إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: ” أحكام المسح على الخفين والجوربين واللفائف والجبيرة “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” أحكام المسح على الخفين والجوربين واللفائف والجبيرة “.

  • 3 ديسمبر 2020
  • 1٬122
  • إدارة الموقع

أحكام المسح على الخفين والجوربين واللفائف والجبيرة

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الأمين، فصلَّى اللهُ عليه وعلى آله وأصحابِه المُكرَمين.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فقد قرُبَ الشتاءُ، وهو وقت بَرْدٍ وصَقيع وثُلوج وبرَدٍ ورياح، والناس يحتاجون فيه إلى لُبْس الخِفاف والجوارب على أقدامهم، والخُفُّ: لباسٌ يُلبسُ في القدمين إلى ما فوقَ الكعبِ قليلًا، ويُصنع مِن جلد، والمسحُ عليه جائزٌ بنصِّ السُّنةِ الصَّحيحة، وورَد فيه نحوَ أربعينَ حديثًا، واتفقَ العلماءُ على جواز المسحِ عليه، ولم يمنعَ مِن المسح عليه إلا الشِّيعةُ الرَّوافضُ والخوارج، وأمَّا الجَورَبُ: فلِباسٌ يُلبسُ في القدمين إلى السَّاق، ويُصنع مِن قُماش، ويُسمَّى اليومَ بالشُّرَّاب، والمسحُ عليه جائزٌ لثبوته عن الصحابة ــ رضي الله عنهم، بل قال الإمامُ إسحاق بن راهويه:”مضَتِ السُّنةُ مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومَن بعدَهم مِن التابعينَ في المسح على الجوربين، لا اختلافَ بينهم في ذلك”.

أيُّها الناس:

إنَّ للمسحِ على الخُفين والجوربينِ شروطًا سِتَّةً لا يَصحُ المسحُ إلا بها:

الأوَّل: أنْ يكون الماسحُ عليهما قد لبسَهُما على طهارةٍ مائيةٍ كاملة، غَسلَ فيها جميعَ أعضاءِ الوضوءِ بالماء، بالسُّنةِ، واتفاق العلماء.

الثاني: أنْ يكون المسحً عليهما في الحدَث الأصغرِ الذي يُوجب الوضوءَ وليس في الحدَثِ الأكبرِ كالجنابة، فلا يجوز بالسُّنة، واتفاق العلماء، ولا يجوز أيضًا المسح على طهارة تيمُّمٍ عند المذاهب الأربعة، وغيرها.

الثالث: أنْ يُغَطِّيَا الكعبين باتفاق الأئمة الأربعة، وغيرهم، وقال بعض الفقهاء:”كلُّ ما يُلبسُ تحتَ الكعبينِ لا يجوز المسحُ عليه باتفاق العلماء.

الرابع: أنْ يكون المسحُ عليهما في المُدة المُحدَّدةِ شرعًا، ومَن مسحَ بعدَ انتهائها لم يَصحَّ وضوئَه، لِما صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم: ((جَعَلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ)).

الخامس: أنْ لا يكون الخُفُّ مصنوعًا مِن مادةٍ نجسةٍ كجلدِ الخِنزير، وغيره، باتفاق العلماء.

السادس: أنْ يكون الجَوربُ ــ أي: الشُّرَّاب ــ ثخينًا لا يَشُفُّ عمَّا تحتَه مِن بشرةِ القدَم، إذ لا يصحُ المسحُ على شُرَّابٍ رقيقٍ يَشُفُّ عمَّا تحتَه باتفاق المذاهبِ الأربعة، بل حكاهُ بعضُ الفقهاءِ إجماعًا مِن العلماء.

أيُّها الناس:

إنَّ أحكامَ المسحِ على الخفين والجوربينِ عديدةٌ، والتَّفقُّهُ فيها عبادةٌ عظيمةُ الأجرِ، وتدارُسُها مُصحِّحٌ لِلطهارةِ وعبادةِ الصلاة.

ومِن هذهِ الأحكامِ: أنَّ المسحَ يبدأُ وقتُه مِن أوَّل حدَثٍ يَنتقضُ بِه الوضوء بعدَ لُبسِهما، وهو مذهبُ الأئمةِ الأربعة، وغيرِهم، وفي روايةٍ للإمامِ أحمد: أنَّ بدايةَ وقتِ المسحِ تكون مِن أوَّل مسحةٍ بعد الحدَث.

ومِنها: أنَّه إذا انتهت مُدَّةُ المسحِ انتقضَ الوضوءُ، لأنَّ المسحَ عبادةٌ مؤقتةٌ، وبانتهاء وقتِها تزولُ جميعُ أحكامها لِزوالِها.

