إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > كتاب بعنوان: ” تسع خطب صالحة لشهر رمضان وجمعة قبله وبعده وعيد الفطر وجمعة موافقة ليوم عيد فطر “. ملف: [word] مع [pdf]، ونسخة الموقع.

كتاب بعنوان: ” تسع خطب صالحة لشهر رمضان وجمعة قبله وبعده وعيد الفطر وجمعة موافقة ليوم عيد فطر “. ملف: [word] مع [pdf]، ونسخة الموقع.

  • 30 مارس 2022
  • 5٬454
  • إدارة الموقع

 

تسع خطب صالحة لشهر رمضان وجُمعة قبلَه وبعدَه وعيد الفِطر وجُمعة موافقة ليوم عيد فِطر

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على جميع النَّبيين، وآلِ كُلٍّ وصحابتِهم وأتباعِهم مِن المؤمنين.

وبعد:

فهذه تسع خُطب تصلح لجُمع شهر رمضان، وجُمعة قبله، والعيد، وأوَّل جُمعة في شهر شوال، وجمعة موافقة للعيد، وأسأل الله النفع بها للجميع.

ودونَكم ــ سدَّدكم الله ــ عناوينها على الترتيب:

1 ــ ها قد أقبل شهر رمضان فأحسنوا العمل فيه وارهبوا الفطر والذنوب. [ص:2]

2 ــ الأحكام الفقهية الخاصة بالصوم والصائمين. [ص:7]

3 ــ أمور تُفسِد الصيام وأمور لا تُفسِده. [ص:14]

4 ــ الإقبال على القرآن في رمضان تلاوة وعملًا وبعض المفطرات المعاصرة. [ص:20]

5 ــ اغتنام الفرصة بالتوبة والصالحات في عشر رمضان الأخيرة. [ص:26]

6 ــ الأحكام الفقهية الخاصة بزكاة الفطر. [ص:31]

7 ــ خطبة عيد المسلمين الأول عيد الفطر. [ص:35]

8 ــ موعظة وتذكير لأول جمعة من شهر شوال. [ص:40]

9 ــ خطبة ليوم جمعة وافق عيد الفطر. [ص:44]

وكتبه: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.

الخطبة الأولى بعنوان:

ها قد أقبل شهر رمضان فأحسِنوا العمل فيه وارهَبوا الفطر والذُّنوب

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي جعلَ الصيامَ جُنَّةَ للصائمينَ مِن النَّار، وزيادةً لهم في الأجْرِ والإفْضَال، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ الكبيرُ المُتَعال، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ مَن صَلَّى لِربِّه وصَامَ وقامَ وقرأَ القرآن.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فلا تَزالُ نِعَمُ اللهِ علينا تَتابع، وتَفَضُّلُهُ علينا يَكثُر، فما تأتي نِعمةٌ إلا أعقبتْها أُخْرى، يَرحمُ بها عبادَه المُحتاجينَ إلى عونِه وغُفرانِه وإنعامِه وإكرامِه، ألَا وإنَّ مِن أجلِّ نِعَمِهِ وأرفعِها وأجملِها:

إيجابَهُ علينا صومَ شهرِ رمضان، وما أدراكَ ما رمضان، إذ صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأنه: (( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ))، فَيَا لِسعَادةِ مَن أمسَكَ بزِمامِ نفسِه في هذا الشهرِ العظيمِ المُباركِ رمضان، وشمَّرَ عن ساعدِ الجِّدِ، فسَلكَ بها سَبيلَ الجنَّة، وجنَّبها سُبلَ النَّار، ويا خسارةَ مَن سَلكَ بها طريقَ المعصيةِ والهَوانِ، وأورَدَها موارِدَ الهلاك، وأغضبَ ربَّهُ الرحمن، وقد يُسِّرَت له الأسباب، فسُلسِلتِ الشياطينُ وصُفِّدت.

أيُّها المسلمون:

مَن لم يَتْبْ في رمضانَ فمتَى يَتوب؟ ومَن لم يُقلِعْ عن الذُّنوبِ في رمضانَ فمتَى يُقلِع، ومَن لم يَرحَم نفسَهُ وقتَ الصيامِ فمتَى يَرحمُها؟ وقد ثبتَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حينَ صَعِدَ المِنبَرَ، قالَ: (( آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ، فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ ))، فيا لِحَسرةِ وبُؤسِ وشِقوةِ مِن دخلَ في دعوةِ جبريلَ ــ عليهِ السلامُ ــ هذِه، وتأمينِ سيِّدِ ولدِ آدمَ صلى الله عليه وسلم عليها، فأبعدَهُ اللهُ وأخزاهُ وأهانَه.

فيَا ذا الذي ما كَفاهُ الذَّنْبُ في رجَبٍ   *   حتى عصى رَبَّهُ في شهرِ شعبانِ

لقدْ أظلَّكَ شـهرُ الصـومِ بعـدَهُما   *   فلا تُصيِّرْهُ أيضًا شهرَ عِصيـانِ

ويا باغِيَ الخيرِ أقْبِل في رمضانَ على الصالحاتِ واستكثِر، ويا باغِيَ الشَّرِ أقْصِر عن الآثام واهْجُر.

ولئِن كنت تُريدُ مغفرةَ الخطايا، فعليكَ بصومِ رمضان، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).

وإنْ كنتَ تُريدُ مُضاعفةَ الحسناتِ، فعليكَ بالصوم، فقد صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي )).

وإنْ كنتَ تُريدُ أنْ تكونَ مِن أهلِ الجنَّةِ السُّعداءِ، فلا تَغفلْ عن صومِ رمضان، فقد ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( صَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ )).

وإنْ كانت نفسُكُ تَتُوقُ للمنازلِ العاليةِ الرَّفيعة، فدُونَكَ رمضان، فقد ثبتَ أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَصَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ الزَّكَاةَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ وَقُمْتُهُ، فَمِمَّنْ أَنَا؟ قَالَ: مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ )).

أيُّها المسلمون:

ها قد أقبَلَ شهرُ رمضان، شهرٌ جَعلَ اللهُ صيامَه أحدَ أركانِ دِينِهِ الإسلام، شهرٌ نَزَلَ فيه القرآن، شهرٌ فيه تُصَفَّدُ الشياطينُ، وتُفَتَّح أبوابُ الجِنان، وتُغَلَّقُ أبوابُ النِّيران، فاحرِصوا شديدًا على أنْ تكونوا مِمَّن يُحقِّق الغرَضَ مِن صيامه، ألا وهو تقوى اللهِ سبحانَه، ألا وهو أنْ يَزجُرَكُم الصيامُ ويُبعِدَكُم عن معصيةِ ربِّكم، ويَدفَعَكُم ويُقويَّكُم على العبادة، ويَجعلَكُم معها في ازديادٍ وإحسانٍ وخُشوع، طاعةً لربِّكم سبحانَه القائلُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }.

أيُّها المسلمون:

إنَّ الصُّوامَ بترْكِ الطعامِ والشَّرابِ والجِماعِ وباقِي المُفطِّراتِ لكُثُرٌ جدًا، وهوَ سَهلٌ عليهم، وقد ثبتَ عن عددٍ مِن تلامذةِ الصحابةِ ــ رضي الله عنهم ــ أنَّهم قالوا:(( إِنَّ أَهْوَنَ الصَّوْمِ تَرْكُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ )).

ولكنَّ الصائمَ المُسدَّدَ هو: مَن صامَتْ جوارحُهُ عن الآثام، ولِسانُهُ عن كلِّ قولٍ مُحرَّم، وبطنُهُ عن الطعام والشراب، وفرْجُه عن الجِماعِ والاستمناءِ والفُجور، وعَينُه عن النظرِ إلى المُحرَّماتِ، وكسْبُهُ وإنفاقُهُ عن المالِ الحرام، وكما أنَّ الطعامَ والشَّرابَ يَقطعانِ الصيامَ ويُفسِدانِه، فكذلك الآثام تَقطعُ ثوابَه، وتُفسِدُ ثمرَتَه، حتى تُصَيِّرَ صاحبَهُ بمنزلةِ مَن لم يَصُم، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))، والمُرادُ بالزُّورِ: جميعُ الكلامِ المُحرَّم، وثبتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ))، وصحَّ: (( أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا إِذَا صَامُوا قَعَدُوا فِي الْمَسْجِدِ وَقَالُوا: نُطَهِّرُ صِيَامَنَا )).

أيُّها المسلمون:

أقبِلوا على تلاوةِ القرآنِ في شهرِ رمضانَ كثيرًا، وازْدَادُوا مِنهُ شديدًا، فلَقد كان السَّلفُ الصالحُ ــ رحمهمُ اللهُ ــ يُقبِلونَ عليهِ في رمضانَ إقبالًا كبيرًا، ويَهتمُّونَ بِه اهتمامًا عظيمًا، ويتزوَّدونَ مِن تلاوتِه كثيرًا، فكانَ الشافعيُّ يَختمُ في اليومِ والليلةِ مِن رمضانَ خَتمتين، وكانَ البُخاريُّ يَقرأُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ مِن رمضانَ ختمةً واحدة، وبعضُ السَّلفِ كانَ يَختمُ في كلَّ ثلاثةِ أيَّام، وبعضُهم كانَ يَختمُ كلَّ خمسةِ أيَّام، ومِنهم مَن يَختمُ كلَّ جُمعة، وكيفَ لا يكونُ هذا حالُهم مع القرآن، ورمضانُ هو شهرُ نُزولِه، وشهرُ مدارسةِ جِبريلَ له مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وزمَنُهُ أفضلُ الأزمان، والحسناتُ فيهِ مُضاعفة، وقد قال الله سبحانه:{  شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ }، وصحَّ أنَّ ابنَ مسعودٍ ــ رضي اللهُ عنه ــ قال: (( تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَيُكَفَّرُ بِهِ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ: { الم } وَلَكِنْ أَقُولُ: أَلِفٌ عَشْرٌ، وَلَامٌ عَشْرٌ، وَمِيمٌ عَشْرٌ )).

أيُّها المسلمون:

لقد صحَّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: (( كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ ))، فاقتدُوا بنبيِّكُم صلى الله عليه وسلم، وجُودوا في رمضانَ كثيرًا، وأذهِبوا عن أنفسِكم لَهَفَ الدَّراهمِ، وخشيَتَها مِن الفقر أو الحاجَة، فقد قال اللهُ تعالى معاتبًا ومُرهِّبًا: { هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ))، وإيَّاكُم أنْ تَحقِروا قليلَ الصدقة، فترُدَّكُم عن الإنفاق، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال مُحرِّضًا لكُم: (( فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ )).

وأنَّ مِن أفضلِ الجُودِ في رمضان: تفطيرَ الصائمينَ مِن القرَابةِ والجِيرانِ والأصحابِ والفقراءِ والعُزَّابِ وغيرِهم، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ )).

نفعنِي اللهُ وإيَّاكُم بما سمعتُم، وحفِظَ لنَا صيامَنا عن كلِّ ما يُفسِدُه ويُنقِصُ ثوابَه، إنَّه سميعٌ مُجيب.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ ذِي  ذِي الملكوتِ والجَبروتِ والكبرياءِ والعَظَمَة، وصلواتُه على عبدِه ورسولِه محمدٍ خاتَمِ أنبيائِه، وأفضلِ خليقتِه، وعلى آلِه وأصحابِه الأخيارِ الأبرار، وسَلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فاتقوا اللهَ ربَّكُم حقَّ تقواه، وأجِلُّوهُ حقَّ إجلالِه، وعظِّموا أوامِرَه، وأكبِروا زواجِرَه، ولا تُهينوا أنفسَكُم بعصيانِه، وتُذلُّوا رِقابَكُم بالوقوعِ في ما حرَّم، فتنقادوا للشيطان، وتَخضعوا للشهوة، بالفطرِ في نهارِ الصومِ بغيرِ عُذرٍ شَرعيِّ، إمَّا بجِماعٍ، أو استمناءٍ، أو أكلٍ، أو شُربٍ، أو غيرِ ذلك، فإنَّ الإفطارَ قبلَ حُلولِ وقتِ المغربِ ذنْبٌ خطير، وجُرمٌ شَنيع، وتجاوزٌ لِحدودِ اللهِ فظيع، ومَهلَكَةٌ للواقعِ فيه، حيثُ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال مُبيِّنًا عقوبةَ مَن يُفطِرونَ قبْلَ انتهاءِ يومِ صومِهم: (( بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ، فَأَتَيَا بِي جَبَلًا وَعْرًا، فَقَالَا: اصْعَدْ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أُطِيقُهُ، فَقَالَا: إِنَّا سَنُسَهِّلُهُ لَكَ، فَصَعِدْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي سَوَاءِ الْجَبَلِ إِذَا بِأَصْوَاتٍ شَدِيدَةٍ، قُلْتُ: مَا هَذِهِ الْأَصْوَاتُ؟ قَالُوا: هَذَا عُوَاءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ ))، وإذا كانت هذهِ عقوبةُ مَن صامَ ثمَّ أفطرَ عمدًا قبْلَ حُلولِ وقتِ الإفطار، فكيفَ ستكونُ عقوبةُ مَن لا يصومُ أصلًا.

