إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > مقال بعنوان: ” الأحكام الفقهية الخاصة بأيام عشر ذي الحجة الأُوَل “.

مقال بعنوان: ” الأحكام الفقهية الخاصة بأيام عشر ذي الحجة الأُوَل “.

  • 25 سبتمبر 2014
  • 288
  • إدارة الموقع

الأحكام الفقهية الخاصة بأيام عشر ذي الحجة الأُوَل

الحمد لله مُنشئ الأيام والشهور، ومُفني الأعوام والدُّهور، ومُكوِّر الليل على النهار، ومُقلِّب الأجواء مِن حَرٍّ إلى بَرْد، ومِن بَرْدٍ إلى حرٍّ، ويُديل الأيام بين عباده، عبرة لذوي العقول والأبصار.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا نِد ولا نظير ولا ظهير.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، الشافع المشفَّع، الذي عَمر سنينه وشهوره وأيامه ولياليه بطاعة ربه ومولاه، فغُفرت له جميع الذنوب والزلات، ونال المنازل العالية وجزيل المكرمات، فصلى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آل بيته وأصحابه الدائبين في طاعته، ما تكررت الأعوام والساعات، وتعاقب الليل مع النهار.

أما بعدُ، أيُّها الإخوة والأخوات – أكرمكم الله بالإكثار مِن طاعته وأسعدكم بِرضوانه -:

يسعدني في هذه الليلة أن ألتقي بكم – سلَّمكم الله – في محاضرة بعنوان:

الأحكام الفقهية الخاصة بأيام عشر شهر ذي الحجة الأُوَل “.

وأسأل الله الكريم أن ينفعني وإياكم بها في الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء.

وسوف يكون الكلام عن هذه الأحكام في ثمان وقفات، ليسهل ضبطها والإلمام بها.

فأقول مستعينًا بالله – جلَّ وعلا -، وهو المعين وحده، وعليه المعتمد، ومنه المستمد:

الوقفة الأولى / عن المراد بأيام العشر.

المراد بأيام العشر:

الأيام التسعة مِن أوَّل شهر ذي الحجة.

حيث قال أبو زكريا النووي الشافعي – رحمه الله – في «شرح صحيح مسلم» (8/ 320 – رقم:1176) عند قول عائشة – رضي الله عنها -: (( مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ )):

والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة مِن أول ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يُتأول.اهـ

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في كتابه «لطائف المعارف» (ص: 279):

وهذا كما يُقال: صام عشر ذي الحجة، وإنما صام منه تسعة أيام، ولهذا كان ابن سيرين يكره أن يقال: صام عشر ذي الحجة، وقال: (( إنما يقال: صام التسع ))، ومَن لم يكره وهم الجمهور، فقد يقولون: الصيام المضاف إلى العشر هو صيام ما يُمكن منه، وهو ما عدا يوم النحر، ويُطلق على ذلك العشر، لأنه أكثر العشر.اهـ

الوقفة الثانية / عن فضل أيام عشر ذي الحجة.

إن أيام عشر ذي الحجة الأُوَل لأيام فاضلة، وأيام معظمة، وأيام جليلة، وأيام مباركة، إذ تُضاعف فيها الحسنات، وتَعْظُم فيه الخطايا والسيئات، بل هي أجَلّ أيام السَّنَة وأعظمها وأفضلها، بل إن جمعًا من أهل العلم – رحمهم الله – قد نصُّوا على أنها أفضل مِن أيام العشر الأخيرة مِن شهر رمضان.

وقد نوَّه الله ـ جلَّ وعلا ـ في كتابه العزيز بشأن أيام العشر، فذكرها وأمر عباده أن يذكروه فيها، فقال سبحانه في سورة الحج:

{ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }.

وقد قال الإمام البخاري – رحمه الله – في “صحيحه” (عند حديث رقم: 969):

وقال ابن عباس: (( { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }: أَيَّامُ العَشْرِ )).

وقال – عز وجل – مُقسِمًا بالعشر: { وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ }.

وقد قال الإمام ابن جرير الطبري – رحمه الله – في “تفسيره”(24/ 397) عند هذه الآية:

والصواب مِن القول في ذلك عندنا:

أنها عشر الأضحى لإجماع الحُجَّة مِن أهل التأويل عليه.اهـ

وصحَّ عن مسروق  التابعي – رحمه الله – أنه سُئل عن قوله تعالى: { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } فقال:

(( هِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ )).

