إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: ” مقاصد النكاح وشيء من أحكامه “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” مقاصد النكاح وشيء من أحكامه “.

  • 28 نوفمبر 2019
  • 257
  • إدارة الموقع

مقاصد النكاح وشيء من أحكامه 

الخطبة الأولى: ــــــــــــــ

الحمد لله الَّذِي الذي حبَّبَ إلينا الإيمان، وزيَّنَه في قلوبنا، وكرَّهَ إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأشهد أنْ لا إله إلا اللَّهُ وحدَه لا شريك لَه، شهادةً أدَّخِرُها لليوم الآخِر أعظمَ بضاعة، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الذي أطاع اللَّه مَن أطاعه، وصلَّى الله وسلَّم عليه إلى قيام الساعة، صلاة تَعُم آلَه وصحبَه وأشياعه.

أمَّا بعد، أيُّها المسلمون:

فإنَّ النكاحَّ في شريعة الإسلام هو: تعاقدٌ بين رجلٍ وامرأةٍ يُقصد به استمتاعُ كلٍّ مِنهما بالآخَر، وتكوينُ أسرةٍ صالحة، ومجتمعٍ سليم.

وإنَّ مِن حِكَمِه العاليةِ الرفيعة، وغاياتهِ النبيلةِ السامية، ومقاصدهِ الجليلةِ الشريفة:

أوَّلًا: حفظ كلٍّ مِن الزوجين وصيانته عن الحرام، لِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ )).

وثانيًا: حفظ المجتمع مِن الشُّرور والفواحش، وتَحلُّلِ الأخلاق، إذ لولا النكاح لانتشرت الرذائلُ بين الرجال والنساء، ولزادَ عدد أولاد الزِّنا، وكثُرَ مَن لا أهل له، ولضَاعوا وتشرِّدوا واسْتُغِلُّوا في الفساد والإجرام إنْ لم يتداركهم الله برحمة مِنه.

وثالثًا: استمتاع كلٍّ من الزوجين بالآخَر، بما يَجب له مِن حقوق وعِشرة، فالرجلُ يَكفلُ المرأةَ، ويقوم بنفقاتها مِن طعام وشراب ومسكن ولباس بالمعروف، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ))، والمرأةُ تَكفلُ الرجلَّ بالقيام بما يَلزمُها في البيت مِن رعاية وإصلاح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: (( وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا )).

ورابعًا: إحكام الصِّلة بين الأُسَرِ والقبائل، فكم مِن أُسْرتَين متباعدتين لا تَعرِف إحداهما الأُخْرى، بل ومُتعاديتين متناحِرتين، وبالزواج يَحصل التقارُبُ والاتصال، وتزول العداوة، ولهذا جعل الله الصِّهر قسيمًا للنسب، فقال سبحانه مُمتنًّا: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا }.

وخامسًا: بقاء النوع الإنساني على وجْهٍ سليم، فإنَّ النكاح سببٌ للنسل الذي به بقاءُ الإنسان، حيث قال الله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً }، ولولا النكاح للزِم أحد أمرين: إمَّا فناء الإنسان، أو وجود إنسانٍ ناشئٍ مِن سِفاحٍ لا يُعرف له أصل، ولا يقوم على أخلاق.

أيُّها المسلمون: 

إنَّ الثَّيِّبَ أو الأيِّمَ هي: المرأة التي سَبق لها أنْ تزوجت.

وهذه إذا خُطِبت فلا بُدَّ أنْ يَستأمِرَها وليُّها، فينظر أترضى أمْ لا؟ وتُعرِب عن رضاها بالنكاح بلسانها، لأنَّه قد زال عنها حياء البِكر، لِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ))، ولا يجوز تزويجُها بغير إذنها لا للأب، ولا لغيره، باتفاق العلماء، والثَّيِّبُ مِن الزِّنا مثلُها أيضًا، فإذا خُطِبت فلا بُدَّ أنْ تُعرِب عن رضاها بلسانها.

وأمَّا البِكْرُ فهي: المرأة الَّتِي لَمْ تُوطَأْ بعد.