هذا وأسألُ اللهَ الكريمَ: أنْ يبلِّغَنا رمضان بُلوغًا حسنًا، وأنْ يُعينَنا على صيامِه وقيامِه، وأنْ يجعلَنا فيه مِن الذَّاكِرينَ الشاكرينَ المُتقبَّلةِ أعمالُهم، اللهمَّ قِنَا شرَّ أنفسِنا والشيطان، واغفر لنَا ولوالِدينا وجميعِ أهلينا، اللهمَّ خفِّف عن المسلمينَ ما نزلَ بِهم مِن ضُرٍّ وبَلاء، وأعِذنا وإياهُم مِن الفتنِ ما ظهرَ مِنها وما بطَن، وأبعِدْ عن الفسادِ والمُفسِدينَ أبناءَنا وبناتَنَا، وسدِّد إلى الخيرِ ولاتَنا ونُوَّابَهم، إنَّكَ سميعُ الدَّعاء.

وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية بعنوان:

الأحكام الفقهية الخاصة بالصوم والصائمين

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ فاطرِ السماوتِ والأرض، وأشهدُ أنْ لا إلَه إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، اللهمَّ فصَلِّ وسلِّمْ عليه وعلى آلِه وأصحابِه.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ التَّفقهَ في الدِّينِ، وتعلًّمَ أحكامِه، لَمِن أجَلِّ العبادات، وأكثرِها أجْرًا، وأعلَى خِصالِ المُتقين، وأكبرِ أسبابِ زيادةِ الإيمانِ وخشيةِ الله، وقد قالَ اللهُ سبحانَه مُرغِّبًا في ذلك: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }، وقال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ }، فأقبِلوا على العلم، وتزوَّدوا مِنه، لاسِيَّما ما يتعلَّقُ بصيامِ رمضان عندَ دخولِ وقتِه، ودونَكُم ــ سدَّدكم اللهُ ــ جُملةً مِن المسائلِ المُتعلِّقةِ بالصومِ والصائمين:

المسألةُ الأولى / عن صومِ الصِّغارِ ذكورًا وإناثًا.

يُستحَبُّ للقائمِ على الصغيرِ أو الصغيرةِ إذا رَأى أنَّهما قد أطاقَا الصومَ قبْل بُلوغِهما أنْ يأمرَهُما بصيامِ رمضانَ أو أكثرِهِ أو بعضِه ليعتادانِه، ويتمرَّنا عليه، وقد كانَ تصويمُهم عندَ الإطاقةِ والقُدْرةِ معمولًا بِه في عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حيثُ صحَّ أنَّ الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذٍ ــ رضي الله عنها ــ قالت في شأنِ يومِ عاشوراء: (( فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ ))، وصَحَّ أنَّ رجلًا أفطرَ في نهارِ رمضان، وأُتِيَ بِه إلى عمر بنِ الخطابِ ــ رضي الله ُعنه ــ فقال له: (( وَيْلَكَ، وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ، وَضَرَبَهُ )).

المسألةُ الثانيةُ / عن صومِ المُغْمَى عليه.

المُغْمَى عليهِ في رمضانَ لا يَصنعُ أهلُهُ شيئًا حتى يَتَّضِحَ حالُهُ، فإنْ استمرَ إغماؤُه حتى ماتَ فلا صيامَ عنه، ولا إطعامَ عندَ عامَّةِ الفقهاء، وقد صحَّ أنَّ ابنَ عباس ــ رضي الله عنه ــ قال: (( فِي الرَّجُلِ الْمَرِيضِ فِي رَمَضَانَ فَلَا يَزَالُ مَرِيضًا حَتَّى يَمُوتَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ))، والإغماءُ مرَض، وإنْ مَنَّ اللهُ عليهِ بزوالِ الإغماءِ وجَبَ أنْ يَقضِيَ جميعِ أيَّامِ إغمائِه باتفاقِ العلماء.

ومَن نَوَى الصوم بالليلِ ثمَّ أُغمِيَ عليهِ قبلَ طلوعِ الفجرِ فلم يُفِقْ مِنه إلا بعدَ الغروبِ فسَدَ صومُ يومِهِ هذا عندَ أكثرِ العلماء، وأمَّا إنْ أفاقَ بالنَّهار ولو قليلًا فلم يَفسُدْ صومُهُ باتفاقِ الأئمةِ الأربعة، وقليلُ الإغماءِ لا يُفسِدُ الصيامَ باتفاقِ المذاهبِ الأربعة، وقد ثبتَ: (( أنَّ ابنَ عُمَرَ ــ رضِي اللهُ عنْهُ ــ كَانَ يَصُومُ تَطَوُّعًا فَيُغْشَى عَلَيْهِ فَلَا يُفْطِرُ ))، والغَشْيُ: قليل الإغماء.

المسألةُ الثالثةُ / عن صومِ المريض.

يُباحُ للمريضِ أنْ يُفطِرَ في رمضانَ لِقولِ اللهِ سبحانَه: { وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }، إلَّا أنَّه ليسَ كلُّ مرضٍ يُبِيحُ الفِطر، وإنَّما يُبِيحُهُ: المرضُ الذي يُجهِدُ الصائمَ أو يَضُرُّ بِه بزيادةِ مرضٍ أو تأخُّرِ شفاءٍ، وهو قولُ الأئمةِ الأربعةِ، وغيرِهم، وأمَّا الأمراضُ التي يكونُ حالُ الإنسانِ فيها كحالِ الصَّحيح، فهذا يجبُ عليهِ الصيامُ لأنَّهُ كالصَّحيح.

وللمريضِ مع صيامِ شهرِ رمضانَ أحوالٌ ثلاثة:

الحالُ الأوَّل: أنْ يكونَ مرضُهُ مُزمِنًا لا يُرجَى شفاؤُه مِنه، ويَضُرُّ بِه الصومُ، أو يَشُقُ عليهِ ويُجهِدُه، وهذا يُباحُ لهُ الفِطرُ باتفاقِ العلماء، ويجبُ عليهِ عندَ أكثرِ العلماءِ إذا لم يَصُم أنْ يُطعِمَ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، لِثبوتِ الإطعامِ عن الصحابة، وإنْ تَحامَلَ على نفسِه فصَامَ أجزأَهُ باتفاقِ العلماء.

الحالُ الثاني: أنْ يكونَ مرضُهُ يُرجَى شفاؤُه، وهذا يَنتظرُ حتى يُشفَى ثمَّ يَقضِي، لِقولِ اللهِ: { وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }.

الحالُ الثالث: أنْ يَمرَضَ في رمضان، ويُفطِرَ فيه، ثم يموتُ قبلَ القضاءِ.

وهذا لا يَخلو عن أمرين:

الأمرُ الأوَّل: أنْ يتمكَّنَ مِن القضاءِ بحصُولِ الشِّفاءِ لهُ، ولكنَّهُ يُفرَّطُ ويتكاسلُ حتى يموتَ ولم يَقضِ بعْد، وهذا يُطعَمُ عنه عن كلِّ يومٍ مسكينًا باتفاقِ العلماء، وقد وصحَّ أنَّ ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ قال: (( مَنْ أَفْطَرَ مِنْ رَمَضَانَ أَيَّامًا وَهُوَ مَرِيضٌ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ مِسْكِينًا )).

الأمرُ الثاني: أنْ يستمِرَ معهُ المرضُ حتى يموتَ ولم يتمكَّنْ مِن القضاء، وهذا لا إطعامَ عنهُ ولا صيامَ، لأنَّه لم يُفرِّط في القضاءِ ويتكاسل، وقد صحَّ أنَّ ابن عباس ــ رضي الله عنه ــ قال: (( فِي الرَّجُلِ الْمَرِيضِ فِي رَمَضَانَ فَلَا يَزَالُ مَرِيضًا حَتَّى يَمُوتَ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ )).

المسألةُ الرابعةً / عن العاجزِ عن الصيامِ بسببِ كِبَر السِّن.

الرَّجلُّ المُسِنُّ والمرأةُ العجوزُ إذا لم يُطِيقا صيامَ رمضان جازَ أنْ يُفطِرا باتفاقِ العلماء، ويجبُ عليهما عندَ أكثرِ الفقهاءَ أنْ يُطعِما عن كلِّ يومٍ مسكينًا، بعددِ أيَّام الشهر، لِما صحَّ أنَّ ابنَ عباسٍ ــ رضي اللهُ عنه ــ قال: ((الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لاَ يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا))، وثبتَ أنَّ أنسًا ــ رضي اللهُ عنه ــ: (( ضَعُفَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَأَفْطَرَ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُطْعِمُوا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا )).

وأمَّا إذا وصَلا إلى حَدِّ الخَرَفِ والتَّخْرِيفِ: فإنَّ الصومَ يَسقطُ عنهما لفقدِ أهليةِ التكليفِ وهي: العقل، وعلى هذا: فلا إطعامَ عنهما، فإنْ كانا يُميِّزانِ أيَّامًا تامَّة، ويَهذِيانِ في أيَّامٍ أُخْرَى، فيجَبُ الإطعامُ عنهما حالَ تَمييزِهما، ولا إطعامَ عنهما حالَ هذيانِهما، وإذا هذَيا وميَّزا في نفسِ نهارِ يومِ الصومِ الواحدِ فلا إطعامَ عنهما، وإنْ صَامَا وكانَ الذي يَحصلُ لهُما إنَّما هو مُجرَّدُ نسيانٍ ولو كثُرَ مع بقاءِ تمييزِهِما وإدراكِهما فصومُهُما صحيحٌ حتى وإنْ أكلا وشَرِبا نسيانًا.

المسألةُ الخامسةُ / عن صومِ المرأةِ الحامِلِ والمُرضِع.

المرأةُ الحامِلُ أو المُرضِعُ إذا كانَ بدَنُها قويًا، وتتغذَّى تغذيةً جيَّدة مُفيدة، وكانَ الصومُ لا يَضُرُّ بِها، ولا بالجَنينِ الذي في بطنِها أو الطفلِ الذي تُرضِع، فإنَّها تصومُ ولا تُفطِر، وأمَّا إذا خافتْ على نفسِها أو على ولدِها مِن الصوم، فإنَّه يُباحُ لها الفِطرُ باتفاقِ العلماء، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ ))، وصحَّت بذلكَ الفتوى عن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وللحاملِ والمُرضعِ حالان:

الحالُ الأوَّل: أنْ يُفطِرا بسببِ الخوفِ على نفسيهما مِن المرض، فيجبُ عليهما القضاءُ فقط عندَ عامةِ الفقهاء، لأنَّهما بمنزلةِ المريضِ، ويأخذانِ حُكمَه، والمريضُ لا يجبُ عليه بنصِّ القرآنِ إلا القضاء.

الحالُ الثاني: أنْ يُفطِرا بسببِ الخوفِ على ولدَيهِما مِن الضَّرر، فيجبُ عليهما القضاءُ باتفاقِ الأئمةِ الأربعة، وإنْ أطعَمتا مع القضاءِ عن كلِّ يومٍ مسكينًا فحسَنٌ، لأنَّ الإفطارَ حصلَ لِمصلحةِ غيرِهما، وثبتَ الإطعامُ في بعضِ الرِّواياتِ عن ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ مِن الصحابَة.

