ رحمه الله ــ كما في “الدرر السَّنية” (5/ 408):

أما الاشتراك في سُبع البَدنة، فلم أر أحدًا مِن أهل العلم يقول به، بل أفتى الرَّملي الشافعي وبعض فقهاء نجد قبل هذه الدعوة بالمنع، لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: (( تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته ))، ولأن الشاة دم مستقل، بخلاف سُبع البَدنة، فإنه شِركة في دم، ولعدم مساواته لها في العقيقة والزكاة، فحينئذ يُقتصر على مورِد النَّص، والله أعلم.اهـ

الثالث ــ أن سُبع البُدنة أو البقرة في نُسك الهدي لا يجزئ إلا عن نفس واحدة بالنص والإجماع، فكذلك في نُسك الأضحية بالقياس.

فإن قيل:

إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقام سُبع البَدنة أو البقرة مقام الشاة الواحدة مِن الغنم في هدي الحج وهدي الإحصار، وهذا يدل على أنه مُجزئ عما تُجزئ عنه.

فقال جابر  بن عبد الله ــ رضي الله عنهما ــ: (( حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ )).

فيجاب عن هذا بأمور ثلاثة:

الأول: أن حديث جابر ــ رضي الله عنه ــ نصٌ في إجزاء البَدنة أو البقرة عن سَبعة أنفس، وليس في التشريك في السُبع.

وإدخال التشريك في السُبع فيه يُعتبر زيادة على النَّص.

الثاني: أن هذا الفهم لا يُعرف إعماله عن السلف الصالح مِن أهل القرون الأولى، ولا نُقل تداوله عن المتقدمين مِن أئمة الفقه وشُرَّاح الحديث، مع توافر الإبل والبقر عند الناس، حتى أنها عند كثير منهم أكثر من الغنم.

وقد قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ كما في “فتاويه ورسائله” (6/ 149):

ما جاء عن السلف فِعل ذلك لا في الهدايا، ولا في الضحايا.اهـ

وقال العلامة عبد الله بن محمد بن حميد ــ رحمه الله ــ كما في “الدرر السَّنية” (5/ 408):

لم أر أحدًا مِن أهل العلم يقول به.اهـ

الثالث ــ أن سُبع البُدنة أو البقرة في نُسك الهدي لا يجزئ إلا عن نفس واحدة بالنص والإجماع، فكذلك في نُسك الأضحية بالقياس.

المسألة الثامنة / عن الأفضل في الأضحية، وهل هو شاة كاملة أو سُبع مِن بعير أو بقرة.

ذهب  أكثر أهل العلم إلى أن الأفضل هو التضحية بشاة كاملة.

وقد نسبه إليهم: الفقيه المُناوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فيض القدير” (3 / 469)، وغيره.

وقال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين الحنبلي ــ رحمه الله ــ كما في “الدرر السَّنية” (5/ 406):

ذكر العلماء أن الشاة أفضل مِن سُبع بَدنة.اهـ

وذلك لأمرين:

الأول: أنه المنقول المستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ــ رضي الله عنهم ــ.

والثاني: أن إراقة الدم مقصودة في الأضحية، ومَن ذبح شاة فإنه قد انفرد بالتَّقرُّب بإراقة الدم كله، بخلاف المضحي بسُبع بعير أو سبُع بقرة فهو مُتقرِّب بدم مشرَّك.

المسألة التاسعة / عن أضاحي الغنم. 

وتحت هذه المسألة أربعة فروع:

الفرع الأول: عن اشتراك أهل البيت الواحد في أضحية واحدة من الغنم.

تجزأ الواحدة مِن الضأن أو المعز ذكورًا وإناثًا عن الرجل وأهل بيته، وعن المرأة وأهل بيتها، ومِن أحد الإخوان أو الأخوات في البيت الواحد عن جميع مَن في البيت.

وذلك لِمَا صحَّ عن أبي أيوب الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنه سُئل: (( كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ» )).

رواه الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147)، وغيرهما.

وصححه: الترمذي، وابن العربي، وموفق الدين ابن قدامة، والسيوطي، والألباني.

ولَمَّا أضجع النبي صلى الله عليه وسلم أضحيته ليذبحها قال: (( بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ )).

رواه مسلم (1967) مِن حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ.

وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (6/ 413):

وكافة علماء الأمصار في تجويز ذبح الرجل عنه، وعن أهل بيته الضحية، وإشراكهم فيها معه.اهـ

الفرع الثاني: عن ضابط أهل البيت الذين تُجزئ عنهم شاة واحدة.

قال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين” (25/ 41-42) في بيان ضابط أهل البيت الواحد الذين تكفي في حقهم أضحية واحدة:

إذا كان طعامهم واحدًا، وأكلهم واحدًا، فإن الواحدة تكفيهم، يُضحي الأكبر عنه، وعن أهل بيته.

وأما إذا كان كل واحد له طعام خاص، يعني مطبخ خاص به، فهنا كل واحد منهم يضحي، لأنه لم يشارك الآخر في مأكله ومشربه.اهـ

وقال أيضًا (25/ 43):

أصحاب البيت الواحد أضحيتهم واحدة ولو تعدَّدوا، فلو كانوا إخوة مأكلهم واحد، وبيتهم واحد، فأضحيتهم واحدة، ولو كان لهم زوجات متعددة، وكذا الأب مع أبنائه، ولو كان أحدهم متزوجًا، فالأضحية واحدة.اهـ

وذكر القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (6/ 414) هذه الضوابط الثلاثة عن أصحاب مالك:

الأول: أن يكون المشرَّكون في الأضحية مِن قرابة المضحي، ومَن في حُكمِهم كالزوجة.

الثاني: أن يكون المشرَّكون تحت نفقة المضحي وجوبًا أو تطوعًا.

الثالث: أن يكون المشرَّكون ممن يسكنون مع المضحي وليسوا ممن بات عنده.

وقال العلامة عبد العزيز بن باز ــ رحمه الله ــ في “فتاوى نور على الدرب” (18/ 191-192):

إذا كنتم في بيت واحد مشتركين في السكن، أكلكم واحد وطعامكم، يكفيكم الضحية الواحدة.

أما إذا كان البيت شققًا مختلفة، كل أناس بشقة مستقلين بأنفسهم، فالسُّنة لكل أهل شقة، أو لكل دور من الأدوار أن يضحوا عن أنفسهم، هذا هو السُّنة.

أما إذا كنتم مجتمعين حالكم واحدة وطعامكم واحد، مشتركين في البيت سواء كان دورًا أو أدوارًا فالضحية الواحدة تكفي، وإن ضحيتم بأكثر فلا حرج في ذلك.اهـ

الفرع الثالث: عن الأضحية بأكثر مِن واحدة مِن الغنم.

لم يأت في النصوص الشرعية تحديد عدد معين، وقد ضحَّى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين.

فقال أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ )).

رواه البخاري (5558 و 5553-5564)، ومسلم (1966).

وأخرج البخاري (5553) عن أنس ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ»، وَأَنَا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ )).

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح مسلم” (13/ 120- عند حديث رقم: 1966):

وفي هذا الحديث جواز تضحية الإنسان بعدد من الحيوان.اهـ

وأخرج ابن ماجه (3148)، وعبد الرزاق في “مصنفه” (8150) ، والحاكم (7550 )، وغيرهم، عن أبي سَريحة الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( حَمَلَنِي أَهْلِي عَلَى الْجَفَاءِ بَعْدَ مَا عَلِمْتُ مِنَ السُّنَّةِ، كَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ يُضَحُّونَ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ، وَالْآنَ يُبَخِّلُنَا جِيرَانُنَا )).

وصححه: الحاكم، والذهبي، والبوصيري، والشوكاني، والرَّباعي، والألباني.

وقال الهيثمي: رواه الطبراني في “الكبير”، ورجاله رجال الصحيح.اهـ

وقال الفقيه أبو الحسن ابن بطَّال المالكي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح البخاري” (6 / 18):

فمن أراد أن يضحِّي عن نفسه باثنين وثلاثة، فهو أزيد فى أجره إذا أراد بذلك وجه الله، وإطعام المساكين.اهـ

وقال الفقيه برهان الدين ابن مازة الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المحيط البرهاني في الفقه النعماني” (6 / 101):

في «النوازل»: رجل ضحى بشاتين.

قال محمد بن سلمة: لا تكون الأضحية إلا بواحدة، وقال غيره مِن المشايخ: تكون الأضحية بهما، وبه أخذ الصَّدر الشهيد في «واقعاته»، وروى الحسن عن أبي حنيفة: لا بأس بالأضحية بالشاة والشاتين، وقد صحَّ أن رسول الله عليه السلام كان يُضحِّي كل سَنة بشاتين.اهـ

وفي “الفتاوى الفتاوى الهندية في مذهب الإمام أبي حنيفة” (42/ 273):

ولا يَمنع الزيادة، حتى لو ضحَّى بأقل مِن ذلك شيئًا لا يجوز، ولو ضحى بأكثر مِن ذلك شيئًا يجوز، ويكون أفضل.اهـ

وفي كتاب “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (10/ 11) للحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ:

وحكى الروياني مِن الشافعية استحباب التفريق على أيام النَّحر، قال النووي: “هذا أرفق بالمساكين، لكنه خلاف السُّنَّة” كذا قال، والحديث دال على اختيار التثنية ولا يلزم منه أن مَن أراد أن يضحي بعدد فضحى أوَّل يوم باثنين ثم فرَّق البقية على أيام النَّحر أن يكون مخالفًا للسُّنًّة.اهـ

وفي “فتح الباري” (10/ 10) أيضًا:

ومَن ثمَّ قال الشافعية” إن الأضحية بسَبع شياه أفضل مِن البعير، لأن الدم المراق فيها أكثر، والثواب يزيد بحسبه، وأن مَن أراد أن يًضحي بأكثر مِن واحد يُعجله.اهـ

وقال العلامة عبد العزيز بن باز ــ رحمه الله ــ كما في “فتاوى نور على الدرب” (18/ 196):

إذا ضحى الإنسان في بيته بواحدة عنه وعن أهل بيته حصلت السُّنَّة بهذا، وإن ضحى بأكثر: ثنتين، ثلاثًا، أربعًا، أو بناقة، أو بقرة، فلا بأس، يأكل ويُطعِم ويتصدق كل هذا طيب، إذا كان اللحم يؤكل.اهـ

الفرع الرابع: عن أفضل الأضاحي مِن الغنم.

الأفضل في الأضاحي مِن الغنم، هو ما كان موافقًا لأضحية النبي صلى الله عليه وسلم مِن جميع الجهات، ثم الأقرب منها.

وقد تقدم عن أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ )).

رواه البخاري (5558 و 5553-5564)، ومسلم (1966).

والأملح هو: الأبيض الذي يشوبه شيء مِن السواد.

وجاء في حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ )).

رواه مسلم (1967).

وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (6/ 412):

قوله في الحديث: (( يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ )) أي: أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود.اهـ

فدَلَّ هذا الحديث على أن أضحية النبي صلى الله عليه وسلم قد جمعت هذه الأشياء الثلاثة:

الأول: أنها مِن الكِباش.

يعني: مِن ذكران الضأن.

وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ: الكِباش هي: الخِرَاف الكبار.اهـ

وفي كونها كباش إشارة إلى سِمَنها.

وقد أخرج البخاري في “صحيحه” معلقًا مجزومًا به عن سهل بن حنيف ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( كُنَّا نُسَمِّنُ الأُضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ )).

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المهذب” (8/ 369):

وأجمع المسلمون على استحباب السَّمين في الأضحية، واختلفوا في استحباب تسمينها:

فمذهبنا والجمهور استحبابه.اهـ

الثاني: أنها ذات قرون.

قال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح مسلم” (13/ 128- عند حديث رقم:1966):

قال العلماء: فيُستحب الأقرن.اهـ

وقال الحافظ ابن عبد البر المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 136):

أما الكبش الأقرن الفحل فهو أفضل الضحايا عند مالك وأكثر أهل العلم.اهـ

الثالث: أن لونها أملح.

والأملح هو: الأبيض الذي يشوبه شيء مِن السواد.

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح مسلم” (13/ 129- عند حديث رقم:1966):

وأما قوله: (( أملحين )) ففيه استحسان لون الأضحية، وقد أجمعوا عليه.اهـ

وقال أيضًا:

وأجمعوا على استحباب استحسانها، واختيار أكملها.اهـ

وقال الفقيه مجد الدين ابن الأثير الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشافي في شرح مسند الشافعي” (3/ 564):

والمستحب في ألوان الضحية: أن يكون أبيض، فإن لم يكن فأعفر: وهو الأغبر، فإن لم يكن فأبلق بسواد، فإن لم يكن فأسود.اهـ

المسألة العاشرة / عن سِنِّ الأضحية.

الأضحية مِن جهة السن تنقسم إلى قسمين:

الأول: الإبل، والبقر، والمعز.

وهذه الأصناف الثلاثة لا يُجزأ منها في الأضحية إلا الثني فما فوق.

وقد نقله الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المهذب” (8/ 366) إجماعًا مِن العلماء.

