إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة أخرى مكتوبة بعنوان: ” شيء مِن الأحكام  الفقهية الخاصة بصلاة الجمعة “.

خطبة أخرى مكتوبة بعنوان: ” شيء مِن الأحكام  الفقهية الخاصة بصلاة الجمعة “.

  • 13 ديسمبر 2018
  • 1٬337
  • إدارة الموقع

شيء مِن الأحكام  الفقهية الخاصة بصلاة الجمعة

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــ

الحمد للَّه الملِكِ الجبَّارِ، الواحدِ القهار، القادرِ المُقتدر، وأشهد أنْ لا إله اللَّه وحدَه لا شريك له ولا نِدَّ ولا نظير، ربُّ السَّموات والأرضِ وَما بينهما العزيزُ الغفَّار، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله سيِّدُ ولد آدم في جميع العصور والأقطار، وإمامُ المتقين الأبرار، فصلَّى اللّه وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه البَررة الأخيار، وعنَّا معهم ما تعاقب الليل والنهار.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فإنَّ شهود صلاة الجمعة واجب بنص القرآن العزيز، حيث قال الله تعالى آمِرًا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ }، وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( رَوَاحُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ )).

فيجب شهود صلاة الجمعة على كل: رجل حُرِّ بالغ عاقل مُقيم لا عُذر له باتفاق أهل العلم.

ومَن تَرك شهود صلاة جمعة واحدة مِن غير عُذر شرعي كان آثمًا ومستحِقًّا للعقوبة، وإنْ تكرَّر مِنه ترْك شهودها ثلاث مرات كان فاسقًا ساقط الشهادة باتفاق أهل العلم، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال مُرهِّبًا عن ذلك: (( لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ ))، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))، وصحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم هَمَّ بتحريق بيوت مَن يتخلَّفون عن شهود الجمعة، فقال: (( لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ )).

وتجبُ الجمعة والسَّعيُّ إليها وتُقام وتصِحُّ باتفاق العلماء خلف كلِّ مَن يُقيمها، سُنيُّا كان أو مبتدعًا، عدلًا أو فاسقًا.

أيُّها الناس:

لا يجب شهود صلاة الجمعة على المرأة، والمريض، والصغير، باتفاق أهل العلم، ولِما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ )).

ولا يجب أيضًا شهودُ صلاة الجمعة على مسافر، عند عامة الفقهاء، الأئمةِ الأربعةِ، وغيرِهم، وإنْ شهدها فهو أفضل، وأعظم في الأجر، وقد صحَّ عن ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( لَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ )).

ويجوز عند أكثر العلماء لِلمُقيم الذي تجب عليه صلاة الجمعة أنْ يسافر يوم الجمعة ما لم يَدخل عليه وقت الصلاة بأذان خطبة الجمعة، وإنْ انتظر حتى يشهدها مع الناس كان أفضل، لاستحباب السَّلف الصالح ذلك، حيث ثبت عن خَيثَمة ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ أَنْ لَا يَخْرُجُوا حَتَّى يُجَمِّعُوا ))، وأمَّا إذا صعد الخطيب المنبر وأذَّن المؤذن للخطبة فيحرُم حينها السفر، ويجب شهود الجمعة، إلا لضرورة، باتفاق العلماء، ولِمَا ثبت عن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( إِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَحْبِسُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَحِنِ الرَّوَاحُ )).

ويجوز أيضًا عند أكثر العلماء للمأموم أنْ يُصلِّيَ في بيته ظهرًا ولا يَشهدَ الجمعة في المسجد في اليوم المَطير إذا كان المطر مِمَّا يَبُلُّ الثياب، ويُتأذَّى مِنه، وأمَّا الإمام فإنَّه يقيم الجمعة بمَن حضر معه، لِمَا صحَّ عن ابن عباس ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال لِمؤذنه في يوم جمعة مَطير: (( إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ )).

أيُّها الناس:

مَن لم يشهد صلاة الجمعة مع الناس مِن أهل الأعذار، فإنَّه يُصلي ظهرًا أربع ركعات، ووقت صلاته لها هو: وقت صلاة الظهر المعتاد في كل يوم، والذي يبدأ بزوال الشمس، باتفاق أهل العلم.

وأنبِّه هنا على أمور ثلاثة:

الأمر الأوَّل: أنَّ بعض الخطباء قد يصعدون المنبر للخطبة قبل دخول وقت الظهر المعتاد بزوال الشمس، فلا يجوز لِمَن سمع أذان  خطبتهم مِن أهل الأعذار أنْ يُصلِّيَ الظهر، بل يجب أنْ ينتظر حتى يدخل وقت الظهر المعتاد ثم يُصلي، ومَن صلَّى قبل ذلك وجب عليه إعادة صلاته إذا زالت الشمس.

