إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > مقال بعنوان: ” الأحكام الفقهية الخاصة بأيام عشر ذي الحجة الأُوَل “.

مقال بعنوان: ” الأحكام الفقهية الخاصة بأيام عشر ذي الحجة الأُوَل “.

  • 25 سبتمبر 2014
  • 5٬218
  • إدارة الموقع

الأحكام الفقهية الخاصة بأيَّام عشر ذي الحِجة الأُوَل

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسول الله محمد النَّبي الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أمَّا بعد:

فهذه رسالة فقهية بعنوان:

الأحكام الفقهية الخاصة بأيَّام عشر شهر ذي الحِجة الأُوَل “.

وأسأل الله الكريم أنْ ينفعني وإيَّاكم بها في الدنيا والآخرة، إنَّه سميع الدعاء.

وسوف يكون الكلام عن هذه الأحكام في ثمان وقفات، ليسهل ضبطها والإلمام بها، فأقول مستعينًا بالله ــ جلَّ وعلا ــ، وهو المُعين وحده، وعليه المُعتمد، ومنه المُستمد:

الوقفة الأولى / عن المراد بأيَّام العشر.

أخرج البخاري (969)، وأحمد (3228 و 3139 و 1968)، وأبو داود (2438)، والترمذي (757) واللفظ له، وابن ماجه (1727) عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» )).

وأخرجه الدارمي (1814) بلفظ:

(( «مَا الْعَمَلُ، فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ»، قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» )).

وإسناده حسن.

والمراد بأيّام العشر في هذا الحديث:

أيَّام عشر شهر ذي الحِجة الأُوَل.

وقد أوضحه أكثر لفظ الإمام الدارمي ــ رحمه الله ــ وغيره.

وأخرج مسلم (1176) عن عائشة ــ رضي الله  عنها ــ أنَّها قالت:

(( مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ )).

والمراد بالعشر في هذا الحديث:

الأيَّام التسعة الأُوَّلِ مِن شهر ذي الحِجة.

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح صحيح مسلم” (8/ 320 – رقم:1176):

والمراد بالعشر هنا: الأيَّام التسعة مِن أوَّل ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يُتأول.اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائف المعارف” (ص: 279):

وهذا كما يُقال: صام عشر ذي الحِجة، وإنما صام مِنه تسعة أيَّام، ولهذا كان ابن سيرين يكره أنْ يُقال: صام عشر ذي الحِجة، وقال: “إنما يُقال: صام التسع”، ومَن لم يكره وهُم الجمهور، فقد يقولون: الصيام المضاف إلى العشر هو صيام ما يُمكن مِنه، وهو ما عدا يوم النَّحر، ويُطلق على ذلك العشر، لأنه أكثر العشر.اهـ

الوقفة الثانية / عن فضل أيَّام عشر ذي الحِجة.

إنَّ أيَّام عشر ذي الحِجة الأُوَلِ لأيام فاضلة، وأيَّام معظمة، وأيَّام جليلة، وأيَّام مباركة، إذ تُضاعف فيها الحسنات، وتَعْظُم فيه الخطايا والسيئات، بل هي أجَلّ أيام السَّنَة وأعظمها وأفضلها.

وقد نصَّ جمع مِن العلماء على: أنها أفضل مِن أيَّام العشر الأخيرة مِن شهر رمضان.

وقد نوَّه الله ــ جلَّ وعلا ــ في كتابه العزيز بشأن أيَّام العشر، وأنها أيَّام ذِكرٍ له سبحانه، فقال ــ عزَّ شأنه ــ في سورة الحج:

{ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }.

وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” (عند حديث رقم: 969):

وقال ابن عباس: (( { فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }: أَيَّامُ العَشْرِ )).

وقال ــ عزَّ وجلَّ ــ مُقسِمًا بالعشر: { وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ }.