ومِنها: أنَّ مَن نَزعَ الخُفَّ أو الجوربَ عن قدميه فله حالان:

الأوَّل: أنْ ينزعَهُما وهو لا يَزالُ على طهارةٍ مائية، وهذا لا يَنتقضُ وضوئُه، وله لِبسُهما مِن جديد، والمسحُ عليهما باتفاق العلماء.

الثاني: أنَّ ينزعَهُما وهو على طهارةِ مسحٍ لا وضوء، وهذا يَنتقضُ وضوئُه، وصحَّ ذلك عن عددٍ مِن التابعينَ تلامذةِ الصحابة، ولأنَّ المسحَ عليهما قامَ مقامَ غَسلِ القدمين، فإذا خُلِعَا زالت بخلعِهما أحكامُهما، وانتقضَت طهارةُ القدمين، وإذا بطلت طهارةُ عضوٍ بطلَ الوضوءُ كلُّه.

ومِنها: أنَّه إذا كان الخُفُ أو الجوربُ مُخرَّقًا بِه ثُقوبٌ فله حالان:

الأوَّل: أنْ تكون الخُروقُ فوقَ الكعبين، فيجوز المسحُ عليه بالاتفاق.

الثاني: أنْ تكون الخُروقُ تحتَ الكعبين، فيجوز المسح عليه ما دام يُلبسُ، ويَثبُتُ على القدم، ويُمشَى فيه.

ومِنها: أنَّ مُدةَ مسحِ المُقيمِ يومٌ وليلة، فإذا سافرَ المُقيمُ فله أحوالٌ ثلاثة:

الأوَّل: أنْ يُسافرَ بعدَ أنْ يلبسَ خُفَّيهِ على طهارةٍ مائيةٍ غَسلَ فيها أعضاءَ الوضوء، ثم يُحدِثُ أو يَبتدئُ المسحَ بعد أنْ فارقَ بيوتَ بلدَه، فهذا يمسحُ مسحَ مسافرٍ، باتفاقٍ العلماء، لأنَّه ابتدأَ المسحَ في السفر.

الثاني: أنْ يلبسَ الخُفَّ ويُحدِثَ وهو مقيمٌ، ويَبتدئُ المسحَ في السفر، فهذا يمسحُ مسحَ مسافرٍ عندَ عامَّةِ الفقهاء، لأنَّه ابتدأَ المسحَ في السفر.

الثالث: أنْ يبتدئَ المسحَ على خُفيِّه وهو مقيمٌ ثم يُسافر، وهذا يَمسحُ مسحَ مقيمٍ، فيُتِمَّ ما بقيَ له مِن اليوم والليلة عند أكثر الفقهاء.

وأمَّا المسافر، فمُدَّةُ مسحِه ثلاثةُ أيَّامٍ بلياليهن، فإذا رجعَ إلى بلده والخُفَّانِ على قدميه، فيمسحُ عليهما مسحَ مقيمٍ لا مسافر، فإنْ كان لم يَمضِ على مسحِه في السفر إلا أقلُّ مِن يومٍ وليلةٍ أكملَ المسحَ حتى يَنتهيَ اليومُ والليلة، وإنْ كان قد مضَى على مسحِه أكثرُ مِن يومٍ وليلةٍ فقد انتهتِ المُدَّة، وذَكرَ بعضُ الفقهاءِ: أنَّه لا خلافَ بينَ العلماءِ في ذلك.

ومِنها: أنَّ المسحَ على الخُفينِ أو الجوربينِ يكون مرَّةً واحدةً ولا يُكرَّرُ ثلاثًا باتفاق المذاهبِ الأربعة، وهو الثابت عن الصحابة، ولا يُمسحُ الخُفُّ والجوربُ مِن جميع جهاتِهما ــ يعني: لا يُمسح مِن أعلى وأسفل، وعن يمينٍ وشمال ــ عندَ الفقهاءِ قاطبةً، ولا يُمسحانِ أيضًا مِن أسفلَ فقط، ومَن اقتصرَ على مسح الأسفلِ فقط لم يَصحَّ وضوئه عند عامَّةِ العلماء، والسُّنةُ أنْ يُمسَحا معًا مِن الأعلى باليدين جميعًا، لِمَا ثبتَ عن عليٍّ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: ((لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ, وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ))، واستَحَبَّ كثيرٌ مِن الفقهاء مسحَ الأسفلِ مع الأعلى، لِمَا صحَّ أنَّ: ((ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُمَا))، ومَن مسحَ القدمَ اليُمنى ثم اليُسرى، أو مسحَهُما بيدٍ واحدةٍ أجزأَ المسح، إلا أنَّه خلافُ الأفضل.