[ أخرجه عبد الرزاق في “مصنفه” (8120)، وابن جرير الطبري في “تفسيره” (24/ 397) ].

وأعلى النبي صلى الله عليه وسلم أمرها وأكْبَره وأظهره، فأخرج البخاري (969)، والترمذي (757) واللفظ له، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

وأخرجه الدارمي (1815) بلفظ:

(( مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى، قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

وإسناده حسن.

الوقفة الثالثة / عن ظلم الإنسان لنفسه في أيام العشر بفعل السيئات والقبائح.

أيام العشر تقع في شهر ذي الحجة، وهو أحد الأشهر الأربعة الحرم، وشهر الحج، وشهر يوم عرفة، وشهر يوم النحر وعيد الأضحى، وشهر أيام التشريق، وقد قال الله ـ عز وجل ـ في إثبات حرمة هذا الشهر وبقية الأشهر الحرم:

{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }.

وأخرج البخاري (3197)، ومسلم (1679)، عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ )).

ألا فاحذروا أشد الحذر ـ سلَّمكم الله وسدَّدكم ـ أن تظلموا أنفسكم في هذا الشهر، وفي بقية الأشهر الحُرم بالسيئات والخطايا، والذنوب والمعاصي، والبدع والضلالات، والفسق والفجور، والظلم والعدوان، والقتل والاقتتال، والغش والكذب، والغيبة والبهتان، والحسد والغِل والحقد، والنميمة والفجور في الخصومة، والسَّب واللعن، فإن الله ـ جل شأنه ـ قد زجركم ونهاكم عن ذلك فقال سبحانه:

{ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

فإن السيئات مِن البدع والمعاصي تَعْظُم وتشتدُّ، وتكبُر وتتغلَّظ في كل زمان أو مكان فاضل.

وقد ثبت في “تفسير ابن جرير الطبري” (16698) عن قتادة – رحمه الله – أنه قال:

(( أَمَّا قَوْلُهُ: { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } فَإِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمَرِهِ مَا شَاءَ )).

وقال ابن جرير الطبري – رحمه الله –  في “تفسيره” (14/ 241) عن هذه الأشهر:

ولكن الله عظَّم حُرمة هؤلاء الأشهر وشرَّفهن على سائر شهور السَّنة، فخصّ الذنب فيهن بالتعظيم، كما خصّهن بالتشريف.اهـ

الوقفة الرابعة / عن الاجتهاد في الطاعات أيام العشر.

إن مما يجدر بالمسلم – سدده الله – وينبغي له في هذه الأيام الفاضلة المعظَّمة أيام عشر ذي الحجة الأُوَل أن يحرص غاية الحرص على نفسه، وعلى أهل بيته، وعلى مَن حوله مِن أباء وأمهات، وأبناء وبنات، وإخوان وأخوات:

أن يكونوا مِن المكثرين فيها مِن الأعمال الصالحة، والمسارعين إليها.

فيُذَكِّرَهم بفضلها، ويُرغبهم بالاجتهاد فيها، ويكون قدوة لهم في الجِدِّ والاجتهاد.

ولنحذر أشد الحذر مِن أن يثبطنا الشيطان، فنكون مِن المتكاسلين، الذين لا يغتنمون الفُرص، ولا يهتمون بالأيام الفاضلة، والمواسم المعظَّمة، فإن أيام العشر أيام قليلة، لكنها عظيمة الأجور، سريعة الرحيل، مَن حُرم خيرها وبركتها وما فيها مِن أجر ومضاعفة حسنات فقد حُرِم خيرًا كثيرًا.

وقد أخرج الدارمي (1815) عن القاسم بن أبي أيوب – رحمه الله – أنه قال:

(( وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ )).

وإسناده حسن. 

وأعظم مِن ذلك وأبْيَن للمؤمن وأشرح لصدره وأشحذ لهمته قول النبي صلى الله عليه وسلم الثابت:

(( مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى، قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

فما ذا نُريد بعد هذا الفضل، وهذا الترغيب، وهذا الأجر الكبير؟.

فاحرصوا – سدَّدكم الله –  على الإكثار فيها مِن العبادات، وزيدوا فيها مِن الطاعات، واعمروا ليلها ونهارها بالقُربات، وزيدوا إيمانكم فيها ولا تُنقصوه، وسارعوا فيها إلى الخيرات، حتى تنالوا الخير والسعادة والراحة في حياتكم الدنيا، وفي قبوركم، ويوم تُعرضون على الله ربكم في الدار الآخرة.

