إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الحديث > رسالة بعنوان: ” جواز التطوع بالصوم بعد انتصاف شعبان عند أكثر الفقهاء وبيان ضعف حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) سندًا ومتنًا “. ــ ملف: [pdf].

رسالة بعنوان: ” جواز التطوع بالصوم بعد انتصاف شعبان عند أكثر الفقهاء وبيان ضعف حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) سندًا ومتنًا “. ــ ملف: [pdf].

  • 8 أبريل 2020
  • 2٬807
  • إدارة الموقع

جواز التطوع بالصوم بعد انتصاف شعبان عند أكثر الفقهاء وبيان ضعف حديث إذا انتصف شعبان فلا صتوموا سندا ومتنا

 

 

جواز التطوع بالصوم بعد انتصاف شعبان عند أكثر الفقهاء وبيان ضعف حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) سندًا ومتنًا

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله، وسلامٌ على عباده الذين اصْطَفى.

وبعد، يا طالب عِلم الحديث والفقه ــ سدَّدك الله وزادك علمًا وعملًا ــ:

فقد أخرج أحمد (9707)، وأبو داود (2337)، واللفظ له، والترمذي (738)، والنسائي في “السُّنن الكبرى” (2923)، وابن ماجه (1651)، وغيرهم، مِن طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ـــ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا )).

وهذا حديثٌ مُنكَر.

وقد أعَلَّه أكابر أئمة الحديث والفقه ــ رحمهم الله ــ مِن جهتين:

العِلَّة الأولى مِن جهة الإسناد:

حيث تفرُّد العلاء بن عبد الرحمن ــ رحمه الله ــ، بِه.

والعلاء مُختلَفٌ فيه، وأُنكِر مِن حديثه أشياء، وتُكلِّم على تفرُّداته، وعنده اضطراب، ومِمَّا أُنكِر عليه بالذَّات هذا الحديث.

1 ــ فقال الإمام يحيى بن مَعين ــ رحمه الله ــ: «ليس بذاك، لم يَزل الناس يتوقون حديثه».اهـ

وقال مرَّة: «ليس بالقوي».اهـ

وقال مرَّة أُخْرى: «مُضطرِب الحديث، ليس حديثه بحُجَّة».اهـ

2 ــ وقال الإمام أَبو زُرْعَة الرازي ــ رحمه الله ــ: «ليس هو بالقوي ما يكون».اهـ

3 ــ وقال الإمام أَبو حاتم الرازي ــ رحمه الله ــ: «صالح، رَوى عنه الثقات، ولكِنَّه أُنكِر مِن حديثه أشياء».اهـ

4 ــ وقال الحافظ الخليلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإرشاد في معرفة علماء الحديث” (1/ 218 ــ رقم:46):

«مَديني مُختلَفٌ فيه، لأنَّه يَتفرَّد بأحاديث لا يُتابَع عليها، كحديثٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا كان النِّصف مِن شعبان فلا صوم حتى رمضان )).

وقد أخرج مسلم في “الصَّحيح” المشاهير مِن حديثه، دون هذا، والشواذ».اهـ

5 ــ وقال الحافظ الذهبي ــ رحمه الله ــ في كتابه “سِيَر أعلام النُّبلاء” (6/ 187):

«لا يَنزل حديثه عن درجة الحسَن، لكن يُتجنَّب ما أُنكِر عليه، ومِن أغرَب ما أَتَى بِه، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ))».اهـ

6 ــ وقال المُحدِّث بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “نُخَب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار” (8/ 449):

«العلاء بن عبد الرحمن، فإنَّ فيه مقالًا لأئمة هذا الشأن، وقد تفرَّد بهذا الحديث».اهـ

7 ــ وقال الإمام أبو داود ــ رحمه الله ــ في “سُننه” (2337)، عقب هذا الحديث:

«ولم يَجِئْ بِه غير العلاء، عن أبيه».اهـ

وقال مرَّة: «أنكروا على العلاء صيام شعبان».اهـ

8 ــ وقال الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سُننه” (738)، عقب حديثه هذا:

«لا نعرفه إلا مِن هذا الوجْه، على هذا اللفظ».اهـ

9 ــ وقال الإمام النسائي ــ رحمه الله ــ في “السُّنن الكبرى” (2923)، عقبه:

«لا نعلم أحدًا رَوى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن».اهـ

قلت:

ومِمَّن نصَّ مِن الأئمة الأوائل ــ رحمهم الله ــ على إعلال هذا الحديث:

عبد الرحمن بن مَهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى معين، وأبو زُرعة الرازي، والأثْرم، فقالوا:

«حديث منكر».اهـ

وأعلَّه أيضًا:

النَّسائي، والخليلي، وابن عَدي، والبيهقي، وابن الجوزي، والرُّوياني، والمتولي، ومُغلطاي، وابن رجب، والذهبي، وابن عثيمين، ومقبل الوادعي، وغيرهم.

ونَسَب الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (4/ 129 ــ عند حديث رقم:1914) تضعيفه إلى جماهير العلماء، فقال:

«وقال جمهور العلماء: الصوم تطوعًا بعد النِّصف مِن شعبان، وضعَّفوا الحديث الوارد فيه».اهـ

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلامهم حول إعلال هذا الحديث:

أوَّلًا ــ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائف المعارف” (ص:135):

«واختلف العلماء في صِحَّة هذا الحديث، ثُمَّ العمل بِه.

أمَّا تصحيحه: فصحَّحه غير واحد، مِنهم: الترمذي، وابن حِبَّان، والحاكم، وابن عبد البَر.

وتكلَّم فيه مَن هو أكبر مِن هؤلاء، وأعلم، وقالوا:

“هو حديث مُنكر”، مِنهم: عبد الرحمن بن مَهدي، وأحمد، وأبو زُرعة الرازي، والأثْرم.

ورَدَّه الإمام أحمد بحديث: (( لا تقدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين ))، فإنَّ مفهومه جواز التقدُّم بأكثر مِن يومين».اهـ

ثانيًا ــ قال الإمام حرْب بن إسماعيل الكِرماني ــ رحمه الله ــ في “مسائله عن الإمام أحمد بن حنبل” (3/ 1250):

«قال أحمد: لم يُحدِّث ــ أراه يعني: العلاء ــ، حدثنا أبو بكر، مِن حديث أبي هريرة، عن النَّبي ــ عليه السلام ــ: (( إذا كان النِّصف مِن شعبان ))، وأنكَر أحمد الحديث، وقال: كان عبد الرحمن بن مَهدي لا يُحدِّث بهذا الحديث».اهـ

ثالثًا ــ جاء في شرح كتاب “عمدة الفقه” (2/ 649)، للإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ:

«وقال حرْب: “سمعت أحمد يقول في الحديث الذي جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا كان النِّصف مِن شعبان فلا صوم إلا رمضان )): هذا حديث مُنكَر”».اهـ

رابعًا ــ جاء في كتاب “نَصب الراية” (2/ 320)، للزيلعي الحنفي ــ رحمه الله ــ:

«ورُوي عن الإمام أحمد أنَّه قال: “هذا الحديث ليس بمحفوظ، قال: وسألت عنه ابن مَهدي فلم يُصحِّحه، ولم يُحدِّثني بِه، وكان يَتوقاه، قال أحمد: والعلاء ثقة لا يُنكَر مِن حديثه إلا هذا».اهـ

خامسًا ــ قال الحافظ أبو أحمد ابن عَدِي الجُرجاني ــ رحمه الله ــ في كتابه “الكامل في ضعفاء الرجال” (4/ 178):

«سمعت أحمد بن حفص السَّعدي يقول: قيل لأحمد بن حنبل ــ يعني: وهو حاضر ـ:

حديث أبي هريرة: (( إذا كان النَّصف مِن شعبان فلا يصوم أحد حتى يصوم رمضان ))، قال: ذاك ضعيف، ثم قال: حديث العلاء كان يرويه وكيع عن أبي العميس عن العلاء، وابن مهدي فكان يرويه ثم ترَكه».اهـ

سادسًا ــ قال الحافظ البرذعي ــ رحمه الله ــ كما في “الضعفاء” (2/ 388):

«وشهدت أبا زُرعَة يُنكِر حديث العلاء بن عبد الرحمن: (( إذا انتصف شعبان ))، وزعم أنَّه: مُنكَر».اهـ

سابعًا ــ قال الحافظ أبو بكر البيهقي ــ رحمه الله ــ في كتابه “السُّنن الكبرى” (4/ 209 ــ رقم: 7751)، عقبه:

«رواه أبو داود، عن قتيبة، ثم قال: أبو داود: “وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث مُنكَر، قال: “وكان عبد الرحمن لا يُحدِّث بِه.

“باب الرُّخصة في ذلك بما هو أصحُّ مِن حديث العلاء”».اهـ

ثمَّ ساق ــ رحمه الله ــ تحت هذا التبويب عِدَّة أحاديث تُخالف حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ.

ثامنًا ــ قال الفقيه أبو الفرَج ابن الجوزي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الموضوعات” (1/ 33)، عن البخاري ومسلم:

«وكذلك فَعَلَا في أحاديث غرائب يَرويها الثقاة العدول لمَّا انفرَد بها واحد مِن الثقاة تركاها، مِثل: حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى هريرة، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يَجيء رمضان )).

وقد خرَّج مسلم كثيرًا مِن حديث العلاء في “الصَّحيح”، وترَك هذا، وأشباهه، مِمَّا انفرَد بِه العلاء عن أبيه».اهـ

تاسعًا ــ قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم ــ رحمه الله ــ في كتابه “المَدخل إلى كتاب الإكليل” (ص: 39):

«الأحاديث الأفراد الغرائب التي يَرويها الثقات العدول تفرَّد بِه ثقة مِن الثقات، وليس لَها طُرق مخرَّجة في الكتب، مِثل: حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى يَجِيءَ رَمَضَانُ )).

وقد خرَّج مسلم أحاديث العلاء أكثرها في “الصَّحيح”، وترَك هذا وأشباهه، مِمَّا تفرَّد بِه العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة».اهـ

عاشرًا ــ قال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (4/ 129ــ عند حديث رقم:1914):

«وقال جمهور العلماء: الصوم تطوعًا بعد النِّصف مِن شعبان، وضعَّفوا الحديث الوارد فيه.