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (23/ 188):

لا أعلم خلافًا بين العلماء أن الْجَذَعَ مِن المعز ومِن كل شيء يُضَحَّى به غير الضَّأن لا يجوز، وإنما يجوز مِن ذلك كله الثَّنِيُّ فصاعدًا.

ويجوز الْجَذَعُ مِن الضَّأن بالسُّنَّة المسنُونة.اهـ

قلت:

وهذا السِّنُّ على الأصحِّ مِن المَعْز: ما أتمَّ سَنَة ودخل في الثانية.

ومِن البقر: ما أتمَّ سنتين ودخل في الثالثة.

ونسبه الفقيه شمس الدين السَّرخسِي الحنفي ــ رحمه الله ــ  في كتابه “المبسوط” (12/ 10) إلى جمهور الفقهاء.

ومِن الإبل: ما أتمَّ خمس سنين ودخل في السادسة.

الثاني: الضأن مِن الغنم.

ولا يُجزأ مِن الضأن إلا الجَذَع فما فوق عند عامة أهل العلم.

بل حكاه الفقيه أبو زكريا النووي النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المهذب” (8/ 366) إجماعًا.

والجَذَع على الأصحِّ مِن جهة السِّنِّ: ما أتم سِتَّة أشهر، ودخل في الشهر السابع.

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح مسلم” (13/ 118):

والجَذَعُ مِن الضَّأن: ما له سَنَة تامَّة هذا هو الأصح عند أصحابنا، وهو الأشهر عند أهل اللغة وغيرهم، وقِيل: ماله سِتَّة أشهر، وقِيل: سبعة، وقِيل: ثمانية، وقِيل: ابن عشرة، حكاه القاضي، وهو غريب.اهـ

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (13/ 436-438):

قال أبو القاسم: وسمعت أبي يقول: سألت بعض أهل البادية: كيف تعرفون الضأن إذا أجْذَع؟ قالوا: لا تزال الصُّوفة قائمة على ظهره ما دام حَملًا، فإذا نامت الصُّوفة على ظهره، عُلم أنه قد أجذع.اهـ

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 154):

وعلامته: أن يرقد صوف ظهره قبل قيامه، فإذا كان ذلك، قالت الأعراب: فذا جَذَعٌ.اهـ

المسألة الحادية عشرة / عن العيوب التي تُرَدُّ بها الأضحية ولا تُجزأ معها.

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي )).

رواه أحمد (18510)، وأبو داود (2804)، والترمذي (1497)، والنسائي (4369-4371) واللفظ له، وابن ماجه (3144) وغيرهم، مِن حديث البراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ.

وصححه: الترمذي، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، والحاكم، والبغوي، وابن العربي، والنووي، وابن الملقن، والعيني، والألباني، ومحمد علي آدم الإثيوبي.

والمراد بـ(( العجفاء التي لا تُنْقِي )): الهزيلة التي لا مُخَّ في عظامها بسبب شدَّة هُزالها.

وإذا وُجِدَت هذه العيوب الأربعة في الأضحية فإنها لا تُجزئ بإجماع أهل العلم.

وقد نقله عنهم: ابن عبد البرِّ المالكي في كتابيه “الاستذكار” (15/ 124) و “التمهيد” (20/ 186)، وموفق الدين ابن قدامة الحنبلي في كتابه “المغني” (13/369)، وابن رشد المالكي في كتابه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” (2/ 435)، وأبو زكريا النووي الشافعي في كتابه “المجموع شرح المهذب” (8/ 379).

ومِن الأضاحي التي لا تجزئ أيضًا:

أولًا ــ العمياء.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن العوراء البيِّن عورها لا تُجزئ، فمِن باب أولى أن لا تُجزئ العمياء، لأن العمى أشد في العيب مِن العَوَر.

وقد نقل الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المهذب” (8/ 379) الإجماع على عدم جواز الأضحية بالعمياء.

وقال الفقيه بدر الدين العيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البناية شرح الهداية” (12 / 33):

وقال داود الأصفهاني: يجوز العمياء لأن الشرع ورد في العوراء ولم يرد في العمياء، والقياس عندي ليس بحجة.

وقالت العامة: الشرع لم يُجوِّز العوراء، والعمياء عوَرٌ وزيادة، فيكون النَّص الوارد في العوراء، واراد في العمياء، بدلالة النَّص كما في قوله سبحانه وتعالى: { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ }.اهـ

ثانيًا ــ مقطوعة أو مكسورة اليد أو الرِّجل أو المشلولة.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن العرجاء البيِّن عرجها لا تُجزئ، فمِن باب أولى أن لا تُجزئ مقطوعة أو مكسورة الرِّجل أو المشلولة، لأن القَطْع والكَسْر والشَّلل أشدُّ في العيب مِن العرَج.

وإلى عدم الإجزاء ذهب عامة العلماء.

ثالثًا ــ مقطوعة الأُذن كلها أو أكثرها.

حيث قال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 128):

ولا خلاف علمته بين العلماء أن قطع الأذن كلها أو أكثرها عيب يُتَّقى في الأضاحي.اهـ

وجاء عن على بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ مِن عدة طُرق أنه قال: (( أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ )).

رواه أحمد (732- 734 و 826 و 851)، وأبو داود (2804)، والترمذي (1498)، والنسائي (4372- 4373 و 4376)، وابن ماجه (3143)، وابن خزيمة (2915- 2914)، وغيرهم.

وصححه: الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، وابن الملقن، والعيني، والألباني، ومحمد علي آدم الإثيوبي.

وذكره الحافظ الضياء المقدسي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأحاديث المختارة أو المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما” (412-413 و 487).

ومعنى (( نَسْتَشْرِفُ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ)) أي: نطلب سلامتهما مِن العيب.

رابعًا ــ الهتماء.

والهتماء هي: التي لا أسنان لها.

حيث قال الإمام ابن عبد البرِّ المالكي  ــ رحمه الله ــ في كتابه الاستذكار” (15/ 131):

الهتماء لا تجوز عند أكثر أهل العلم في الضحايا.اهـ

وذلك لأن ذهاب الأسنان يُؤثِّر على أكلها العلف، ويُسبب ضعفها وهُزالها.

وقد أخرج مالك في “الموطأ” (1785) عن نافع مولى ابن عمر ــ رحمه الله ــ: (( أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ــ رضي الله عنه ــ كَانَ يَتَّقِي مِنَ الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ الَّتِي لَمْ تُسِنَّ، وَالَّتِي نَقَصَ مِنْ خَلْقِهَا )).

وإسناده صحيح.

والمراد بالتي (( لَمْ تُسِنَّ)) عند كثير مِن العلماء: التي لا أسنان لها.

وقال التابعي الجليل ابن شهاب الزُّهري ــ رحمه الله ــ: (( لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: الْمَسْلُولَةُ الْأَسْنَانِ )).

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 135) عقبه:

قول ابن شهاب في هذا الباب هو المعمول به.اهـ

يعني: عند العلماء.

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (26/ 308):

وأما التي لها أسنان في أعلاها فهذه تجزئ باتفاق.اهـ

خامسًا ــ الجرباء.

وإلى عدم إجزائها ذهب أكثر العلماء.

لأن الجرَب مرض بيِّن، يؤثِّر في السِّمَن، وفي طعم اللحم، ويُكرِّهه إلى الناس.

وقد قال التابعي الجليل ابن شهاب الزُّهري ــ رحمه الله ــ: (( لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: الْجَرْبَاءُ )).

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 135) عقبه:

قول ابن شهاب في هذا الباب هو المعمول به.اهـ

يعني: عند العلماء.

وفرَّق بعض فقهاء الحنفية فقالوا:

” الجرباء إن كانت سمينة جاز؛ لأن الجرب في الجلد، ولا نقصان في اللحم، وإن كانت مهزولة لا تجوز؛ لأن الجرب في اللحم فانتقص “.

وقال الفقيه بدر الدين العيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البناية شرح الهداية” (12 / 41) معلقًا كلامهم هذا:

والأصل عند العلماء كل عيب يؤثر في اللحم يمنع وإلا فلا.اهـ

سادسًا ــ الصَّكاء أو السَّكاء.

والصَّكاء أو السَّكاء هي: التي خُلقت بلا أذنين.

وعدم إجزائها هو قول أكثر العلماء.

منهم: مالك، والشافعي.

ووجه ذلك عندهم:

أن قطع الأذن كلها أو أكثرها لما كان مانعًا مِن الإجزاء بالإجماع، فعدم وجود الأذن أولى.

سابعًا ــ مقطوعة الإلية.

وعدم إجزائها هو قول أكثر العلماء.

لأنه عيب ظاهر، وأشد من قطع الأذن أو أكثرها الذي هو عيب مؤثر بالإجماع.

فائدة:

قال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح مسلم” (13/ 120):

وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء، وهو: المرض والعَجَف والعوَر والعرَج البيِّن لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح كالعمى، وقطع الرِّجل، وشِبْهِهِ.اهـ

وقال التابعي الجليل ابن شهاب الزُّهري ــ رحمه الله ــ: (( لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: الْمَجْذُوعَةِ ثُلُثِ الْأُذُنِ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهَا، وَلَا تَجُوزُ الْمَسْلُولَةُ الْأَسْنَانِ، وَلَا الصَّرْمَاءِ، وَلَا جَدَّاءُ الضَّرْعِ، وَلَا الْعَجْفَاءُ، وَلَا الْجَرْبَاءُ، وَلَا الْمُصَرَّمَةُ الْأَطْمَاءِ، وَهِيَ الْمَقْطُوَعَةُ حَلَمَةُ الثَّدْيِ، وَلَا الْعَوْرَاءُ، وَلَا الَعَرْجَاءُ )).

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 135) عقب كلام الإمام الزُّهري:

قول ابن شهاب في هذا الباب هو المعمول به.اهـ

يعني: عند العلماء.

المسألة الثانية عشرة / عن العيوب التي لو وجدت في الأضحية لم تُؤثِّر في إجزائها. 

الأفضل عند جميع أهل العلم هو سلامة الأضحية مِن العيوب التي لا تُؤثِّر في الإجزاء.

لِمَا صحَّ في “موطأ مالك” (1785): (( أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَّقِي مِنَ الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ: الَّتِي لَمْ تُسِنَّ، وَالَّتِي نَقَصَ مِنْ خَلْقِهَا )).

وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (6/ 411):

واستحب جميعهم فيها غاية الكمال، واجتناب النَّقْص.اهـ

ومِن العيوب التي لا تؤثر في إجزاء الأضحية:

أولًا ــ عدم وجود قرْن لها خِلقة.

حيث قال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح مسلم” (13/128 – عند حديث رقم:1966):

وأجمع العلماء على جواز التضحية بالأجمِّ الذي لم يُخلق له قرنان.اهـ

ونقل الإجماع أيضًا: ابن عبد البرِّ المالكي في “التمهيد” (20/ 171)، وأبو بكر الجصاص الحنفي في كتابه “شرح مختصر الطحاوي” (7/ 362-363)، والقدوري الحنفي كما في “البناية” (111/ 43)، وبدر الدين العيني الحنفي في “عمدة القاري” (21 / 150) وفي “البناية شرح الهداية” (12/ 38)، وابن حجر العسقلاني الشافعي في “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (10/ 11)، والقاضي فيصل المبارك النجدي الحنبلي في “خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام” (ص: 380).

ثانيًا ــ القطع اليسير أو الشق أو الكي في الأذن.

وبهذا قال أكثر أهل العلم.

بل قال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (13/ 373):

ويحصل الإجزاء بها، لا نعلم فيه خلافًا، ولأن شرط السلامة مِن ذلك يشق، إذ لا يكاد يوجد سالم مِن هذا كله.اهـ

ثالثًا ــ التضحية بما لا خِصية له مِن ذكور بهيمة الأنعام.

وبهذا قال عامة أهل العلم.

بل قال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (13/ 371):

ولا نعلم فيه خلافًا.اهـ

رابعًا ــ البَتراء التي لا ذَنَبَ لها خِلقة.

وهو قول أكثر أهل العلم.

خامسًا ــ مكسورة القرْن.

حيث قال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (20/ 171):

على هذا جماعة الفقهاء، لا يرون بأسًا أن يضحي بالمكسورة القرْن، وسواء كان قرنها يُدمِي أو لا يُدمِي.اهـ

وقال أيضًا في كتابه “الاستذكار” (15/ 132-133):

جمهور العلماء على القول بجواز الأضحية بالمكسورة القرْن.اهـ

فائدة:

دَلَّ قول النبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: (( لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي )).

على:

“أن المرض الخفيف يجوز في الضحايا، والعرَج الخفيف الذي تلحق به الشاة في الغنم، وكذلك النُّقطة في العين إذا كانت يسيرة، وكذلك المهزولة التي ليست بغاية في الهُزال، ولا خلاف في ذلك”.اهـ

قاله الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابيه: “التمهيد” (20/ 168) و “الاستذكار” (15/ 125).