ألا وإن مِن جملة العبادات الفاضلة التي يجدر بنا العناية بها في هذه الأيام الفاضلة، والاستزادة منها، والمسارعة إليها:

تلاوة القرآن العظيم.

فأكثروا مِن قراءته، وشجعوا أهليكم على تلاوته، ومَن قوي على ختمه كاملًا مرَّة فأكثر، فقد أسدى إلى نفسه خيرًا كثيرًا، وحصَّل أجرًا عظيمًا، فقد صحَّ عن ابن مسعود- رضي الله عنه – أنه قال: (( تعلَّموا القرآن؛ فإنه يُكتب بكلِّ حرفٍ منه عشر حسنات، ويُكَفَّر به عشر سيئات، أما إنِّي لا أقول: الم حرف، ولكن أقول: ألِفٌ عشر، ولامٌ عشر، وميمٌ عشر)).

فكيف إذا كانت القراءة في أيام تضاعف فيها الأجور، وتكون الأعمال فيها أحب إلى الله.

وأكثروا فيها مِن الصدقات على الفقراء، والصدقات في سائر طرق البر والإحسان.

وحافظوا فيها على صلوات الفريضة في أوقاتها، ومع الجماعة لمن كان مِن الرجال البالغين، وتمموا بالمحافظة على النوافل كالسُّنن الرواتب القبلية والبعدية، وصلاة الضحى، وسُنَّة الوضوء، وقيام الليل، والوتر.

وأكثروا فيها مِن ذكر الله تعالى واستغفاره ودعائه وتسبيحه وتحميده وتهليله في سائر الأوقات والأماكن، في بيوتكم، وفي مراكبكم، وفي أماكن أعمالكم، وفي طرقاتكم.

وتوبوا إلى الله تعالى فيها توبة نصوحًا، وأقلعوا عن جميع الذنوب والخطايا، فإن الله يقبل توبة المسيئين، ويُحب التوابين، ورحمته وسعت كل شيء.

الوقفة الخامسة / عن صيام أيام عشر ذي الحجة.

الصيام في أيام العشر له حالان:

الحال الأول: صيام الأيام الثمانية الأول.

 وصيامها مستحب عند الأئمة الأربعة والظاهرية وغيرهم مِن أهل العلم.

وقد كان هذا الصيام مشهورًا في عصر السلف الصالح مِن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم.

ويدل عليه:

ما أخرجه عبد الرزاق في “مصنفه” (4/ 257 – رقم:7715) عن عثمان بن مُوهب – رحمه الله – أنه قال:

(( سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ، أَفَأَصُومُ الْعَشْرَ تَطَوُّعًا؟ قَالَ: لَا، وَلِمَ؟ ابْدَأْ بِحَقِّ اللَّهِ، ثُمَّ تَطَوَّعْ بَعْدَمَا شِئْتَ)).

وإسناده صحيح.

ووجه الاستدلال مِن هذا الأثر:

أن أبا هريرة – رضي الله عنه – لم يُنكر على الرجل التطوع بصيام العشر، بل أقرَّه على ذلك إذا قضى ما بقي عليه مِن شهر رمضان.

وهذا يدلُّ على أن صيامها معروفٌ في عهد السلف الصالح، وعلى رأسهم الصحابة – رضي الله عنه -.

وأخرج ابن  أبي شيبة في “مصنفه”(9221) بسند صحيح عن ابن عون أنه قال:

(( كَانَ مُحَمَّدٌ يَصُومُ الْعَشْرَ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ كُلِّهِ )).

ويقوي استحبابه أيضًا:

قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح:

(( مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ)).

ووجه الاستدلال من هذا الحديث:

أن العمل الصالح المذكور فيه عام، فيدخل فيه الصيام، لأنه مِن الأعمال الصالحة؛ بل مِن أفضلها وآكدها.

وقد بَوَّبَ جمع مِن المحدثين – رحمهم الله – على هذا الحديث:

بابٌ في صومِ العَشر “.

واستنبط منه جماعات كثيرة مِن المحدثين والفقهاء استحباب صيام العشر.

