إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: ” لا تضيعوا الصلاة المكتوبة “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” لا تضيعوا الصلاة المكتوبة “.

  • 1 أكتوبر 2020
  • 748
  • إدارة الموقع

لا تُضيِّعوا الصلاة المكتوبة

الخطبة الأولى:ـــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الملِكِ العظيمِ القائلِ: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ }، والصلاةُ والسلامُ على عبدِه ورسولِه محمدٍ القائلِ في ثابتِ حديثِه: (( وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَلَاةِ ))، وعلى آلِه وأزواجِه وأصحابِه الذين قال ربُّهم في وصْفِهِم: { تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ }.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ الصلاةَ قُرَّةُ عُيونِ المؤمنين، وسُرورُ أرواحِ المُوحِّدِين، ولَذَةُ قلوبِ العابدين، وراحةُ نفوسِ الخاشعين، و مَحَكُّ أحوالِ الصادقين، ومِيزانُ أحوالِ السالكين، لِمَا فيها مِن مُناجاةِ الرَّبِ الكريمِ الذي لا تَقَرُّ العيونُ، ولا تَطمئِنُ القلوبُ، ولا تَنشرِحُ الصُّدورُ، ولا تَسكُنُ النفوسُ إلا إليه، وإلى التَّنعُّمِ بذِكرِه، والتَّذلُّلِ والخُضوعِ له، والاحتماءِ بجنابِه مِن الشُّرور، ولِهذا صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقولُ لِمؤذِّنِه: (( قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ )).

الصلاةُ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ هي الفاصِلةُ بينَ إيمانِ العبدِ وكُفرِه، لِمَا صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ ))، وصحَّ عن عبد الله بنِ شَقيقٍ ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ ))، وصحَّ عن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( أَمَا إِنَّهُ لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِأَحَدٍ تَرَكَ الصَّلَاةَ ))، وثبتَ عن ابنِ مسعودٍ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا دِينَ لَهُ )).

الصلاةُ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ بفِعلِها تُعصَمُ نفسُ العبدِ مِن القتل، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ))، وصحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَجَهَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟» قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ يُصَلِّي؟» قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا صَلَاةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللهُ عَنْهُمْ » )).

الصلاةُ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ بها يُكَفُّ القتالُ، وتُعرَفُ البلادُ بأنَّها ديارُ إسلامٍ ومسلمين، لا كُفرٍ وكافرين، حيث صحَّ عن أنس ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبِحُ )).

الصلاةُ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ تُحرِّمُ على الرَّعية أنْ تَخرجَ على حاكِمها، وأنْ تُقاتِلَه، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا» )).

الصلاةُ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ هي وأوَّلُ أعمالِكم مُحاسَبةً يومَ القيامةِ، وبها تُفلحون في الآخِرةِ أو تَخسَرون، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ )).

الصلاةُ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ مِن عِظَمِ شأنِها عندَ الله تعالى أنْ جعلَهَا رُكنَ الإسلامِ الأعظمِ بعدَ الشهادتين،حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))، ومِن عِظَمِ شأنِها عند الله تعالى أيضًا: أنْ فرضَها في السماء، وجعلَهَا خمسًا في العَدد، وخمسينَ في الثواب، رحمةً مِنه بعبادِه وفضلًا، لِحديثِ مُراجعةِ موسى ــ عليه السلام ــ الصَّحيحِ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لِعدد فرضيتها في السماء، وفيه أنَّ الله قال: (( هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ )).

الصلاةُ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ مَن ضيَّعَها فوَادٍ في جهنَّمَ مَوعِدُه، حيث قال اللهُ تعالى متوعِّدًا بالعذاب فيه مَن أضاعَ الصلاةَ: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا }، وثبَت عن ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ: (( فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { فَسَوْفَ يلْقُونَ غَيًّا } قال: «وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، خَبِيثُ الطَّعْمِ، بَعِيدُ الْقَعْرِ» )).

وتاركُ الصلاةِ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ موعودٌ بِنار الآخِرةِ سَقِرٍ: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ  لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ }.{  كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ  مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } .

وتاركُ صلاةٍ واحدةٍ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ قد بَرِئت مِنه ذِمَّةُ الله، لِمَا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ ))، وصحَّحه العلامة الألباني، بل إنَّ تَرْكَ صلاةِ واحدةٍ مِنها ــ وهي صلاةُ العصرِ ــ له عقوبةٌ شديدةٌ، وخسارةٌ كُبرى، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ))، فاتقوا الله ــ عبادَ الله ــ وكونوا مِمَّن قال فيهم: { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ } { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ }، اللهم اجعلنا مِمَّن حَسُنَ عملُه، وطابت خاتمتُه، وصَلُحَت صلاتُه.

الخطبة الثانية:ـــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي لا إله إلا هوَ خالقُ البَريَّة، وأشهدُ لِنبيِّه محمدٍ بالعبودية والرِّسالة، ولِلآلِ والصَّحبِ له بالأفضلية.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فاتقوا اللهَ فيما فرَضَ عليكم مِن صلاةٍ بالليل والنهار، فلا تتركوها، أو تدعوا فريضةً مِنها، أو تُؤخِّروها عن وقتها، أو تتخلَّفوا عن أدائها في جماعة، أو تتكاسلوا إذا قُمتُم إليها، فذاكَ بابُ النفاقِ، وسبيلُ المنافقين، وقد صحَّ عن ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال في شأن صلاةِ الجماعةِ زَمَنَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: ((وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ))، وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُؤَذِّنَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزُمُ الْحَطَبِ إِلَى قَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الصَّلَاةِ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ ))، وقال – جلَّ وعلا – مُحذِّرًا لنا: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا }.

أيُّها المسلمون:

لقد اتخذتْ الدَّولةُ ــ سدَّدها اللهُ ــ عِدَّةَ إجراءاتٍ تتعلقُ بِعدوَى وباءِ كورونا، حِمايةً لِلناس، وتقليلًا لانتشار الوباء، ولِئلَّا يَضعُفَ اقتصادُ البلادِ أكثرَ بزيادةِ المُصابينَ وعلاجِهم، ومِن هذهِ الإجراءاتِ:

لبسُ الكِمَامَةِ في أماكن الاختلاطِ والتجمُعات، والمُباعَدةُ بين الناسِ بِتَرْكِ مسافةٍ جيدة، وغَسلُ اليدينِ باستمرار، واستعمالُ المُعقِّماتِ والمُطهِّرات عندَ الاحتياج، وعلى سبيلِ الاحتياط، وصلاة ُ كلِّ مُصلٍّ على سُجَّادة تَخُصُّه، ومُراعاةُ كبارِ السِّنَ وأصحابِ الأمراضِ المُزمنةِ أو الخطيرةِ عند الاختلاطِ بِهم، والعُطاسُ والكحَّةُ في مناديل، والكَظمُ عندَ التثائُب، ورَميُ الكِمَامةِ والقُفازينِ في أماكنِ القَذَر المُخصَّصة، وكلُّ هذهِ الإجراءاتِ مِن اتِّخاذِ الأسبابِ الذي قرَّرتهُ الشريعةُ، وتضافرت نُصوصُها في تثبيتِه، وتَنوُّعِ صورِه، فاستمِرُّوا على ذلكَ حتى يَنكشفَ هذا البلاء ولِئلَّا يعودَ الوباء بموجَةٍ كالسابقةِ أو أشدّ.

هذا وأسألُ اللهَ أنْ يَجعلَنا مِن الصابرينَ على أقدارِه وبلائِه، وأنْ يَدفعَ عنَّا وعن المسلمينَ كلَّ شَرٍّ ومكروه، وأنْ يُسدِّدَ الولاةَ ونُوَّابَهم وعُمَّالَهم وجُندَهم إلى حفظِ البلادِ والعِباد مِن الأوبئةِ والأعداءِ والمُفسِدين، وأنْ يَغفرَ لَنا، ولأهلينا، وجميعِ المؤمنين، إنَّه سميعُ الدعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهُ لِي ولكم.