وقال أحمد وابن مَعين: أنه مُنكَر.

وقد استَدلَّ البيهقي بحديث الباب على ضعفه، فقال:

“الرُّخصة في ذلك بما هو أصح مِن حديث العلاء”.

وكذا صَنع قبله الطحاوي».اهـ

وقال أيضًا في كتابه “الدراية في تخريج أحاديث الهداية” (1/ 277 ــ رقم: 365):

«قال أحمد: هو غير محفوظ».اهـ

حادي عشر ــ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائف المعارف” (ص:136):

«وقال الأثرم: “الأحاديث كلها تُخالفه”، يُشير إلى أحاديث صيام النَّبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله، ووصلِه برمضان، ونهيِه عن التقدُّم على رمضان بيومين.

فصار الحديث حينئذ شاذًّا مُخالفًا للأحاديث الصَّحيحة».اهـ

ثاني عشر ــ قال الفقيه أبو عبد الله بن مُفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الفروع” )5/ 98):

«وضعَّفه أحمد، وغيره مِن الأئمة».اهـ

ثالث عشر ــ قال الفقيه المتولي مِن الشافعية ــ رحمه الله ــ كما في كتاب”الإعلام بفوائد عمدة الأحكام” (5/ 160)، لابن المُلقِّن:

«إنَّه غير ثابت عند أهله».اهـ

وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (6/ 400):

«وأجاب المتولي عن الحديث السابق: (( إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان )) بجوابين:

أحدهما: أنَّ هذا الحديث ليس بثابت عند أهل الحديث».اهـ

رابع عشر ــ قال الفقيه أبو المحاسن الرّوُياني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بَحر المذهب” (3/ 312):

«والخبَر الذي ذَكرنا غير ثابت».اهـ

خامس عشر ــ ذَكر هذا الحديث أبو الفضل ابن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني ــ رحمه الله ــ في كتابه “أطراف الغرائب والأفراد مِن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام الدارقطني” (5209).

سادس عشر ــ قال العلامة مقبل بن هادي الوادعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “أحاديث مُعلَّة ظاهرها الصِّحة” (ص: 425 ــ رقم:454)، عقب هذا الحديث:

«هذا الحديث إذا نظرت إلى سَنده حكَمت عليه بالحُسن، ولكن في “فيض القدير” بعد عَزوه لأحمد وأصحاب “السُّنن”، بلفظ: (( إذا انتصف شعبان ))، أنَّ الإمام أحمد قال: “هو غير محفوظ”، وفي “سُنن البيهقي” عن أبي داود عن أحمد: “مُنكَر”، وقال ابن حَجَر: “وكان ابن مَهدي يتوقاه”».اهـ اهـ

العِلَّة الثانية مِن جهة المتن:

مخالفته لِمَا هو أكثر وأصحُّ مِنه مِن الأحاديث النَّبوية المُصرِّحة بجواز الصوم بعد النِّصف مِن شعبان.

ومِن هذه الأحاديث:

أوَّلًا ــ حديث أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ)).

أخرجه البخاري (1914)، واللفظ له، ومسلم (1082).

حيث دلَّ على جواز تقدُّم رمضان بصوم ثلاثة أيَّام فأكثر لِمَن له عادة بالصيام، ومَن ليست له عادة.

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائف المعارف” (ص:135):

«فإنَّ مفهومه: جواز التقدُّم بأكثر مِن يومين».اهـ

وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح معاني الآثار” (2/ 84 ــ رقم: 3339):

«فلمَّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ فَلْيَصُمْهُ ))، دَلَّ ذلك على دفع ما قال أهل المقالة الأولى، وعلى أنَّ ما بعد النِّصف مِن شعبان إلى رمضان حُكم صومه حُكم صوم سائر الدَّهر المُباح صومه».اهـ

ثانيًا ــ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ــ رضي الله عنهما ــ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا )).

أخرجه البخاري (3420)، ومسلم (1159-189).

ومَن صام كصيام داود ــ عليه السلام ــ فلا بُدَّ أنْ يقع صيامه بعد النِّصف مِن شعبان.

وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح معاني الآثار” (2/ 87 ــ رقم: 3356)، عقب هذا الحديث:

« فلمَّا أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآثار المتواترة صوم يوم وإفطار يوم مِن سائر الدَّهر، دَلَّ ذلك أنَّ صوم ما بعد النِّصف مِن شعبان مِمَّا قد دخل في إباحة النَّبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو».اهـ

ثالثُا ــ حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ حين سُئلت عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: (( وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا )).

أخرجه البخاري (1969-1970)، ومسلم (1156-167)، واللفظ له.

وهذا ظاهرٌ في أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصوم بعد انتصاف شعبان.

رابعًا ــ حديث عِمران بن حصين ــ رضي الله عنه ــ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أو لآخَر مِن الصحابة: (( أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ )).

رواه البخاري (1983)، ومسلم (1161)، واللفظ له.

وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (4/ 272 ــ رقم:1983):

«قال أبو عبيد والجُمهور: المُراد بالسَّرر هنا آخِر الشهر، سُمِّيت بذلك لاستسرار القمر فيها، وهي: ليلة ثمان وعشرين، وتسع وعشرين، وثلاثين».اهـ

وهو دال أيضًا على جواز الصوم بعد النِّصف مِن شعبان لِمَن له عادة بالصيام، ومَن ليست له عادة.

وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح معاني الآثار” (2/ 83 ــ رقم: 3332)، عقب هذا الحديث:

«وهذا في آخِر شعبان.

ففي هذه الآثار مِن أمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمَّته ما قد وافق فِعله».اهـ

خامسًا: حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ عند البخاري (1942)، ومسلم (1121)، واللفظ له، قالت: (( أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ )).

قلت:

وإعلال الحديث بمخالفته مَا هو أصح مِنه وأكثر طريقة مشهورة عند أئمة الحديث، ونُقَّادِه الأوائل، وفقهاء المُحدِّثين.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام العلماء في إعلال هذا الحديث مِن جهة المَتن.

أوَّلًا ــ قال الإمام أبو داود السجستاني ــ رحمه الله ــ في “مسائله عن الإمام أحمد بن حنبل” (2002):

«سمعت أحمد ذَكر حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: (( أنَّ النَّبي ــ عليه السلام ــ كان إذا دخل النِّصف مِن شعبان أمسك عن الصوم ))، فقال:

“كان عبد الرحمن بن مَهدي لم يُحدِّثنا بِه، لأنَّ النَّبي ــ عليه السلام ــ خِلافه”، يعني: حديث عائشة وأمِّ سلمة: (( أنَّ النَّبي ــ عليه السلام ــ كان يصوم شعبان )).

قال أحمد: هذا حديث مُنكر ــ يعني: حديث العلاء هذا».اهـ

ثانيًا ــ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائف المعارف” (ص:135):

«ورَدَّه الإمام أحمد بحديث: (( لا تقدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين ))، فإنَّ مفهومه جواز التقدُّم بأكثر مِن يومين».اهـ

ثالثًا ــ قال الفقيه أبو يَعلَى الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “طبقات الحنابلة” (2/ 385):

«وقال أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال:

هذا الحديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا كان النِّصف مِن شعبان فلا تصوموا )) ليس هو محفوظ.

والمحفوظ الذي يُروَى عن أبي سلَمة، عن أمِّ سلَمة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كان يصوم شعبان ورمضان ))».اهـ

رابعًا ــ قال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “عُمدة القاري شرح صحيح البخاري” (10/ 273):

«وقال أبو عبد الله ــ يَعني: الإمام أحمد ــ: هذا خلاف الأحاديث التي رُويَت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم».اهـ

خامسًا ــ قال الفقيه محمد عبد الباقي الزُّرقاني الأزهري المالكي ــ رحمه الله ــ في “شرح الموطأ” (2/ 226):

«ولم يأخذ بِه أئمَّة الفتوى، لأنَّه صلى الله عليه وسلم صام شعبان كله».اهـ

سادسًا ــ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائف المعارف” (ص:136):

«وقال الأثرم: “الأحاديث كلها تُخالفه”، يُشير إلى أحاديث صيام النَّبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله، ووصلِه برمضان، ونهيِه عن التقدُّم على رمضان بيومين.

فصار الحديث حينئذ شاذًّا مُخالفًا للأحاديث الصَّحيحة.

وقال الطحاوي: “هو منسوخ”، وحَكَى الإجماع على ترك العمل بِه.

وأكثر العلماء على أنَّه لا يُعمل بِه.

وقد أخَذ آخرون، مِنهم: الشافعي، وأصحابه، ونَهوا عن ابتداء التطوع بالصيام بعد نصف شعبان لِمن ليس له عادة، ووافقهم بعض المتأخرين مِن أصحابنا.

ثم اختلفوا في عِلَّة النَّهي.

فمِنهم مَن قال: خشية أنْ يُزاد في شهر رمضان ما ليس مِنه، وهذا بعيد جدًّا فيما بعد النِّصف، وإنَّما يحتمل هذا في التقديم بيوم أو يومين.

ومِنهم مَن قال: النَّهي للتقوى على صيام رمضان، شَفقة أنْ يُضعِفه ذلك عن صيام رمضان، ورُوي ذلك عن وكيع.

ويَرُدُّ هذا: صيام النَّبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله، أو أكثره، ووصله برمضان، هذا كله بالصيام بعد نصف شعبان».اهـ

سابعًا ــ قال العلامة عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 290-291):

«ومنَع بعض الشافعية مِن صوم النِّصف الأخير من شعبان،…، وذهب الجمهور إلى استحبابه، لِما تقدَّمه مِن الحث على صيام شعبان، وقال الشيخ: لا يُكره صوم العشر الأخير مِن شعبان عند أكثر أهل العلم».اهـ

ثامنًا ــ قال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (4/ 20-21):

«وقال الشافعي ــ رحمه الله ــ: “يُكره التطوع إذا انتصف شعبان، لحديث أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ))، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

قلت: يُعارِضه حديث عِمران بن حُصين: (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: هل صُمت مِن سَرَر شعبان شيئًا؟ قال: لا، قال فإذا أفطرت فصُم ))، رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

قال المُنذري: “الصَّحيح أنَّ سِرار الشهر آخِره، سُمِّي بذلك لاستتار القمر فيه”، وقال أحمد ــ رحمه الله ــ: “حديث أبي هريرة ليس بمحفوظ”، قال: “وسألنا عبد الرحمن بن مَهدي فلم يُحدِّثني بِه”، قال: “وكان يتوفاه”، فأنكره مِن حديث العلاء، وفي رواية حرْب عن أحمد: “هذا حديث مُنكَر”.