منهم:

الأثرم تلميذ الإمام أحمد بن حنبل، وأبو جعفر الطحاوي الحنفي، وابن حزم الظاهري، وموفق الدين ابن قدامة الحنبلي، وأبو زكريا النووي الشافعي، ومحب الدين الطبري الشافعي، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر العسقلاني الشافعي، والشوكاني، وابن باز، وابن عثيمين، وحافظ حكمي، وزيد بن محمد هادي، ومحمد علي آدم الإتيوبي.

وفقهاء كثر أيضًا مِن:

الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية.

وأما قول عائشة – رضي الله عنها – الذي أخرجه مسلم في «صحيحه» (1176):

(( مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ )).

فلم أجد نصًّا عن أحدٍ بعينه مِن السلف الصالح أو ممَّن بعدهم مِن الفقهاء المشهورين وأصحابهم أنه استدلَّ به على  عدم استحباب صيام هذه الأيام، أو كراهتها، أو أنها بدعة.

وقد أجاب أهل العلم والفقه – رحمهم الله – عن هذا الحديث:

1- بأن ترك النبي صلى الله عليه وسلم لصيامها قد يكون لعارضٍ مِن مرض، أو سفر، أو غيرهما.

2- أو أن عائشة – رضي الله عنها – لَم تعلم بصيامه صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يقسم لتسع نسوة فلعله لم يتفق صيامه في نوبتها.

3- أو أن تركه صلى الله عليه وسلم صيامها قد يكون خشية أن تُفرض على أمته، فيشق عليها، وهو يحب التخفيف عنها.

4- أو أن تركه صلى الله عليه وسلم لصيامها قد يكون لأجل أنه إذا صام ضَعُف عن أن يعمل فيها بما هو أعظم منزلة مِن الصوم.

5- أو أن عائشة – رضي الله عنها – قد تكون أرادت أنه صلى الله عليه وسلم لَم يصم العشر كاملًا.

الحال الثاني: صيام يوم عرفة.

وهو اليوم التاسع مِن أيام شهر ذي الحجة، ويوم عرفة بإجماع أهل العلم.

نقله:

أبو عبد الله بن مفلح الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “الفروع” (3/ 108-109):

ويدلُّ على استحباب صيامه وتأكده:

ما أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه”(1162) وغيره عن أبي قتادة الأنصاري – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ )).

وهو حديث صحيح.

وقد وقفت على تصحيح جمع كثير مِن أهل العلم له، وقد زادوا على الثلاثين.

وقال الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “الإفصاح عن معاني الصحاح” (1/ 424):

واتفقوا على أن صوم يوم عرفة مستحب لمن لم يكن بعرفة.اهـ

وقد أُخْرِجَ الحاجُ من هذا الاستحباب بأدلة عدة.

ومِن هذه الأدلة:

أولًا: ما أخرجه البخاري (1989) واللفظ له، ومسلم (1124)، عن ميمونة – رضي الله عنها -:  

(( أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلاَبٍ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ )).

ثانيًا: ما أخرجه أحمد (5080 و 5117 و 5420) واللفظ له، والترمذي (751)، والنسائي في “السنن الكبرى”( 2840)، وغيرهم، عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال:

(( حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ )).

وقد صححه:

ابن حبان، والألباني.

وحسنه:

الترمذي، والبغوي.

وقال الترمذي – رحمه الله – في “سننه” (750) عقبه:

والعمل على هذا عند أكثر أهل العلمِ:

يَسْتَحِبُّون الإفطار بعرفة لِيَتَقَوَّى به الرجل على الدعاء، وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة.اهـ

الوقفة السادسة / عن التكبير في أيام عشر ذي الحجة، ويوم النحر، وأيام التشريق.

وتحت هذه الوقفة عدة فروع:

الفرع الأول: عن مشروعيَّـة التَّكبير في أيَّام عشر ذي الحجة الأُوَل، ويوم النحر، وأيام التشريق.

التَّكبير في أيَّام عشر ذي الحجة الأُوَل قد جرى عليه العمل في أيـَّام السَّلف الصَّالح مِن أهل القرون المفضَّلة، وعلى رأسهم أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

فقد قال الإمام البخاري – رحمه الله – في “صحيحه” (عند حديث رقم:969):  

(( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا )).

 وزاد غيرُه:

(( لا يخرجان إلَّا لذلك )).

وقال ميمون بن مهران – رحمه الله – وهو مِن التابعين:

(( أدركتُ النَّاس وإنـَّهم ليكبِّرون في العشر، حتى كنتُ أشبِّههُ بالأمواج مِن كثرتها )).

