إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: ” صَون اللسان عن غِيبة أهل الإيمان “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” صَون اللسان عن غِيبة أهل الإيمان “.

  • 15 مارس 2018
  • 836
  • إدارة الموقع

صَونُ اللِّسَان عن غِيبَة أهلِ الإيمان

 

الخطبة الأولى:ــــــــــــــــــ

الحمد الله رب العالمين، جامع الأولين والآخرين ليوم الفصل والدِّين، حمدًا يُوجب رضاه، ويقتضي المزيد من فضله ونَعماه، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، المفضَّل على الأوَّلين والآخِرين مِن برِيَّته، وأكرم من وطئ الحصى بنعله، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى إخوانه مِن النبيين، وآلِ كلٍ، وصحابتهم، وأتباعهم، وعنَّا معهم، في كل وقت وحين.

أما بعد، أيها الناس:

فاتقوا الله ربكم حقَّ تقواه، ولا تغترُّوا بإمهاله لكم، وحِلمه عليكم، وأصلحوا أقوالَكم، وانتبهوا لِما يخرج عن ألسنتكم، فإنها مُحصاةٌ عليكم، وإنكم لمُجازونَ عليها، وقد قال ربكم ــ جلَّ وعزَّ ــ مُرهِّبًا لكم ومُنبِّهًا: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }.

{ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } “يكتب كلَ ما تكلمَ به من خير أو شر، حتى إنَّه يكتب قولَه: أكلتُ، وشربت، وذهبت، وجئت، ورأيت”، هكذا قال ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ.

ويوم القيامة تُحْضَرُ هذه الكتب التي سَجلَّت فيها الملائكة الكرام أقوالَ الناس وأفعالَهم فتطير لها القلوب، وتعظم مِن وقعِها الكروب، وتكاد لها الصُّمُ الصِّلابُ تذوب، ويُشفقُ منها المجرمون، وحينها يتوجعون فيقولون: { يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا } أيْ: لا يترك خطيئةً صغيرة ولا كبيرة إلا وهي مكتوبةٌ فيه، محفوظةٌ لم يُنْس منها عملُ سرٍّ ولا علانية، ولا ليلٍ ولا نهار، ولا وقت شباب، ولا كهولة، ولا شيخوخة، { أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.

أيها الناس:

الخوفَ الخوف، والنجاةَ النجاة مِن هذا اللسان قبلَ ساعة السِّياق، وبلوغِ الرُّوح التراقي، قبلَ أنْ يقولَ الإنسان: أينَ المفر؟ يومَ يُبعثرُ ما في القبور، ويُحصَّلُ ما في الصُّدور، ولا ينفعُ ندم، ولا يُقبلُ مُعْتَذَر، بل عقوبةٌ وعذاب ونكال، فقد ثبت أنَّ سفيانَ بنَ عبد الله الثَّقَفي ــ رضي الله عنه ــ سأل نبيَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَىَّ؟ فَأَخَذَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ «هَذَا» )).

أيها الناس:

لمَّا أدركَ الصالحونَ الخائفون مِن ربهم الوجِلون، أهل القلوبِ الخاشعة المُنكسِرة اللَّينة، والعقول الحيَّة المُتبصِّرة خطر اللسان على صاحبه الناطق به، رأيتَ مِن أحوالهم عَجبًا، وسمعتَ عنهم ما يَزيدُكَ مِن الله رِهبًا، وقرأتَ في صفاتهم ما يُعرِّفُكَ نقصكَ وضعف دِينك، وأنكَ مُفرِّطٌ مُتساهِل مُغترّ، فثبت عن ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ: (( أَنَّهُ ارْتَقَى الصَّفَا فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: يَا لِسَانُ، قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ، وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْدَمَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَكْثَرُ خَطَايَا ابنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ» )).

وثبت أنَّ عمرَ بنَ الخطاب ــ رضي الله عنه ــ دخل على صِّدِّيق الأمة أبي بكر وهو يَجْبِذُ لسانَه، فقال له: (( مَهْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ )) يعني: أوقعني في المهالِك.

وثبت عن عبد الله ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إِلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ )).