وقال الحافظ أبو جعفر ــ ويعني به: الطحاوي ــ: “هذا على وجْه الإشفاق على صوم رمضان لا لكراهته في صومه، حتى لو علمنا أنَّه يحصل له ضَعف في صومه منعناه”.

قلت: وكيف وقد عارضه أحاديث عديدة صِحاح، مِنها: ما رواه البخاري، عن أبي هريرة: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله ))، وعنه: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه إلا قليلًا ))، رواه مسلم.

ومِنها: ما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أمَّ سلَمة: (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السَّنة شهرًا كاملًا إلا شعبان ورمضان )).

ومِنها: ما رواه الطحاوي ــ رحمه الله ــ عن أسامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هو شهر يَغفل الناس عن صيامه )).

فدَلَّ على أنَّ الصوم فيه أفضل مِن الصوم في غيره».اهـ

تنبيهات ثلاثة مهمة:

التنبيه الأوَّل:

أكثر العلماء على جواز الصوم بعد النِّصف مِن شعبان، سواء كان ابتداءً للصوم أو مواصلة للصيام قبله.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام أهل العلم في تقرير ذلك:

أوَّلًا: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائف المعارف” (ص:136)، عن حديث الصوم بعد انتصاف شعبان:

«وقال الطحاوي: “هو منسوخ”، وحَكَى الإجماع على ترك العمل بِه.

وأكثر العلماء على أنَّه لا يُعمل بِه».اهـ

ثانيًا: قال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (4/ 129ــ عند حديث رقم:1914):

«وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعًا بعد النِّصف مِن شعبان، وضعَّفوا الحديث الوارد فيه».اهـ

ثالثًا: قال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “نُخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار” (8/ 451):

«ص: وخالفهم في ذلك آخَرون، فقالوا: لا بأس بصوم شعبان كله، وهو غير مَنهِي عنه.

ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بِهم مجاهدًا، والأوزاعي، والنَّخعي، والثوري، وأبا حنيفة، وأصحابه، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، وجماهير العلماء مِن التابعين، ومَن بعدَهم، فإنَّهم قالوا: لا بأس بصوم شعبان كله، وهو مُستحب غير مَنهِي عنه، ورُوي ذلك عن أنس، وأسامة بن زيد، وعائشة، وأمِّ سلمة، وعطاء بن يسار ــ رضي الله عنهم ــ».اهـ

رابعًا: قال الفقيه محمد عبد الباقي الزُّرقاني الأزهري المالكي ــ رحمه الله ــ في “شرح الموطأ” (2/ 226)، عقب حديث العلاء:

«ولم يأخذ بِه أئمَّة الفتوى، لأنَّه صلى الله عليه وسلم صام شعبان كله».اهـ

خامسًا: قال العلامة عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 290-291):

«منَع بعض الشافعية مِن صوم النِّصف الأخير من شعبان،…، وذهب الجمهور إلى استحبابه، لِما تقدَّمه مِن الحث على صيام شعبان.

وقال الشيخ: لا يُكره صوم العشر الأخير مِن شعبان عند أكثر أهل العلم».اهـ

سادسًا: قال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “مراتب الإجماع” (ص:40-41):

«وأجمعوا أنَّ مَن تطوع بصيام يوم واحد، ولم يكن يوم الشك، ولا اليوم الذي بعد النِّصف مِن شعبان، ولا يوم جمعة، ولا أيَّام التشريق الثلاثة بعد يوم النَّحر، فإنَّه مأجور، حاشا المرأة ذات الزوج، واتفقوا على أنَّها إنْ صامت كما ذَكرنا بإذن زوجها فإنَّها مأجورة».اهـ

وقد حمَل ابن حزم ــ رحمه الله ــ حديث العلاء:

على المنْع مِن صوم اليوم السادس عشر مِن شعبان فقط، ويجوز عنده الصوم بعد السادس عشر مِن شعبان.

حيث قال في كتابه “المُحلَّى” (4/ 447-449 ــ مسألة رقم:800):

«مسألة: ولا يجوز صوم اليوم السادس عشر مِن شعبان تطوعًّا أصلًا، ولا لِمَن صادف يومًا كان يصومه».اهـ

ثمَّ احتجَّ بحديث العلاء بن عبد الرحمن.

وقال بعد ذلك:

«وقد كرِه قومٌ الصوم بعد النِّصف من شعبان جملة، إلا أنَّ الصَّحيح المُتيقَّن مِن مُقتضى لفظ هذا الخبَر:

النَّهى عن الصيام بعد النِّصف مِن شعبان، ولا يكون الصيام في أقل مِن يوم، ولا يجوز أنْ يُحمَل على النَّهى عن صوم باقى الشهر، إذا ليس ذلك بيِّنا.