وقال الإمام ابن جرير الطبري ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (24/ 397) عند هذه الآية:

والصواب مِن القول في ذلك عندنا:

أنها عشر الأضحى لإجماع الحُجَّة مِن أهل التأويل عليه.اهـ

وقال الحافظ ابن كثير الشافعي ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (8 / 390):

والليالي العشر المراد بها: عشر ذي الحِجة، كما قال ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد مِن السلف والخَلف.اهـ

وصحَّ عن مسروق التابعي ــ رحمه الله ــ أنه سُئل عن قوله تعالى: { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } فقال:

(( هِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ )).

أخرجه عبد الرزاق في “مصنفه” (8120)، وابن جرير الطبري في “تفسيره” (24/ 397).

وأعلى النبي صلى الله عليه وسلم أمر أيَّام العشر وأكْبَره وأظهره، فأخرج البخاري (969)، والترمذي (757) واللفظ له، وغيرهما، عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

وأخرجه الدارمي (1815) بلفظ:

(( مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى، قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

وإسناده حسن.

الوقفة الثالثة / عن ظُلم الإنسان نفسه أيَّام العشر بفعل السيئات والقبائح.

أيَّام العشر تقع في شهر ذي الحِجة، وهو أحد الأشهر الأربعة الحُرم، وشهر الحج، وشهر يوم عرفة، وشهر يوم النَّحر وعيد الأضحى، وشهر أيَّام التشريق، وقد قال الله ــ عزَّ وجلَّ ــ في إثبات حُرمة هذا الشهر وبقية الأشهر الحرم:

{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

وأخرج البخاري (3197)، ومسلم (1679)، عن أبي بكرة ــ رضي الله عنه ــ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:

(( إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ )).

ألا فلنَحذر أشدَّ الحذر أنْ نظلم أنفسنا في هذا الشهر وغيره مِن الأشهر الحُرم بالسيئات والخطايا، والبدع والضلالات، والفسق والفجور، والظلم والعدوان، والقتل والاقتتال، والغِش والكذب، والغيبة والبهتان والنميمة، والحسد والغِلِّ والحقد، والفجور في الخصومة، والسَّب واللعن والقذف، وإحداث الفتن أو إشعالها،  فإن الله ــ جلَّ شأنه ــ قد زجرنا ونهانا عن ذلك فقال سبحانه:

{ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

فإن السيئات مِن البدع والمعاصي تَعْظُم وتشتدُّ، وتكبُر وتتغلَّظ في كل زمان أو مكان فاضل.

وأيَّام العشر زمنها فاضل، بل من أفضل الأزمان.

وقد ثبت في “تفسير ابن جرير الطبري” (16698) عن قتادة ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( أَمَّا قَوْلُهُ: { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } فَإِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمَرِهِ مَا شَاءَ )).

وقال الإمام ابن جرير الطبري ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (14/ 241) عن هذه الأشهر:

ولكن الله عظَّم حُرمة هؤلاء الأشهر وشرَّفهن على سائر شهور السَّنة، فخصّ الذنب فيهن بالتعظيم، كما خصّهن بالتشريف.اهـ

الوقفة الرابعة / عن الاجتهاد في الطاعات أيَّام العشر.

إنَّ مما يجدر بالمسلم وينبغي له ويتأكد عليه في هذه الأيَّام الفاضلة المعظَّمة أيَّام عشر ذي الحِجة الأُوَلِ أنْ يحرص غاية الحرص على نفسه، وعلى أهل بيته، وعلى مَن حوله مِن أباء وأمهات، وأبناء وبنات، وإخوان وأخوات:

أنْ يكونوا مِن المكثرين فيها مِن الأعمال الصالحة، والمسارعين إليها.

فيُذَكِّرَهم بفضلها، ويُرغِّبهم بالاجتهاد فيها، ويكون قدوة لهم في الجِدِّ والاجتهاد.

ولنَحذر أنْ يُثبِّطنا الشيطان، فنكون مِن المتكاسلين، الذين لا يغتنمون الفُرص، ولا يهتمون بالأيام الفاضلة، والمواسم المعظَّمة، فإن أيَّام العشر أيَّام قليلة، لكنها عظيمة الأجور، سريعة الرحيل، مَن حُرم خيرها وبركتها وما فيها مِن أجْر ومضاعفة حسنات فقد حُرِم خيرًا كثيرًا.