وقال ابن الفقيه ابن رشد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” (2/ 435-436):

أجمع العلماء على اجتناب العرجاء البين عرجها في الضحايا، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تُنْقى، مصيرًا لحديث البراء بن عازب، وكذلك أجمعوا على أن ما كان من هذه الاربع خفيفًا فلا تأثير له في منع الاجزاء.اهـ

المسألة الثالثة عشرة / عن وقت ذبح الأضحية.

وتحت هذه المسألة أربعة فروع:

الفرع الأول: عن أوَّل وقت ذبح الأضاحي.

اتفق العلماء على أن أوَّل أيام ذبح الأضحية هو اليوم العاشر مِن شهر ذي الحِجة، وهو يوم العيد، عيد الأضحى، وعيد النَّحر، ولا تجوز الأضحية ولا تُجزأ قبله.

وقد قال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (3 / 290-291):

وكالضَّحايا في أيامها لا يُعمل شيء مِن ذلك في غيرها، قام دليل الإجماع على ذلك.اهـ

وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 536):

فوقت الذبح بلا نزاع أضحية كانت أو هديًا بعد صلاة العيد بالبلد.اهـ

وقد أخرج البخاري (968) واللفظ له، ومسلم (1961) عن البراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ  النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» )).

واتفق العلماء أيضًا على أن ذبح الأضحية قبل صلاة العيد لمن كان مِن أهل الحضر لا يجوز ولا يُجزأ.

وقال شمس الدين السفاريني الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “كشف اللثام شرح عمدة الأحكام” (3/ 193):

والمقصود: قبل فِعل الصلاة، إن كان يُصلي العيد في تلك البلد، فإن تعدَّدت الصلاة، فمِن أسبق صلاة في البلد.اهـ

وقد أخرج البخاري (5500)، ومسلم (1960) واللفظ له، عن جُنْدب البَجلي ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( شَهِدْتُ الْأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: « مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ – أَوْ نُصَلِّيَ -، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ » )).

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (23/ 182):

وأجمعوا على أن الذبح لأهل الحضر لا يجوز قبل الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ )).اهـ

وقال في كتابه “الاستذكار” (15/ 154):

أجمعوا أن مَن ذبح قبل الصلاة، وكان ساكنًا بمصر مِن الأمصار أنه لا يُجزئه ذبحه كذلك.

واختلفوا في وقت ذبح أهل البادية للضَّحِيَّة.اهـ

وقال الفقيه أبو الحسن ابن بطَّال المالكي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح البخارى” (6/ 25):

السُنَّة الذبح بعد الصلاة، وأجمع العلماء أن مَن ذبح قبل الصلاة فعليه الإعادة، لأنه ذبح قبل وقته.

واختلفوا فيمن ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام.اهـ

ونَقل الإجماع أيضًا على عدم الإجزاء:

ابن حزم الظاهري في “المحلى” (6/ 43 – مسألة رقم:982)، وابن رشد المالكي في “بداية المجتهد” (2/ 189)، وبدر الدين العيني الحنفي في “عمدة القاري شرح صحيح البخاري” (21/ 157)، والزرقاني في “شرح الموطأ” (3/ 111).

قلت:

وذبح الأضحية بعد صلاة العيد وخطبته مباشرة هو أفضل أوقات الذبح، لأنه فِعل النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد قال البراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ: (( خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا )).

رواه البخاري (968)، ومسلم (1961).

وأما مَن كان في مكان لا تُقام فيه صلاة العيد كالبدو الذين يتنقلون مِن مكان إلى آخَر بدوابهم لطلب العُشب، أو مَن يُعَيِّدون في مخيماتٍ في البرِّية، أو مَن يعملون في أماكن بعيدة عن المُدن والقُرى.

فإنهم ينتظرون بعد طلوع شمس يوم العيد وارتفاعها قِيد رُمح مقدار صلاة العيد وخطبته ثم يذبحون أضاحيهم.

فإذا فعلوا ذلك أجزأت أضحيتهم بالإجماع.

وإن انتظروا مقدار صلاة العيد بعد دخول وقتها أجزأت على أصحِّ أقوال أهل العلم.

الفرع الثاني: عن آخر وقت ذبح الأضاحي.

آخر وقت ذبح الأضاحي هو: غروب شمس اليوم الثاني مِن أيام التشريق.

فتكون أيام الذبح ثلاثة: يوم العيد، ويومان بعده.

يعني: اليوم العاشر، واليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر إلى غروب شمسه.

وبهذا قال أكثر أهل العلم مِن السلف الصالح فمَن بعدهم.

وثبت هذا القول عن عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك ــ رضي الله عنهم ــ مِن الصحابة.

حيث أخرج مالك في “الموطأ” (1774) عن نافع: (( أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: الْأَضْحَى: يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى )).

وإسناده صحيح.

وقال أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( الذَّبْحُ بَعْدَ النَّحْرِ: يَوْمَانِ )).

أخرجه ابن حزم في “المحلى” (6/ 40 – مسألة رقم: 982)، وابن بشران في “أماليه” (433)، والبيهقي (19255) واللفظ له.

وصححه: ابن حزم.

وقال الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “المغني” (13/ 386) لموفق الدين ابن قدامة:

أيام النحر ــ يعني: الذبح ــ ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.اهـ

وقال أيضًا كما في كتاب “المغني” (13/ 387):

أيام الأضحى التي أُجمِع عليها ثلاثة أيام.اهـ

وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الروض المربع” (3/ 167):

واعتمد أحمد ــ رحمه الله ــ وغيره على أقوال الصحابة، وقال: “عن خمسة مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم”، ولا يُعرف لهم مخالف مِن الصحابة.اهـ

وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله ــ كما في “مختصر اختلاف العلماء” (3/ 218 – مسألة رقم: 1318):

ولم يرو عن غيرهم من الصحابة [ خلافه ]، فثبتت حُجته، وأيضًا فإن مثله لا يُقال من جهة الرأي، فدلَّ أنه توقيف.اهـ

وقال الفقيه بدر الدين العيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البناية شرح الهداية” (12 / 26):

قول الصحابة الذين لم يُرو عن غيرهم مِن الصحابة خلافه، أولى بأن يُقال به.اهـ

قلت:

فمَن ذبح في هذه الأيام الثلاثة أجزأت أضحيته بإجماع، ومَن ذبح بعد خروجها بغروب شمس اليوم الثالث منها لم تُجزئ أضحيته عند أكثر العلماء.

وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى جواز ذبح الأضحية في اليوم الثالث عشر، وهو ثالث أيام التشريق، وتكون أيام الذبح عندهم أربعة، يوم العيد وثلاثة أيام بعده.

واحتُجَّ لهم بحديث: (( أَيَّام التَّشْرِيقِ كُلُّهَا ذَبْحٌ )).

وقد أخرجه البزار (3443)، والدارقطني (4756)، وغيرهما.

وهو حديث ضعيف، ضعفه أكثر أئمة الحديث ــ رحمهم الله ــ.

وهذا القول هو مذهب الشافعي، ونُقل عن عطاء والحسن مِن التابعين، وقول ابن المنذر، وابن تيمية، وابن باز، وابن عثيمين.

وفي كتاب “نوادر الفقهاء” (ص: 77 – رقم:64) للفقيه ابن بنت نعيم الجوهري ــ رحمه الله ــ:

وأجمعوا أن الضحية في اليوم الثالث عشر مِن ذي الحجة غير جائز إلا الشافعي فإنه أباحها كما في الأيام قبله.اهـ

وقال الفقيه أبو بكر الجصاص الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح مختصر الطحاوي” (7/ 329):

وقد رُوي عن بعضهم: أن أيام التشريق كلها من أيام الذبح، وهو عندنا شاذ، لاتفاق أئمة السلف على خلافه.اهـ

الفرع الثالث: عن الذبح ليلًا.

ذبح الأضحية في النهار أفضل، لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

ومَن ذبحها ليلًا جاز عند أكثر أهل العلم.

وقال الفقيه المحدِّث سراج الدين ابن الملقن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإعلام بفوائد عمدة الأحكام” (4/ 207):

واختلفوا في جواز التضحية في ليالي أيام الذبح.

فقال الشافعي: يجوز مع الكراهة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والجمهور.

وقال مالك في المشهور عنه وعامة أصحابه ورواية عن أحمد: لا يجزئه في الليل بل تكون شاة لحم.

وحُكِيَ عن أصحاب الرأي أيضًا.اهـ

وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المحلى” (6/ 44):

وما نعلم أحدًا مِن السلف قبل مالك منع مِن التَّضْحِيَة ليلًا.اهـ

تنبيه مهم:

قال الفقيه بدر الدين العيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البناية شرح الهداية” (12 / 29):

(م): “ويجوز الذبح في لياليها”.

(ش): أراد الليلتين المتسوطتين لا ليلة الرابع عندنا لخروج وقت التضحية بغروب الشمس من اليوم الثاني عشر، وعند الشافعي ــ رحمه الله ــ: يبقى.

أما ليلة العاشر وهي ليلة العيد لا يجوز بإجماع العلماء.اهـ

الفرع الرابع: عن ذبح الأضحية بعد انتهاء وقتها.

قال الفقيه عون الدين ابن هبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح عن معاني الصحاح” (1/ 560):

واتفقوا على أنه إذا خرج وقت الأضحية على اختلافهم فيه فقد فات وقتها، وأنه إن تطوع بها مُتطوع لم يصح.اهـ

وأراد بقوله: “واتفقوا”: الأئمة الأربعة.

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (3 / 290-291):

وكالضَّحايا في أيامها لا يعمل شيء مِن ذلك في غيرها، قام دليل الإجماع على ذلك.اهـ

المسألة الرابعة عشرة / عن الأكل والتصدق والإهداء مِن لحم الأضحية.

وتحت هذه المسألة فرعان:

الفرع الأول: عن تثليث لحم الأضحية.

قال الفقيه أبو عبد الله القرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (12/ 32):

ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يُستحب أن يَتصدق بالثلث، ويُطْعِمَ الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث.اهـ

وعن سلمة بن الأكوع ــ رضي الله عنه ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال في شأن لحوم الأضاحي: (( كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا )).

رواه البخاري (5569).

وفي حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا )).

رواه مسلم (1971).

وتقدم في حديث أبي أيوب الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ الصحيح، أنه قال: (( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ )).

وقال ثوبان ــ رضي الله عنه ــ: (( ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ»، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ )).

رواه مسلم (1975).

وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المحلى” ( 5/ 313):

ومِن طريق وكيع، عن ابن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ قال: (( الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا: ثُلُثٌ لِأَهْلِك، وَثُلُثٌ لَك، وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِين )).

والإسناد حسن.

وصحَّ عن علقمة التابعي ــ رحمه الله ــ أنه قال: (( بَعَثَ مَعِي عَبْدُ اللَّهِ بِهَدْيِهِ قَالَ: وَأَمَرَنِي إِنْ نَحَرْتُهُ: أَنْ أَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ، وَآكُلَ ثُلُثًا، وَأَبْعَثَ إِلَى أَهْلِ أَخِيهِ بِثُلُثٍ )).

وعبد الله هو ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ.

وقد أخرجه ابن أبي عروبة في كتاب “المناسك” (رقم: 110)، وابن أبي شيبة في “مصنفه” (13190) واللفظ له، والطبراني في “المعجم الكبير”( 9702 و 9181)، وابن حزم في “المحلى” (5/ 313)، والبيهقي (10238)، وأبو يوسف في “الآثار” ( 582).

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (13/379-380) في تقوية استحباب التثليث:

وَلَنَا: ما رُوِيَ عن ابن عباس في صفة أضحية النبي  صلى الله عليه وسلم قال: (( يُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بِالثُّلُثِ )).

رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في “الوظائف”، وقال: حديث حسن.

ولأنه: قول ابن مسعود وابن عمر، ولم نَعرف لهما مخالفًا في الصحابة، فكان إجماعًا.

ولأن: الله تعالى قال: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ }.

والقانع: السائل، والمعترُّ: الذي يَعتَريك، أيْ: يتعرض لك لتطعمه، فلا يسأل.

فذكر ثلاثة أصناف، فينبغي أن يُقسَم بينهم أثلاثًا.اهـ

وقال أيضًا (13/ 379):

قال أحمد: “نحن نذهب إلى حديث عبد الله، يأكل هو الثلث، ويطعم من أراد الثلث” ويتصدق على المساكين بالثلث”.

قال علقمة: (( بَعَثَ مَعِي عَبْدُ اللَّهِ بِهَدِيَّةٍ ، فَأَمَرَنِي أَنْ آكُلَ ثُلُثًا ، وَأَنْ أُرْسِلَ إلَى أَهْلِ أَخِيهِ عُتْبَةَ بِثُلُثٍ ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا ثُلُثٌ لَك ، وَثُلُثٌ لِأَهْلِك ، وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينِ )).اهــ

قلت:

فإن لم يأكل المضحي من أضحيته شيئًا، وأطعم الفقراء جميعها جاز، وكان تاركًا للأكمل.