الأمر الثاني: إذا كان مؤذن صلاة الجمعة يؤذِّن لها بدخول وقت الظهر المعتاد بزوال الشمس، فيجوز عند أكثر العلماء لأهل الأعذار أنْ يُصلوا الظهر بأذانه، ولا يلزمهم الانتظار حتى تنتهي الخطبة.

الأمر الثالث: مَن تخلَّف عن شهود صلاة الجمعة مِن غير عُذر، بل تهاونًا وكسلًا، وصلَّاها في مكانه ظهرًا، فإنَّه لا يُصليها إلا بعد انتهاء الإمام مِن خطبته وصلاته، لأنَّه قبل ذلك لا زال في وقت وجوب الشُّهود، وبهذا قال أكثر العلماء.

أيُّها الناس:

لا يجوز جمع صلاة العصر مع صلاة الجمعة، لا في مطر، ولا في سفر، لعدم ورود مثل هذا الجمع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، ولا عن التابعين ــ رحمهم الله ــ.

أيُّها الناس:

إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد الفطر أو يوم عيد الأضحى فإنَّ السُّنَّة أنْ يُقيم الإمام بالناس صلاة الجمعة وخطبتها، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وغيرهم، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقيم الجمعة بالناس، حيث صحَّ عن النعمان بن بشير ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ «بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»، وَ «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ ))، وصحَّت إقامتها بالناس عن الخليفة الراشد عثمان بن عفان ــ رضي الله عنه ــ، وأمَّا الذين صَلَّوا صلاة العيد مع الإمام فالمستحب في حقهم شهود صلاة الجمعة، فإنْ لم يحضروها فلا جُناح عليهم، ويُصلون في بيوتهم ظهرًا، حيث قال معاوية بن أبي سفيان لزيد بن أرقم ــ رضي الله عنه ــ: (( أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُصَلِّ» ))، وقد صحَّحه بطرقه وشواهده جمع مِن علماء الحديث.

وأمَّا مَن لم يشهد صلاة العيد مع الإمام فيجب عليه شهود صلاة الجمعة، فإنْ لم يشهدها أثِمَ، وكان لِربِّه عاصيًا، وأقدم على فِعل ذنْب عظيم.

أيُّها الناس:

قد دلَّت السُّنة النَّبوية الثابتة على وجوب الإنصات والصَّمت إذا شرع الخطيب في خطبة الجمعة حتى يَنتهي مِنها، ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على مَن سمعها، فاحذروا الكلام في أثنائها، ولو بتسكيت متكلِّم، أو ردِّ سلام، أو تشميت عاطس، أو ذِكر لله، أو دعاء، ومَن كلمَكم أو سألكم في أثنائها فلا تُجيبوه إلا أنْ يكون الخطيب فلا بأس، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ ))، فحكم صلى الله عليه وسلم بأنَّ تسكيت المتكلِّم في أثناء الخطبة بقول: “أنصِت” لغوٌ، مع أنَّه أمْرٌ بمعروف ونهيٌ عن مُنكر، فدلَّ على أنَّ كل كلام يَشغل عن الاستماع والإنصات فهو في حكم اللغو، فإنْ احتيج إلى تسكيت أحد فبالإشارة باليد إلى الفم، لِمَا صحَّ أنَّ ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ: (( رَأَى رَجُلًا يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ )).

واجتنبوا العبَثَ في أثناء الخطبة بلباسكم، أو بالتراب والحصى، أو بفرش المسجد وسجاجيده، أو بأصابعكم وفرقعتها، أو بالسواك والتسوُّك، أو بالساعة، وجميع ما يَشغلكم عن كلام الخطيب، فإنَّه مِن اللغو، وحصول تكفير الخطايا الكبير أيضًا مشروط بأنْ يَستمع ويُنصت، ولا يَلغو، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا ))، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ: رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا، فَهِىَ كَفَّارَةٌ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِى تَلِيهَا وَزِيَادَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ )).

وأمَّا مَن كان لا يَسمع صوت الخطيب فلا حرج عليه أنْ يَذكر الله ــ جلَّ وعزَّ ــ في نفسه سِرًّا، وإنْ سكت فحسنٌ، لأنَّ للذي لا يَسمع الخطيب مِن الحظ ما للسامع المُنصِت، لِمَا صحَّ عن عثمان ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( إِذَا قَامَ الإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَمِعُوا له وَأَنْصِتُوا، فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ مِنَ الْحَظِّ مِثْلَ مَا لِلسَّامِعِ الْمُنْصِتِ )).