وقد كان السلف الصالح ــ رحمهم الله ــ يجتهدون فيها شديدًا.

فأخرج الدارمي (1815) عن القاسم بن أبي أيوب ــ رحمه الله ــ  أنَّه قال:

(( كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ )).

وإسناده حسن. 

وأعظم مِن ذلك وأبْيَن للمؤمن وأشرح لصدره وأشحذ لهمته قول النبي صلى الله عليه وسلم الثابت:

(( مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى، قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

فما ذا نُريد بعد هذا الفضل، وهذا الترغيب، وهذا الأجر الكبير؟.

ألا فلنحرص  على الإكثار في هذه العشر المباركة الفاضلة مِن العبادات، ونزيد مِن الطاعات، ونعمُر ليلها ونهارها بالقُربات، ونكون فيها مِن المسارعين السَّبَّاقين إلى الخيرات، حتى ننال الخير والسعادة والراحة في حياتنا الدنيا، وفي قبورنا، ويوم العرض على الله ربِّنا في الدار الآخرة.

الوقفة الخامسة / عن مشروعية صيام أيَّام عشر ذي الحِجة الأُوَل.

الصيام في أيَّام العشر له حالان:

الحال الأوَّل: عن صيام الأيَّام الثمانية الأُوَل منها.

وصيامها مستحب عند الأئمة الأربعة، والظاهرية، وغيرهم مِن أهل العلم.

وقد كان هذا الصيام مشهورًا في عصر السلف الصالح مِن الصحابة والتابعين فمَن بعدهم.

ويدل عليه:

ما أخرجه عبد الرزاق في “مصنفه” (4/ 257 – رقم:7715) عن عثمان بن مُوهب ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ، أَفَأَصُومُ الْعَشْرَ تَطَوُّعًا؟ قَالَ: لَا، وَلِمَ؟ ابْدَأْ بِحَقِّ اللَّهِ، ثُمَّ تَطَوَّعْ بَعْدُ مَا شِئْتَ )).

وإسناده صحيح.

ووجه الاستدلال مِن هذا الأثر:

أنَّ أبا هريرة ــ رضي الله عنه ــ لم يُنكر على الرجل التطوع بصيام العشر، بل أقرَّه على ذلك إذا قضى ما بقي عليه مِن شهر رمضان.

وهذا يدلُّ على أنَّ صيامها معروفٌ في عهد السلف الصالح، وعلى رأسهم الصحابة ــ رضي الله عنه ــ.

وأخرج ابن  أبي شيبة في “مصنفه” (9221) بسند صحيح عن ابن عون ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( كَانَ مُحَمَّدٌ يَصُومُ الْعَشْرَ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ كُلِّهِ )).

ويُقوي استحبابه أيضًا:

قول النَّبي صلى الله عليه وسلم الصحيح:

(( مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ )).

ووجه الاستدلال مِن هذا الحديث:

أنْ العمل الصالح المذكور فيه عام، فيدخل فيه الصيام، لأنَّه مِن الأعمال الصالحة؛ بل مِن أفضلها وآكدها.

وقد بَوَّبَ جمع مِن المحدثين ــ رحمهم الله ــ على هذا الحديث:

” بابٌ في صومِ العَشر “.

واستنبط مِنه جماعات كثيرة جدًا مِن المحدِّثين والفقهاء استحباب صيام العشر، منهم:

الأثرم تلميذ الإمام أحمد بن حنبل، وأبو جعفر الطحاوي الحنفي، وابن حزم الظاهري، وموفق الدين ابن قدامة الحنبلي، وأبو زكريا النووي الشافعي، ومحب الدين الطبري الشافعي، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر العسقلاني الشافعي، والشوكاني، وابن باز، وابن عثيمين، وحافظ حكمي، وزيد بن محمد هادي، ومحمد علي آدم الإثيوبي.

وفقهاء كُثر أيضًا مِن: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة ــ رحمهم الله ــ.

وأمَّا قول عائشة ــ رضي الله عنها ــ الذي أخرجه مسلم في «صحيحه» (1176):

(( مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ )).