وقيل لبكر بن عبد الله المُزَنِيّ ــ رحمه الله ــ: (( إِنَّك تُطيِلُ الصَّمْتَّ، فَقَالَ: إِنَّ لِسانِيَ سَبُعٌ إِنْ تركتُه أكلني )).

وأجَلَّ مِن هذا كلهِ وأبيّن للمؤمن ما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ )).

وقال بعضهم: (( رأيت مالكًا صامتًا لا يتكلم، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، إلَّا أنْ يُكلِّمه إنسان فيسمع منه، ثم يُجيبه بشيء يسير، فقيل له في ذلك، فقال: وهل يَكُبُّ الناسَ في جهنم إلَّا هذا؟ وأشار إلى لسانه )).

أيها الناس:

 إنَّ السلامةَ مِن غضب الله تعالى، وأليمِ عقابه، وشديدِ بأسه، وكبيرِ انتقامه، وعظيمِ أخذه، لها أثمانٌ وأسباب، ألا وإنَّ مِن أجَلِّ أثمانِها، وأسعدِ أسبابِها حفظَ اللسان وصونَه وإبعادَه عن صُنوف اللَّغو مِن: الكذب، والنميمة، والغيبة، والسِّباب، واللَّعن، والقذْف، وشهادة الزور، والسُّخرِية، والاستهزاء، وهجو الناس بذكر عيوبهم، والتَّنكِيتِ على الآخرين للإضحاك، والنَّبْز بالسوء، والتعيير، والقدح في الأنساب، لأنَّ اللسان إنْ لم يُحفظ أكَبَّ صاحبَه على وجهه في نار جهنم، فقد ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لِمعاذ بن جبل ــ رضي الله عنه ــ: (( «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟», فَقَالَ مُعَاذٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَخَذَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا», فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟, فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» )).

بل إنَّ اللسان قد يُسقطُ صاحبَه ويَرمِ به في أسِحقِ منازل النار، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْمَغْرِبِ )).

بل قد تُورِثُه كلمة لسانه السيئة سَخطَ ربِّه عليه إلى يوم القيامة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ، مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا، يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ )).

وحفظُ اللسان والفرْج عن ما حُرِّم قد ضمِن النبي صلى الله عليه وسلم لأهله الجنَّة، فصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ )).

بارك الله لي ولكم فيما سمعتم، ونفعنا به، إنَّه هو البَرُّ الرَّحيم.

الخطبة الثانية:ــــــــــــــــــ

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركُا فيه، وأصلي وأسلِّم على محمد، وعلى آلِ محمد وأصحابه وأتباعه الصَّفوة مِن الخلق.

أما بعد، أيها الناس:

فإنِّي أوصيكم وأوصي نفسي معكم بإخواننا مِن المسلمين، مِن أيِّ جِنسٍ، أو لون، أو بلد، وعربٍ وعجم، وصغار وكبار، ونساء ورجال، بحفظ ألسنتِنا عن غيبتهِم، والوقيعة في أعراضهم، وعن لعنهم وسبِّهم، فإنَّ ذلك مِن الذنوب الكبيرة، والخطايا الفظيعة، والأوزار الثقيلة، بل ومِن سيِّء الخِصال، وقبيحِ الخِلال، وشنيعِ الفِعال، ورديءِ الطِّباع، وقد صحَّ عن نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ )).(( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ )).

أيها الناس:

لقد اتفق أهل العلم ــ رحمهم الله تعالى ـ على أنَّ غِيبة المسلم لأخيه المسلم مِن كبائر الذنوب لا مِن صغاره، ذكر ذلك غير واحد مِن الفقهاء، ويَدُلُّ على أنَّ الغِيبة مِن الكبائر، قول الله ــ عزَّ وجلَّ ــ زاجِرًا ومُخوِّفًا: { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ }.

حيث شبَّه الله سبحانه الغِيبة بأكل لحم الآدمي الميِّت المسلم، وأكل لحمه مِن أشنع وأشدِّ الخطايا والآثام، وأخسِّ وأبشع الفِعال.