المسألةُ السادسةُ / عن صومِ المرأةِ الحائضِ أو النُّفَسَاء.

المرأةُ الحائضُ والنُّفساءُ يَحرُمُ عليهما الصوم، ويجبُ عليهما قضاء ما فاتَهُما مِن رمضانَ إذا طَهُرَتا باتفاق العلماء، وإذا طَهُرَتا قبلَ طلوعِ الفجرِ بقليلٍ ولو للحظاتٍ ثمَّ نَوَتا الصيامَ، فإنَّ صيامَها يكونُ صحيحًا، حتى ولو لم تَغتسلا إلا بعدَ الفجرِ أو صلاتِه، وإلى هذا ذهبَ عامَّةُ الفقهاء، وإذا طَهُرتْ النُّفَسَاءُ قبْلَ الأربعينِ وجَبَ عليها باتفاقِ العلماءِ أنْ تُصلِّيَ وتصوم.

اللهمَّ زِدنَا فقهًا بدِينِكَ وشرعِك، وتمسُّكًا وعملًا، إنَّكَ سميعُ الدعاء.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ على كلِّ حال، والصلاةُ والسلامُ على النَّبيِّ محمدٍ طيِّبِ الخِصال.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فلا يزَالُ الكلامُ مُتَّصِلًا عن أحكامِ الصومِ والصائمين، فأقولُ مستعينًا باللهِ:

المسألةُ السابعةُ / عن جِماعِ الصائمِ في نهارِ شهرِ رمضان.

الجِماعُ في نهارِ رمضانَ محرَّم على الصائمِ شديدًا، ومُفسِدٌ لصومِه، ومَن وقعَ فيهِ مختارًا فعليهِ الكفارةُ المُغلَّظة، وهذا كلُّهُ ثابتٌ بنصِّ السُّنةِ النَّبويةِ الصَّحيحةِ، واتفاقِ العلماء، والكفارةُ المُغلَّظة، هي: عِتقُ رَقبة، فمَن لم يَجد فصيامُ شهرينِ مُتتابعين، فمَن لم يَستطع فإطعامُ سَتِّينَ مسكينًا، ومَن وقعَ مِنهُ جماعٌ في أيِّامٍ عِدَّةٍ ومُختلِفةٍ مِن شهرِ رمضان، فيجبُ عليه عن كلِّ يومٍ جامَعَ فيهِ كفارةً مُستقِلَّة، لأنَّ كلَّ يومٍ مِن أيَّامِ رمضانَ عبادةُ مُنفرِدَة، ويجبُ على المُجامِعِ مع الكفارةِ المُغلَّظةِ قضاءُ اليومِ الذي أفطرَهُ بالجِماع عندَ عامَّة الفقهاء، وإنْ كانت الزَّوجةُ مطاوعةً لزوجِها في الجِماع فعليها مِثلُ ما عليهِ مِن كفارةٍ وقضاء، لأنَّها مُكلَّفةٌ بالصومِ كالزَّوج، وحصلَ مِنها مِثلُ ما حصلَ مِنه مِن هَتكِ حُرْمَةِ صومِ رمضان، وبهذا قالَ أكثرُ العلماء.

المسألةُ الثامنةُ / عن أحكامِ قضاءِ الأيَّامِ المَتروكِ صيامُها في رمضان.

مَن ترَكَ صيامَ رمضانَ كلَّهُ أو بعضَهُ لا يَخلو عن أمرين:

الأمرُ الأوَّل: أنْ يَترُك الصومَ لِعُذرٍ كمرضٍ أو سَفرٍ أو حيضٍ، وأشباهِ ذلك، وهذا لا إثْمَ عليهِ، لأنَّه مأذونٌ له بالفِطر شرْعًا، ويجبُ عليه قضاء ما ترَكَ باتفاقِ العلماء.

الأمرُ الثاني: أنْ يَترُكَ الصومَ لغيرِ عُذرٍ مع إيمانِه بفرضِيَّتِهِ عليه، وهذا عاصٍ لله، ومُرتكِبٌ لكبيرة، وعليهِ التوبةُ، ويجبُ عليهِ قضاءُ جميعِ ما ترَكَ صيامَهُ مِن أيَّامٍ، وإلى هذا ذهبُ الأئمةُ الأربعةُ، وغيرُهم، لأنَّ الصومَ كان ثابتًا في ذِمَّتِه، ولا تَبرأُ إلا بأدائِه.

ومَن قَضَى ما أفطرَهُ مِن أيَّامِ رمضانَ قبْلَ الدخولِ في رمضانَ الجديدَ الذي بعدَهُ، فلا كفارةَ عليهِ باتفاقِ العلماء.

ومَن أخَّر قضاءَ ما فاتَهُ مِن رمضانَ القديمَ حتى دخلَ عليهِ رمضانُ آخَرُ أو عِدَّةُ رمضانات، فله حالان:

الحالُ الأوَّل: أنْ يُؤخِّرَ القضاءَ لِعُذرٍ كمرضٍ يَمتدُّ بِه مِن رمضانَ إلى رمضانَ آخَرَ أو أكثر، وهذا لا كفارةَ عليه، لأنَّه لم يُفرِّطْ ويتكاسلْ في القضاءِ، ولا يجبُ عليه إلا القضاءُ وحدَهُ إذا شُفِي، وإلى هذا ذهبَ الأئمةُ الأربعةُ، وغيرُهم، ومِثلهُ: المرأة يتتابعُ عليها الحملُ والرَّضاع.

الحالُ الثاني: أنْ يُؤخِّرَهُ مع تمكُّنِهِ مِن القضاءِ حتى دخلَ عليه رمضانُ آخَر، فهذا عليه القضاء، وعليهِ أيضًا: الكفارةُ عندَ أكثرِ العلماءِ، بإطعامِ مسكينٍ عن كلِّ يومٍ أخَّرَه، ونُقِلَ إجماعُ الصحابةِ على وجوبِ الإطعام.

المسألةُ التاسعةُ / عن كيفيةِ إطعامِ المساكينِ لِمَن لزِمَهُ الإطعامُ بسبب ترْكِ الصيامِ أو تأخيرِه.

ثبتَ عن الصحابةِ ــ رضي اللهُ عنهم ــ في إطعامِ المساكينِ:

أوَّلًا: إعطاءُ المِساكينِ مِن القُوتِ الذي يُكالُ بالصَّاعِ كالشَّعيرِ والبُرِّ والذُّرةِ والعدَسِ والأُرْزِ والدُّخْنِ وأشباهِها، حيثُ صحَّ أنَّ ابن عباسٍ ــ رضي الله عنه ــ قال: (( الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ فَيُفْطِرُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ ))، ومقدارُ ما يُعطَى المسكينُ هو: نصفُ صَاعٍ مِن جميعِ ما ذُكِرَ وأشباهِه، إلا البُرَّ، فبعضُ الصحابةِ قالَ: نصفَ صاعٍ، وبعضُهم قالَ: رُبْعَه، ونصفُ الصِّاعِ يَقرُب مِن كيلو ونِصف.

ثانيًا: إعطاءُ المساكينِ مِن الطعامِ المطبوخِ ما يُشبِعُهم، حيثُ صحَّ عن أنسٍ ــ رضي اللهُ عنه ــ: (( أَنَّهُ ضَعُفَ عَنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَبِرَ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِمَسَاكِينَ فَأُطْعِمُوا خُبْزًا وَلَحْمًا حَتَّى أُشْبِعُوا )).

ولا يجوزُ إخراجُ نقودٍ للمساكينِ بدَلَ الطعامِ، لأنَّ الطعامَ هو المنصوصُ عليهِ في القرآنِ والسُّنةِ النَّبويةِ وفتاوى الصحابة، والعلماء مُتفقونَ على أنَّ مَن أخرج طعامًا فقد برِأت ذِمَّتُه، وأمَّا مَن أخرجَ نُقودًا فلا تُجزِئُه ولم تَبرأَ ذِمَّتُهُ عندَ أكثرِهم.

ولا يَصلحُ أنْ تُبذَلَ الكفارةُ في تفطيرِ الصائمينِ في المساجد، لأنَّ مِنهم مَن هوَ فقيرٌ ومسكِين، ومِنهم مَن ليسَ كذلك، ومِنهم مِن هو قويٌّ مُكتسِب، والكفارةُ لا تُجزئُ إلا إذا صُرِفَت في الفقراءِ والمساكين، وإذا تُحقِّقَ أنَّ جميع المُفَطَّرِينَ في المسجدِ مساكينٌ فتُجزِئ.

هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يُباركَ لنَا في أموالِنا وأوقاتِنا وأهلينَا، اللهمَّ لا تجعل الدُّنيا أكبرَ همِّنا، ولا تُلهِنا بِها عن آخِرتِنا، ووفِّقنا لِما يَنفعُنا في معادِنا، ووفِّق للخيرِ ولاتَنا، اللهمَّ تقبَّل صيامَنا وقيامَنا، واجعلنا مِمَّن صامَ وقامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا فغَفَرْتَ له ما تقدَّم مِن ذنبِه، إنَّكَ سميعُ الدعاء، وأقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخطبة الثالثة بعنوان:

أمور تُفسِد الصيام وأمور لا تُفسِده

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ كثيرًا، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأكبِّرُهُ تكبيرًا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المبعوثُ بالحقِ بشيرًا ونذيرًا، فصَلَّى اللهُ وسلَّمَ عليه وعلى إخوانِه مِن النَّبيين، وآلِ كلٍّ وأصحابِهم وأتباعِهم على الإيمان.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فاتقوا اللهَ ربَّكُم حقَّ تقواه، وأجِلُّوهُ حقَّ إجلالِه، وعظِّموا أوامِرَه، وأكْبِروا زواجِرَه، ولا تُهينوا أنفسَكم بعصيانِه، وتُذِلّوا رقابَكم بالوقوعِ في ما حرَّم عليكم، وتنقادوا للشيطان، وتخضعوا لشهواتِكم، فتُفطِروا في نهارِ رمضانَ بطعامٍ أو شرابٍ أو استمناءٍ أو جِماعٍ، فإنَّ الإفطارَ قبْل حُلولِ وقتِه مِن غيرِ عُذرٍ ذنْبٌ خطير، وتجاوزٌ لحدودِ اللهِ فظيع، ومَهْلَكَةٌ للواقعِ فيه، فقد ثبتَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ مُبيِّنًا عقوبةَ مَن يُفطرونَ قبلَ تَحِلَّةِ صومِهم وإتمامِه: (( بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ فَأَخَذَا بِضَبْعَيَّ فَأَتَيَا بِي جَبَلًا وَعْرًا، فَقَالَا: اصْعَدْ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أُطِيقُهُ، فَقَالَا: إِنَّا سَنُسَهِّلُهُ لَكَ، فَصَعِدْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي سَوَاءِ الْجَبَلِ إِذَا بِأَصْوَاتٍ شَدِيدَةٍ، قُلْتُ: مَا هَذِهِ الْأَصْوَاتُ؟ قَالُوا: هَذَا عُوَاءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ )).

أيُّها المسلمون:

أنَّ مُفسِداتِ الصومٍ لعديدةٌ، وأنَّ مِنها: الأكلَ، والشُّربَ، والجِماعَ، وهي مُفطِّراتُ بنصِّ القرآنِ والسُّنَّةِ النَّبويةِ واتفاقِ العلماء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: إخراجُ القَيءِ عمدًا، وذلك: بإخراجِ ما في المَعدةِ مِن طعامٍ وشرابٍ بإدخالِ إصبَعٍ أو غيرِه، وهو مُفسِّدٌ للصومِ باتفاقِ العلماء، وصحَّ أنَّ ابنَ عمرَ ــ رضي الله عنه ــ قال: (( مَنِ اسْتَقَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ))، ومعنى: (( اسْتَقَاء )) أي: تَقَيَّء متعمِّدًا.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: إخراجُ المَنِيِّ عن طريقِ الاستمناءِ، وهو مُفسِّدٌ للصومِ عندَ الأئمةِ الأربعةِ وسائرِ فقهاءِ الأمصار.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: إنزالُ المَنِيِّ بسببِ تَقبِيلٍ أو مَسٍّ أو ضَمٍّ أو مُباشَرةٍ للمرأةِ فيما دُونَ الفرْجِ، وهو مُفسِّدٌ للصومِ باتفاقِ العلماء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: السَّعُوطُ إذا وصلَ طعمُهُ إلى الحلق، والسَّعُوطُ: دواءٌ يُوضَعُ في الأنفِ ثم يُجذَبُ إلى داخلِه بالنَّفَسِ أو غيرِ ذلك، وهو مُفسِّدٌ للصومِ عندَ الأئمةِ الأربعة، وغيرِهم، وعلى هذا: تُخرَّجُ قطرةُ الأنفِ الطبية، فإذا قطَّرَها الصائمُ في أنفِهِ ووجَدَ طعمَها في حلْقِه فقد فسدَ صومُه، وبهذا يُفتِي الأئمةُ: الألبانيُّ، وابنُ بازِ، والعُثيمينُ، والفَوزان.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: خروجُ دَمِ الحيضِ والنِّفاسِ مِن المرأةِ أثناءَ الصيام، وهو مُفسِّدٌ للصومِ باتفاقِ العلماء، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ في شأنِ المرأة: (( أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ )).