فلم أجد نصًّا عن أحدٍ بعينه مِن السلف الصالح أو ممَّن بعدهم مِن الفقهاء المشهورين وأصحابهم أنَّه استدلَّ به على عدم استحباب صيام هذه الأيام، أو كراهتها، أو أنها بدعة.

وقد أجاب أهل العلم والفقه ــ رحمهم الله ــ عن هذا الحديث:

1 – بأنَّ ترك النبي صلى الله عليه وسلم لصيامها قد يكون لعارضٍ مِن مرض، أو سفر، أو غيرهما.

2 – أو أنَّ عائشة ــ رضي الله عنها ــ لم تعلم بصيامه صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يقسم لتسع نسوة فلعله لم يتفق صيامه في نوبتها.

3 – أو أنَّ تركه صلى الله عليه وسلم صيامها قد يكون خشية أنْ تُفرض على أمته، فيشق عليها، وهو يُحب التخفيف عنها.

4 – أو أنَّ تركه صلى الله عليه وسلم لصيامها قد يكون لأجل أنَّه إذا صام ضَعُف عن أنْ يعمل فيها بما هو أعظم منزلة مِن الصوم.

5 – أو أنَّ عائشة ــ رضي الله عنها ــ قد تكون أرادت أنَّه صلى الله عليه وسلم لَم يصم العشر كاملًا.

الحال الثاني: عن صيام يوم عرفة.

وهو اليوم التاسع مِن أيَّام شهر ذي الحجة، ويوم عرفة بإجماع أهل العلم.

نقله:

أبو عبد الله بن مفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الفروع” (3/ 108-109) فقال:

ويُستحب صوم عشر ذي الحِجة، وآكده التاسع، وهو يوم عرفة إجماعًا.اهـ

ويدلُّ على استحباب صيامه وتأكده:

ما أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه”(1162) وغيره عن أبي قتادة الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ )).

وهو حديث صحيح.

وقد وقفت على تصحيح جمع كثير مِن أهل العلم له، وقد زادوا على الثلاثين.

وقال الفقيه عون الدين ابن هبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح عن معاني الصحاح” (1/ 424):

واتفقوا على أنَّ صوم يوم عرفة مستحب لِمن لم يكن بعرفة.اهـ

وقد أُخْرِجَ الحاجُ مِن هذا الاستحباب بأدلة عِدَّة.

ومِن هذه الأدلة:

أولًا: ما أخرجه البخاري (1989) واللفظ له، ومسلم (1124)، عن ميمونة ــ رضي الله عنها ــ:  

(( أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلاَبٍ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ )).

ثانيًا: ما أخرجه أحمد (5080 و 5117 و 5420) واللفظ له، والترمذي (751)، والنسائي في “السنن الكبرى”( 2840)، وغيرهم، عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنه قال:

(( حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ )).

وقد صححه: ابن حبان، والألباني.

وحسنه: الترمذي، والبغوي.

وقال الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سننه” (750) عقبه:

والعمل على هذا عند أكثر أهل العلمِ:

يَسْتَحِبُّون الإفطار بعرفة لِيَتَقَوَّى به الرجل على الدعاء، وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة.اهـ

ومِمَّن ثبت عنه صيامه مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ بعرفة:

عائشة بنت أبي بكر الصديق، وعثمان بن أبي العاص.

وثبت عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ كما تقدم أنَّه قال:

(( وَأَنَا لَا أَصُومُهُ، وَلَا آمُرُ بِهِ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ )).

واستُحِبَّ ترْك صيامه للحاج عند أكثر العلماء حتى لا يَضْعُف عن عبادة الله وذِكره واستغفاره وتكبيره وتهليله ودعائه بعرفة.

وكثير مِن الناس اليوم يبقون في مَقرِّ سكنهم بمكة فلا يدفعون لعرفة إلا بعد صلاة العصر.

وهؤلاء قد يُقال باستحسان الصوم في حقهم.

 الوقفة السادسة / عن التكبير المُطلَق في أيَّام عشر ذي الحِجة، ويوم النِّحر، وأيَّام التشريق.