فقد قال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (6/ 425):

وقال الطبري: جميع أئمة الأمصار على جواز أن لا يأكل منها شيئًا، ويُطعِم جميعها.اهـ

والطبري هو الإمام المفسر والفقيه المحدِّث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ــ رحمه الله ــ.

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المهذب” (08/ 391):

بل يجوز التصدق بالجميع، هذا هو المذهب، وبه قطع جماهير الأصحاب، وهو مذهب عامة العلماء.اهـ

وقال في “شرح صحيح مسلم” (13/ 140):

وأما الأكل منها فيستحب ولايجب، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة إلا ما حُكِيَ عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها، وهو قول أبى الطيِّب ابن سلمة مِن أصحابنا، حكاه عنه الماوردي، لظاهر هذا الحديث في الأمر بالأكلِ، مع قوله تعالى: { فَكُلُوا مِنْهَا }.

وحمَل الجمهور هذا الأمر على النَّدب أو الإباحة.اهـ

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (13/380):

والأمر في هذا واسع، فلو تصدق بها كلها، أو بأكثرها جاز، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وقال أصحاب الشافعي: يجوز أكلها كلها.اهـ

وقال الفقيه بدر الدين العيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البناية شرح الهداية” (12 / 52):

الأكل مِن أضحيته مستحب عند أكثر العلماء، وعند الظاهرية: واجب، وحُكي ذلك عن أبي حفص الوكيل من أصحاب الشافعي.اهـ

وقال الفقيه المحلي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه ” معين الأمة” (ص:318):

لو كانت الأضحية تطوعًا يستحب له أن يأكل منها بالاتفاق.

وقال بعض العلماء بوجوبه.اهـ

وقال ابن الفقيه ابن رشد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه ” بداية المجتهد ونهاية المقتصد” (2/ 450):

اتفقو على أن المضحي مأمور أن يأكل من لحم أضحيته ويتصدق لقوله تعالى: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } وقوله تعالى: { وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ }  ولقوله صلى الله عليه وسلم في الضحايا: ((  كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا )).اهـ

وقال أيضًا (2/ 451):

والعلماء متفقون ــ فيما علمت ــ أنه لا يجوز بيع لحمها.

واختلفوا في جلدها وشعرها وما عدا ذلك مما يُنتفع به منها، فقال الجمهور: لا يجوز بيعه، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه بغير الدراهم والدنانير، أي: العروض، وقال عطاء: يجوز بكل شئ دراهم ودنانير وغير ذلك.اهـ

وقال الفقيه عون الدين ابن هبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح عن معاني الصحاح” (1/ 558):

واتفقوا ــ أي: الأئمة الأربعة ــ على أنه لا يُعطي ذابحها بأجرته شيئًا منها، لا من الجلد، ولا من اللحم.اهـ

الفرع الثاني: عن إطعام الكافر مِن لحم الأضحية.

يجوز إطعام الكافر مِن لحم الأضحية عند أكثر أهل العلم إذا لم يكن حربيًّا.

حيث قال الحافظ ابن المنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على مذاهب العلماء” (3/ 410):

أجمع أهل العلم على إباحة إطعام فقراء المسلمين مِن لحوم الضحايا.

واختلفوا في إطعام أهل الذِّمة.

فرخَّص في إطعام اليهود والنصارى مِن ذلك:

الحسن البصري، وهو كشِبه مذهب أصحاب الرأي، وبه قال أبو ثور.

وقال مالك: غيرهم أحب إلينا، وقد كان مالك: يكره إعطاء النصارى جلد الضَّحية أو شيء مِن لحمها.

وكره ذلك الليث بن سعد.

فأما ما طُبخ مِن لحوم الضحايا، وكانت الظئر وما أشبهها عند أهل البيت، فأرجو أن لا يكون به بأس في ما تُصيب منه معهم.اهـ

والجواز أيضًا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ.

حيث قال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ  في كتابه “المغني” (13/ 381):

ويجوز أن يُطعِم منها كافرًا.

وبهذا قال الحسن، و أبو ثور، وأصحاب الرأي، وقال مالك: غيرهم أحب إلينا، وكره مالك والليث إعطاء النصراني جلد الأضحية.اهـ

وفي “البيان والتحصيل” (3 / 343-344) لأبي الوليد ابن رشد المالكي ــ رحمه الله ــ:

وسُئل مالك: عن أهل الإسلام أيهدون مِن ضحاياهم لأهل الذِّمة مِن جيرانهم؟

فقال: لا بأس بذلك، ورجع عنه بعد ذلك، وقال: لا خير فيه، غير مرة.اهـ

واختار الجواز: ابن باز، وعبد الرزاق عفيفي، وابن عثيمين.

وذلك لأنه لم يرد في الشرع ما يَنهى عن إعطائهم من لحم الأضحية، بل جاء فيه ما يُجيز الإحسان إليهم إذا لم يكونوا حربيين، حيث قال الله تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }.

وأخرج البخاري في “الأدب المفرد” (105) واللفظ له، وأبو داود (5152)، والترمذي (1943)، والحُميدي (604)، وغيرهم، عن عبد الله بن عمرو ــ رضي الله عنهما ــ: (( أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً فَقَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِي الْيَهُودِيِّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ » )).

وقال الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ عقبه:

حديث حسن غريب مِن هذا الوجه.اهـ

وقال العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “إرواء الغليل” (3 / 402):

وإسناد هذا صحيح على شرط مسلم.اهـ

ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (( فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ )).

أخرجه البخاري (2363)، ومسلم (2244)، من حديث أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ.

وفي “فتاوى اللجنة الدائمة” (11/ 424 – رقم:1997) برئاسة الإمام عبد العزيز بن باز ــ رحمه الله ــ:

يجوز لنا أن نُطعِم الكافر المعاهد والأسير مِن لحم الأضحية، ويجوز إعطاؤه منها لفقره أو قرابته أو جِواره، أو تأليف قلبه.

لأن النسك إنما هو في ذبحها أو نَحرها؛ قربانًا لله، وعبادة له.اهـ

وفي “كفاية النبيه في شرح التنبيه” (8/ 92)، و “أسنى المطالب في شرح روض الطالب” (1/ 545)، وغيرهما مِن كتب الشافعية:

قال الشافعي في “البويطي”: ولا يُطعِم منها أحدًا على غير دين الإسلام.اهـ

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المهذب” (8/ 425):

ولم أرَ لأصحابنا كلامًا فيه، ومقتضى المذهب أنه يجوز إطعامهم مِن ضحِّية التطوع دون الواجبة.اهـ

وأما الكافر الحربي فلا يجوز أن يُطعَم منها، لأن في إطعامه تقوية له، والمطلوب شرعًا إضعافه.

وفي “فتاوى اللجنة الدائمة” (11/ 424 – رقم:1997) برئاسة الإمام عبد العزيز ابن باز ــ رحمه الله ــ:

ولا يُعطى مِن لحم الأضحية حربيًّا؛ لأن الواجب كبْته وإضعافه، لا مواساته وتقويته بالصدقة.اهـ

المسألة الخامسة عشرة / عن كيفية ذبح الأضحية.

وتحت هذه المسألة ثلاثة فروع:

الفرع الأول: عن أقسام الأضحية المذبوحة.

الأضحية المذبوحة على قسمين:

القسم الأول: الإبل.

والسُّنَّة في الإبل أن تُنْحَرَ في الُّلبَّة، قائمة على ثلاث، ومقيَّدة اليد اليسرى.

حيث قال أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( نَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا )).

رواه البخاري (1712 و 1714).

وعن زياد بن جُبير ــ رحمه الله ــ: (( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )).

رواه البخاري (1713)، ومسلم (1320) واللفظ له.

وصحَّ عن عبد الله بن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنه قال: (( يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } قَالَ: « قِيَامًا عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ مَعْقُولَةً، بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ» )).

أخرجه وكيع في “نسخته عن الأعمش”(3)، والحاكم (1791) واللفظ له، والطبراني في “الدعاء”(951)، والبيهقي (10217).

وقال الحافظ أبو عبد الله الحاكم ــ رحمه الله ــ عقبه:

هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرِّجاه.اهـ

ووافقه الذهبي.

وذكره الحافظ ضياء الدين المقدسي ــ رحمه الله ــ  في كتابه “الأحاديث المختارة أو المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما” (10/ 17 – رقم:7).

وأخرجه أيضًا ابن جرير الطبري في “تفسيره” (18/ 632-633 و 16/ 255-258)، من عدِّة طُرق عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ.

وفي أحد ألفاظه أنه قال عن معنى قوله سبحانه: { صَوَافَّ } أي: (( مَعْقُولَة إِحْدَى يَدَيْهَا، قَائِمَة عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ )).

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح مسلم” (9/76 – عند حديث رقم:1320):

يُستحب نَحْر الإبل وهي قائمة معقولة اليد اليسرى …، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، والجمهور.اهـ

وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ  في كتابه “حاشية الروض المربع” (4/225):

قال الموفق وغيره: لا خلاف في استحباب نَحْر الإبل، وذبح ما سواها.اهـ

القسم الثاني: البقر والضأن والمعز.

وهذه الأنواع الثلاثة يُستحب عند ذبحها، أن تُضجع على جانبها الأيسر، ثم تُذبح.

وقد قال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الروض المربع” (4/226):

أجمع المسلمون على إضجاع الغنم والبقر في الذبح.اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (10/21) عن الغنم:

واتفقوا ــ أي: أهل العلم ــ على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، يضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (26/ 309-310):

الأضحية وغيرها تُضجع على شقها الأيسر، ويضع الذابح رجله اليمين على عنقها، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومَن أضجعها على شقها الأيمن وجعل رجله اليسرى على عنقها تكلَّف مخالفة يديه ليذبحها فهو جاهل بالسُّنَّة، معذِّب لنفسه وللحيوان، ولكن يَحِل أكلها؛ فإن الإضجاع على الشق الأيسر أروح للحيوان، وأيسر في إزهاق النفس، وأعون للذبح، وهو السُّنَّة التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليها عمل المسلمين، وعمل الأمم كلهم.اهـ

الفرع الثاني: عن تنكيس صفة ذبح أو نَحر الأضحية.

إن عكس المُضحي أو مَن ينوب عنه فذَبَح ما يُنْحَر، أو نَحرَ ما يُذبَح جاز مع الكراهة عند أكثر أهل العلم.

وهو مذهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.

بل قال الإمام ابن المنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على مذاهب أهل العلم” (3/ 431):

وليس يَختلف الناس أن مَن نَحر الإبل وذبح البقر والغنم أنه مُصيب، ولا أعلم أحدًا حرَّم أكل ما نُحر مما يُذبح، أو ذُبح مما يُنحر، وكره مالك ذلك، وقد يكره المرء الشيء ولا يُحرمه.اهـ

وذلك لأن الذَّكاة قد وقعت في محلها وهو الرَّقبة، وانْهِر الدم، فحلَّ الأكل.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ )).

رواه البخاري (2507) واللفظ له، ومسلم (1968)، مِن حديث رافع بن خَديج ــ رضي الله عنه ــ.

الفرع الثالث: عن مباشرة المسلم ذبح أضحيته بنفسه، وتوكيله لغيره في ذبحها.

الأفضل أن يذبح المضحي أضحيته بيده، لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

حيث قال أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ )).

رواه البخاري (5558) واللفظ له، ومسلم (1966).

وفي حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ» ، ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ» ، فَفَعَلَتْ: ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» )).

رواه مسلم (1967).

وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” (عند حديث رقم:5559) جازمًا: (( وَأَمَرَ أَبُو مُوسَى بَنَاتِهِ أَنْ يُضَحِّينَ بِأَيْدِيهِنَّ )).

وذَكر الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري”(10/21) مَن وصَله، وقال عقبه:

وسنده صحيح.اهـ

وثبت عن عبد الله بن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنه: (( كَانَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ )).

رواه مالك في “الموطأ” ( 145).

فإن وكَّل المضحي في ذبح أو نَحر أضحيته مسلمًا جاز باتفاق العلماء.

وذلك لِمَا أخرجه مسلم (1218) عن جابر بن عبد الله ــ رضي الله عنهما ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ )).

وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (2/ 107):

وفيه مِن الفِقه: أن يتولى الرجل نَحر هديه بيده، وذلك عند أهل العلم مستحب مستحسن، لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بيده، ولأنها قُربة إلى الله ــ عزَّ وجلَّ ــ فمباشرتها أولى.

وجائز أن يَنحر الهدى والضحايا غير صاحبها، ألا ترى أن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ نَحر بعض هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أمر لا خلاف بين العلماء في إجازته، فأغنى عن الكلام فيه، وقد جاءت رواية عن بعض اهل العلم: “أن مَن نَحر أضحيته غيره كان عليه الإعادة ولم يجزه”.

وهذا محمول عند أهل الفهم على أنها نُحِرت بغير إذن صاحبها، وهو موضع اختلاف.

وأما إذا كان صاحب الهدي أو الضحية قد أمر بنحر هديه أو ذبح أضحيته، فلا خلاف بين الفقهاء في إجازة ذلك، كما لو وكَّل غيره بشراء هديه فاشتراه، جاز بإجماع.اهـ

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح مسلم” (13/ 116):

قوله: (( وَانْكَفَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا )).