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: قَطْعُ نِيَةِ الصومِ بقصدِ الإفطارِ في جُزءٍ مِن نهارِ الصومِ ولو لم يأكل، وهو قولُ أكثرِ الفقهاء، لِما صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ))، حيثُ دَلَّ على أنَّ مَن نَوَى إبطالَ ما هو فيهِ مِن الصومِ فلَه ما نَوَى.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: ابتلاعُ ما لا يُتغذَّى بِه كالتُّراب والحَصَى والنَّوى، وغيرِها، وهو مُفسِّدٌ للصومِ عندَ الأئمة الأربعة، وعامَّةِ العلماء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: إتيانُ المرأةِ أو الرَّجلِ في الدُّبُر، سواءٌ أنْزَلَ مَنيًّا أو لم يُنزِل، وهو مُفسِّدٌ للصومِ عندَ الأئمةِ الأربعة، وغيرِهم، وقد ثبَتَ أنَّ  النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ))، وثبتَ أنَّ أبا هُريرةَ ــ رضي اللهُ عنه ــ قال: (( مَنْ أَتَى أَدْبَارَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَقَدْ كَفَرَ )).

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: ابتلاعُ ما يَتبقَّى في الأسنانِ مِن لحمٍ ونحوِه مع القُدْرةِ على إخراجِه، وهو مُفسِّدٌ للصومِ عندَ عامَّة الفقهاء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: الرِّدةُ عن الإسلامِ باتفاق العلماء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: الحُقْنَةُ الشَّرْجيَّة، والمُرادُ بها: ما يُحقَنُ مِن دواءٍ عن طريقِ فتحَةِ الدُّبُر، وهي مُفسِّدَةٌ للصومِ عندَ المذاهبِ الأربعةِ وعامَّةِ العلماء، لأنَّ فتحَةَ الدُّبُرِ مُتَّصِلةٌ بالمُستقيم، والمُستقيمُ مُتصِلٌ بالأمعاء، وتمتصُّ الأمعاءُ ما دخلَ عن طريقها، وعلى هذا: تتخرَّجُ التحاميلُ الطِّبيةُ التي تُدخَلُ عن طريقِ فتحَة الدُّبُر، فيَفسُدُ الصومُ بها.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: غسيلُ الكُلَى بطريقتيه، وبهذا يُفتِي العلماءُ: ابنُ بازٍ، والفوزانُ، والغُدَيَّانُ، والمُفتي آلُ الشيخ.

أعوذُ باللهِ مِن الشيطانِ الرَّجيم: {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }.

والحمدُ للهِ أوَّلًا وآخِرًا، وعلى كلِّ حال.

الخطبة الثانية:ـــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ العَليِّ الأعلى، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على النبيِّ محمدٍ المُرتضَى.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ مِنَ الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصوم: خروجَ المَنِيِّ مِن الرَّجلِّ أو المرأةِ بسببِ احتلامٍ في نهارِ الصومِ حالَ النوم، ولا يَفسُدُ بِه الصومُ باتفاقِ العلماء، لأنَّه يَخرجُ بغيرِ إرادةٍ مِن الإنسانِ وقصْد.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: خروجُ القَيءِ ــ وهو: عُصارةُ الطعامِ والشرابِ ــ مِن المعدةِ بغيرِ تَسبُّب مِن الصائم، ولا يُفسِدُ الصومَ باتفاقِ العلماء، وصحَّ أنَّ ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ قال: ((مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ))،  ومعنى: (( ذَرَعَه )) أي: غلبَه.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: إنزالُ المَنِيِّ بسبب التفكِيرِ في الذِّهن بالجماعِ وأمور الشهوة، وسواء غلَبَهُ التفكِيرُ أو استدعاهُ بنفسه، حيثُ قال الفقيهُ المَاوَرْدِيُّ الشافعيُ ــ رحمهُ الله ــ: «أمَّا إذا فكَّر بقلبِه مِن غيرِ نظرٍ فتَلذَّذَ فأنزَلَ، فلا قضاءَ عليهِ ولا كفارةَ بالإجماع».

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: خروجُ المَذْيِ بسببِ مسٍّ للمرأة، أو تقبيلٍ، أو تفكيرٍ بشهوة، وإلى أنَّه لا يُفْسِدُ الصومَ ذهبَ عامَّةُ الفقهاء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: التقطيرُ في الإحْلِيل، والإحليلُ هو: ذَكَرُ الرَّجل، ومِثلُه: رَحِمُ المرأة، فإذا وُضِع فيهما دواء نهارَ الصومِ فإنَّ الصومَ لا يَفْسُد عندَ أكثرِ العلماء، لأنَّه لا مَنفذَ بينَ الذَّكَرِ والرَّحِمِ وبينَ الجوفِ يُوصِلُ ما وُضِعَ إلى داخلها، وعلى هذا: تتخرَّجُ جملةُ مِن الأشياءِ المُعاصرة، فلا يَفْسُدُ بسببها الصوم، ومِن أمثلتِها: إدخالُ أُنبوبُ القسطرةِ عن طريقِ فتحَةِ الذَّكَر، أو إدخالُ منظارِ طِّبيٍّ عن طريقِ فتحةِ الذَّكَر أو الرَّحِم، أو إدخالُ مَحلولٍ لغسلِ المَثانةِ، أو مادةٍ تُساعِدُ على وضوحِ الأشعة، أو عملِ لَولبٍ في الرَّحِم، أو تنظيفِ المِهبَل، وقد ذهبَ إلى أنَّها لا تُفَطِّر الصائم: العلامةُ ابنُ بازِ، ومَجْمَعُ الفقهِ الإسلامي.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: الأكلُ والشُّربُ نسيانًا، أو فِعلُ أيّ مُفطِّرٍ نسيانًا، لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: ((مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ)).

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: ما طارَ إلى حلْق الإنسانِ أو دخَلَ إلى جوفِه بغيرِ إرادةٍ مِنهُ واختيار، ومِن أمثلتِه: الذُّبابُ والبَقُّ والغُبارُ والدَّقيقُ والدُّخَانُ، وهو لا يُفسِدُ الصومَ باتفاقِ العلماء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: وصولُ شيءٍ إلى حلْقِ الصائمِ مِن ماءِ المضمضةِ والاستنشاقِ بغيرِ قصدٍ ولا إسرافٍ ولا مُبالغةٍ مِن المُتوضِئ، وبذلكَ قال كثيرٌ مِن الفقهاء، لأنَّه وصَل إلى الحلْق بغير إرادةٍ ولا تَقَصُّدٍ ولا تجاوُز، وأمَّا إنْ بالغَ فيهما حتى سَبَقهُ الماءُ إلى حلقِه فيَفْسُدُ صومَهُ عندَ المذاهبِ الأربعةِ، لقولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الثابتِ: (( وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا ))، حيثُ دَلَّ على: تأثُّرِ الصومِ بالمُبالغَة.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: فِعلُ شيءٍ مِن المُفطِّراتِ على وجْهِ الإكراهِ مِن قِبَلِ الغير، سواء فَعَلهُ المُكْرَهُ بنفسِه أو فُعِلَ بِه مِن قِبَلِ غيرهِ، نصَّ على ذلكَ كثيرٌ مِن الفقهاء، وذلكَ قياسًا على الإكراهِ على الكُفرِ الواردِ في قولِ اللهِ تعالى: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا }، حيثُ دلَّتِ الآيةُ: على أنَّ قولَ أو فِعلَ الكُفرِ عن رضًا مِن الفاعلِ يُفسِدُ إسلامَهُ ويَنقضُه، وفِعلُهُ له عن إكراهِ لا يُفسِدُهُ ولا يَنقُضُه، والإكراهُ على الإفطارِ أولَى بعدمِ الفساد.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: تذَوُّقُ الطعامِ على طَرَفِ اللِّسانِ لِمعرفةِ حلاوتِه أو مُلوحتِه، أو تليينُ شيءٍ أو كسْرُهُ بالأسنانِ للصغيرِ دونَ بلعٍ لذلكَ ولا وجودِ طعمٍ في الحلْق، وهو مذهبُ الأئمةِ الأربعةِ، وغيرِهم، إلا أنَّه يُكرَهُ عندَ عدمِ الحاجةِ باتفاقِ المذاهبِ الأربعة، وقد صحَّ أنَّ ابن عباس ــ رضي الله عنه ــ قال: (( لاَ بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ القِدْرَ أَوِ الشَّيْءَ )).

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: القُبْلَةُ والمَسُّ والنَّظرُ للمرأةِ إذا لم يُصَاحَب بإنزالِ مَنِيٍّ أو مَذْيٍ، لِما صحَّ عن عائشة ــ رضي اللهُ عنها ــ: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ )).

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: بقاءُ الجُنُبِ مِن جماعٍ أو احتلامٍ أو المرأةِ الحائضِ والنُّفساءِ إذا طهُرَتا بالليلِ مِن غيرِ اغتسالٍ حتى يطلُعَ عليهم الفجر، وتنتهِي صلاتُه، لِما صحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ )).

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: بلعُ الإنسانِ رِيقَ ولُعابَ نفسِه حتى ولو كَثُرَ ما دامَ في محلِّه وهو الفَم، ولم يَتجاوزْهُ فيَخرجَ مِنه وهو لا يُفسِدُ الصومَ باتفاقِ العلماء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: ابتلاعُ ما بينَ الأسنانِ مِن فضْلِ طعامٍ وغيرِه بدونِ قصْدٍ مِن الصائم، ولا قُدْرةٍ على دفعِه، وهو لا يُفسِدُ الصومَ باتفاقِ العلماء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: شرطَ العِرقِ بسكينٍ حتى يَخرجَ الدَّمُ مِنه، ولا يَفسُدُ بِه الصومُ عند أكثر العلماء، وقد صحَّ عن بعضِ الصحابةِ أنَّه قال: (( إِنَّمَا الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ )).

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: الدَّمُ والقيحُ الخارِجَينِ مِن الأسنانِ واللِّثَّةِ إذا لم يَرجعا إلى الحلْق، ولا يُفسِدُ الصومَ باتفاقِ العلماء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: الاكتحالُ حتى ولو وجَدَ الصائمُ طَعْمَهُ في حلْقه، وإلى هذا ذهبَ أكثرُ الفقهاء، لأنَّ العينَ ليست مَنفذًا إلى الجوف.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: إنزالُ الرَّجلِ المَنِيِّ بتقبيلِ غيرِهِ لَه مِن غيرِ اختيارِهِ ورِضاه، ولا يَفسُدُ صومُهُ باتفاقِ العلماء.