وقال التابعي ثابت البناني ـ رحمه الله ـ:

(( كَانَ النَّاسُ يُكَبِّرُونَ أَيَّامَ الْعَشْرِ حَتَّى نَهَاهُمُ الْحَجَّاجُ، وَالْأَمْرُ بِمَكَّةَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ، يُكَبِّرُ النَّاسُ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْعَشْرِ )).

أخرجه الفاكهي في “أخبار مكة” (1706) بإسناده صحيح.

وهذا التَّكبير عند أكثر أهل العلم مشروع في حقِّ سائر النَّاس ذكورًا وإناثًا، وفي سائر الأوقات، وفي السَّفر والحضر.

ويقوله الإنسانُ وهو جالس، أو قائم، أو راكب، أو مضطجع، أو وهو يمشي.

وفي البيت والعمل والسوق والمركبة والطرقات وغيرها مِن الأماكن.

الفرع الثاني: عن وقت التَّكبير في أيَّام عشر ذي الحجة، ويوم النحر، وأيام التشريق.

يُستحب التكبير في أيام عشر ذي الحجة الأُوَل في سائر الأوقات مِن ليلٍ أو نهار.

ويُسمىٰ هذا التكبير عند العلماء بـ (التَّكبير المطلق)، لأنَّ قوله لا يتقيَّد بوقت.

يقوله المسلم في أيِّ وقت شاء مِن ليلٍ أو نهار، وفي بيته، أو مركبته، أو سوقه، ويفعله وهو قائم، أو جالس، أو مضطجع، أو ماشٍ.

ويستمر هذا التكبير إلى آخر يوم مِن أيام التشريق ثم يُقطع.

إلَّا أنـَّه لا يُكبَّر في هذه الأيام بعد السلام مِن صلاة الفريضة، سواء صُلِّيَت في المسجد أو البيت أو العمل أو في أي مكان.

وقد قال البخاري في “صحيحه” (عند حديث:907):

(( وكان ابن عمر – رضي الله عنه –  يكبِّر بمنًىٰ تلك الأيـَّام، وخلف الصَّلوات، وعلىٰ فراشه، و في فُسْطاطه، ومجلسة، وممشاه، تلك الأيـَّام جميعًا )).

ويبدأ وقت التَّكبير الذي يكون بعد الانتهاء مٍن صلاة الفريضة، والذي يسميه العلماء بـ “التكبير المُقيَّد “ بالنِّسبة لغير الحجاج:

مِن فجر يوم عرفة إلىٰ صلاة العصر مِن آخر أيـَّام التَّشريق، ثمَّ يُقطع.

وقد قال ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوىٰ” (24/ 220) عن هذا التكبير:

أصحُّ الأقوال في التَّكبير الَّذي عليه جمهور السَّلف والفقهاء مِن الصَّحابة – رضي الله عنهم – والأئمَّة:

أن يُكبَّر مِن فجر يوم عرفة إلىٰ آخر أيـَّام التَّشريق عقِب كلِّ صلاة .اهـ

وقال أيضًا (24/ 224):

ولأنه: إجماع مِن أكابر الصحابة.اهـ

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري” (6/ 124):

وقد حكَىٰ الإمام أحمد هٰذا القول إجماعًا مِن الصَّحابة – رضي الله عنهم -، حكاه عن عُمر، وعَلي، وابن مسعود، وابن عباس.اهـ

وقال أيضًا (6/ 126):

والإجماع الذي ذكره أحمد إنما هو في ابتداء التكبير يوم عرفة مِن صلاة الصبح.

أما آخر وقته فقد اختلف فيه الصحابة الذين سماهم.اهـ

وقال شمس الدين السَّرخسي الحنفي – رحمه الله –  في كتابه “المبسوط” (2/ 42):

اتَّفق المشايخ مِن الصَّحابة – رضي الله عنهم -: عُمر وعَليّ وابن مسعود أنـَّه يُبدأ بالتَّكبير مِن صلاة الغَداة من يوم عرفة.اهـ

وقال موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه “المغني” (3/ 288-289):

ولأنه إجماع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود …، وقيل لأحمد: بأي حديث تذهب إلى أن التكبير مِن صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع، عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ـ رضي الله عنهم ـ.اهـ

الفرع الثالث: عن مشروعيَّة الجهر بالتَّكبير في أيـَّام العشر، ويوم النحر، وأيام التشريق.