فيه: إجزاء الذَّكر في الأضحية، وأن الأفضل أن يذبحها بنفسه، وهما مُجمع عليهما.اهـ

وقد قال الفقيه عون الدين ابن هبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح عن معاني الصحاح” (1/ 335):

واتفقوا ــ أي: الأئمة الأربعة ــ على أَن ذبح العَبْد مِن المسلمين في الجواز كالحرِّ وامرأة من المسلمين، والمراهق في ذلك كالرَّجل.اهـ

وأما توكيل الكافر الكتابي في ذبح الأضحية فجائز عند أكثر أهل العلم، لأنه مِن أهل الذكاة.

حيث قال الله سبحانه: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ }.

وقال العلامة السعدي ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (1/ 221):

أي: ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم يا معشر المسلمين دون باقي الكفار، فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين، وذلك لأن أهل الكتاب ينتسبون إلى الأنبياء والكتب.اهـ

وقد قال الفقيه عون الدين ابن هبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح عن معاني الصحاح” (1/ 335):

واختلفوا هل يجوز أن يذبحها كتابي؟

فقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز مع الكراهة.

وقال مالك: لا يجوز أَن يذبحها إلا مسلم.

وعن أحمد روايتان كالمذهبين أشهرهما الجواز.اهـ

وقال الفقيه جمال الدين الصردفي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة” (1/ 408):

عند الشافعي وأحمد وأكثر العلماء  يكره أن يستنيب في ذبح أضحيته أو هديه يهوديًا ويجزئه.

وعند مالك: لا يجوز، فإن استناب من ذكرناه وذبحها لم يجزئه وكانت شاة لحم.اهـ

وممن نُقل عنه الجواز مِن التابعين:

إبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح ــ في رواية صحيحة عنهما ــ، والزُّهري.

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (13/ 389):

وجملته أنه يستحب أن لا يذبح الأضحية إلا مسلم لأنها قُربة، فلا يليها غير أهل القُربة، وإن استناب ذميًّا في ذبحها جاز مع الكراهة.

وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.

وحُكي عن أحمد: لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم.

وهذا قول مالك.

وممن كره ذلك: علي وابن عباس وجابر ــ رضي الله عنهم ــ، وبه قال الحسن و ابن سيرين.اهـ

ثم قال ــ رحمه الله ــ في ترجيح الجواز:

ولنا: أن مَن جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم.

ويجوز أن يتولى الكافر ما كان قُربة للمسلم كبناء المساجد والقناطر، …، والمستحب أن يذبحها المسلم ليخرج مِن الخلاف، وإن ذبحها بيده كان أفضل.اهـ

وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المحلى” (6/ 44 – مسألة رقم:983):

ونَستحب للمضحي رجلًا كان أو امرأة أن يذبح أضحيته أو ينحرها بيده، فإن ذبحها أو نَحرها له بأمره مسلم غيره أو كتابي أجزأه، ولا حرج في ذلك.

وقولنا هذا هو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان.اهـ

وقال الفقيه بدر الدين العيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البناية شرح الهداية” (12 / 59) بعد ذِكر الجواز عند الحنفية:

وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال مالك: لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم.اهـ

وممن رويت عنه الكراهة مِن التابعين:

سعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخرساني، ومجاهد، وعطاء بن ابي رباح في رواية، والشعبي، وطاوس.

وعن جابر بن عبد الله ــ رضي الله عنهما ــ: (( أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَذْبَحَ النُّسُكَ إِلَّا مُسْلِمٌ )).

أخرجه أحمد ابن منيع كما في “المطالب العالية” (2292)، و “إتحاف الخيرة” (4759).

وإسناده حسن.

وجاء نحوه عن علي بن أبي طالب وابن عباس ــ رضي الله عنهم ــ .

وضعفهما ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المحلى” (6/ 45 – مسألة رقم:983).

ثم قال ــ رحمه الله ــ بعد ذلك:

إلا أنه عن الحسن، وإبراهيم، والشعبي، وسعيد بن جبير، صحيح.اهـ

تنبيه مهم:

قال الفقيه ابن جاسر الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام” (ص:915):

ومراد الأصحاب جواز توكيل الذِّمي الكتابي في ذبيحة هدي المسلم أو أضحيته إذا كان الكتابي يذبح الأضحية أو الهدي أو ينحرهما في موضعه الشرعي بشروطه المعتبرة.

أمَّا إن كان يذبحها بضرب المسامير أو الفؤوس في الرأس ونحوه، أو بالكهرباء كما عليه عمل بعض النصارى في هذا الزَّمن، فإنه لا يصح توكيله، ولا تَحل ذبيحته بذلك، لأن ذبحه للبهيمة على هذه الصفة لا يُسمَّى ذكاة، ولا تَحل بذلك، بل حكمها حكم المَيتة، فهي حرام كما لو فَعل ذلك مسلم وأولى.اهـ

المسألة السادسة عشرة / عن التسمية والتكبير والدعاء بالقبول عند ذبح الأضحية.

جاء في حديث أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذبح أضحيته: (( سَمَّى وَكَبَّرَ )).

رواه البخاري (5565)، ومسلم (1966).

وفي لفظ آخر عند مسلم: (( وَيَقُولُ: «بِاسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ» )).

وفي حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنها قالت في شأن ذبح النبي صلى الله عليه وسلم أضحيته: (( وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» )).

رواه مسلم (1967).

وصحَّ عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أن الذابح يقول: (( بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ )).

أخرجه وكيع في “نسخته عن الأعمش” (3) واللفظ له، وابن جرير في “تفسيره” (18/ 632-633 و 16/ 255-258)، والحاكم (1791)، والطبراني في “الدعاء” (951)، والبيهقي (10217).

وصححه: الحاكم، والذهبي.

وذكره الحافظ ضياء الدين المقدسي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأحاديث المختارة أو المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما” (10/ 17 – رقم:7).

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح مسلم” (13/ 129- عند حديث رقم:1966):

قوله: (( وَسَمَّى ))، فيه: إثبات التسمية على الضحية، وسائر الذبائح، وهذا مجمع عليه.اهـ

ومَن نسي التسمية عند الذبح، فإن ذبيحته حلال، ويجوز له الأكل منها عند أكثر أهل العلم.

وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الروض المربع” (4/450):

وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذبح سمَّى، فدلَّت الآية أن الذبيحة لا تَحل، إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلمًا، وهو رواية عن مالك.

وقيل: مستحبة، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة.اهـ

وقال أيضًا:

وجماعة السلف والخلف على سقوط التسمية سهوًا لا عمدًا.اهـ

وفي “مسائل عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه” (975) أنه قال:

” سألت أبي عمَّن ذبح ولم يُسَمِّ ناسيًا أو عامدًا؟ قال: أما ناسيًا فلا بأس إن شاء الله، وأما عامدًا فلا يعجبني “.اهـ

وقال الفقيه المحلي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه ” معين الأمة” (ص:318):

فإن ترَك التسمية عمدًا لم تؤكل ذبيحته، وإن تركها نسيانًا أكلت.

وفي رواية عن مالك: تصح مطلقًا سواء تركها عمدًا أو سهوًا، وعند أصحابه: إن تركها عمدًا لم تؤكل ذبيحته، ومنهم من يقول: إنها ميتة.

وقال الشافعي: تركها عمدًا أو سهوًا لا يؤثر.

وقال أحمد: إن تعمد الترك لم تؤكل، وإن تركها ناسيًا فعنه روايتان.اهـ

وقال الفقيه جمال الدين الصردفي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة” (1/ 409):

عند الشافعي وابن عباس وأبي هريرة وعطاء ومالك يستحب التسمية في الذبيحة ولا يجب ذلك، فإن تركها لم يؤثر وحل أكلها، سواء تركها عمدًا أو سهوًا.

وعند الشعبي وأبي ثور وداود: هي شرط في الإباحة.

وعند الثوري وأبي حنيفة وأصحابه: هى شرط في الإباحة مع الذكر دون النسيان.

وعند أحمد: لا يشترط مع النسيان، ومع الذكر روايتان.

وعند أصحاب مالك: إذا تركها عمدًا غير متأول حرُم أكلها، واختلفوا، فمنهم من قال: هي سُنَّة، ومنهم من قال: هي شرط مع الذكر.اهـ

وأما التكبير عند الذبح فهو سُنَّة بإجماع أهل العلم.

وقد نقله عنهم: العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الروض المربع” (4/ 227).

فائدة: هل يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذبح الأضحية.

قال الفقيه المحلي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه ” معين الأمة” (ص:318):

ويستحب عند الشافعي أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح.

وقال أبو حنيفة ومالك: يكره الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح.

وقال أحمد: ليس بمشروع.اهـ

وبنحوه قال الفقيه جمال الدين الصردفي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة” (1/ 409):

وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمهما الله ــ في “مسائله عن أبيه” (969):

قلت لأبي: هل يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبيحة؟

قال: ما سمعت فيه بشيء.اهـ

المسألة السابعة عشرة / عن استقبال القبلة عند ذبح الأضحية.

يُستحب عند ذبح الأضحية أن تكون إلى جهة القبلة.

وقد نقل العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الروض المربع” (4/226) الإجماع على ذلك.

وثبت عن عبد الله بن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنه: (( كَانَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ، يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا، وَيُوَجِّهُهُنَّ إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ )).

رواه مالك في “الموطأ” ( 145).

وثبت عنه ــ رضي الله عنه ــ أيضاً أنه: (( كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ ذَبِيحَةً لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ )).

رواه عبد الرزاق في “مصنفه” (8585)، ومِن طريقه ابن حزم في “المحلى” (6/ 143) واللفظ له.

ثم قال ابن حزم ــ رحمه الله ــ بعد ذلك:

ولا يُعرف لابن عمر مُخالف مِن الصحابة.اهـ

وثبت عن ابن سيرين التابعي ــ رحمه الله ــ أنه قال: (( كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُوَجَّهَ الذَّبِيحَةُ إِلَى الْقِبْلَةِ )).

رواه عبد الرزاق في “مصنفه” (8587).

وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المحلى” (6/ 143):

وصحَّت إباحة ذلك عن: النخعي، والشعبي، والقاسم بن محمد، والحسن البصري، إباحة أكلها.اهـ

ويقصد ــ رحمه الله ــ: إباحة أكل ما ذبح إلى غير القبلة.

المسألة الثامنة عشرة / عن أخذ مُريد الأضحية من شعره وأظفاره وجلده إذا دخلت عشر ذي الحجة الأُوَل.

وتحت هذه المسألة ثلاثة فروع:

الفرع الأول: عن حكم أخذ المُضَحِّي مِن شعره وأظفاره وجلده إذا دخلت العشر.

إذا دخلت العشر الأُوَل مِن شهر ذي الحجة فإن مُريد الأضحية منهِّي عن الأخذ مِن شعره وأظفاره وجلده حتى يُضحي.

وذلك لحديث أم سلمة ــ رضي الله عنها ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).

رواه مسلم (1977).

وفي لفظ آخَر لمسلم: (( مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ )).

وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشرح الممتع على زاد المستقنع” (7/ 488):

وقوله: (( أو بشرته )) أي: جلده.اهـ

قال الفقيه عون الدين ابن هبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح عن معاني الصحاح” (1/ 550-551):

واتفقوا ــ يعني: الأئمة الثلاثة ــ على أَنه يكره لمن أراد الأضحية أن يأخذ من شَعْرَة وظفرة في العشر إلى أن يُضحي.

وقال أبو حنيفة: لا يكره.اهـ

والكراهة تحريمية عند ابن المسيب وربيعة وأحمد وداود وإسحاق للنهي في حديث أم سلمة.

وللتنزيه عند مالك والشافعي وبعض الحنابلة.

وقال الفقيه جمال الدين الصردفي الشافعي ــ رحمه اللهــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة، (1/ 407)

عند الشافعي وأحمد وإسحاق وأكثر العلماء يكره لمن أراد أن يضحي إذا دخل عليه عشر ذي الحجة أن يأخذ شعره وظفره.

وعند أبي حنيفة: لا يكره له ذلك.

وعند أحمد في رواية وإسحاق: يحرم عليه ذلك.اهـ

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابيه “المجموع شرح المهذب” (8/ 363) و “شرح صحيح مسلم” (13/ 147- 148- عند حديث رقم:1977):

والمراد بالنهي عن الحلق والقْلم:

المنع مِن إزالة الظفر بقلْم أو كسر أو غيره.

والمنع من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذ بنورة أو غير ذلك.

وسواء شعر العانة والإبط والشارب والرأس وغير ذلك مِن شعور بدنه.اهـ

فإن أخذ مِن ذلك شيئًا فقد أساء، وخالف السُّنَّة، ولا كفارة عليه.