وتحت هذه الوقفة عدة فروع:

الفرع الأوَّل: عن مشروعيَّـة التَّكبير المُطلَق في أيَّام عشر ذي الحِجة الأُوَل، ويوم النَّحر، وأيَّام التشريق.

التَّكبير في أيَّام عشر ذي الحِجة الأُوَل، ويوم النَّحر، وأيَّام التشريق، قد جرى عليه العمل زمَن السَّلف الصَّالح مِن أهل القرون المفضَّلة، وعلى رأسهم أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

فقد قال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” (عند حديث رقم:969) جازمًا:

(( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا )).

 وزاد غيرُه:

(( لا يخرجان إلَّا لذلك )).

 وقال ميمون بن مِهران ــ رحمه الله ــ وهو مِن التابعين:

(( أدركتُ النَّاس وإنـَّهم ليُكبِّرون في العشر، حتى كنتُ أشبِّههُ بالأمواج مِن كثرتها )).

وقال التابعي ثابت البُناني ــ رحمه الله ــ:

(( كَانَ النَّاسُ يُكَبِّرُونَ أَيَّامَ الْعَشْرِ حَتَّى نَهَاهُمُ الْحَجَّاجُ، وَالْأَمْرُ بِمَكَّةَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ، يُكَبِّرُ النَّاسُ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْعَشْرِ )).

أخرجه الفاكهي في “أخبار مكة” (1706) بإسناده صحيح.

وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” (عند حديث:907) جازمًا:

((  وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ جَمِيعًا )).

ووصله:

الحافظ ابن المنذر في كتابه “الأوسط” (2199)، والفاكهي في “أخبار مكة” (4/ 228 – رقم: 2583).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (2/ 462) بعد أثر ابن عمر هذا، وغيره مِن الآثار عن الصحابة:

وقد اشتملت هذه الآثار على وجود التَّكبير في تلك الأيام عقب الصلوات، وغير ذلك مِن الأحوال.اهـ

وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ أيضًا في “صحيحه” (عند رقم:907) جازمًا:

(( وَكَانَ عُمَرُ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا )).

وهذا التَّكبير عند أكثر أهل العلم مشروع في حقِّ سائر النَّاس ذكورًا وإناثًا، وفي سائر الأوقات، وفي السَّفر والحضر.

ويقوله الإنسانُ وهو جالس، أو قائم، أو راكب، أو مضطجع، أو وهو يمشي.

وفي البيت، والعمل، والسوق، والمركبة، والطرقات، وغيرها مِن الأماكن.

الفرع الثاني: عن وقت التَّكبير في أيَّام عشر ذي الحِجة، ويوم النَّحر، وأيَّام التشريق.

يُستحب التكبير في أيَّام عشر ذي الحِجة الأُوَل، ويوم النَّحر، وأيَّام التشريق في سائر الأوقات مِن ليلٍ أو نهار.

ويُسمى هذا التكبير عند العلماء بـ “التَّكبير المطلق”، لأنَّ قوله لا يتقيَّد بوقت.

إذ يقوله المسلم في أيِّ وقت شاء مِن ليلٍ أو نهار، وفي بيته، أو مركبته، أو سوقه، أو المسجد، ويفعله وهو قائم، أو جالس، أو مضطجع، أو ماشٍ.

ويبدأ هذا التكبير مِن بعد غروب شمس آخِر يوم مِن أيَّام شهر ذي القَعدة، ويستمر إلى آخِر يوم مِن أيَّام التشريق قبل غروب شمسه، ثُمَّ يُقطع.

إلَّا أنـَّه لا يُكبَّر في أيَّام عشر ذي الحِجة الأُوَل بعد السلام مِن صلاة الفريضة، سواء صُلِّيَت في المسجد أو البيت أو العمل أو في أيِّ مكان.

لأنَّ وقت التَّكبير الذي يكون بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة، والذي يُسميه العلماء بـ “التكبير المُقيَّد ” يبدأ: مِن فجر يوم عرفة إلى صلاة العصر مِن آخِر أيـَّام التَّشريق، ثمَّ يُقطع.