ومِنها: أنَّ بعضَ الناسَ إذا توضأَ غسلَ قدمَه اليُمنى ولبِسَ الخُفَّ أو الجوربَ، ثم يَغسلُ قدمَه اليُسرى ويَلبسُ الخُفَّ أو الجوربَ، وهذا لا يجوز له المسحُ عليهما عند أكثر الفقهاء، لأنَّ مِن شروط المسحِ أنْ يلبسَهُما على طهارةٍ مائيةٍ كامله، وهذا لم تَكتمل طهارتُه بعد، لأنَّه ألبسَ قدمَه اليُمنى الخُفَّ أو الجوربَ قبلَ غَسلِ القدمِ اليُسرى، والوضوءُ لا يكتملُ إلا بغَسلِ اليُسرى.

ومِنها: أنَّ مَن كانت له قدمٌ واحدةٌ ولبسَ عليها خُفًّا أو جوربًا والأُخْرى مقطوعةً مِن فوق الكعبِ فلهُ المسحُ عند الشافعيةِ والحنابلةِ وغيرهم، وأمَّا إنْ كانت قدمُه الأُخْرى موجودةً أو بعضُها فلا يجوز له المسحُ على خُفٍّ أو جوربٍ واحدٍ فقط، بل يلبسُ الاثنينِ ويمسح عليهما جميعًا.

ومِنها: أنَّه لا يجوز المسحُ بالماء على اللفائف المَشدودةِ على القدمين للتدفئة باتفاق العلماء، وأمَّا اللفائفُ الطِّبيةُ أو الجَبيرةُ فإذا كانت مُغطِّيةً لجميعِ القدمِ مع الكعبين فيَمسحُ بِبلَلِ الماء على جميعها، مِن أسفلَ وأعلى ويمينٍ وشمال، وإنْ كانت تُغطِّي بعضَ القدم، مسحَ على المُغطَّى، وغَسلَ المكشوفَ، وإنْ كان المسحُ يَضُر بِه، فإنَّه يتوضأُ على الأعضاء السَّليمةِ بغسلِها بالماء، ويتيمَّمُ عن العضوِ الملفوفِ أو المُجَبَّر.

ومِنها: أنَّ مَن لبسَ خُفًّا فوقَ خُفٍّ أو جوربًا فوقَ جوربٍ فله حالان:

الأوَّل: أنْ يلبسَ الأوَّلَ والثاني جميعًا على طهارةٍ مائيةٍ غَسَل فيها القدمين بالماء، وهذا يجوز له المسحُ على الفَوقانيِّ، لأنَّه قد لبِسَه أيضًا على طهارةٍ مائيةٍ كاملة.

الثاني: أنْ يلبسَ الفَوقانيَّ على التَّحتانِي بعدَ أنْ أحدَثَ وانتقضَ وضوئُه أو مسحَ على التَّحتانِي، وهذا لا يجوز له المسحُ على الفَوقانيِّ عند أكثر العلماء، لأنَّ مِن شروطِ المسحِ باتفاق العلماءِ الُّلبسَ على طهارةِ غَسلِ، وهذا قد لبسَ الفوقانيَّ بعدَ الحدَثِ أو بعدَ طهارةِ مسح.

نفعني اللهُ وإيَّاكم بما سمعتم، وزادنا بدينِه فقهًا وعلمًا، إنَّه سميعُ الدعاء.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ مُسدي النِّعَمِ، وصلواتُه على أشرف الرُّسلِ إلى خيرِ الأُمَمِ، وعلى آلِه وأصحابِه وأتباعِه وسلَّمَ وعَظَّم.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فاتقوا اللهَ ربَّكم حقَّ تقواه، وتفقهوا في دينِه وشرعِه فإنَّه طريقُ تقواه، واشكروهُ على يُسر دينِه، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ))، ويؤكِّد هذا اليُسرَ وهذه السهولةَ قولُ اللهِ سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، وقولُه تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وأوامرُ شريعتِه مَبنِيَّةٌ على الاستطاعة، فيفعل العبدُ ما أُمِرَ بِه بقدْر استطاعه، لقولِ الرَّبِّ ــ جلَّ وعزَّ ــ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: ((مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ))، وقال ــ تباركَ اسمُه ــ مُتفضِّلًا وراحمًا: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

هذا وأسألُ اللهَ أنْ يُفقِّهنا في دينِنا، وأنْ يزيدَنا عِلمًا وتُقىً وتوفيقًا، اللهم أصلح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا، وآخرَتنا التي إليها معادُنا، وسدِّد ولاتَنا ونوّابَهم وجندَهم، وأصلح لنا نساءَنا وأبناءَنا وبناتَنا، وأعنَّا وإيَّاهم على ذِكركَ، وشُكركَ، وحُسنِ عبادتِك، اللهم اكفنا شرَّ الفجَّار، ومكرَ الكفار، وفسادَ الخوارج، وارفعِ الضُّرَ عن المُتضرِّرين مِن أهلِ الإسلام، وأعذنا وإيَّاهُم مِن الفتن، واغفر للمؤمنينَ أحياءً وأمواتًا، إنَّك سميعٌ مُجيب، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكم.