إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: ” العنصرية جاهلية ونقص في الإيمان والأخلاق “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” العنصرية جاهلية ونقص في الإيمان والأخلاق “.

  • 15 يوليو 2020
  • 574
  • إدارة الموقع

العُنصريةُ جاهليةٌ ونقصٌ في الإيمان والأخلاق

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــ

الحمد لله الذي أكرمَنا بالإسلام، وألَّفَ بين قلوبنا بالإيمان، وجمَّلَنا بطيِّبِ المكارمِ والآداب، وجعلَ أقربَنا إليه أهلَ تقواه، والصلاةُ والسلام على النَّبيِّ محمدٍ المبعوثِ لِيُتمِّمَ صالحَ الأخلاق، وعلى الصَّحبِ لَه والآل، والمؤمنينَ مِن سائر الأقطار.

أمَّا بعدُ، فيَا معاشِرَ أهلِ الإيمانِ والقرآن:

لقد خلقَ اللهُ وأخرجَ أحمرَكُم وأسودَكم وأبيضَكم وحِنْطِيَّكم وأسمرَكُم مِن نَسلِ نفسٍ واحدة، وهي آدم ــ عليه السلام ــ، فهو أبوكُم جميعًا، وخلقَ أُمَّكُم حَوَّاء الكريمةَ مِن أحد أضلاعِه، كما قال سبحانه في أوَّل سورة النساء: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً }، ثُمَّ لِحكَمٍ كثيرةٍ وجليلةٍ جعلَكم سبحانه شعوبًا وقبائلَ وعشائرَ وأفخاذًا، صغيرةً وكبيرة، وفارقَ بينَكم في الألوان، والُّلغات، والأجساد طولًا وعرضًا ووزنًا، وجعلَ أكرمَكُم عنده، وأقرَبَكُم إليه، أتقاكُم، وهو أكثرُكم طاعةً وانكفافًا عن المعاصي، لا أكثرُكم قرابةً وقومًا، ومالًا وولدًا، ولا أميزُكم بلادًا وثَروةً وطبيعة، ولا أقواكُم سلاحًا واقتصادًا، ولا أشرفُكم نسبًا وصِهرًا، حيث قال سبحانه: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }.

وحَكَمَ بأُخُوَّتِكم جميعًا في الإيمان، وإنْ اختلفَ آباؤكُم وأُمَّهاتُكم، فقال سبحانه في سورة الحقوق، وهي سورةِ الحُجُرات: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }، وأذاعَ ذلكَ وأشهرَه رسولُه إليكم في أعظم مجامِعِكم وهو الحجُّ، فثبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه خطَبَ الناسَ في وسَطِ أيَّامِ التشريق، في حَجَّة الوداع، فقال صلى الله عليه وسلم: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ ))، فمَدارُ الأفضليةِ عنده سبحانه، وسبيلُ القُربِ الوحيدِ مِنه، على تقواهُ ــ عزَّ وجَل ــ بالقيامِ بما فرَض، والتتميمِ بالسُّنن، واجتنابِ ما نَهَى عنه وزَجَر، لا على نَسبٍ ومالٍ وشَرفٍ وقوة، وقد صحَّ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))، وكان خِيارُ الناسِ عند الله بالإسلام، والعملِ بشريعته، والفقهِ في أحكامه، وبذلك يَتفاضلون، وفيه يتنافسون، حيث صحَّ أنَّه: (( قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ» فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: «فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلُونِ؟: خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ، إِذَا فَقُهُوا» ))، وصحَّ (( أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي، فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» )).

معاشِرَ أهلِ الإيمانِ والقرآن:

عَلَامَ هذه الأقوال العُنصرية، وتِلْكُم الأفعال الجاهلية، والاحتقارات الطَّبقيَّة، والازدراءات المناطقية، التي تَصدُر عن مُسلِمٍ مع أخيه المُسلِم، وتتكرَّرُ مِنه كثيرًا، حتى اشتدَّت في الأنساب، واستشرَت بين البلدان، ووسَّعَتْها الألوانُ والأموال والجِنسيات واللغات، وتَرَبَّى عليها الأجيال، ولم يَسْلَم مِنها الصِّغارُ والنِّسوان، ورَأى أهلها أنَّهم طبقاتٌ بعضها أعلَى مِن بعض، أعلَتْهُم الأنساب، ورفعَتْهُم المناصبُ والجَاه، وكبَّرَتْهُم الشهاداتُ العلمية، والوظائفُ العالية، والأموالُ والتِّجارات، واستأسدوا بالذكاء والنَّباهةِ والبديهةِ العالية، وُحسنِ المنطِق والفَهم، حتى لكأنَّ غيرَهم دُونَهم بمراحل، وتحتَهم بمفاوز، وباتت طوائفُ مِن العرب المسلمين تنتقص إخوانها مِن غير العرب، وطوائفُ مِن غير العرب المسلمين تنتقص إخوانها مِن العرب، وقد صحَّ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه أمرَ أهلَ الإيمانِ وزجَرَهم عن ذلك فقال: (( كُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ ))، وثبَت أنَّه صلى الله عليه وسلم خطبَ الناسَ يومَ فتحِ مكة فقال: (( أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى رَبِّهِ، «أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، ثم تلا: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ } ))، ويَعني صلى الله عليه وسلم بـ(( عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ )): الكِبْرَ والتفاخُرَ الذي يكون مِنهم على غيرِهم في الجاهلية بأحسابِهم وأنسابِهم، وما يَزعمونه مِن فضلٍ أو شَرفٍ أو مكانة.