هذ وأسألُ اللهَ: أنْ يُجنِّبَنا ما يُسخِطُه، ويُباعِدَ بينَنا وبينَ ما يُفسِدُ صيامَنا أو يُنقِصُ أجْره، اللهمَّ اجعلنا مِمَّن يصومُ رمضانَ ويقومُهُ إيمانًا واحتسابًا فيُغفرُ له ما تقدَّمَ مِن ذنْبه، اللهمَّ باعِد بينَنا وبينَ خطايانا كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغرب، وتُبِ علينا إنَّك إنَّكَ أنتَ التَّوابُ الرحيم، اللهمَّ أعنَّا على ذِكرِكَ، وشُكرِكَ، وحُسْنِ عبادتِك، واجعلنا مِن الذَّاكِرينَ لكَ كثيرًا، إنَّكَ سميعُ الدعاء، وأقولُ قولِي هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

الخطبة الرابعة بعنوان:

الإقبال على القرآن في رمضان تلاوة وعملًا وبعض المفطرات المعاصرة

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي علَّمَ القرآنَ، خلقَ الإنسانَ، علَّمَهُ البيان، والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ محمدٍ المُوحَى إليهِ بالسُّنة والقرآن، وعلى آلِه وأصحابِه أُولِي التُّقَى وقويِّ الإيمان، وعنَّا معَهُم يا رحيم يا رحمان.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ مِن أعظمِ وأنفعِ أوقاتِ المسلمِ التي تَزيدُ مِن تقواهُ لربِّه سبحانَه، هي: تلكَ الساعاتُ التي يَقضِيها مع كتابِ ربِّهِ القرآن، فيَتلوا، ويَتدبَّر، ويتعلَّم الأحكامَ، ويأخذ العِظَة والعِبرة، فأكثِروا مِن الإقبالِ على القرآنِ العزيزِ لاسيِّما في هذا الشَّهر الطيِّبِ الْمُطيَّبِ رمضان، والزَّمنِ الفاضلِ الجليل، وحُثُّوا أهليكُم رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، على تلاوتِه، والإكثارِ مِنه، واجعلوا بيوتَكُم ومراكبَكُم وأوقاتَكُم وأسفارَكُم عامرةً بِه، فإنَّ أجْرَ العملِ يُضَاعفُ بسببِ شَرفِ الزمانِ الذي عُمِلَ فيه، ورمضانُ مِن أشرفِ وأعظمِ أزمنةِ السَّنَة، بل هو شهرُ نُزولِ جميعِ القرآنِ إلى سماءِ الدُّنيا جُملةً واحدة، فقال اللهُ سبحانَه: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ }، وثبت عن ابن عباس ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ كَانَ جِبْرِيلُ ــ عَلَيْهِ السَّلَامُ ــ يَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )).

وقد كانَ نبيُّكم صلى الله عليه وسلم يُقبِلُ على القرآنِ في شهرِ رمضانَ إقبالًا خاصًّا، فكانَ يَتدارسُه مع جبريلَ ــ عليهِ السلامُ ــ كلَّ ليلة، إذ صحَّ عن ابنِ عباسٍ ــ رضي اللهُ عنه ــ أنَّهُ قال: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ ))، وكان لِسَلفِكمُ الصالحِ ــ رحمهمُ اللهُ ــ مع القرآنِ في شهرِ رمضانَ شأنًا عظيمًا، وحالًا عَجَبًا، وواقعًا جليلًا، فقد كانوا يُقبلون عليه إقبالًا كبيرًا، ويهتمُّون بِه اهتمامًا مُتزايدًا، ويتزوَّدُون مِن قراءتِه كثيرًا، ويَعْمُرونَ بِه جُلَّ أوقاتِهم، فقد صحَّ عن ابنِ مسعودٍ ــ رضي اللهُ عنه ــ: (( أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي ثَلَاثٍ ))، وصحَّ عن الأسودِ بنِ يزيدٍ ــ رحمهُ اللهُ ــ أنَّه: (( كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ ))، وكانَ الإمامُ البخاريُّ ــ رحمهُ اللهُ ــ يَقرأُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ مِن رمضانَ خَتمَةً واحدة، وكانَ الإمامُ الشافعيُّ ــ رحمهُ اللهُ ــ يَختمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ وليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ مرتين، ومِنهم مَن كانَ يَختِمُهُ كلَّ جُمعة أو كلَّ خمسةِ أيَّام، وكلُّ هذا مسارعةً مِنهم للخيرات، وزيادةً للأجْرِ والدَّرجات، واغتنامًا لأوقاتِ تَضَاعُفِ الحسَنات، وقد صحَّ عن ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَيُكَفَّرُ بِهِ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ: ﴿ الم ﴾ وَلَكِنْ أَقُولُ: أَلِفٌ عَشْرٌ، وَلَامٌ عَشْرٌ، وَمِيمٌ عَشْرٌ ))، وصحَّ عن بعضِ الصحابةِ ــ رضي اللهُ عنه ــ أنَّه قال: (( يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اقْرَهْ، وَارْقَهْ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ فِي آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا )).

أيُّها المسلمون:

قال اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ مُذكِّرًا لنَا ومُعاتبًا في شأنِ القرآن: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }، وثبتَ عن نافعٍ ــ رحمهُ اللهُ ــ أنَّه قال: (( كانَ عَبْدُ اللهِ ابنُ عُمَرَ ــ رضي اللهُ عنه ــ إذا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةِ: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ } بَكَى حتى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ البُكاَءُ، ويَقُولُ: بَلَى يَا رَبِّ ))، بلَى ــ والله ــ ونَعَمْ قد آنَ لهَا أنْ تَخشعَ، وآنَ لهَا أنْ تَلِينَ، وآنَ لهَا أنْ تَنقادَ، وآنَ لهَا أنْ تَمتثِلَ، وآنَ لهَا أنْ تَنـزَجِر.

آنَ لهَا إذا سمعتْ قولَ ربِّها سبحانَه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا } أنْ تتوبَ وتندمَ، وتَهجُرَ الذُّنوبَ والعصيانَ إلى الطاعةِ وأسبابِ الرحمةِ والمَغفرة.

آنَ لهَا إذا سمعتْ قولَ ربِّها سبحانَه: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } أنْ تُقيمَ الصلاةَ، وتُحافظَ عليها في أوقاتِها، ولا تُقصِّرَ أو تتهاونَ في شيءٍ مِن أحكامِها، وأنْ تشهدَهَا مع الرُّكَّع السُّجودِ في بيوتِ اللهِ المساجدِ جماعة.

آنَ لهَا إذا سمعتْ قولَ ربِّها سبحانَه: { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ } أنْ تُمسِكَ اللسانَ وتَمنَعَهُ عن غِيبةِ الناس، والخوضِ في أعراضِهم، وهَتكِ أسرارِهم وسَترِهم، وأنْ تَفِرَّ مِن ذلك كما تَفِرُّ مِن أكلِ لحمِ جسَدِ أخيها الميِّتِ المسلم.

آنَ لهَا إذا سمعتْ قولَ ربِّها سبحانَه: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ } أنْ تَحفظَ الأبصارَ عن النَّظرِ إلى ما حَرَّمَ ربُّها عليها في الخَلوةِ والعلن، وفي الأسواقِ والطُّرقات، وفي الفضائياتِ والإنترنت، وفي الهاتفِ الجوالِ، وفي برامجِ التواصل، وعن النساءِ والأحداثِ والمُردَان، وأنْ تَحفظَ الفُروجَ عن الزِّنى، وعن الاستمناء، وعن عملِ قومِ لوطٍ، وعن السِّحاق، وعن التكشفِ وإظهارِ شيءٍ مِن العوراتِ والمَفاتَن.

آنَ لها إذا سمعتْ قولَ ربِّها سبحانه في وصفِ الصالحينَ مِن عبادِه: { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } أنْ تُعرِضَ بالبَدنِ والأسماعِ والمالِ عن سماعِ كلِّ محرَّم، عن سماعِ الغناءِ والموسيقى، وسماعِ الأفلامِ والمسلسلات، وسماعِ الغِيبة والنَّميمة، وسماعِ السُّخرية والاستهزاء.

آنَ لهَا إذا سمعتْ قولَ ربِّها سبحانَه: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أنْ تبتعدَ عن سماعِ مُحاضراتِ وكلماتِ ودُروسُ وفتاوى أهلِ البدعِ والأهواءِ المُخالِفةِ للشريعة، وأنْ لا تَقعُدَ في مجالِسِهم ومُلتقياتِهم، ولا في موالدِهم ومآتمِهم المُبتدَعة.

آنَ لهَا إذا سمعتْ قولَ ربِّها سبحانَه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } أنْ تَجتنبَ أكلَ المالِ الحرامِ عن طريقِ الرِّبا أو السِّرقة، أو شهادةِ الزُّورِ، أو الغِشِّ والخِداعِ والتغريرِ في البيعِ والشراء، أو الغِشِ في إصلاحِ الأجهزةِ والآلاتِ والمراكب، أو الغِشِ في الصناعةِ والزراعةِ والبِناءِ والنِّجارةِ والأسهُمِ والمُضارباتِ التجارية والشَّرِاكة.

آنَ لهَا إذا سمعتْ قولَ ربِّها سبحانَه: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } أنْ تُقبِلَ على القرآنِ قراءةً وحفظًا، وتلاوةً وتدبُّرًا، وتعلًّمًا وعملًا، وتحكيمًا وانقيادًا، ودعوةً وتعليمًا، ورُقْيَةً واستشفاء.

أيُّها المسلمون:

قال اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }، فأخبَرَنا سبحانَه في هذهِ الآيةِ وآنَسَنَا وأسعَدَنا بأنَّه قد يَسَّرَ لنَا هذا القرآنَ لِنذكُرَهُ بِه، وَنتذَكَّرَ بما فيه، ونَجعَلَهُ لنَا ذكَرى؛ فيسَّرَ تعلُّمَهُ، ويسَّرَ تلاوتَهُ، ويسَّرَ حفظَهُ، ويسَّرَ تدبُّرَهُ، ويسَّرَ تعلُّمَ أحكامِه، ويسَّرَ الاستشفاءَ بِه، ويسَّرَ أوامِرَهُ ونواهِيَهُ للامتثالِ والعمل، ولكنْ وا أسَفَاهُ ثُمَّ وا أسَفَاه، كمْ نُعطِي لكتابِ اللهِ في يومِنا مِن الوقت؟ وكمْ نُعطِي للقنواتِ الفضائيةِ والإنترنتِ والهاتفِ الجوالِ وبرامجِ التواصل؟ كم نُعطِي لكتابِ اللهِ مِن أوقاتنا؟ وكمْ نُعطِي للأخبارِ والأحداثِ وقِيلَ وقال؟ كمْ تُعطَى لكتابِ اللهِ مِن الأوقات؟ وكمْ تُعطَى للرِّياضةِ والرِّياضيينَ والصُّحفِ والمجلات؟ كمْ نُعطِي لكتابِ اللهِ مِن أوقاتنا؟ وكمْ نُعطِي للقاءِ أصحابِنا والخروجِ والمسامرةِ معهم؟ وقد قال اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ مُحذِّرًا لنَا: { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا }، ويَا للهِ ما أكثرَ هَجْرِ القرآن في زمنِنا هذا، بل ومِنَّا، ومِن أهلِينا، ومِمَّن حولَنا، وفي بيوتِنا ومراكِبنا، وفي إقامتِنا وأسفارنا، فكَمْ مِن هاجرٍ لقراءتِه؟ وكمْ مِن هاجرٍ لِسماعِه؟ وكمْ مِن هاجرٍ لِتَدبُّرِه؟ وكمْ مِن هاجرٍ للعملِ بِه؟ وكمْ مِن هاجرٍ لِتحكيمِه؟ وكمْ مِن هاجرٍ للاستشفاءِ بِه؟ بل إنَّ بعضَ الناسَ ربَّما تَمرُّ عليهِ الأيَّامُ والأسابيعُ والشهورُ وهو لا يَقرأ مِن القرآنِ إلا ما قرأهُ في صلاتِه.

اللهمَّ ارزُقنا تلاوةَ كتابِكَ، والعملَ بِه آناءَ الليلِ والنهار، إنَّك سميعُ الدُّعاء.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ ذِي الجلالِ والإكرام، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ الغفَّار، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المُختار، اللهمَّ فصلِّ عليهِ وآلِه وأصحابِه الأخيار.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فاتقوا اللهَ ــ جلَّ وعلا ــ بالإقبالِ على كتابِه القرآنِ تعلُّمًا وتلاوةً، وحفظًا وتَدَبُّرًا، وعملًا ودعوة، وبالتَّفقُّه في أحكامِ دِينِه وشرعِه، فإنِّه مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهُ في الدَّين، كما صحَّ ذلكَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

ألا وإنَّ مِن جملةِ الأشياءِ المُستجَدِّةِ في عصرِنا الحديثِ، ويَحسُنُ بِنَا معرفةَ أحكامِها، ويَفسُدُ بها الصومُ إذا فعلَهَا الصائم:

غَسيلَ الكُلَى بنوعية، سواء كانَ الغسيلُ عبْرَ الآلةِ التي تَغْسِلُ في البيت، أو عبْرَ الجهازِ الذي يَغسِلُ في المُستشفى.