حيث قال الحافظ ابن كثير الشافعي ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (1/ 561):

وأشهرها الذي عليه العمل: أنَّه مِن صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر مِن آخِر أيَّام التشريق.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 220) عن هذا التكبير:

أصحُّ الأقوال في التَّكبير الَّذي عليه جمهور السَّلف والفقهاء مِن الصَّحابة ــ رضي الله عنهم ــ والأئمَّة:

أن يُكبَّر مِن فجر يوم عرفة إلى آخر أيـَّام التَّشريق عقِب كلِّ صلاة .اهـ

وقال أيضًا (24/ 224):

ولأنَّه: إجماع مِن أكابر الصحابة.اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (6/ 124):

وقد حكَى الإمام أحمد هذا القول إجماعًا مِن الصَّحابة ــ رضي الله عنهم ــ، حكاه عن عُمر، وعَلي، وابن مسعود، وابن عباس.اهـ

وقال أيضًا (6/ 126):

والإجماع الذي ذكره أحمد إنَّما هو في ابتداء التكبير يوم عرفة مِن صلاة الصبح.

أمَّا آخِر وقته، فقد اختلف فيه الصحابة الذين سماهم.اهـ

وقال الفقيه شمس الدين السَّرخسي الحنفي ــ رحمه الله ــ  في كتابه “المبسوط” (2/ 42):

اتَّفق المشايخ مِن الصَّحابة ــ رضي الله عنهم ــ: عُمر وعَليّ وابن مسعود أنـَّه يُبدأ بالتَّكبير مِن صلاة الغَداة من يوم عرفة.اهـ

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (3/ 288-289):

ولأنَّه إجماع الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، رُوي عن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، …، وقيل لأحمد: بأيِّ حديث تذهب إلى أنَّ التكبير مِن صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخِر أيَّام التشريق؟

قال: بالإجماع، عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود ــ رضي الله عنهم ــ.اهـ

وأمَّا بالنسبة للحُجَّاج:

فالأصح أنَّهم كمن لم يَحج يبدأ تكبيرهم مِن فجر يوم عرفة، ويستمر إلى عصر آخِر يوم مِن أيَّام التشريق، ثم يُقطع.

وهو مذهب أبي حنيفة، وقول للشافعي.

لعموم الآثار الثابتة عن الصحابة كعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ــ رضي الله عنهم ــ حيث اتفقت على الابتداء مِن الفجر، وعُدَّ إجماعًا مِن الصحابة كما تقدَّم، واتفق علي بن أبي طالب وهو خليفة راشد وابن عباس ــ رضي الله عنهم ــ على الانتهاء بصلاة العصر.

وهذه الآثار لم تُفرِّق بين حاج وغيره.

وذهب سفيان ابن عيينة ومالك وأحمد وأبو ثور والشافعي في قول إلى أنَّ الحاج يُكبِّر مِن ظهر يوم النَّحر.

واختلفوا في وقت انتهاء تكبيره.

فمنهم مَن قال: بصلاة فجر آخِر أيَّام التشريق، ومنهم مَن قال: بصلاة عصره.

الفرع الثالث: عن مشروعيَّة الجهر بالتَّكبير في أيـَّام العشر، ويوم النَّحر، وأيَّام التشريق.

قال الإمام البخاري – رحمه الله – في “صحيحه” (عند حديث رقم: 969) جازمًا:

(( وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السُّوق في أيـَّام العشر، يكبِّران، ويكبِّر النَّاس بتكبيرهما )).

وقال أيضًا (عند رقم:970) جازمًا:

(( وكان عمر يكبِّر في قبَّته بمنًى، فيسمع أهل المسجد فيكبِّرون، ويكبِّر أهل الأسواق حتَّى ترتجَّ مني تكبيرًا )).

وأمَّا النساء، فقد قال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (3/ 291):

وينبغي لهن أنْ يخفضن أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال.اهـ

الفرع الرابع: عن صِيغ هذا التَّكبير الواردة.