وقد ثبت عن عمرو بن العاصِ ــ رضي الله عنه ــ: (( أَنَّهُ مَرَّ عَلَى بَغْلٍ مَيِّتٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَأَنْ يَأْكُلَ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذَا الْبَغْلِ حَتَّى يَمْلَأَ بَطْنَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ )) أي: خيرٌ له مِن أنْ يغتابه ويقع في عرضه.

والغِيبة ــ يا عباد الله ــ هي: أنْ يَذكرَ المسلمُ أخاه المسلمَ في حال غَيبته بما هو فيه مِمَّا يكره، سواءً عابه في خِلقته، أو خُلقه، أو فِعاله، أو أحواله، أو عقله، أو ذكائه، أو أهله، أو نسبه، أو لونه، أو منطقه، أو غير ذلك، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: (( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ )).

وصحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت: (( قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، ــ تَعْنِي قَصِيرَةً ــ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» )).

أيها الناس:

إنَّ المُغتاب لا يَضرُّ بغِيبته إلا نفسه، ولن يُسوِّدَ بها إلا وجهًه وصحيفةَ عمله، وسيتسبَّبُ في جرِّ الخزيِ والإهانةِ والعذابِ إليه، فليتق اللهَ في نفسه التي بين جنبيه، ويكن رحمةً لها لا شقاء عليها، ومُعِزَّا لها لا مُذلًّا، ومُكرمًا لا مُهينًا، ومُسعدًا لا مُحزنًا، ولْيَعْلَم أنَّ عاقبة الغِيبة الأُخرويَّة بئيسةٌ على صاحبها، فإنَّه لا تكفرها الصلاةُ، ولا الصيام، ولا الصدقة، ولا الحج، ولا تلاوة القرآن، ولا كثرة الذِّكر، ولا غيرُها مِن الأعمال الصالحة، بل تبقى على الموازنة بين الحسناتِ والسيئات، وهو بغِيبته أو سبِّه أو لعنه أو هجوه أو تنكيته قد يجعل نفسه في الآخِرَة مِن المُفلِسين، وسيرفع مِن حال ومنازل مَن تكلَّم عليهم بلسانه، ويَزيد في حسناتهم، ويُخفِّف مِن سيئاتِهم يوم القيامة، فيا لِسعادتهم، وعظيم ما كسبوه منه، ويا لخسارة المُغتاب العظيمة، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال لأصحابه: (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )).

وثبت عن الإمام عبد الرحمن بن مهديٍّ ــ رحمه الله ــ أنَّ قال: (( لَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ لَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَا يَبْقَى فِي هَذَا الْمِصْرِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَعَ فِيَّ وَاغْتَابَنِي، وَأَيُّ شَيْءٍ أَهْنَأُ مِنْ حَسَنَةٍ يَجِدُهَا الرَّجُلُ فِي صَحِيفَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْمَلُهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا )).

ومِن عقوبة المغتابين أيضًا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ )).

ومِن عقوباتهم التي قد تحصل لهم في الدنيا، ما جاء بسندٍ صحَّحه الإمام الألبانيُ ــ رحمه الله ــ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال مُحذَّرًا: (( يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ تَبِعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، اتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَفَضَحَهُ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ )).

فكيف بعد ما ذُكِر مِن وعيد شديد في الغِيبة تهنأُ للمغتاب حياة، ويَطِيبُ له عيش، ويهدأُ له بال، وتلَذُّ له عين بنوم، ويَسكُن لك خاطر وينشرح.

هذا وأسأل الله ــ جلَّ في علاه ــ أنْ يطهر قلوبنا مِن الغِل والحقد والحسد، وألسنتنا مِن الغيبة والنميمة والسَّب واللَّعن والكذب والفجور، اللهم احفظ علينا أسماعنا وأبصارنا وألسنتنا عن كل ما يغضبك، اللهم ارفع الضر عن المتضررين مِن المسلمين، وأعذنا وإياهم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، واغفر لنا ولوالدينا وجميع أهلينا، وثقِّل موازيننا وموازينهم بالحسنات لا السيئات، وبيِّض وجوهنا ووجوهم يوم نلقاك، وارحم موتانا وموتى المسلمين، واجعل قبورهم مِن رِياض الجِنان، إنك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.