قال البخاري – رحمه الله – في “صحيحه” (عند حديث رقم: 969):

(( وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلىٰ السُّوق في أيـَّام العشر، يكبِّران، ويكبِّر النَّاس بتكبيرهما )).

وقال أيضًا (عند رقم:970):

(( وكان عمر يكبِّر في قبَّته بمنًىٰ، فيسمع أهل المسجد فيكبِّرون، ويكبِّر أهل الأسواق حتَّىٰ ترتجَّ منيٰ تكبيرًا )).

وأما النساء، فقد قال موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه “المغني” (3/ 291):

وينبغي لهن أن يخفضن أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال.اهـ

الفرع الرابع: عن صِيغ هٰذا التَّكبير.

جاءت في التَّكبير عِدَّة صِيغ عن الصَّحابة – رضي الله عنهم -:

الأولىٰ: (( الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر وأجلُّ، الله أكبر ولله الحمد)).

 وثبتت عن ابن عباس- رضي الله عنهما – عند ابن أبي شيبة – رحمه الله – في “مصنَّفه” (1/ 489).

الثَّانية: ما أخرج عبد الرزاق – رحمه الله – في “مصنفه”(20581)، ومِن طريقه البيهقي (3/ 316) عن أبي عثمان النَّهدي – رحمه الله أنه قال:

(( كان سلمان يعلِّمنا التَّكبير يقول: كبِّروا الله، الله أكبر، الله أكبر- مرارًا – الَّلهم أنت أعلىٰ وأجلُّ من أن تكون لك صاحبة، أو يكون لك ولد، أو يكون لك شريك في الملك، أو يكون لك وليٌّ من الذُّلِّ، وكبِّره تكبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الَّلهم اغفر لنا، الَّلهم ارحمنا. ثمَّ قال: والله لتكتبنَّ هٰذه، ولا تترك هاتان، وليكوننَّ هٰذا شفعاء صدق لهاتين)).

وفي لفظ البيهقي:

(( كان سلمان – رضي الله عنه – يعلِّمنا التَّكبير يقول: كبِّروا: الله أكبر، الله أكبر كبيرًا – أو قال: تكبيرًا – اللهم أنت أعلىٰ وأجلُّ من أن تكون لك صاحبة, أو يكون لك ولد, أو يكون لك شريك في الملك, أو يكون لك وليٌّ من الذُّلِّ، وكبِّره تكبيرًا، الَّلهم اغفر لنا، الَّلهم ارحمنا. ثمَّ قال: والله لتكتبنَّ هٰذه، لا تترك هاتان، ولتكوننَّ شفعاً لهاتين )).

وقال ابن حجرالعسقلاني الشافعي – رحمه الله –  في كتابه “فتح الباري” (2/ 462) عن هٰذه الصِّيغة:

أصحُّ ما ورد.اهـ 

ووافقته اللَّجنة الدَّائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء بالمملكة برئاسة العلَّامة ابن باز ـ رحمه الله ـ.

الثَّالثة: (( الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله، والله أكبر, الله أكبر، ولله الحمد )).

وجاءت عن ابن مسعود – رضي الله عنه –  عند ابن أبي شيبة – رحمه الله – في “مصنَّفه” (1/ 488-490).

وصحَّحها الألباني – رحمه الله – في كتابه “إرواء الغليل”(3/ 125).

وقال ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوىٰ” (24/ 220) عن هذه الصيغة أنها:

صفة التكبير المنقولة عن أكثر الصحابة.اهـ

وقد ثبتت هٰذه الصِّيغة أيضًا عن جمعٍ كثير من التَّابعين – رحمهم الله – كما عند ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (1/ 488-490)، والفريابي في “أحكام العيدين”(62)، وغيرهما.

الوقفة السابعة / عن أخذ المضحي من شعره وأظفاره وجلده في أيام العشر.

إذا دخلت العشر الأُوَل مِن شهر ذي الحجة فإن مريد الأضحية منهي عن الأخذ مِن شعره وأظفاره وجلده حتى يذبح أضحيته.

وذلك لِما أخرجه مسلم في “صحيحه” (1977)، عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس مِن شعره وبشره شيئًا )).

وفي لفظ آخر لمسلم:

(( مَن كان له ذِبْحٌ يذبحه، فإذا أهلَّ هلال ذي الحجة، فلا يأخذن مِن شعره ولا مِن أظفاره شيئًا حتى يضحي )).