ولا يَخلو شعبان مِن أنْ يكون ثلاثين، أو تسعُا وعشرين، فإنْ كان ذلك، فانتصافه بخمسة عشر يومًا، وإنْ كان تسعًا وعشرين، فانتصافه في نصف اليوم الخامس عشر، ولم يُنه عن الصيام بعد النِّصف.

فحصل مِن ذلك النَّهى عن صيام اليوم السادس عشر بلا شك…

وقد رُوِّينا ما ذَكرنا قبل مِن قول أمِّ سلَمة أمَّ المؤمنين: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ ))، وقول عائشة أمِّ المؤمنين: (( أَنَّهُ ــ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ــ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ إلَّا قَلِيلًا )).

وقولهما هذا: يَقتضي أنَّه ــ عليه السلام ــ كان يداوم ذلك، فوجب استعمال هذه الأخبار كلها، وألَّا يُردَّ مِنها شيء لشيء أصلًا، فصحَّ صيام أكثر شعبان مرغوبًا فيه، وصحَّ جواز صوم آخِره، فلم يَبق يقين النَّهى إلا على ما لا شَك فيه، هو اليوم السادس عشر، كما قلنا».اهـ

التنبيه الثاني:

عن تحرير قول الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ نفسه عن كراهة الصوم بعد النِّصف مِن شعبان.

لم أجد نصًّا عن الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأُمّ”، ولا في “مُختصَر” تلميذه الإمام المُزَني ــ رحمه الله ــ:

عن حُكم الصيام بعد انتصاف شعبان.

ولا نَقل الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سُننه”، عن الشافعي شيئًا، عقب حديث العلاء بن عبد الرحمن.

ولا وجدته في عديد مِن كتب فقهاء الشافعية ــ رحمهم الله ــ، ووجدت أنَّهم يَذكرونه وجهًا، أو يَنسبونه إلى الأصحاب.

ولم أجد النِّسبة إلى الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ نصًّا إلا عن عدد قليل جدًا مِن مُتأخِّري الحنفية والحنابلة، ولعلَّه تَجوُّزٌ كما جرَت عليه عادة كثير، بناء على أنَّ عدم الصوم هو الأصَح أو الأشهر عند أهل المذهب.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ خلاصة مذهب الشافعية ــ رحمهم الله ــ في الصوم بعد النِّصف مِن شعبان:

أوَّلًا: قال الفقيه سراج الدِّين ابن المُلقِّن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام” (5/ 159 ـ161)، بعد حديث (( لا تَقَدَّمُوا رمضانَ بصومِ يومٍ ولا يومين، إلَّا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه )):

« الثالث: فيه التصريح بالنَّهي عن إنشاء الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين تطوعًا مِن غير عادة وذلك على طريق الاحتياط لِرمضان، ومقتضاه أنَّه يجوز بأكثر.

وهو مُقتضى كلام البندنيجي، وابن الصَّباغ، مِن أصحابنا.

وحاصل الخلاف عندنا في المسألة أربعة أوجْه:

أحدها: هذا.

وثانيها: أنه إذا انتصف شعبان يَحرم الصوم، وبِه قطَع

المُحقِّقون مِن أصحابنا، لقوله  ــ عليه الصلاة والسلام ــ: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ))، رواه أصحاب “السُّنن الأربعة” من حديث أبي هريرة، وصحَّحه الترمذي، وابن حِبَّان.

والقائل بهذا يُجيب عن حديث أبي هريرة الذي في الكتاب: بأنَّ قوله: (( بيوم ولا يومين )) ليس للتخيير، وإنَّما هو لِتبيين المنع مِن التقديم عليه بالصوم، لأنَّه الغالب في الواقع مِمَّن يَقصد استقبال الشهر.

وأمدُ المنع فيه نصف شعبان كما هو مبيَّن في حديث أبي هريرة الآخَر.

والوجه الثالث: أنَّه يجوز ولا يُكره، وبِه قطَع المتولي، وقال في الحديث الذي أوردناه: “إنَّه غير ثابت عند أهله”.

والرابع: يُكره كراهة تنزيه، واختار الرُّوياني».اهـ

ثانيًا: قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (6/ 400):

«أمَّا إذا صام بعد نصف شعبان غير يوم الشك، ففيه وجهان:

أصحهما: وبه قطَع المُصنِّف، وغيره مِن المُحقِّقين: لا يجوز، للحديث السابق.

والثانى: يجوز ولا يُكره.

وبِه قطَع المُتولي، وأشار المُصنِّف في “التنبيه” إلى اختياره.

وأجاب المُتولي عن الحديث السابق: (( إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان )) بجوابين:

أحدهما: أنَّ هذا الحديث ليس بثابت عند أهل الحديث.

والثانى: أنَّه محمول على مَن يخاف الضَّعف بالصوم، فيُؤمر بالفطر حتى يَقوى لصوم رمضان.

والصَّحيح ما قاله المُصنِّف، وموافقوه، والجوابان اللذان ذَكرهما المُتولي يُنازع فيهما».اهـ

ثالثًا: قال الفقيه أبو البقاء الدَّميري الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “النَّجم الوهاج في شرح المنهاج” (3/ 317-318)

«تتمة: في الصوم بعد نصف شعبان غير يوم الشك: أربعة أوجْه… ».اهـ

رابعًا: قال الفقيه أبو المحاسن الرّوُياني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بَحر المذهب” (3/ 312):

«رُوي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يدخل رمضان ))، ورُوي: (( فلا صوم إلا لرمضان )).