ومِنها أيضًا: الإبَرُ المُغذِّية، لأنَّها تُغذِّي الجسمَ كالطعامَ والشَّراب، فتأخذَ نفسَ حُكمِه.

ومِنها أيضًا: مِنظارُ المَعِدَة، لأنَّه قد وصلَ إلى المَعدة، وسواء كان معهُ موادُّ دُهنيةٌ تُسهِّلُ دخولَهُ إلى المعدةِ أو لم يكن معهُ شيء، لأنَّ مذهبَ عامةِ الفقهاء، ومِنهم: الأئمةُ الأربعة: أنَّ كلَّ شيءٍ يَدخلُ إلى المعدةَ يَفسُدُ بِه الصوم، سواء كانَ مُغذِّيًا أو غيرَ مُغذٍّ كالنَّوى، والحَصَى والخَرَزِ، وأشباهِ ذلك، وقد ثبتَ عن عددٍ مِن الصحابةِ ــ رضي الله عنهم ــ أنَّهم قالوا: (( إِنَّمَا الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ )).

ومِنها أيضًا: قطْرةُ الأنفِ إذا وجَدَ الصائمُ المُقَطِّرُ لهَا طعمَها في حلْقِه، وبِذلك يُفتيِ الأئمة: ابنُ بازٍ والألبانيُّ والعُثيمينُ والفوزان، ومذهبُ الأئمةِ الأربعة أيضًا وغيرِهم: فسادُ الصومِ بما قطَّرَهُ الصائمُ فوجدَ طعْمَهُ بحلقه.

ومِنها أيضًا: التحاميلُ التي تُدخَلُ عن طريقِ فتحةِ الدُّبر، لأنَّها مُتصِلةُ بالمستقيم، والمستقيمُ مُتصِلٌ بالأمعاء، وتَمتصُّ الأمعاءُ ما دخلَ عن طريقِ المُستقيم، وهو مذهبُ الأئمةِ الأربعةِ وغيرِهم لأنَّهم يُفطِّرونَ بالحُقن الشَّرجِية، وهي كالتحاميل.

هذا، وأسالُ اللهَ: أنْ يُباركَ لنَا في رمضان، وأنْ يُعينَنا على صيامِه وقيامِه، وأنْ يجعلَنا فيه مِن الذاكِرينَ الشاكرينَ المُتقَبَّلةِ أعمالُهم،والمغفور لهم، اللهمَّ اجعلِ القرآنَ رَبيع قلوبِنا، ونُورَ صدورِنا، وجِلاءَ أحزانِنا، وذهابَ هُمومِنا، اللهمَّ ارفعَ ما نزلَ بالمسلمينَ مِن ضُرٍّ وبلاء، وارحم موتنانا وموتاهُم، إنَّكَ سميعُ الدَّعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الخامسة بعنوان:

اغتنام الفرصة بالتوبة والصالحات في عشر رمضان الأخيرة

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي وفَّقَ مَن شاءَ مِن عبادِهِ فعمَروا الأوقاتَ الفاضِلةَ بالطاعات، والإزديادِ مِنها، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أعلمُنا بالله، وأخشَانا لَه، اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وأصحابِه كثيرًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها الناس:

فاتقوا اللهَ حقَّ التقوى، فهو ــ جلَّ وعلا ــ أهلُ التقوى، وأهلُ المغفرة، وقد جعلَ الليلَ والنهارَ خِلفةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكورًا، فهُما خزائنُ الأعمالِ، ومراحلُ الآجالِ، يُودِعهُما الإنسانُ ما قامَ بِه فيهما مِن عمل، ويقطعهُما مرحلةً مرحلةً حتى يَنتهيَ بِه الأجل، فانظروا ماذا تُودعونَهما، فستجدُ كلُّ نفسٍ ما عملِت مِن خير مُحضرًا، وما عملِت مِن سوءٍ تودُّ لو أنَّ بينها وبينَه أمدًا بعيدًا، وستعلَمُ ما قدَّمت وأخرَّت في يومٍ لا تستطيعُ الخلاصَ ممَّا فات: {  يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }.{ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ }.

أيُّها الناس:

لقد قطعتُم الأكثرَ مِن شهرِ الصيامِ رمضان، وقرُبتُم مِن عَشْرِه الأخيرة، فمَن كان مِنكم قد أحسنَ فقامَ بحقِّ ما مضَى مِن أيَّامِه، فليُتمَّ ما بَقِي، وليَحمَدِ اللهَ عليه، ويَسألَهُ القَبول، ومَن كان مِنكم قد فرَّطَ فيها وأساءَ، فليَتُب إلى ربِّه، فبابُ التوبةِ مفتوحٌ غيرُ مقفول، وليُقلِعْ عن التقصيرِ والعصيانِ قبْلَ ساعةِ السِّياق، وبُلوغِ الرُّوحِ التراقي، قبْل أنْ يُبعثَرَ ما في القبور، ويُحصَّلَ ما في الصُّدور، قبْل أنْ يُقالَ: أينَ المفرّ؟، يومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أعزِّ الناسِ عليه، وأقربِهم إليه، وأشفقِهم لدَيه، وأكرمِهم عندَه، وأجلِّهم وأعلاهُم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }.{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

أيُّها الناس:

اغتنموا عشرَ رمضانَ الأخيرةَ بالإكثار فيها مِن طاعةِ الله، وأحسِنوا في أيَّامِها الصيامَ، ونوِّروا لياليَها بالقيام، واعْمُروا ليلَها ونهارَها بتلاوةِ القرآنِ والاستغفارِ والدعاءِ والذِّكرِ والجُودِ والرحمةِ والعَفوِ والصَّفح والحِلمِ والسماحةِ واللينِ وجميلِ الفِعالِ والمَقال، فكَم مِن أُناسٍ تمنَّوا إدراكَ العشرِ، فأدركَهم الموتُ، وأصبَحوا في قبورهم مُرتهَنينَ لا يستطيعونَ زيادةً في صالحِ الأعمال، ولا توبةً مِن التفرِيطِ والذُّنوب، وقد أدركتُموها بفضلٍ مِن اللهِ وأنتم في صِحَّةٍ وقوَّةٍ وقُدرَة، وقد كان نبيُكم وقُدوتُكم صلى الله عليه وسلم يُعظِّمُ العشرَ الأواخِرَ مِن رمضان، فيَهتَمَّ لهَا اهتمامًا بالغًا إذا دخَلت، ويَجتهدُ في الأعمالِ الصالحةِ فيها اجتهادًا شديدًا، ويُحْيِي ليلَها بالصلاةِ، وغيرِها مِن العبادات، حيثُ صحَّ عن عائشةَ ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ ))، وصحَّ عنها أيضًا أنَّها قالت: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ ))، ومعنى: (( شَدَّ المِئزَر )) أي: اعْتَزَلَ النِّساءَ فلم يَقربْهُنَّ، تفرُّغًا للعبادة، وانشغالًا بها، بل كانَ مِن عظيمِ اجتهادِه صلى الله عليه وسلم في هذه العشرِ المُباركة أنَّه يخصُّها كلَّها بالاعتكاف في مسجدِه الشَّريف، حيث صحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ))، يَفعلُ ذلك صلى الله عليه وسلم تفرُّغًا لعبادةِ ربِّه سبحانه ومُناجاتِه، وتحرَّيًا لإدراكِ فضيلةِ ليلةِ القدْرِ التي قال اللهُ معظِّمًا شأنها: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }، ومعنى ذلكَ: أنَّها خيرٌ مِن ثلاثينَ ألفِ ليلةِ أو قريبًا مِنها، خيرٌ مِنها في بركتِها وأُجُورِها، وما يُفيِضُ فيها الرَّبُّ الكريمُ على عباده مِن الرَّحمةِ والغُفران، وإجابةِ الدعاء، وقبولِ الأعمال، ومُضاعفةِ الأُجور.

فاجتهِدوا في طلبِها، وتحرَّوها في جميع العشَر، وخصوصًا في الليالي الفَرْديةِ مِنها، واعْمُروها بالصلاةِ والذِّكرِ والدعاءِ والاستغفارِ وتلاوةِ القرآنِ ومُحاسبَةِ النفس، لعلَّكم تفلحون، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).

اجتهِدوا في طلبِ تلكَ الليلةِ المُبارَكةِ، وتحرَّوا خيرَها وبركتَها بالمحافظةِ على الصلواتِ المفروضة، وكثْرةِ القيام، وأداءِ الزكاة، وبذْلِ الصدقات، وحفظِ الصيام مِمَّا يُنقِصُه ويُفسِدُه، وبكثرةِ الطاعات، واجتنابِ السيئات، والبُعدِ عن العداوةِ والبغضاءِ والشَّحناءِ فيما بينكم، فإنَّ الشَّحناءَ مِن أسبابِ حِرمانِ الخيرِ، فقد خرجَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ليُخبِرَ أصحابَه بليلةِ القدر، فتخاصَمَ وتنازعَ رجلانِ مِن المسلمينَ فرُفِعَت، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ )).

أيُّها الناسُ:

أمَا يَحِقُّ أنْ نُجرِّدَ قلوبَنا وأوقاتَنا مِن جميعِ الأشغالِ في هذهِ العشرِ المُبارَكةِ المُعظَّمة، لاسيَّما الليالي الوترُ مِنها، والتي يُرجَى أنْ تكونَ فيها ليلةُ القدْر، وأنْ نُقبِلَ فيها بكلِّيتِنا على طاعةِ ربِّنا ذِي العظَمةِ والجَلال، وكثيرِ الرحمةٍ والغُفران، وأنْ نُكثِرَ مِن دعائِه واستغفارِه وطلبِ مغفرتِه ورضوانِه بإخلاصٍ وخُضوعٍ وانكسار، لعلَّنا نُصادِفُ ساعةَ استجابةٍ مِن ربِّنا الرَّحيمِ بِنا، فتَصلُحَ أحوالُنا، وتزدادَ طاعاتُنا، ونكونَ مِن السُّعداءِ الذين لا يَشْقَونَ أبدًا، ولا يُخزَونَ، ولا خوفٌ عليهِم ولا هُم يَحزنون.

باركَ اللهُ لِي ولكُم فيما سمعتُم مِن الآياتِ والأحاديثِ والتذكيرِ، ونفعنَا بذلكَ، إنَّه جوادٌ كريم.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي بنعمتِهِ تتِمُّ الصالحات، وصلاتُه على أنبيائِه ورُسلِه، وأتباعِهم على الإيمان، وعنَّا معَهُم يا رحمنَ الدُّنيا والآخِرةِ ورحيمَهُما.

أمَّا بعدُ، أيُّها الناس:

فقد قال اللهُ سبحانه آمرًا لكُم رحمةً بِكُم وبأهليكم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }، فامتثلوا ما أمرَكُم بِه سبحانه، وجِدُّوا واجتهِدوا كثيرًا في وقاية أنفسِكم وأهلِيكم مِن النَّار، واعلموا أنَّ مِن طُرقِ وقايتِهم مِن النَّار، ورفعِ منازلِهم في الجِنان، حثَّهُم وتحريضَهُم على اغتنامِ المواسمِ الفاضلةِ بالطاعات، والتي أجلُّها عشْرُ رمضانَ الأخيرة، فقد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَهتمُّ بأهلِه أنْ يُحيُوا ليلَها بالقيام والذِّكرِ والمُناجاةِ زيادةً على العادة، فثبَت عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ــ رضي الله عنه ــ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ))، يَعني: يُوقِظُهم لِقيامِ الليلٍ بالصلاة ومناجاةِ اللهِ وودعائِه وذِكرِه واستغفارِه.