جاءت في التَّكبير عِدَّة صِيغ عن الصَّحابة ــ رضي الله عنهم ــ:

الأولى: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر وأجلُّ، الله أكبر ولله الحمد .

 وثبتت عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ عند ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (1/ 489).

الثَّانية: ما أخرج عبد الرزاق في “مصنَّفه”(20581)، ومِن طريقه البيهقي في “السنن الكبرى” (3/ 316) عن أبي عثمان النَّهدي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( كان سلمان يعلِّمنا التَّكبير يقول: كبِّروا الله، الله أكبر، الله أكبر ــ مرارًا ــ الَّلهم أنت أعلى وأجلُّ مِن أنْ تكون لك صاحبة، أو يكون لك ولد، أو يكون لك شريك في الملك، أو يكون لك وليٌّ مِن الذُّلِّ، وكبِّره تكبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الَّلهم اغفر لنا، الَّلهم ارحمنا.

ثمَّ قال: والله لتكتبنَّ هذه، ولا تترك هاتان، وليكوننَّ هذا شفعاء صِدق لهاتين )).

ولفظ البيهقي في “السنن الكبرى”:

(( كان سلمان ــ رضي الله عنه ــ يعلِّمنا التَّكبير، يقول: كبِّروا: الله أكبر، الله أكبر كبيرًا ــ أو قال: تكبيرًا ــ، اللهم أنت أعلى وأجلُّ مِن أن تكون لك صاحبة، أو يكون لك ولد، أو يكون لك شريك في الملك، أو يكون لك وليٌّ مِن الذُّلِّ، وكبِّره تكبيرًا، الَّلهم اغفر لنا، الَّلهم ارحمنا.

ثمَّ قال: والله لتكتبنَّ هذه، لا تترك هاتان، ولتكوننَّ شفعًا لهاتين )).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ  في كتابه “فتح الباري” (2/ 462) عن هذه الصِّيغة:

أصحُّ ما ورد.اهـ 

الثَّالثة: ” الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد “.

وجاءت عن ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ  عند ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (1/ 488-490).

وصحَّحها العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “إرواء الغليل” (3/ 125).

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 220) عن هذه الصيغة أنها:

صفة التكبير المنقولة عن أكثر الصحابة.اهـ

وقد ثبتت هذه الصِّيغة أيضًا عن جمعٍ من التَّابعين ــ رحمهم الله ــ كما عند ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (1/ 488-490)، والفريابي في “أحكام العيدين”(62)، وغيرهما.

الوقفة السابعة / عن أخذ المُضحي مِن شعره وأظفاره وجلده في أيَّام العشر.

إذا دخلت العشر الأُوَل مِن شهر ذي الحِجة فإن مُريد الأضحية منهيٌّ عن الأخذ مِن شعره وأظفاره وجلده حتى يذبح أضحيته، لِما أخرجه مسلم في “صحيحه” (1977)، عن أم سلمة ــ رضي الله عنها ــ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).

وفي لفظ آخَر لمسلم:

(( مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ )).

وقال الفقيه أبو زكريا النووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابيه “المجموع” (8/ 363) و “شرح صحيح مسلم” (13/ 147-148 – رقم:1977):

والمراد بالنهي عن الحلق والقَلْم:

المنع مِن إزالة الظفر بقلْم أو كسر أو غيره.

والمنع مِن إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذ بنورة، أو غير ذلك، وسواء شعر العانة والإبط والشارب والرأس، وغير ذلك مِن شعور بدنه.اهـ

فإنْ أخَذ مُريد الأضحية مِن شعره أو ظفره أو جلده شيئًا عن عمد فقد أساء، وخالف السُّنة، ولا كفارة عليه.

حيث قال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (13/ 362-363):

فإنْ فعل استغفر الله تعالى، ولا فدية عليه إجماعًا، وسواء فعله عمدًا أو نسيانًا.اهـ

ويبدأ وقت المنع مِن الأخذ:

مِن حين إهلال هلال شهر ذي الحِجة حتى يذبح المضحي أضحية، سواء ذُبحت في يوم العيد، أو في أوَّل أوثاني يوم مِن أيَّام التشريق.