حيث  قال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (13/ 362-363):

فإن فعل استغفر الله تعالى، ولا فدية عليه إجماعًا، وسواء فعله عمدًا أو نسيانًا.اهـ

وقال الفقيه ابن جاسر الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام” (ص:970):

ولا فدية عليه إجماعًـا سواء فعله عمدًا أو سهوًا.اهـ

الفرع الثاني: عن حكم أخذ مَن يعولهم المُضّحِّي كالزوجة والأولاد مِن شعورهم وأظفارهم وجلودهم.

أهل البيت مِن زوجة وبنين وبنات وغيرهم مِمَّن يُضَحِّي عنهم مَن يعولهم مِن أبٍ أو زوجة أو ابنٍ أو أخٍ أو جدٍّ لأهل العلم ــ رحمهم الله ــ في حكم أخذهم وإمساكهم قولان:

القول الأوَّل: أنَّ حكمهم كحكم المُضَحِّي عنهم، فيُمسكون عن الأخذ كما يُمسك.

وهو المنقول عن سعيد بن المسيب من التابعين، والمذكور في كتب فقهاء المالكية والحنابلة.

وقُوِّي هذا القول بأمرين:

الأمر الأول: أن هذا الإمساك مُفتَى به في عهد السلف الصالح – رحمهم الله -.

فقد قال الإمام مُسدد ــ رحمه الله ــ في “مسنده” كما في “المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية” (رقم:2287) و “المحلى” (6/ 28 – مسألة رقم:976):

حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي قال: سمعتُ أبي يقول: (( كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ شَعْرِهِ، حَتَّى يَكْرَهَ أَنْ يَحْلِقَ الصِّبْيَانُ فِي الْعَشْرِ )).

وإسناده صحيح.

وقد قال بعض المعاصرين:

لا يُعرف عن غير ابن سيرين مِن التابعين قول في هذه المسألة.

وقال الإمام ابن قيم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “إعلام الموقعين عن رب العالمين” (4/ 90):

فصل:

في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوى الصحابية، وأنها أولى بالأخذ بها مِن آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قُربها إلى الصواب بحسب قُرب أهلها مِن عصر الرسول ــ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ــ.

وأن فتاوى الصحابة أولى أن يُؤخذ بها مِن فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى مِن فتاوى تابعي التابعين، وهلُمَّ جرا…اهـ

الأمر الثاني: أن الشَّرع الحنيف قد جعل لهم نوع مشاركة في الأضحية مع المضحِّي، وهي المشاركة في الأجر والثواب، فيشتركون معه في حكم ترك الأخذ، لأن الجميع يُعتبر في الشَّرع والعُرف مُضحِّـيًا، ويُطلق عليهم ذلك، فيقول الصغير: “سَنُضحِّي” و “ضحَّينا”، ويقول الناس له: قد ضحَّيتم، مع أن الأضحية مِن مال أبيه.

القول الثاني: أنه لا يُكره لهم الأخذ.

ونُقل هذا القول عن بعض متأخري الشافعية.

واختاره مِن المعاصرين: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين.

وحجَّة هذا القول:

ظاهر حديث أم سلمة ــ رضي الله عنها ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).

رواه مسلم (1799).

ووجه الاستدلال من هذا الحديث:

أن النهي عن الأخذ مِن الأظفار والشعر والبشرة وُجِّه إلى مُريد الأضحية، فيقتصر عليه دون غيره.

وأُجِيب عن هذا الاستدلال:

بأن المُضحَّى عنهم يُطلق عليهم اسم مضحِّ شرعًا وعُرفًا، فكانوا كمريدها، ودخلوا في الحديث.

وقد أخرج الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147)، وغيرهما عن عطاء بن يسار أنه قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى )).

وصححه: الترمذي، وابن العربي، وموفق الدين ابن قدامة، والسيوطي، والألباني، وغيرهم.

ولمَّا أضجع النبي صلى الله عليه وسلم أضحيته ليذبحها قال: (( بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ )).

رواه مسلم (1967) مِن حديث أم المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ.

وأخرج البخاري في “صحيحه” (7210) عن أبي عقيل زُهرة بن معبد عن جدِّه عبد الله بن هشام ــ رضي الله عنه ــ أنه: (( كَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ )).

الفرع الثالث: عن وقت النهي عن الأخذ ابتداء وانتهاء.

يبدأ وقت النهي عن الأخذ مِن الشعر والأظفار والبشرة بغروب شمس ليلة أول أيام شهر ذي الحجة، وينتهي بذبح الأضحية، سواء ذبحها المضحي في يوم العيد، أو اليوم الأوَّل أو الثاني مِن أيام التشريق.

وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ )).

رواه مسلم (1977).

وفي لفظ آخَر لمسلم: (( إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ )).

ومَن نوى الأضحية متأخرًا كمَن نواها في اليوم الثامن مِن شهر ذي الحجة مثلًا، وسيذبحها بعد ظهر ثاني أيام التشريق.

فوقت إمساكه عن الأخذ مِن شعره وجلده وأظفاره يبدأ مِن حين حصلت له هذه النِّية، وينتهي ــ فيجوز له الأخذ ــ بعد ظهر ثاني أيام التشريق بعد أن يذبح أضحيته.

المسألة التاسعة عشرة / عن حكم الاجتزاء بالأضحية عن العقيقة إذا ضُحِّيَّ بها عن المولود.

اختلف أهل العلم ــ رحمهم الله ــ في المولود الذي لم يُعق عنه إذا ضُحي عنه، هل تجزئ هذه الأضحية عن العقيقة؟ على قولين:

القول الأول: الإجزاء.

وهو قول محمد بن سيرين، والحسن البصري، وقتادة، وهشام بن عروة، مِن التابعين، ورواية عن أحمد، وقول بعض الشافعية.

وقال الإمام ابن قيم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “تحفة المودود بأحكام المولود” (ص:126):

قال الخلال: أخبرنا عبد الملك الميموني، أنه قال لأبي عبد الله: “يجوز أن يُضحَّى عن الصبي مكان العقيقة؟.

قال: لا أدري، ثم قال: غير واحد يقول به، قلت: من التابعين؟ قال نعم”.اهـ

واختاره: محمد بن إبراهيم آل الشيخ.

القول الثاني: عدم الإجزاء، وأن العقيقة والأضحية لا يتداخلان.

وهو المذكور في بعض كتب المالكية، وظاهر كلام جمع مِن الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد.

وفي “الفتاوى الفقهية الكبرى” (4/ 256) لابن حجر الهيتمي الشافعي ــ رحمه الله ــ:

الذي دَلَّ عليه كلام الأصحاب وجرينا عليه منذ سنين: أنه لا تداخل في ذلك.

لأن كلًا مِن الأضحية والعقيقة سُنَّة مقصودة لذاتها، ولها سبب يخالف الأخرى، والمقصود منه غير المقصود مِن الأخرى، إذ الأضحية فداء عن النفس، والعقيقة فداء عن الولد، إذ بها نموه وصلاحه ورجاء بِرِّه وشفاعته.

وبالقول بالتداخل يبطل المقصود مِن كل منهما، فلم يمكن القول به…اهـ

واختار هذا القول: الألباني، والعثيمين، وأحمد النجمي، وعبد المحسن العباد، وعُبيد الجابري.

وقال الإمام ابن قيم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “تحفة المودود بأحكام المولود” (ص:127) في بيان حُجَّة كل قول:

ووجه عدم وقوعها عنهما:

أنهما ذَبحان بسببين مختلفين، فلا يقوم الذَّبح الواحد عنهما، كدم المتعة، ودم الفدية.

ووجه الإجزاء:

حصول المقصود منها بذبح واحد، فإن الأضحية عن المولود مشروعة كالعقيقة عنه، فإذا ضحَّى ونوى أن تكون عقيقة وأضحية وقع ذلك عنهما، كما لو صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسُنَّة المكتوبة، أو صلَّى بعد الطواف فرضًا أو سُنَّة مكتوبة، وقع عنه وعن ركعتي الطواف، وكذلك لو ذبح المتمتع والقارن شاة يوم النحر أجزأه عن دم المتعة وعن الأضحية.اهـ

تنبيه مهم جدًا:

قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ كما في”فتاوى ورسائل سماحته” (6 / 159):

ثم نَعرف أنه لو اجتمع أضحية وعقيقة كفى واحدة. صاحب البيت عازم على التضحية على نفسه فيذبح هذه أضحية، وتدخل فيها العقيقة.

وفي كلام لبعضهم ما يؤخذ منه:

“أن لابد مِن الاتحاد”: أن تكون الأضحية والعقيقة عن الصغير.

وفي كلام آخرين:

أنه لا يُشترط، إذا كان الأب سيضحي، فالأضحية عن الأب، والعقيقة عن الولد.

الحاصل أنه إذا ذبح الأضحية عن أُضحية نواها وعن العقيقة كفى، وهذا مبسوط في “التحفة ” المذكورة.اهـ

المسألة العشرون / عن ذبح الأضحية والتصدق بثمنها أيهما أفضل.

ذهب أكثر العلماء إلى أن فِعل الأضحية أفضل مِن التصدق بثمنها على الفقراء، منهم: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد.

وقال العلا مة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 523):

وصرح ابن القيم وغيره بتأكد سنيتها، وأن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، لأنه صلى الله عليه وسلم وخلفاءه واظبواعليها، وعدلوا عن الصدقة بثمنها، وهم لايواظبون إلا على الأفضل.اهـ

وقال الفقيه بدر الدين العيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البناية شرح الهداية” (12 / 30) في ترجيح هذا القول:

لأن إراقة الدم في هذه الأيام أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء ــ رضي الله عنهم ــ بعده ضحوا فيها، ولو كان التصدق أفضل لاشتغلوا به.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 222):

والنحر أفضل من الصدقة، لأنه يجتمع فيه العبادتان البدنية والمالية، فالذبح عبادة بدنية ومالية، والصدقة والهدية عبادة مالية.اهـ

وقال الإمام ابن قيم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “تحفة المودود بأحكام المولود: (ص: 65)

الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه ولو زاد، كالهدايا والأضاحي فإن نفس الذبح وإراقة الدَّم مقصود، فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّك وانْحَر }، وقال: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي ونُسُكِي ومَحْيَاي ومَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالمِين }.

ففي كل مِلَّة صلاة ونَسيكة لا يقوم غيرهما مقامهما، ولهذا لو تصدق عن دم المُتْعَة والقِران بأضعاف أَضعاف القيمة لم يقم مقامه، وكذلك الأضحية.اهـ

ولمَّا قال الحافظ ابن المنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه ” الإشراف على مذاهب العلماء” (3/ 421 ــ مسألة:1697):

وقال أحمد وإسحاق: العقيقة أحب إلي من أن يُتصدق بثمنها على المساكين.اهـ

قال عقب ذلك: صدق أحمد، إتباع السنن أفضل.اهـ

واختار هذا القول: ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وابن باز، وابن عثيمين.

المسألة الحادية والعشرون / عن الأضحية للحاج.

 اختلف أهل العلم ــ رحمهم الله تعالى ــ في حكم الأضحية للحاج على أقوال:

القول الأوَّل: أنَّ حكمه كحكم غير الحاج يُضحي.

وقد نسبه العلامة محمد الأمين الشنقيطي ــ رحمه الله ــ في كتابه ” أضواء البيان” (5/ 205 و 206) إلى جماهير أهل العلم.

وذلك لعموم النصوص الشرعية المُرغِّبة في الأضحية، حيث لم تفرِّق بين حاج وغيره.

وقد قال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المحلى” (7/ 272 – مسألة رقم: 990):

وقد حض رسول الله ــ عليه السلام ــ على الأضحية، فلا يجوز أنْ يُمنع الحاج مِن الفضل والقُربة إلى الله تعالى بغير نصٍّ في ذلك.اهـ

وقال العلامة عبد العزيز بن باز ــ رحمه الله ــ في إجابة له على سؤال في تسجيل صوتي:

وظاهر الأحاديث الصحيحة أنَّها سُنَّة للحجاج وغيرهم.اهـ

ولبعض النصوص المصرحة بمشروعية الأضحية للحاج.

كقول عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (( فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ )).

أخرجه البخاري (5548) واللفظ له، ومسلم (1211).

وأجيب عن الاستدلال بهذا الحديث:

بأنَّ أكثر الرواة لم يقولوا: (( ضَحَّى ))، بل قالوا: (( نَحَرَ ))، كما عند البخاري في “صحيحه” (1709)، أو (( ذَبَحَ ))، كما عند مسلم في “صحيحه” (1211).

وبعضهم قال: (( أَهْدَى ))، كما عند مسلم في “صحيحه” (1211).

وقد قال الإمام ابن قيم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه  “زاد المعاد في هدي خير العباد” (2/ 237):

وأمَّا قول عائشة: (( ضحى عن نسائه بالبقر )) فهو هَدي أطلق عليه اسم الأضحية، وأنَّهن كنَّ متمتعات وعليهن الهدي، فالبقر الذي نحَره عنهن هو الهَدي الذي يلزمهن.اهـ

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (3/ 551):

وقد رواه المصنِّف في “الأضاحي” ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ: (( ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر )).

وأخرجه مسلم أيضًا من طريق عبد العزيز الماجشون، عن عبد الرحمن لكن بلفظ: (( أهدى )) بدل: (( ضحى)).