وكان السَّلفُّ الصالحُ ــ رحمهمُ اللهُ ــ  يُعظِّمونَ هذهِ العشر، ويَجتهدونَ فيها بالعبادة أكثرَ مِن غيرها، فثبتَ عن إبراهيمَ النِّخعيِّ ــ رحمه الله ــ: (( أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، فَإِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ خَتَمَ فِي لَيْلَتَيْنِ ))، وكان قَتادةُ ــ رحمه الله ــ: (( يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً، فَإِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ خَتَمَ فِي كُلِّ ثَلَاثِ لَيَالٍ مَرَّةً، فَإِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ خَتَمَ كُلَّ لَيْلَةٍ مَرَّةً )).

والبعضُ مِن الناسِ اليومَ ــ سدَّدهم اللهُ وأعانَهُم على مراضِيه ــ إذا جاء أوَّلُ رمضانَ جَدُّوا واجتهَدوا في الطاعات، ومَلئوا المساجدَ، وقد أحسَنوا لأنفسِهم بهذا كثيرًا، لكِنَّهم إذا دخلَت أفضلُ ليالي رمضان، وأعظمُها أجرًا، بل أفضلُ ليالي السَّنَةِ جميعِها، وهيَ ليالي عشرِ رمضانَ الأخيرة ضَعُفُوا عن السابق، ودخلَهُم الفُتور، وكان حقُّهُم أنْ يَجتهدوا أكثرَ في فِعلِ الطاعات، وترْكِ الخطيئات، والمحافظةِ على الواجباتِ، والتكميلِ بالسُّنن والتطوعات.

أيُّها الناس:

ثبت أنَّ أمَّ المؤمنينَ عائشة ــ رضي الله عنها ــ قالت:(( يَا نَبِيَّ اللهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: تَقُولِينَ: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ  تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي ))، فأكثِروا مِن هذا الدعاءِ في ليالي العشر، فإنَّه دعاءٌ مباركٌ رَغَّبَّ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأرشدَ إليه فيها.

فاللهمَّ إنَّك عفوٌّ تُحبُ العفوَ فاعفُ عنَّا، اللهمَّ وفِّقنا لدعائِك بالليل والنهار، ومُنَّ علينا بالإجابة، اللهمَّ تقبَّل دعاءَنا وباقِيَ طاعاتِنا، وتجاوَزْ عن تقصيرِنا وسيئاتِنا، اللهمَّ اغفر لنَا ولوالِدِينا ولجميعِ المسلمينَ إنَّكَ أنتَ الغفورُ الرحيم، اللهمَّ تقبَّل صيامَنا وقيامَنا، واجعلنا ممَّن فعَل ذلك إيمانًا واحتسابًا فغَفَرتَ له ما تقدَّمَ مِن ذنْبِه، اللهمَّ بارك لنَا في أعمارِنا وأعمالِنا وأقواتِنا وأهلِينا، اللهمَّ اكشفْ عن المسلمينَ ما نَزلَ بِهم مِن ضُرٍّ وبلاء، وكُروبٍ وهُموم، اللهمَّ وفِّق ولاتَنا لمراضِيك، وأصلِح بِهمُ الدِّين والدُّنيا، وقَوِّ جُندَنا بالإيمانِ والصبرِ والشجاعة، إنَّك سميعُ الدُّعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة السادسة بعنوان:

الأحكام الفقهية الخاصة بزكاة الفطر

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ ربِّ كلِّ شيءٍ وملِيكِه، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ على جميعِ أنبيائِه ورُسلِه، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأتَرَضَّى على الصحابةِ أجمعينَ، وآلِ كلِّ النّبيين مِن المؤمنين.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فها قد قطعتُم الأكثرَ مِن شهرِ الصيامِ رمضان، ولم يَبقَّ مِنهُ إلا القليلُ جدًّا، فمَن كانَ مِنكُم مُحسِنًا فيما مَضَى فليَحمدِ اللهَ، وليَزْدَدْ مِن البِرِّ والإحسان، ومَن كانَ مُسِيئًا قد فرَّطَ وقصَّرَ، وتكاسلَ وتهاونَ، فليتقِّ اللهَ فيما بَقِيَ، ولِيتَدارَك نفسَهُ فيها فيُحسِنَ إليها بالتوبةِ النَّصوحِ، والإكثارِ مِن الطاعاتِ والقُرباتِ، فبابُ التوبةِ لا يَزالُ مفتوحًا، والله يُحِبُّ التوابين، وهو أرحَمُ بالعبادِ مِن أنفسِهم وأهلِيهم ومَن في الأرضِ جميعًا، ولا يَزالُ في زمَنٍ فاضلٍ مُباركٍ تُضاعَفُ فيه الحسناتُ، وتُكفَّرُ فيه الخطيئات، وقد قالَ اللهُ سبحانَه مُبشِّرًا ومُحَفِّزًا للتائبين إليه: { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، وقال تعالى: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: قالَ اللهُ تعالى: (( يَا عِبَادِى إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِى أَغْفِرْ لَكُمْ )).

أيُّها المسلمون:

لقد دخلتُم أو أوشكتُم على الدخولِ في وقتِ عبادةٍ جليلةٍ واجبة، ألا وهيَ زكاةُ الفِطر، ودونَكم ــ فقَّهكمُ اللهُ ــ جملةً مِن مسائِلِها وأحكامِها:

المسألةُ الأولى: تجبُ زكاةُ الفِطرِ على المسلمِ الحَيِّ، سواء كانَ ذَكَرًا أو أُنْثى، صغيرًا أو كبيرًا، حُرًّا أو عبدًا، لِما صحَّ عن ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ ))، وإلى وجوبِها على هؤلاءِ جميعًا ذهبَ عامةُ الفقهاءِ.

المسألةُ الثانيةُ: الجَنينُ الذي لا يَزالُ في بطنِ أُمِّهِ لا يَجبُ إخراجُ زكاةِ الفِطرِ عنه، وإنَّما يُستحبُ باتفاقِ المذاهب الأربعة، وقد كانَ السَّلفُ الصالحُ يُخرجونَها عنهم، فصحَّ عن تلميذِ الصحابةِ أبي قِلابَةَ ــ رحمه اللهُ ــ أنَّه قال: (( كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ حَتَّى عَلَى الْحَبَلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ )).

المسألةُ الثالثةُ: المجنونُ يَجبُ إخراجُ زكاةِ الفِطرٍ عنه، لِدخولِه في عُمومِ قولِه: (( فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ))، وهو مِن أنفُسِ المسلمين، وإلى هذا ذهبَ الأئمةُ الأربعةُ والظاهريةُ، وغيرُهم.

المسألةُ الرابعةُ: المسلمُ الفقيرُ لهُ حالان:

الحالُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ مُعْدَمًا لا شيءَ عنده، وهذا لا تَجبُ عليهِ زكاةُ الفِطرِ باتفاقِ العلماء.

الحالُ الثاني: أنْ يَملِكَ طعامًا يزيدُ على ما يَكفيهِ ويَكفِي مَن تَلزمُهُ نفقتُهُ مِن أهلٍ وعِيالٍ ليلةَ العيدِ ويومَهُ، أو ما يَقومُ مقامَ الطعامِ مِن نُقود، وهذا تَجبُ عليه زكاةُ الفطرِ عندَ أكثرِ اللعماء.

المسألةُ الخامسةُ: زكاةُ الفِطرِ عندَ أكثرِ الفقهاءِ تُخرَجُ مِن غالبِ قُوتِ البلدِ الذي يُعملُ فيه بالكيلِ بالصاع، سواء كانَ تمرًا، أو شعيرًا، أو زبيبًا، أو بُرًّا، أو ذُرة، أو دُخنًا، أو عدسًا، أو فولًا، أو لوزًا، أو حُمُّصًا، أو كُسكسًا، أو أُرْزًا، أو غيرَ ذلك، ومِقدارُ ما يُخرَجُ في هذه الزكاة: صاعٌ، والصَّاعُ كَيلٌ معروفٌ في عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقبْلَهُ وبعدَه، وهو بالوزنِ المُعاصرِ ما بينَ الكيلوينِ وأربعِ مئةِ جرامٍ إلى الثلاثة.

المسألةُ السادسةُ: يجوزُ أنْ تُخرَجَ زكاةُ الفِطرِ قبْلَ العيدِ بيومٍ أو يومين، لِمَا صحَّ عن تلميذِ الصحابةِ نافعٍ ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ))، والأفضلُ باتفاقِ العلماءِ أنْ تُخرَجَ في يومِ عيدِ الفطرِ بعدَ صلاةِ فجْرهِ وقبْلَ صلاةِ العيد، لِمَا صحَّ أنَّ ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ ))، وذَكرَ الإمامُ مالكٌ ــ رحمه الله ــ: «أَنَّهُ رَأَى أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُخْرِجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُوا إِلَى الْمُصَلَّى»، ولِيَحْذَر المسلمُ مِن تأخيرِها حتى تَنتهيَ صلاةُ العيد، فقد ثبتَ عن ابنِ عباسٍ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ ))، ومَن أخَّرَها عمدًا حتى انقضَى يومُ العيدِ فقد أثِمَ، وكانَ مُرتكبًا لِمحرَّمٍ باتفاق العلماء، ومَن أخَّرَها نسيانًا أو جهلًا أو بسببِ عُذرٍ حتى انتهت صلاةُ العيدِ ويومِه، كمَن يكونُ في سَفرٍ وليسَ عندَهُ ما يُخرِجُهُ أو لم يَجدْ مَن تُخرَجُ إليه، أو اعتمدَ على أهلِهِ أنْ يُخرِجوها واعتمدوا هُم عليه، فإنَّه يُخرِجها متى علِمَ أو تذكَّرَ، ولا إثْمَ عليه، وتُعتبَرُ زكاة، ومَن فرَّطَ فلم يُخرجْها حتى انتهتْ صلاةُ العيد أخرجَها بعدَها، ومعه حتى غُروبَ شمسِ يومِ العيد.

المسألةُ السابعةُ: لا يجوزُ أنْ تُخرَجَ زكاةُ الفِطرِ نقودًا، بل يَجب أنْ تُخرَجَ طعامًا، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فرَضَها وأخرَجَها طعامًا، فلا يجوزُ العُدولُ عمَّا فرَضَ إلى غيرِه إلا بدليلٍ شرعِيٍّ ولا يُوجَد، وأيضًا: فالدراهِمُ والدَّنانيرُ كانت موجودةً في عهدِه صلى الله عليه وسلم، وعهدِ أصحابه مِن بعدِه، ومع ذلك لم يُخرِجوها إلا مِن الطعام، وخيرُ الهَديِ هَديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، ومَن أخرجَها نقودًا بدَلَ الطعامِ لم تُجزِئهُ عندَ أكثرِ الفقهاء، مِنهم: مالكٌ والشافعيُّ وأحمد، ومَن أخرجَها طعامًا أجزأَتهُ عندَ جميعِ العلماء، وبرِئَت ذِمَّتُه، وقال الفقيهان القاضِي عِياضٌ المالكي والنَّوويُّ الشافعي ــ رحمهما الله ــ: «ولم يُجِز عامةُ العلماءِ إخراجَ القيمةِ في ذلك»، والحمدُ للهِ أوَّلًا وآخِرًا وظاهرًا وباطنًا، وبُكرةً وأصيلًا، وعلى كلِّ حال.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ وسلامٌ على عِبادِهِ الذين اصطَفى.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فلا يَزالُ الحديثُ مُتَّصِلًا عن مسائلِ زكاةِ الفِطر، فأقولُ مستعينًا باللهِ:

المسألةُ الثامنةُ: فقراءُ المسلمينَ مَصْرِفٌ لزكاةِ الفطرِ باتفاقِ العلماء، ولا يجوزُ أنْ تُعطَى لِغيرِ المسلمينَ حتى ولو كانوا فقراء، وإلى هذا ذهبَ أكثرُ الفقهاء، ومِنهم: مالكٌ والشافعيُ وأحمد، لأنَّ المنقولَ عملًا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه إخراجُها على فقراءِ المسلمين.

المسألةُ التاسعةُ: يُخرِجُ الرَّجلُ زكاةَ الفِطرِ عن نفسِه وعمَّن يَمُونُ مِن أهلِه ويُنْفِقُ عليهِم مِن زوجةٍ وأبناءٍ وبناتٍ، وغيرِهم، تبَعًا للنفقة، وقد صحَّ أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ ــ رضي الله عنها ــ: (( كَانَتْ تُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ مَنْ تَمُونُ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ))، وصحَّ أنَّ ابنَ عمر ــ رضي الله عنه ــ: (( كَانَ يُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، عَمَّنْ يَعُولُ )).