وهذه إذا خُطِبت فإنها تُستأذن، ويَكفي في إذنها سكوتُها عند إخبارها بخطبتِها، وأخذِ موافقتها، فإن أعربت بلسانها كان أقوى في رضاها، لِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ ))، ومَن زالت بكارتُها بوثبَةٍ أو بإصبع، ونحو ذلك، وليس بجماع، فإنَّها تعامَل أيضًا معاملة البِكر في الإذن عند الأئمة الأربعة، وغيرهم.

وأمَّا الصغيرة، فلِعظَمِ شفقةِ الأبِ جاز له أنْ يُزوِّجَها دون أنْ يُشاورَها باتفاق العلماء، لقول عائشة ــ رضي الله عنها ــ الصَّحيح: (( تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِسِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ )).

أيُّها المسلمون: 

لا يجوز لرجلٍ أجنبيٍّ أنْ يتقدَّم لِخطبةِ امرأةِ وهي لا تَزالً في عدَّتِها، سواء كانت عِدَّةَ وفاةٍ أو عِدَّةَ طلاقٍ رجعي أو عِدَّةَ طلاقٍ بائنٍ بالثلاث أو بغير الثلاث، باتفاق العلماء، ولا يَحِلُّ أيضًا للرجل أَنْ يَخطُبَ على خِطبةِ أخيه المسلم إذا أُجِيبَ إلى النِّكاح، ورَكَنُوا إليه، باتِّفاق العلماء، ولِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لاَ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ ))، ومَن تجرَّأَ فخطَبَ على خِطبة أخيه المسلمِ ووافقت المرأةُ وأهلُها عليه، فقد اختلف العلماء في نكاحهما، فمِنهم مِن قال: أنَّه باطل، ويُفرَّق بينهما، ومِنهم مَن قال هو: صحيح، ولكنْ مع الإِثْم، ولا يجوز أيضًا عند أكثر الفقهاء أنْ يخطُبَ الرجلُ المسلم على خِطبة الكافر.

وإذا أراد الرجل أنْ يتزوجَ امرأةً، فإنَّ له أنْ ينظرَ إليها، باتفاق العلماء، لِما صحَّ عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا ))، وهذا النظرُ مباح، وليس بواجب أو سُنَّة عند أكثر العلماء، لأمورٍ مِنها: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَةٍ ))، وصحَّحه العلامة الألباني، إذ قوله صلى الله عليه وسلم: (( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ))، مِن صِيَغ الإباحة عند أهل الفقه وأصوله.

وإذا لم يأذن أهلُ المرأة للخاطب بالرؤية، فنظرَ إليها دون إذنهم، على حين غفلة، وعدم علم مِن المرأة، فلا حرج عليه عند أكثر الفقهاء، أو عامتهم، ولا يجوز للخاطب أنْ يخلوَ بالمخطوبة، لا حينَ النظرة، ولا في زمن الخطوبة، لأنَّه لا زال أجنبيًّا عنها، وقد يتركها في أيِّ لحظة ودون أيِّ تَبِعَةٍ تلحقُه، ولِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَا يَخْلَوَنَّ أَحَدُكُمْ بِالْمَرْأَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا ))، وهو نصٌّ عامٌّ في جميع الأوقات، وجميع الرجال الأجانب، فيدخل فيه الخاطب، ووقت الخِطبة.

وأكثر العلماء على أنَّ المخطوبةَ تأخذُ حُكمَ الخاطبِ في إباحة النظر، فيجوز لها طلبُ رؤيةِ الخاطب، والنظرُ إليه، لأنَّها مثلَه تَكرَه وتُحب بعض الصفات الخِلقية.

ولا يَحِلُّ للخاطبِ عند أكثر الفقهاء أنْ يَنظرَ مِن مخطوبته إلا إلى الوجْه والكفين فقط، ولا يجوز لأولياءِ المرأةِ أنْ يُمكِّنوه مِن النظر إلى غير ذلك، لأنَّها لا تزال أجنبيَّةً عنه، ولم يُبَح له النظرُ إليها إلا لحاجةِ الزواج، وهي تندفع بالنظر إلى الوجْه والكفين، ويَبقى ما عداهما على التحريم، إذ يُستدَلُّ بالوجْه على الجمال، إذ هو مَجمَعُ المحاسِن، وبالكفين على خُصوبَة البَدَن.