أيُّها الناس:

إذا احتاج المرء إلى الاتكاء في أثناء الخطبة فلا حرج عليه أنْ يتكأ على جدار ونحوه، وإذا نعس والإمام يخطب فله أنْ يتحوَّل عن مكانه لطرد النُّعاس عنه، وإذا أراد أنْ يَحتبي بيديه أو حزام فلا بأس ما لم تتكشف عورته، وقد صحَّت هذه الأمور الثلاثة عن ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ مِن الصحابة في أثناء الخطبة، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الاحتباء والإمام يخطب.

أيُّها الناس:

مَن أدرك الركعة الثانية مِن صلاة الجمعة مع الإمام بإدراك ركوعها فإنَّه قد أدرك الجمعة، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ ))، ومَن فاته الركوع الثاني مِن صلاة الجمعة، فقد فاتته الجمعة، ويُصلِّي ظهرًا أربع ركعات، وصحَّت الفتوى بذلك عن جمع مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنْ كان مَن فاتتهم الجمعة أكثر مِن واحد فالأفضل  أنْ يُصلُّوا ظُهرَهُم جماعة، لثبوت ذلك عن ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ، وإنْ صلوا أفذاذًا فلا بأس.

أيُّها الناس:

إنَّ ليلةَ ويومَ الجمعة لا يُخصَّان بشيء لم يَرد في السُّنة النبوية، وتدُل عليه الشريعة، كتخصيصها بالصيام، أو قيام الليل، أو زيارة المقابر، وأشباه ذلك، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ ))، نفعني الله وإيَّاكم بما سمعتم، وأحسن لنا الخاتمة والخِتام، إنَّه جواد كريم.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــ

الحمد لله الرَّزَّاق ذي القوَّة المَتِين، وبِهِ أستعين، وعليهِ يتوكلُ المؤمنون، وصلواتُه وسلامُه على رسوله محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحابته المُكْرَمين، أبَد الآبِدين.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فمَن جاء منكم إلى الجمعة متأخِّرًا فلا يتخطى رقاب الناس حتى يَصل إلى الصفوف الأُوَل، فيؤذيَهم بتخطيه، ويُشغلَهم عن الاستماع، بل يبقى مكانه حتى تنتهي الخطبة، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على مِن فعله، وقطع خطبته لأجل لك، حيث صحَّ عن عبد الله بن بُسر ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ, فَقَالَ لَهُ: «اجْلِسْ, فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ» ))، أي: جمَعت بين التأخُّر عن الخطبة وأذية المُبكِّرين.

وحصول تكفير الخطايا الكبير أيضًا مشروط بترك أذية الناس بتخطي رقابهم، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاسْتَنَّ، وَمَسَّ مِنَ الطِّيبِ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ, وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ, ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ, وَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ, ثُمَّ رَكَعَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْكَعَ, ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يُصَلِّيَ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا )).

أيُّها الناس:

اتقوا الله حق تقواه، حتى يَعمَّكم بنعمه الباطنة والظاهرة، ويُذهبَ عنكم الحزنَ في الدنيا والآخِرة، وانتهُوا عمَّا نهاكم عنه، فإنَّ المعاصي تُزيل النِّعَم، وتَسْتَنْزِل النِّقم، وأحسِنوا فيما بقي مِن أعماركم لِتُرْحَموا، فقد قال ربُّكم سبحانه: { إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }، وابكُوا على خطاياكم التي هي سبب البلاء، وطهِّروا صدورَكم مِن الحِقد والغِل والحسَد والشَّحناء، وتآمَروا بالمعروف، وتناهَوا عن المنكر، وأكثِروا مِن الصدقات، وتلاوة القرآن، واذكروا الله كثيرًا، وأقلِعوا عن الموبقات، وسارِعوا بالخيرات، فإنَّ الحسناتِ يُذهبن السيِّئات، { وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ }.

هذا وأسأل الله ــ جلَّ وعزَّ ــ أنْ يُسلِّمَنا مِن شرور الدنيا والآخرة، وأنْ يحفظ علينا دينَنا وبلادَنا وأمنَنا، اللهم جنِّبنا كيد الكائدين، ومَكر الماكرين، وقوِّ إيماننا بِك، وزد في توكلنا عليك، واجعل قلوبنا متعلِّقة بك، وأكرمنا بِذِكرك، وشُكرك، وحُسن عبادتك، وحسِّن أخلاقنا، وجمِّلنا بأطايب الآداب، اللهم ارفع الضُّر عن المتضرِّرين مِن المسلمين، وأعذنا وإيَّاهُم مِن الفتن ما ظهر مِنها وما بطن، اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين ونُوَّابَهم وجندَهم لِعِزِّ الإسلام والمسلمين، وحفظ البلاد ورحمة المؤمنين، إنَّك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.