ومَن نوى الأضحية متأخرًا كمَن نواها في اليوم الثامن مِن شهر ذي الحجة مثلًا، فوقت إمساكه عن الأخذ مِن شعره وجلده وأظفاره يبدأ مِن حين حصلت له هذه النِّية.

وأمَّا بالنسبة لأهل البيت مِن زوجة وأبناء وبنات وغيرهم ممن يُضَحي عنهم مَن يعولهم مِن أبٍ أو زوجٍ أو ابنٍ أو جدٍّ فلأهل العلم في حكم أخذهم قولان:

القول الأول: أنَّ حكمهم كحكم المُضَحِّي عنهم، فيُمسكون عن الأخذ كما يُمسك.

وقُوِّي هذا القول بأمرين:

الأول: أنَّ هذا الإمساك مُفتَى به في عهد السلف الصالح ــ رحمهم الله ــ.

فقد قال مُسدَّد في”مسنده” كما في “المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية” ( 2287) و “المحلى” (6/ 28 – رقم: 976):

حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أبي يقول:

(( كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ شَعْرِهِ، حَتَّى يَكْرَهَ أَنْ يَحْلِقَ الصِّبْيَانُ فِي الْعَشْرِ )).

وإسناده صحيح.

والثاني: أنَّ الشرع الحنيف قد جعل لهم نوع مشاركة في الأضحية مع المضحِّي، وهي المشاركة في الأجر والثواب، فيشتركون معه في حكم ترك الأخذ، لأن الجميع يُعتبر في الشرع والعُرف مُضحِّـيًا، ويُطلق عليهم ذلك.

وهو قول الأكثر، منهم: المالكية، والحنابلة.

القول الثاني: أنه لا يُكره لهم الأخذ.

وهو المذكور في بعض كتب متأخري الشافعية.

وقول بعض المعاصرين كابن باز، والألباني، وابن عثيمين.

وحجَّة هذا القول:

ظاهر حديث أم سلمة ــ رضي الله عنها ــ عند مسلم في “صحيحه” (1977) إذ جاء فيه:

(( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).

 ووجه الاستدلال مِنه:

أنَّ النهي عن الأخذ مِن الأظفار والشعر والبشرة وُجِّه إلى مُريد الأضحية.

وأُجِيب عن هذا الاستدلال:

بأنَّ المُضَحَّى عنه يُطلق عليه اسم مضحِّ شرعًا وعُرفًا، فكان كمريدها، ودخل في الحديث.

وذِكْرُ المُريد خرج مَخرج الغالب، وما كان كذلك فلا مفهوم له، كما هو مذهب أكثر العلماء مِن أهل الفقه والأصول.

ويدُلُّ على ذلك:

ما أخرجه الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147)، عن عطاء بن يسار ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

(( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى )).

وصححه: الترمذي، وابن العربي، وموفق الدين ابن قدامة، والسيوطي، والألباني.

ولمَّا أضجع النبي صلى الله عليه وسلم أضحيته ليذبحها قال:

(( بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ )).

رواه مسلم في “صحيحه” (1967) مِن حديث أم المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ. 

وأخرج البخاري في “صحيحه” (7210) عن أبي عقيل زُهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام ــ رضي الله عنه ــ أنَّه:

(( كَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ )).

الوقفة الثامنة عن جِماع المُضحِّي وغيره في أيَّام العشر.

قال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي الأندلسي ــ رحمه الله ــ  في كتابه “التمهيد” (17/ 234):

وقد أجمع العلماء على أنَّ الجماع مباح في أيَّام العشر لِمَن أراد أنْ يُضحِّي، فما دونه أحرى أنْ يكون مباحًا.اهـ

وسبحان ربك، ربِّ العزَّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

تنبيه: 

أصل هذا الكتابة محاضرة كتبتها مِن التسجيل إحدى طالبات العلم ــ وفقها الله لمرضاته ــ ثم راجعتها وعدَّلت فيها يسيرًا، وزدت فذكرت مصادر التخريج والأقوال.

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.