وذهب أكثر العلماء أيضًا إلى جواز تكرار نظرِ الخاطبِ إلى مخطوبته إذا لم يَحصل مُراده مِن النظر، وأمَّا إذا حصل المقصود فلا يجوز له التكرار، لأنَّها لا تَزال أجنبيةً عنه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ الْأُولَى لَكَ، وَالْآخِرَةَ عَلَيْكَ )).

وإنْ تجمَّلتِ المرأةُ وقتَ نظرِ الخِطبةِ بشيءٍ خفيفٍ لا يُغيِّرُ ملامِحَ وجهِها، فلا بأس عند عديدٍ مِن الفقهاء، وأمَّا إنْ كان التَّجَمُّلُ يُغيِّر صورتَها، ويُذهِب جمالَها الطَّبيعي، فلا يجوز، لأنَّه غِشٌّ وتدليسٌ وتغريرٌ بالخاطب، إذ يراها بعد الزواج على غير الصورة والجمال الذي رآها بِه وقت الخطبة.

هذا والحمد لله أوَّلًا وآخِرًا، وهو المحمودُ على كلِّ حال.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــ

الحمدُ لله المُنفردِ بكلِّ الحمدِ والثناء، والصلاةُ والسلام الأفضلان على رسوله خيرِ الرسلِ والأنبياء، وعلى آله والنبيين، وآلِهم والصالحين، دائمًا ذلك دوامَ دارِ الخُلدِ والبقاء.

أمَّا بعد، أيُّها المسلمون: 

فاتقوا الله تعالى بلزوم شرعه، والفقه في دينه، واعلموا أنَّه لا يصِحُّ عند عامة أهل العلم مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمَن بعدَهم نكاحُ امرأةٍ إلا بوَلِيٍّ يأذن، لِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ))، وفي حديثٍ آخَرٍ صحَّحه كثيرٌ مِن العلماء أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ))، وقد قال الله تعالى: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ }، فدَلَّت هذهِ الآيةُ على أنَّه لا بُدَّ مِن الوليِّ في النكاح، لأنَّه سبحانه نَهى الأولياء عن العضْل، ولا يَنهاهُم إلا عن أمرٍ لهم حقٌّ فيه، وهو تحت تدبيرِهِم، وبهذا يَتبيَّنُ لكم أنَّ النكاحَ المُسمَّى بالعُرفِي، نكاحٌ باطل لا يُعتدُّ به، لعدمِ وجودِ وليِّ المرأة فيه.

ويُشترط في الوليِّ: أنْ يكون ذكَرًا باتفاق العلماء، فلا يجوز أنْ تُزوِّجَ المرأةُ نفسَها، أو تُزوِّجَ المرأةُ المرأة، وقد ثبت عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَإِنَّ الْبَغِيَّ إِنَّمَا تُنْكِحُ نَفْسَهَا )).

ويُشترط في الوليِّ أيضًا: أنْ يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا باتفاق العلماء، وقد ثبت عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّه قال: (( لا نِكَاحَ إِلا بِسُلْطَانٍ، أَوْ وَلِيٍّ مُرْشِدٍ )).

ويُشترط في الوليِّ أيضًا: أنْ يكون مسلِمًا باتفاق العلماء، حيث قال الحافظُ ابنُ المُنذِرِ ــ رحمه الله ــ: “وأجمعوا أنَّ الكافرَ لا يكون وليًّا لابنتهِ المسلمة”.اهـ

وأمَّا إذا لم يوجد للمرأةِ ولِيٌّ مسلمٌ، فإنَّها إنْ كانت تعيشُ في بلادِ إسلامٍ، فالسلطانُ أو مَن يُنيبُ مِن قُضاةٍ، ونحوِهم، يُزوِّجونَها باتفاق العلماء، لِما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( السُّلْطَانَ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ ))، وإنْ كانت تعيش في بلادِ كُفرٍ، فإنَّها تختارُ مِن المسلمين مَن يكون وليَّا لَهَا حين العقد عليها، والأفضلُ أنْ تختارَ مِنهم مَن له شُهرة، لأنَّه أدعى لتوثيقِ زواجها، واشتهارهِ، كإمامِ مسجدٍ، أو شيخٍ، أو رئيسِ مركزٍ إسلامي.