 والظاهر أنَّ التصرف مِن الرواة، لأنَّه ثبت في الحديث ذِكر النَّحر، فحمله بعضهم على الأضحية، فإنَّ رواية أبي هريرة صريحة في أنَّ ذلك كان عمَّن اعتمر مِن نسائه، فقويت رواية من رواه بلفظ:  (( أهدى ))، وتبين أنَّه هدي التمتع.اهـ

وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (4/ 245):

 وأمَّا قوله في الرواية الأخرى فى هذا الحديث: (( وضحى عن نسائه بالبقر )) فليس المراد بها الأضحية هنا، وإنَّما معناه: أهدى، بدليل الروايات الأُخَر.اهـ

وقرَّر هذا أيضًا جمع عديد من أهل العلم بالحديث والفقه.

ونُقلت التضحية في الحج عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ، حيث قال عبد الرزاق في “مصنفه” (8166):

عن محمد بن مُسلم، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة، قال: (( كَانَتْ تَذْبَحُ عَنْ نَفْسِهَا شَاةً بِمِنًى، وَلَا تَذْبَحُ عَنَّا )).

وإسناده حسن.

وقال ابن أبي شيبة في “مصنفه” (14193):

حدثنا وكيع، عن أفلح، عن القاسم، عن عائشة: (( أَنَّهَا كَانَتْ تَحُجُّ فَلَا تُضَحِّي عَنْ بَنِي أَخِيهَا )).

وإسناده حسن.

القول الثاني: أنَّ الحاج لا يُسَن له أنْ يُضحِّي.

حيث قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ــ رحمه الله ــ في كتابه ” أضواء البيان” (5/ 205):

وقد استثنى مالك وأصحابه الحاج بمِنى، قالوا: لا تُسَن له الأضحية، لأنَّ ما يذبحه هَدي لا أضحية.

وخالفهم جماهير أهل العلم، نظرًا لعموم أدلة الأمر بالأضحية في الحاج وغيره، ولبعض النصوص المصرحة بمشروعية الأضحية للحاج بمنى.اهـ

وأخرج ابن أبي شيبة في “مصنفه” (14192) بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي التابعي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( كَانَ أَصْحَابُنَا يَحُجُّونَ وَمَعَهُمُ الْأَوْرَاقُ وَالذَّهَبُ فَمَا يَذْبَحُونَ شَيْئًا، وَكَانُوا يَتْرُكُونَ مَخَافَةَ أَنْ يَشْغَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَنَاسِكِ )).

وفي لفظ لعبد الرزاق في “مصنفه” (8143) بإسناد صحيح: (( كَانُوا يَحُجُّونَ وَمَعَهُمُ الْأَوْرَاقُ فَلَا يُضَحُّونَ )).

ويقصد بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود ــ رضي الله عنه ــ.

ونُقل ترك الأضحية في الحج عن:

نافع بن جبير، والأسود، وعبد الرحمن بن يزيد، وعلقمة، وسالم، والشعبي، ومجاهد، وأبي الأحوص.

واختاره:

ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، والشنقيطي، وابن عثيمين.

وقال الإمام ابن قيم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه ” زاد المعاد في هدي خير العباد” (2/ 237) في شأن ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ:

 ومذهبه: أنَّ الحاج شُرع له التضحية مع الهدي.

والصحيح ــ إنْ شاء الله ــ الطريقة الأولى، وهَدي الحاج له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم يَقل أحد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو أضاحيهم، فهو هَدي بمِنى، وأضحية بغيرها.اهـ

القول الثالث: أنَّها تجب على المكي وإنْ حجَّ، ولا تجب على الحاج المسافر.

وهو قول عند الحنفية.

حيث جاء في كتاب “الجوهرة النيرة على مختصر القدوري” (2/ 186-187) مِن كتب الحنفية:

ولا تجب على الحاج المسافر، فأمَّا أهل مكة فإنَّها تجب عليهم وإنْ حجوا.

وفي “الْخُجَنْدِيِّ”: لا تجب على الحاج إذا كان مُحرِمًا، وإنْ كان من أهل مكة.اهـ

ومذهب أبي حنيفة ــ رحمه الله ــ وجوب الأضحية على المقيم.

وأهل مكة إنْ حجوا، فالمشاعر لا تُخرجهم عن حدِّ الإقامة، لأنَّ مسافتها ليست مسافة سفر.

وهذا توجيه هذا القول.

وقال الفقيه أبو بكر الجصاص الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح مختصر الطحاوي” (7/ 317):

إلا أنَّ الفقهاء متفقون على أنَّها غير واجبة على المسافرين.اهـ

المسألة الثانية والعشرون / عن حكم تبرع الحَيِّ بالأضحية عن الميت.

قال المحدِّث أبو العلا المباركفوري ــ رحمه الله ــ في كتابه ” تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي” (5/ 66 – عند حديث رقم:1528)

لم أجد في التضحية عن الميت منفردًا حديثًا مرفوعًا صحيحًا.

وأمَّا حديث علي المذكور في هذا الباب فضعيف كما عرفت.اهـ

وقال الإمام أبو عيسى الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سننه” (1495):

وقد رخص بعض أهل العلم أن يُضحَّى عن الميت، ولم ير بعضهم أن يُضحَّى عنه.

وقال عبد الله بن المبارك: “أحب إلي أن يتصدق عنه، ولا يُضحَّى عنه، وإن ضحَّى فلا يأكل منها شيئًا ويتصدق بها كلها.اهـ

ودونكم ما أشار إليه الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ من قولين بالتفصيل:

القول الأوَّل: أنه لا يُضحَّى عن الميت.

وهو قول عند الحنفية، وقول مالك، والمشهور عند الشافعية.

فقال علاء الدين الكاساني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” (5/ 72):

وإن كان أحد الشركاء ممن يُضحي عن ميت جاز، وروي عن أبي يوسف ــ رحمه الله ــ: أنه لا يجوز.

وذَكر في “الأصل”: إذا اشترك سبعة في بدنة فمات أحدهم قبل الذبح فرضي ورثته أن يُذبح عن الميت جاز استحسانًا، والقياس أن لا يجوز.

وجه القياس: أنه لما مات أحدهم فقد سقط عنه الذبح، وذبح الوارث لا يقع عنه، إذ الأضحية عن الميت لا تجوز.

وجه الاستحسان: أن الموت لا يمنع التقرب عن الميت، بدليل أنه يجوز أن يُتصدق عنه، ويُحج عنه، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين، أحدهما عن نفسه، والآخر عمَّن لا يَذبح من أمته، وإن كان منهم من قد مات قبل أن يَذبح،  فدَلَّ أن الميت يجوز أن يُتَقَرَّب عنه، فإذا ذُبح عنه صار نصيبه للقُربة، فلا يمنع جواز ذبح الباقين.اهـ

وفي كتاب “البحر الرائق شرح كنز الدقائق” من كتب الحنفية” (8/ 202):

وفي “الكبرى”: لو ضحَّى عن الميت بغير أمره: لا يجوز، وهو المختار، وفي رواية: تجوز.اهـ

وقال الإمام مالك بن أنس ــ رحمه الله ــ كما في “الجامع لمسائل المدونة” (5/ 850) لأبي بكر الصقلي المالكي ــ رحمه الله ــ:

وليس العمل أن يضحي عن أبويه وقد ماتا، ولا يعجبني ذلك.اهـ

وفي كتاب ” مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (3/ 247) مِن كتب المالكية:

قال في “التوضيح”: قال مالك في “المَوَّازِيَّة: ولا يُعجبني أن يضحي عن أبويه الميتَين.انتهى، قال الشارح في “الكبير”: أنما كَره أن يضحي عن الميت، لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من السلف، وأيضًا فإن المقصود بذلك غالبًا المباهاة والمفاخرة.اهـ

وفي “شرح مختصر خليل” (3/ 42) للخرشي المالكي ــ رحمه الله ــ:

 (ص) وفعلها عن ميت (ش) يعني: أنه يكره للشخص أن يضحي عن الميت خوف الرياء والمباهاة ولعدم الوارد في ذلك، وهذا إذا لم يعدها الميت وإلا فللوارث إنفاذها.اهـ

وقال الإمام أبو محمد الفراء البغوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التهذيب في فقه الإمام الشافعي” (8/ 45):

ولو ضحى عن الغير بغير أمره لا يجوز عنه، وكذلك عن ميت إلا أن يكون قد أوصى به.اهـ

وقال الفقيه أبو الحسين العمراني ــ رحمه الله ــ في كتابه “البيان في مذهب الإمام الشافعي” (4/ 449):

 قال الطبري في “العدة”: وكذلك لو ضحى عن ميت ولم يُوص بها لم يَجز.اهـ

ووجه هذا القول:

أن النصوص الواردة في الأضحية كلها في حق الأحياء، ولم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ أنهم ضحوا عن ميت.

وفي كتاب ” مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (3/ 247) مِن كتب المالكية:

قال الشارح في “الكبير”: أنما كَره أن يضحي عن الميت، لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من السلف.اهـ

وقال الفقيه حمد بن ناصر بن معمر الحنبلي ــ رحمه الله ــ كما في “الدرر السنية في الأجوبة النجدية” (5/ 401):

لأن التضحية عن الميت لم يكن معروفًا عن السلف.اهـ

وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ في “فتاوى نور على الدرب” (8/ 338):

والذي جاءت به السُّنة هي الأضحية عن الأحياء، فالنبي صلى الله عليه وسلم مات له أقارب، ولم يضح عنهم، وكل أولاده توفوا قبله إلا فاطمة ــ رضي الله عنها ــ، ومنهم من بلغ الحُلم، ومنهم من لم يبلغ الحُلم، فأبناؤه ماتوا قبل أن يبلغوا الحُلم، وبناته مُتن بعد أن بلغن الحُلم إلا فاطمة، فقد بقيت بعده ــ رضي الله عنها ــ، وأيضًا ماتت له زوجتان خديجة وزينب بنت خزيمة، ولم يضح عنهما، واستشهد عمه حمزة بن عبد المطلب، ولم يضح عنه، فهو لم يشرع الأضحية عن الميت بنفسه، ولم يدعُ أمته إلى ذلك.

وعلى هذا فنقول ليس من السُّنة أن يضحي عن الميت، لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عَلمتُه واردًا عن الصحابة أيضًا.

وإذا أوصى الميت أن يُضحي عنه فهنا تتبع وصيته، ويضحي عنه اتباعًا لوصيته، وكذلك إذا دخل الميت مع الأحياء ضمنًا، كأن يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته، وينوي بذلك الأحياء والأموات، وأما أن يُفرد الميت بأضحية من عنده فهذا ليس من السُّنة.اهـ

القول الثاني: جواز التضحية عن الميت.

وهو قول عند الحنفية، وقول بعض الشافعية، وقول طائفة من متأخري الحنابلة.

وقد تقدم أنه جاء في كتاب “البحر الرائق شرح كنز الدقائق” من كتب الحنفية” (8/ 202):

وفي “الكبرى”: لو ضحَّى عن الميت بغير أمره: لا يجوز، وهو المختار، وفي رواية: تجوز.اهـ

ولكن قال الفقيه السِّندي الحنفي ــ رحمه الله ــ كما في حاشية “مسند الإمام أحمد” (2/ 205 ــ عند حديث رقم: 843 ــ طبعة: الرسالة):

هذا وقد نَمق علماؤنا على الجواز، ففي “الوَلْوالجية”: رجل ضحى عن الميت، جاز إجماعًا، وهل يلزهه التصدق بالكل؟ تكلموا فيه، والمختار أنه لا يَلزَمُه، لأن الأجر للميت جار إجماعًا، والملك للمضحي.اهـ

وفي “حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار” (6/ 326) لابن عابدين الحنفي ــ رحمه الله ــ:

قال في “البدائع” لأن الموت لا يمنع التقرب عن الميت، بدليل أنه يجوز أن يتصدق عنه، ويحج عنه، وقد صح أن رسول الله ضحى بكبشين، أحدهما عن نفسه، والآخر عمن لم يذبح من أمته، وإن كان منهم من قد مات قبل أن يذبح.اهـ

وجاء في كتاب “النجم الوهاج في شرح المنهاج” (9/ 522) لكمال الدين الدَّمِيري الشافعي ــ رحمه الله ــ:

قال: [ ولا عن ميت إن لم يوص بها ] لقوله تعالى: { وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى }، وجوزها أبو الحسن العبادي، ومنعها البغوي.

قال الرافعي: والقياس جوازها عنه، لأنها ضَرب من الصدقة، والصدقة تصح عن الميت، وتصل إليه بالإجماع.اهـ

وفي كتاب “تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي” (9/ 368 ــ حاشية الشرواني) من كتب الشافعية:

وقيل: تصح التضحية عن الميت، وإن لم يوص، لأنه ضرب من الصدقة، وهي تصح عن الميت وتنفعه.اهـ

وفي كتاب ” المبدع في شرح المقنع” (3/ 271) من كتب الحنابلة للفقيه برهان الدين أبو إسحاق ابن مفلح ــ رحمه الله ــ:

وهي عن ميت أفضل، ويُعمل بها كأضحية الحي.اهـ

وقال الفقيه عثمان بن قائد الحنبلي النجدي ــ رحمه الله ــ في “حاشيته على منتهى الإرادات” (2/ 196):

قوله: [ وعن ميت أفضل ] يعني: أن تضحية الإنسان عن ميت أفضل منها عن حي، لشدة حاجة الميت.