وقال أبو زكريا النووي الشافعي ـ رحمه الله ـ في كتابيه “المجموع” (8/363) و “شرح صحيح مسلم”(13/ 147-148 – رقم:1977):

والمراد بالنهي عن الحلق والقَلْم:

المنع مِن إزالة الظفر بقلْم أو كسر أو غيره، والمنع مِن إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذ بنورة، أو غير ذلك، وسواء شعر العانة والإبط والشارب والرأس، وغير ذلك مِن شعور بدنه.اهـ

فإن أخذ مُريد الأضحية مِن شعره أو ظفره أو جلده شيئًا عن عمد فقد أساء، وخالف السنة، ولا كفارة عليه.

حيث قال موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه “المغني” (13/ 362-363):

فإن فعل استغفر الله تعالى، ولا فدية عليه إجماعًا، وسواء فعله عمدًا أو نسيانًا.اهـ

ويبدأ وقت المنع مِن الأخذ:

مِن حين إهلال هلال شهر ذي الحجة حتى يذبح المضحي أضحية، سواء ذُبحت في يوم العيد، أو في أوَّل أوثاني يوم مِن أيام التشريق.

وأما بالنسبة لأهل البيت مِن زوجة وأبناء وبنات وغيرهم ممن يُضَحي عنهم مَن يعولهم مِن أبٍ أو زوجٍ أو ابنٍ أو جدٍّ فلأهل العلم في حكم أخذهم قولان:

القول الأول: أنَّ حكمهم كحكم المُضَحِّي عنهم، فيُمسكون عن الأخذ كما يُمسك.

وقُوِّي هذا القول بأمرين:

الأول: أن هذا الإمساك مُفتَى به في عهد السلف الصالح – رحمهم الله -.

فقد قال مُسدد – رحمه الله – في”مسنده” كما في “المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية” ( 2287) و “المحلى” (6/ 28 – رقم: 976):

حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أبي يقول:

(( كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ شَعْرِهِ، حَتَّى يَكْرَهَ أَنْ يَحْلِقَ الصِّبْيَانُ فِي الْعَشْرِ )).

وإسناده صحيح.

الثاني: أن الشرع الحنيف قد جعل لهم نوع مشاركة في الأضحية مع المضحِّي، وهي المشاركة في الأجر والثواب، فيشتركون معه في حكم ترك الأخذ، لأن الجميع يُعتبر في الشرع والعرف مُضحِّـيًا.

وهو قول الأكثر، منهم: المالكية، والحنابلة.

القول الثاني: أنه لا يُكره لهم الأخذ.

وهو المذكور في بعض كتب الشافعية، وقول: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين.

وحجَّة هذا القول:

ظاهر حديث أم سلمة – رضي الله عنها – عند مسلم في “صحيحه” (1977) إذ جاء فيه:

(( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).

 ووجه الاستدلال منه:

أن النهي عن الأخذ مِن الأظفار والشعر والبشرة وُجِّه إلى مُريد الأضحية.

وأُجِيب عن هذا الاستدلال:

بأن المُضَحَّى عنه يُعتبر مضحٍّ شرعًا وعُرفًا، ويُطلق عليه ذلك، فكان كمريدها، ودخل في الحديث.

وذِكْرُ المريد خرج مخرج الغالب، وما كان كذلك فلا مفهوم له، كما هو مذهب أكثر العلماء من أهل الفقه والأصول.

ويدل على كونه مضحٍّ:

ما أخرجه الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147)، عن عطاء بن يسار – رحمه الله – أنه قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

(( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى )).

وصححه: الترمذي، وموفق الدين ابن قدامة، والألباني.

ولمَّا أضجع النبي صلى الله عليه وسلم أضحيته ليذبحها قال:

(( بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ )) رواه مسلم في “صحيحه” (1967) مِن حديث أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها -. 

وأخرج البخاري في “صحيحه” (7210) عن أبي عقيل زُهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام – رضي الله عنه – أنه:

(( كَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ )).

الوقفة الثامنة / عن جِماع المضحي وغيره في أيام العشر.

قال ابن عبد البَرِّ المالكي الأندلسي – رحمه الله – في كتابه “التمهيد” (17/ 234):

وقد أجمع العلماء على أن الجماع مباح في أيام العشر لمن أراد أن يضحي، فما دونه أحرى أن يكون مباحًا.اهـ

محاضرة مفرغة:

لعبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.