والأحقُّ بولايةِ زواجِ المرأةِ الأب، ثُمَّ الجَدُّ مِن جهة الأب، وإنْ علا، ثُمَّ الإبن، ثُمَّ ابنُ الإبن، ثُمَّ الأخ الشقيق، ثُمَّ الأخ لأب، ثُمَّ ابنُ الأخِ الشقيق، ثُمَّ ابنُ الأخِ لأب، ثُمَّ العمُّ الشقيق، ثُمَّ العمُّ لأب، ثُمَّ ابنُ العمِّ الشقيق، ثُمَّ ابنُ العمِّ لأب، وليس الخَالُ أو الأخ لأمّ أو ابنُ البنت مِن أولياء المرأة في زواجها، ولا يجوز للوليِّ الأبعَدِ أنْ يُزوِّجَ المرأةَ مع وجود وليٍّ أقرب مِنه، إلا أذنَ له، فإذا لم يأذن لم يصح النكاح.

فإذا عَضَلَ الولِيُّ الأقربُ المرأةَ وامتنعَ مِن تزويجها بالكفؤ، زوَّجَها الوليُّ الذي بعده في المرتبة أو الحاكم باتفاق العلماء، وإنْ كان الوليُّ الأقربُ في غَيبَةٍ مُنقطعةٍ لا يُعلمُ عن حاله، ولا يُستطاعُ الوصول إليه، جاز للوليِّ الذي بعده في المرتبة أنْ يُزوِّجَ المرأةَ عند عامة الفقهاء. 

وأجازَ الفقهاءُ للوليِّ أنْ يُوكِلَّ غيرَه في عقدِ زاجِ ابنتهِ أو أختهِ أو غيرهما، ويقومُ مقامَه في العقد، وقال القاضي الْبَلُّوطِيّ ــ رحمه الله ــ: “أجمع العلماء أنَّ الموكَّلَ يقومُ مقامَ الموكِّلِ في التزويج”.اهـ

أيُّها المسلمون: 

لا يصحُّ زواجُ امرأةٍ إلا بشاهدين، لِما ثبت عن عمر بنِ الخطابِ وغيرِه مٍن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ أنَّهم قالوا: (( لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ ))، وقال الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ: “والعملُ على هذا عند أهل العلم مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومَن بعدهم مِن التابعين، وغيرِهم، قالوا: لا نكاحَ إلا بِشُهودٍ، لم يَختلِفوا في ذلك مَن مَضَى مِنهم”.اهـ

والنكاحُ مِن غير شُهودٍ هو فِعل البغايا، حيث ثبت عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( إِنَّ الْبَغَايَا اللَّاتِي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ))، يعني: بغير شهود.

ويُشترط في الشاهدين على عقد النكاح عند أكثر الفقهاء: أنْ يكونا مِن الذُّكور، فلا تصحُّ شهادةُ المرأة، وثبت ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

جعلني اللهُ وإيَّاكُم مِمَّن إذا ذُكِّرَ ادَّكَر، وإذا وعِظَ اعتبر، وإذا أُعطِيَ شَكر، وإذا ابتُلي صبَر، وإذا أذنبَ استغفر، ربِّ اغفر وارحم إنَّك أنت الأعزُّ الأكرَم، اللهم إنَّا نسأَلُكَ عِيشَةً تَقِيَّة، ومِيتَةً سَوِيَّة، ومَرَدًّا غَيْرَ مُخْزٍ وَلَا فَاضِحٍ، ربَّنا اصرِف عنَّا عذاب جهنم، إنَّ عذابها كان غرامًا، ربَّنا لا تُزغ قلوبَنا بعد إذ هديتنا، وهبْ لنا مِن لدُنكَ رحمة، إنَّك أنت الوهاب، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

تنبيه: 

تعريف الزواج، وحكمه ومقاصده المذكورة في أول الخطبة عامتها من كلام العلامة العثيمين – رحمه الله -٠