وقوله: [ كعن حي ] يعني: من أكل، وإهداء، وصدقة.اهـ

وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الروض المربع” (4/ 238):

وهي عن ميت أفضل، لعجزه، واحتياجه للثواب، ويعمل بها كأضحية الحي، قال الشيخ وابن القيم وغيرهما: “التضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها”.اهـ

وقال في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 520)

ورخَّص بعض أهل العلم في الأضحية عن الميت، ومنعه بعضهم، وقول من رخَّص مطابق للأدلة، ولا حجة مع من منع.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في مجموع الفتاوى” (26/ 306)

وتجوز الأضحية عن الميت كما يجوز الحج عنه والصدقة عنه.اهـ

وقال العلامة عبد العزيز بن باز ــ رحمه الله ــ كما في “فتاوى نور على الدرب” (18/ 190):

الضحية سُنَّة عن الحي والميت، والذي يقول: إنها بدعة، قد غلط، والصواب أنها سُنَّة عن الحي والميت، قد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أحدهما عن محمد وآله، وفيهم الميت كبناته، وضحى بكبش ثانٍ عمَّن وحدَّ الله من أمة محمد، وفيهم الحي والميت، فالضحية عن الميت قربة وطاعة كالحي، فإذا ضحى عن أبيه الميت أو عن أمه الميتة، أو عن أخيه أو زوجته كله قُربة، وكله طاعة.اهـ

واحتج لهذا القول بما يأتي:

أولًا ــ بما صحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين ذبح أضحيته: (( بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ )).

رواه مسلم (1967).

وقالوا: هذا يشمل الحي والميت من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأجيب عن هذا الاستدلال:

بأن هذا الفعل خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، بدليل عدم فعل الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ له، كما نصَّ على ذلك عديد من أهل العلم.

وقد قال العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل” (4/ 354)

فائدة:

ما جاء فى هذه الأحاديث من تضحيته صلى الله عليه وسلم عن من لم يضح من أمته, هو من خصائصه صلى الله عليه وسلم كما ذكره الحافظ فى “الفتح” (9/ 514) عن أهل العلم.

وعليه فلا يجوز لأحد أن يقتدى به صلى الله عليه وسلم فى التضحية عن الأمة.اهـ

ثانيًا ــ بالقياس على الصدقة فإنها جائزة عن الميت بالإجماع.

وقالوا: الأضحية ضَرب من الصدقة.

وأجيب عن هذا الاستدلال:

بأن القياس هنا لا يَنتظم، لأن مقصود الصدقة عن الميت بالشاة المستقلة هو اللحم، فتُعطى للفقراء ليذبحوها ويأكلوا لحمها، أو تُذبح ويُدفع إليهم لحمها.

وأما شاة الأضحية فمقصودها إراقة الدم في وقت مخصوص تقرُّبًا إلى الله تعالى، واللحم تبعًا، وسُنَّته التثليث.

وقد قال الفقيه السِّندي ــ رحمه الله ــ كما في حاشية “مسند الإمام أحمد” (2/ 205 ــ عند حديث رقم: 843 ــ طبعة: الرسالة):

القياس على الصدقة لا يخلو عن خفاءٍ، لأن الأضحية تَحْصُل بإهراق الدم ولا يتوقِف على التصدق باللحم.اهـ

قلت:

وأمَّا ما أخرجه أحمد (843)، وأبو داود (2790) واللفظ له، والترمذي (1495)، وغيرهما، من طريق شَريك، عن أبي الحسناء، عن الحكم، عن حَنَشٍ، قال: (( رَأَيْتُ عَلِيًّا يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَانِي أَنْ أُضَحِّيَ عَنْهُ فَأَنَا أُضَحِّي عَنْهُ» )).

فهو حديث ضعيف.

لأن في إسناد شريك بن عبد الله، وهو ضعيف، وجهالة أبي الحسناء.

وحَنش أيضًا قال عنه المُناوي ــ رحمه الله ــ:

تكلم فيه غير واحد، وقال ابن حِبَّان البُستي: “وكان كثير الوهم في الأخبار، تفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات”.اهـ

وقد أعل الحديث: الترمذي، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي، والمنذري، وابن القطان الفاسي، والدَّميري، وأبو العلا المباركفوري، والألباني.

وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع فتاويه ورسائله” (25/ 27 أو 17/ 270):

الحديث سنده ضعيف عند أهل العلم.اهـ

تنبيهان:

الأول ــ إذا أوصى الميت بأن يُضحَّى عنه، وترك لذلك مالًا، فإن وصيته تنفذ.

حيث قال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه” (ص: 321):

ولا تضحية عن الغير بغير إذنه، ولا عن ميت إن لم يوص بها.اهـ

وقال الفقيه شمس الدين الخطيب الشربيني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج” (6/ 137):

فإن أوصى بها جاز.اهـ

وفي كتاب “شرح مختصر خليل” (3/ 42) للخرشي المالكي ــ رحمه الله ــ:

(ص) وفعلها عن ميت (ش) يعني: أنه يكره للشخص أن يضحي عن الميت، وهذا إذا لم يعدها الميت وإلا فللوارث إنفاذها.اهـ

وفيه “حاشية العدوي” بهامش “شرح مختصر خليل” (3/ 42) للخرشي

[ قوله وفعلها عن ميت ] ما لم يكن وقف وقفًا وشرطها فيه، وإلا وجب فعلها عنه.اهـ

وفي كتاب “الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية” (ص: 265):

مكروهاتها ثمانية: وفعلها عن ميت إن لم يكن عينها قبل موته وإلا فَينْدب للوارث إنفاذها.اهـ

وفي كتاب ” مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى” (2/ 472) من كتب الحنابلة:

[ ويعمل بها ] أي: الأضحية عن ميت [ ك ] أضحية [ عن حي ] من أكل، وصدقة، وهدية [ وتجب ] التضحية [ بنذر ].اهـ

وفي “حاشية ابن عابدين” (6/ 326) من كتب الحنفية:

فرع: قوله:  [ وعن ميت ] أي: لو ضحَّى عن ميت وارثه بأمره ألزمه بالتصدق بها، وعدم الأكل منها، وإن تبرع بها عنه له الأكل، لأنه يقع على ملك الذابح، والثواب للميت.اهـ

وقال العلامة عبد العزيز بن باز ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع فتاويه” (18/ 40):

أما الأضحية عن الميت فإن كان أوصى بها في ثلث ماله مثلًا، أو جعلها في وقف له، وجب على القائم على الوقف أو الوصية تنفيذها.اهـ

وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ في “فتاوى نور على الدرب” (8/ 338):

وإذا أوصى الميت أن يُضحي عنه فهنا تتبع وصيته، ويضحي عنه اتباعًا لوصيته.اهـ

الثاني ــ من ضحى عن ميِّت فهل له الأكل من الأضحية؟

اختلف العلماء ــ رحمهم الله ــ في ذلك، فمنهم من قال: يأكل ويتصدق ويهدي، ومنهم من قال: إن كانت تبرعًا منه أكل، وإن كانت من مال الميت لم يأكل، ومنهم من قال: لا يأكل، ويتصدق بها.

فقال الإمام أبو عيسى الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سننه” (1495):

وقال عبد الله بن المبارك: “أحب إلي أن يتصدق عنه، ولا يُضحَّى عنه، وإن ضحَّى فلا يأكل منها شيئًا، ويتصدق بها كلها.اهـ

وقال الفقيه ابن العربي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي” (5/ 290-291) في شرح كلام ابن المبارك ــ رحمه الله ـ:

وإنما قال: “لا يأكل منها شيئًا” لأن الذابح لم يتقرَّب بها عن نفسه، وإنما تقرَّب بها عن غيره، فلم يجز له أن يأكل من حق الغير شيئًا.اهـ

وجاء في “حاشية ابن عابدين” (6/ 326) من كتب الحنفية:

فرع: قوله: [ وعن ميت ] أي: لو ضحَّى عن ميت وارثه بأمره ألزمه بالتصدق بها، وعدم الأكل منها، وإن تبرَّع بها عنه، له الأكل، لأنه يقع على ملك الذابح، والثواب للميت.اهـ

وفي كتاب “النجم الوهاج في شرح المنهاج” (9/ 523) من كتب الشافعية:

قال القفال: إذا جوَّزنا الأضحية عن الميت، لا يجوز الأكل منها لأحد، بل يجب أن يتصدق بجميعها، لأن الأضحية وضعت عنه، فلا يجوز الأكل منها إلا بإذنه، وهو متعذِّر، فوجب التصدق بها عنه.اهـ

وفي كتاب “شرح منتهى الإرادات” (1/ 612) من كتب الحنابلة:

 [ ويعمل بها ] أي: الأضحية عن ميت [ ك ] أضحية [ عن حي ] من أكل، وصدقة، وهدية.اهـ

المسألة الثالثة والعشرون / عن استحباب حلق شعر الرأس بعد ذبح الأضحية.

قال ابن أبي شيبة في “مصنفه” (13890):

حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، (( أَنَّهُ ضَحَّى بِالْمَدِينَةِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ )).

وإسناده صحيح.

وقال مالك في “الموطأ” (1763):

عن نافع: (( أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ضَحَّى مَرَّةً بِالْمَدِينَةِ.

قَالَ نَافِعٌ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُ كَبْشًا فَحِيلًا أَقْرَنَ، ثُمَّ أَذْبَحُهُ يَوْمَ الْأَضْحَى، فِي مُصَلَّى النَّاسِ.

قَالَ نَافِعٌ: فَفَعَلْتُ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الْكَبْشُ، وَكَانَ مَرِيضًا، لَمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ.

قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَيْسَ حِلاَقُ الرَّأْسِ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ضَحَّى، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ )).

وإسناده صحيح في غاية الصحة.

وقد ذكر بعضهم أنه لا يُعرف لابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ مخالف من الصحابة.

وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ، وهو الأصح في مذهبه، وقول جماهير أصحابه:

إلى استحباب حلق شعر الرأس بعد ذبح الأضحية لفعل ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ هذا.

وقال الفقيه ابن العربي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه  “المسالك في شرح موطأ مالك” (5/ 179):

قوله:  (( وَحَلَقَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الكَبْشُ )).

ولعلّه امتنع من ذلك حتى ضحَّى، على وجه الاستحباب، ولم ير ذلك واجبًا عليه.اهـ

وسبحان الله كيف لم يطلع الحافظ الهُمام ابن عبد البَرِّ المالكي بُخاري بلاد المغرب ــ رحمه الله ــ، على كلام الإمام أحمد ومذهبه.

إذ قال في كتابه “الاستذكار” (15/ 142) بعد أثر ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ:

وقد أخبَر أنه ليس بواجب على الناس، ولا هو عند أحد من أهل العلم من سُنَّة الأضحى فيما علمت.اهـ

وقال الفقيه علاء الدين المرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف” (4/ 110):

فائدة:

يستحب الحلق بعد الذبح، على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، قال أحمد: “وهو على ما فعل ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ، تعظيمٌ لذلك اليوم”.

وجزم به في “الرعاية”، وغيرها، وقدَّمه في “الفروع”.

وعنه: لا يُستحب، اختاره الشيخ تَقيُّ الدين.اهـ

وقال العلامة أبو عبد الله بن مفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الفروع” (3/ 406):

ويستحب الحلق بعد الذبح، قال أحمد: “على ما فعل ابن عمر”، تعظيمٌ لذلك اليوم”، وعنه: لا، اختاره شيخنا.اهـ

ويعني بشيخه: الإمام تقي الدين ابن تيمية ــ رحمه الله ــ.

وقال الفقيه والمحدِّث سراج الدين ابن الملقن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التوضيح لشرح الجامع الصحيح” (12/ 131)

فائدة:

روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر: (( أَنَّهُ ضَحَّى بِالْمَدِينَةِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ )).

وكان الحسن يحلق رأسه يوم النحر بالبصرة.

وقال ابن عون: قلت لمحمد:  (( كانوا يستحبون أن يأخذ الرجل من شعره يوم النحر، قال: نعم )).اهـ

وأثر محمد بن سيرين التابعي ــ رحمه الله ــ قد أخرجه ابن أبي شيبة في “مصنفه” (13894) فقال:

حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن ابن عون، قال: (( قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ شَعْرِهِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» )).

وإسناده صحيح.

وقال الفقيه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ــ رحمهما الله ــ في “الموطأ بروايته” (631) بعد أثر ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ:

وأمَّا الحِلاق فنقول فيه بقول عبد اللَّه بن عمر: إنه ليس بواجب على من لم يَحج في يوم النَّحر، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.اهـ

 

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.