قال أصحابنا: إذا ابتدأ الصوم قبل انتصاف شعبان، ثم وصلَه برمضان، أو وافق آخِر أيَّام شعبان وِرْدًا له فصام: لا يُكره، ويجوز له ذلك.

ولو ابتدأ صيام نَفلٍ مِن غير سبب بعد انتصاف شعبان، ووصَل برمضان: كُره ذلك، وإنْ لم يكن شك، لأنَّه يُشبِه استقبال الفرْض، وقد ورَد عنه،…

وهذه الكراهية هي كراهة تنزيه عندي.

ومِن أصحابنا مَن قال: لا يُكره ذلك بحال، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يتقدموا رمضان بيوم أو يومين ))، فنَهى عن صوم يومين قبل رمضان، والخبَر الذي ذَكرنا غير ثابت».اهـ

خامسًا: قال الإمام أبو محمد البغوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التهذيب في فقه الإمام الشافعي” (3/ 202):

«وإذا انتصف شعبان يُكره الصوم استقبالًا للشهر، إلا أنْ يوافِق صومًا كان يصومه مِن قبل».اهـ

سادسًا: قال الفقيه أبو الحسين العمراني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البيان في مذهب الإمام الشافعي” (3/ 559-560):

إذا ثبت هذا، فرُوي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان )).

واختلف أصحابنا في معناه:

فقال الشيخ أبو إسحاق: معناه إذا أراد صوم يوم الشك عن التطوع الذي لا عادة له بِه، فإنَّ وصلَه بما قبل النِّصف جاز، وإنْ وصلَّه بما بعد النَّصف لم يَجز.

وقال ابن الصباغ: يحتمل أنْ يكون ليتقوى بِه المُفطر على صوم رمضان، لأنَّ دليل قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تتقدموا الشهر بيوم ولا بيومين )) يُجوِّز أنْ يَتقدَّمَه بأكثر مِن ذلك».اهـ

سابعًا: قال الفقيه عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 290-291):

«ومنَع بعض الشافعية مِن صوم النِّصف الأخير من شعبان».اهـ

التنبيه الثالث:

عن جمْع بعض مِن صحَّح حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) بينه وبين أحاديث الجواز مِن الجهة الفقهية، وحمْل بعض العلماء له على فرض ثبوته، وأوجه نقض هذا الجمع.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض ما وقفت عليه مِن كلام لأهل العلم حول هذا الجمْع:

الجمْع الأوَّل:

1 ــ قال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (4/ 129ــ عند حديث رقم:1914)::

«ثم جمَع بين الحديثين ــ يعني: الطحاوي ــ:

بأنَّ حديث العلاء محمول على مَن يُضعِفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمَن يَحتاط بزعمه لرمضان.

وهو جمْع حسن».اهـ

2 ــ وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح معاني الآثار” (2/ 84 ــ رقم: 3339)، عقب هذا الحديث:

«فلمَّا ثبَت هذا المعنى الذي ذَكرنا، دلَّ ذلك أنَّ النَّهى الذي كان مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبى هريرة ــ رضي الله عنه ــ الذي ذَكرناه في أوَّل هذا الباب، لم يكن إلا على الإشفاق مِنه على صُوَّام رمضان، لا لِمعنَى غير ذلك.

وكذلك نأمُر مَن كان الصوم بقُرب رمضان يَدخله بِه ضَعف يَمنعه مِن صوم رمضان أنْ لا يصوم حتى يصوم رمضان، لأنَّ صوم رمضان أولَى بِه مِن صوم ما ليس عليه صومه.

فهذا هو المَعنَى الذي ينبغي أنْ يُحمَل عليه معنى ذلك الحديث، حتى لا يُضاد غيره مِن هذه الأحاديث، وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمَر بِه عبد الله بن عمرو، ما يَدُل على ذلك أيضًا».اهـ

وقال الفقيه سِراج الدِّين ابن المُلقِّن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإعلام بفوائد عمدة الأحكام” (5/161-) عن هذا الجمْع:

«ذَكر بعضهم في النَّهي عن تقدُّم رمضان بالصوم: “إنَّما كان لأجل التقوّي على صيام رمضان”.

وهو بعيدٌ، فإنْ ذلك إذا أضعف عن رمضان كان شعبان كله أولى بأنْ يُضعف، وقد قام الإِجماع على جواز صومه كله، بل على استحبابه».اهـ

الجمْع الثاني:

يُحمَل النَّهي على ابتداء الصوم بعد النِّصف مِن شعبان، دون مَن كان صائمًا قبل النِّصف، ثمَّ واصل بعدَه، أو كانت له عادة صيامٍ، كمن يصوم صيام داود.

حيث قال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “تهذيب سُنن أبي داود وإيضاح مشكلاته” (6/ 331 ــ مع “عون المعبود”):

« قالوا: وأمَّا ظن مُعارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان فلا مُعارضة بينهما، وإنَّ تلك الأحاديث تدُل على صوم نصفه مع ما قبله، وعلى الصوم المُعتاد في النِّصف الثاني.