وصحَّ أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفاريِّ ــ رضي الله عنه ــ كان يَكسوا عبدَه ومَملوكَه مِثلَما يُلبِسُ نفسَه مِن الثياب، فسُئلَ عن ذلك، لأنَّ صَنيعَه هذا خِلافَ المعهودِ مِن الناس مع رقيقِهم، فقال: (( إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» ))، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ )) أي: فيك خُلقٌ مِن أخلاقهم، وهو التعييرُ والتَّنقُّصُ بالآباء والأُمَّهات، بل إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قد غلَّظ شديدًا في شأن الطعنِ في أنساب الناس، وعَيبِهم بِها وتَنقُّصِهم وتعييرِهم، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ))، أكرمَنِي اللهُ وإيَّاكم بنفوسٍ خاليةٍ مِن الكِبر والحِقد والحسد، وجمَّلَنا بصالح الأخلاق.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــ

الحمدُ لله، وأشهدُ لَه شهادةَ الحقِّ لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وعلى الله توكَّلْنا، وهو حسْبُنا ونِعْمَ الوكيل، ولا حولَ ولا قُوَّة لَنا إلا بِه.

أمَّا بعدُ، معاشِرَ أهلِ الإيمانِ والقرآن:

فإنَّ مِمَّا يُوسَفُ لَه، ويُحزَنُ بسببِه، بقاءَ هذه العُنصرية، وخِصالِ جاهليةِ الكُفرِ الأولى في أعدادٍ غفيرةٍ جِدًّا مِن أهل الإسلام، تُسْمَعُ مِنهم كثيرًا، وتُشاهَدُ في أفعالِهم باستمرار، وكبَّرَها سُفهاءُ برامجِ التواصلِ الاجتماعي الذين يكتبونَ بأسماءَ مجهولةٍ لِيطحَنوا المسلمين ببعض، ويَزيدوا مِن تَفَرُّقِهم واختلافِهم وتباغُضِهم، حتى وصلَت هذه الجاهلية بين سُكانِّ ومناطقِ البلدِ الواحد، وأهلِ القبيلةِ والعائلةِ الواحدة، ولقد أخبَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببقائها، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال مُكرِّهًا لَنا هذه الخَصلَة الشَّنيعة، وزاجرًا لَنا عنها: (( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ ))، وصحَّ عن ابن عباس ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( لَا أَرَى أَحَدًا يَعْمَلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }، فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَنَا أَكْرَمُ مِنْكَ، فَلَيْسَ أَحَدٌ أَكْرَمَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِتَقْوَى الله ))، فاتقوا الله ــ عِبادَ الله ــ وكونوا مع بعضِكم كما أُوحِيَ إلى نبيِّكم صلى الله عليه وسلم، حيث قال: (( إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ))، وأصلحوا قلوبَكم، تَصلُح لكُم أحوالكُم، وتنافسوا على تقواه تَسعدوا في الدنيا والآخِرة، فقد ثبَت أنَّه: (( قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ» ، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ، نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» )).

اللهم اهدِنا لأحسنِ الأخلاقِ والأعمالِ لا يَهدي لأحسنِها إلا أنت، واصرْف عنَّا سيِّئَها لا يَصرْفُ عنَّا سيِّئَها إلا أنت، اللهم طهِّر قلوبنا مِن الغِلِّ والحِقد والحسَد، وجنِّبنَا التَّحريشَ بين المؤمنين، وألِّف قلوبَ المسلمين على بعض، وزِدْ مِن تراحُمِهم وتعاطُفِهم، واجمَع حُكامَهم على التوحيد والسُّنة، وقوِّهِم بالإسلام والمسلمين، إنَّك سميع مُجيب، أقول هذا، وأستغفر الله لِي ولكم.