وحديث العلاء يدُل على المنْع مِن تَعمد الصوم بعد النِّصف، لا لعادة، ولا مضافًا إلى ما قبله، ويَشهد له حديث التقدُّم».اهـ

الجمْع الثالث:

أنَّ النَّهي محمول على مَن يتعمَّد الصوم بعد النِّصف مِن شعبان احتياطًا لرمضان.

1 ــ حيث قال الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سُننه” (743):

«ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أنْ يكون الرجل مفطرًا، فإذا بقِي مِن شعبان شيء أخذ في الصوم، لِحال شهر رمضان.

وقد رُوي عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ما يُشبِه قولهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (( لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ ))، وقد دَلَّ في هذا الحديث أنَّما الكراهية على مَن يَتعمَّد الصيام لِحال رمضان».اهـ

2 ــ وجاء في كتاب “لوامع الدُّرر في هتك استار المُختصَر” (4/ 68)، مِن كتب المالكية:

«وقد ذَكر بعض أهل العلم أنَّ معنى هذا النَّهي: المبالغة في الاحتياط، لئلَّا يَختلط برمضان ما ليس مِنه، ويكون هذا بمعنى نهيه عن أنْ يتقدم أحدٌ عن رمضان بيوم أو يومين، قاله الحطَّاب».اهـ

قلت:

وهذا الجمْع فيه نظر، بل هو ضعيف، لأمرين:

الأمْر الأوَّل:

أنَّ حديث: (( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فلَا تَصُومُوا ))، مِن الأحاديث التي نصَّ أكابر أئمة الحديث، ونُقَّاد العِلل، كابن مَهدي، وأحمد بن حنبل، ويَحيى بن معين، وأبي بكر الأثْرم، وغيرهم، على عِلَّته الإسنادية.

وهي أنَّه مُنكَر، وأنَّه مِمَّا أُنكِر مِن حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ.

وقد تقدَّم أيضًا نصُّ الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ على تضعيف جماهير العلماء لهذا الحديث.

وعليه:

فلا يَصلح أنْ يُعارَض الحُكم عليه بأنَّه مُنكَر، بتصحيح مِن صحَّحه مِمَّن تقدَّم، كالترمذي، وابن حِبَّان، والحاكم، بناء على ظاهر إسناده، فكيف بمَن تأخَّر عنهم، ثم يُجمَع بينه وبين الأحاديث الأصح والأكثر، ومُعظمها عند البخاري ومسلم في “صحيحيهما”.

مع أنَّ الترمذي، وابن حِبَّان، والحاكم، أيضًا قد وُصِفوا بالتساهل في الحُكم على الأحاديث مِن قِبَل غير واحد مِن أهل العلم، وخالَفهم في هذا الحديث مَن هو أكبر مِنهم في عِلم الحديث وعِلله وأجَلّ.

وقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائف المعارف” (ص:135):

«أمَّا تصحيحه: فصحَّحه غير واحد، مِنهم: الترمذي، وابن حِبَّان، والحاكم، وابن عبد البَر.

وتكلَّم فيه مَن هو أكبر مِن هؤلاء، وأعلم، وقالوا: هو حديث مُنكر.

مِنهم: عبد الرحمن بن مَهدي، وأحمد، وأبو زُرعة الرازي، والأثْرم».اهـ

وأيضًا:

فإنَّما نحتاج إلى مِثل هذا الجمْع لو كان الأئمة قد صحَّحوه، فكيف بحديث قد حَكم جماهير العلماء بتضعيفه، وأعلَّه أكابر المُحدِّثين ومُقدَّمِيهم، وبيَّنوا عِلَّته، وأنَّه حديث مُنكَر.

الأمْر الثاني:

أنَّ حديث: (( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فلَا تَصُومُوا ))، لو أمكَن الجمْع بينه وبين بعض الأحاديث، فلا يستقيم مع الأحاديث الأُخْرى.

كحديث أبي هريرة في الصَّحيحين، مرفوعًا: (( لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ )).

فإنَّه ظاهِرٌ في جواز الصوم بعد النِّصف مِن شعبان، وقبل رمضان بأكثر مِن يومين، لِمَن ليست له عادة في الصيام.

ولِهذا كان هذا الحديث مِن أكثر الأحاديث ذِكرًا عند العلماء واستعمالًا في رَدِّ مخالفة حديث العلاء بن عبد الرحمن، وعلى رأسهم إمام أهل السُّنة أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ.

ومثله:

حديث عِمران بن حصين ــ رضي الله عنه ــ في “الصَّحيحين” أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أو لآخَر مِن الصحابة: (( أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ )).

والمُراد بالسَّرر: آخِر الشهر.

وفي الختام:

أسأل الله ــ جلَّ وعزَّ ــ أنْ يَنفعني، وإخواني طلاب العلم، وعموم الناس، بهذه الكتابة، وهذا البحث، إنَّه سميع مُجيب.

 وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجُنيد.

تنبيه:

أصل هذه الرسالة مأخوذ مِن شرحي على كتاب “الصيام”، مِن كتاب “المُنتقى” للمَجد ابن تيمية، و كتاب “عُمدة الأحكام”، لعبد الغني المقدسي، وكتاب “عُمدة الفقه”، لِموفَّق الدِّين بن قٌدامة.