المسألةُ العاشرةُ: يُخرِجُ العبدُ زكاةَ الفِطر في نفسِ المدينةِ أو القَريةِ أو الباديةِ التي هو موجودُ فيها وقتَ إخراجِ الزكاة، وعلى هذا جَرَى عملُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابِه، وقال الإمام أبو عُبيدٍ ــ رحمه الله ــ: «والعلماءُ اليومَ مُجمِعون على: أنَّ أهلَ كلِّ بلدٍ مِن البلدان، أو ماءٍ مِن المياه، أحقُّ بصدقتِهم، ما دامَ فيهِم مِن ذَوي الحاجةِ واحدٌ، فما فوقَ ذلك»، وقال الفقيه ابن رُشدٍ المالكي ــ رحمه الله ــ: «وعندَ أكثرِهم: أنَّه لا يجوزُ تَنقيلُ الصَّدقةِ مِن بلدٍ إلى بلدٍ إلا مِن ضَرورة»، وعليهِ: فمَن كان يَسكنُ مدينةَ الرياضِ فليُخرجْ زكاتَهُ على فقرائِها، وليسَ على فقراءِ جُدَّة، ومَن كان يَسكنُ القاهرةَ فليُخرِجْ زكاتَهُ فيها وليسَ في الإسكندرية، ومَن كانَ يَسكنُ واشُنطن فليُخرِجْ زكاتَهُ على فقرائِها المسلمين، وليسَ على فقراءِ مدينةِ نُيويورك المسلمين، وهكذا.

اللهمَّ ارزُقنا توبةً نصوحًا، وقلوبًا تخشعُ لِذكرِك، وإقبالًا على طاعتِك، وبُعدًا عن المعاصي وأماكنِها وقنواتِها ودعاتِها، اللهمَّ ارفعِ الضُّرَّ عن المتضرِّرينَ مِن المسلمينَ في كلِّ أرض، اللهمَّ تقبَّل صيامَنا وقيامَنا وزكاتَنا، اللهمَّ ارحم موتانا، وأكرمْهُم بالنَّعيم في قبورهم، ورِضوانِكَ والجنَّة، وأصلِح أهلينا، واجعلهُم مِن عبادكَ الصالحين، إنَّكَ يا ربَّنا لسميعُ الدعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخطبة السابعة بعنوان:

خطبة العيد الأول للمسلمين عيد الفطر

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــــــ

الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر.

الحمدُ للهِ الرحيمِ الرحمن، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المَمدوحُ في القرآن، اللهمَّ صَلِّ عليه وعلى آلِه وأصحابِه الأبرار.

أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ الله:

اتقوا اللهَ حقَّ التقوى، واجعلوا تقواهُ نَصْبَ أعيُنِكم في السِّر والعلَن، فقد قال سبحانَه آمِرًا لكم:{ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }، واعلموا أنَّ تقواهُ إنَّما تكونُ بالمسارعةِ إلى مغفرتِه ورضوانِه، بفعلِ الحسناتِ، وترْكِ الخطيئات، قبلَ انتهاءِ الأجل، وحُلولِ الحسابِ والجزاء،{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا }.

عِبادَ الله:

احذرُوا الوقوعَ في الشِّركِ بالله، فإنَّه أعظمُ ذَنْبٍ، وهو ناقضٌ للإسلامِ ومُبطِلٌ له، ولا يُغفَرُ لِمَن ماتَ ولم يتُب مِنه، ويُحبِطُ جميعَ طاعاتِ صاحبِه، ومُحرَّمٌ على فاعلِه دخولُ الجنَّة، وهو مِن الخالدينَ في النَّار.

ألَا وإنَّ مِن الشِّركِ بالله: صَرفَ عبادةِ الدعاءِ لغيرِ الله، حيثُ يَصرِفُها بعضُ الناسِ لِعبادٍ مِثلِهم، فتَسمعَهُم يَدعونَهم قائلين: «فرِّج عنَّا يا رسولَ الله، مَدَد يا بَدَوي، أغثنا يا جَيلَاني، شيئًا للهِ يا رِفاعِي»، وقد قال اللهُ زاجِرًا لنَا عن دعاءِ غيرِه:{ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ )).

عبادَ الله:

ابتعِدوا عن الحَلِفِ بغيرِ الله، فقد صحَّ أنَّ ابنَ عمر ــ رضي الله عنه ــ: (( سَمِعَ رَجُلاً يَحْلِفُ: لاَ وَالْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ )).

عبادَ الله:

اللهَ اللهَ في الصلاةِ المكتوبة، فإنَّها  الفاصِلةُ بينَ إيمانِ العبدِ وكُفرِه، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ ))، وصحَّ عن عمر ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( أَمَا إِنَّهُ لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِأَحَدٍ تَرَكَ الصَّلَاةَ ))، وثبتَ عن ابنِ مسعودٍ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا دِينَ لَهُ )).

عبادَ الله:

إيَّاكُم وإحداثَ البدعِ في الدِّين، أو فِعلَها، أو دعوةَ الناسِ إليها، أو نشرَها بينَهم، فإنَّ البدعةَ مِن أغلظِ المُحرَّماتِ، وأكثرِها خطَرًا، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في خُطبِه: (( وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ))، وصحَّ عن ابنِ عمرَ ــ رضي اللهُ عنه ــ أنَّه قال: (( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً )).

عبادَ الله:

احذرُوا التَّفرُّقَ في الدِّين إلى أحزابٍ وجماعاتٍ، وطُرقٍ صوفيه، لأنَّه مِن غِلاظِ المُحرَّمات، وأشدِّها ضررًا على الدِّين والدُّنيا والعِباد والبلاد، وقد جاء في ذلك وعيدٌ شديد بالنَّارِ، فصحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَتَانِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمُ الْجَمَاعَةُ» )).

عبادَ الله:

احذرُوا مِن أربابِ العلمانيةِ واللبراليةِ واللادِينيةِ وأهلِ التغريبِ والإلحادِ، والشُّذوذِ الجِنسِيِّ والفُجور، فهُم يَسعونَ جاهدينَ لِسلخِكُم عن دِينِكُم الإسلام، وإبعادِكُم عن الارتباطِ بأُمَّتِكُم وبلدانِكُم، وجعلِكُم أتباعًا أذلَّاءَ مِثلَهُم لِسادتِهم مِن رجالات ومُفكِّري الغربِ والشَّرق، وأداةً لِمُخطَّاطاتِهم وأفكارِهم وعاداتِهم، فتُصبِحوا أعداءً لِدينِكُم، وحربًا على أصولِه وتشريعاتِه، وعونًا لهُم على أوطانِكُم وعادات مُجتمعِكُم وقِيَمِهِ القويمة، وتَحُلُّوا أخلاقَهُ، وتُفكِّكوا ترابُطَ أُسَرِهِ، وتَملؤوهُ بالعُهرِ والفُجورِ، والشهوانيةِ الجِنسيةِ البهيميةِ المُحرَّمةِ القبيحةِ شرعًا، وعقلًا، وطبعًا.

عبادَ الله:

إنَّ مصالحَ العبادِ في دِينِهم ودُنياهُم، لا تستقيمُ إلا بحاكمٍ عليهم، ولِعظمِ شأنِ الحاكمِ بادرَ الصحابةُ إلى تنصيبِ خليفةٍ عليهم قبلَ الصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ودَفنِه، فاجتمعوا في السَقيفةِ وبايَعوا أبا بكرٍ الصِّديقَ ــ رضي الله عنه ــ خليفةً عليهم، ولو لم يَكنْ على الناسِ حُكَّامٌ لسَفكَ بعضُهم دماءَ بعض، ولأكلوا أموالَ بعض، ولهُتِكَت الأعراض، ولم يأمَنْ على نفسِه وأهلِهِ ومالِهِ حاضِرٌ ولا مسافرٌ ولا بَاد، ولَخافَ الناسُ حتى في المساجد، ولَتَسَلَّطَ أهلُ الإجرامِ والفسادِ والإرهاب، ولنَحَرَ واضطَهدَ الأقوياءُ الضُّعفاء، ولتَمكَّنت القبائلُ والعِرقياتُ والقومياتُ الأكثرُ عددًا ومالًا مِن إذلالِ مَن هُم أقلُ رجالًا وعتادًا ومالًا، ولَتقاتَلَ أهلُ البلدِ الواحدِ على ثرَواتِها، فاتقوا اللهَ في حُكَّامِكُم، واسمعوا وأطيعوا لهُم في غيرِ معصيةِ الله، وأكثِروا مِن الدُّعاءِ لهم بالتسديد، وكونوا عونًا لهُم على الخير، لا عونًا عليهم، فتتضرَّرونَ أنتم وبلادُكم وأمنُكم وأموالُكم وأهليكم.

عِبادَ الله:

تجنبوا مُشاهدةَ المُحرماتِ في القنواتِ الفضائيةِ، أو اليوتيوب، أو الفيسبوك، أو تويتر، أو مواقعِ الإنترنت، أو المسارحِ والسِّينما، أو الطُّرقات، وحاذروا الغِشَ والخِداعَ والتدليسَ والتغريرَ في البيع والشراء، أو الأعمالِ الحِرَفيةِ والمِهنية، أو العقودِ والمُناقصاتِ والمُضارباتِ التجارية، وابتعدوا عن التشبُّهِ بأهلِ الكفرِ في أفعالِهم، وأقوالِهم، عاداتِهم، وألبستِهم، وقصِّ شُعورِهم، وإيَّاكم والكذبَ، والغِيبةَ، والنميمةَ، والسُّخريةَ، والاستهزاءَ، والظُّلمَ والعُدوانَ، والبَغْيَ والفجورَ، والغِلَّ والحِقدَ والحسَد، ولا تُؤذوا الناسَ في أبدانِهم، ولا أموالِهم، ولا أعراضِهم، ولا في بيوتِهم، ولا طُرقاتِهم، ولا مراكبِهم، واعلموا أنَّ الذُّنوبَ مِن شركياتٍ وبدعٍ ومعاصٍ شرٌّ وضررٌ مُحققٌ عليكُم في دنياكُم، وفي قبورِكم، وفي الدارِ الآخِرة، وإنَّها لتؤثِّرُ في أمْنِ البلاد، وتؤثِّرُ في رخائِها واقتصادِها، وتؤثِّرُ في قلوبِ أهلِها، وتؤثِّرُ في وِحْدَتِهم وائتلافِهم، وإنَّ ما يُصيبُ الناسَ مِن المصائبِ العامةِ أو الخاصةِ، الفرديةِ أو الجماعية، فإنَّه بما كسبَتْ أيديهِم، هُم سبَبُهُ، وهُم أهلُه، هُم سبَبُهُ حيثُ فعَلوا ما يُوجبُه، مِن شركياتِ وبدعِ ومعاصِ، وهُم أهلُه حيثُ كانوا مُستحقينَ له، لِقولِ اللهِ سبحانَه: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }.

عِبادَ الله:

هَا قد تَرَحَّلت أيُّامُ رمضانَ ولياليه، تِلكَ الأيامُ الغُرُّ، والليالي الزُّهْرُ بعدَ أنْ سَعِدنا بالصيام، وتمتَّعنا بالقيام، وانشرحَت صُدورُنا بِذكرِ اللهِ، ودعائِه، واستغفارِه، وتلاوةِ القرآنِ، ثم جاءَ العيدُ بزُهُّوِهِ وبَهجَتِه وأُنْسِه وفرْحتِه، فهو تُحفةٌ للصائمين، ومَكرُمَةٌ للمُتعبدين، وسُرورٌ للمُحسنين، وقد قال الله ممتنًا علينا بِه:{ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.

عِبادَ الله:

إنَّ العيدَ لَمِن أجملِ ما امتنَّ اللهُ على عبادِه، فاحرِصوا فيه على صفاءِ النفوسِ وتَصفيتِها مِن الضَّغائنِ والشَّحناءِ، حتى يَغفرَ لكُم ربُّكم، وكونوا فيه مِن أهلِ العفوِ والصَّفحِ والتجاوز، وتغافَلوا عن الزَّلاتِ والهَفواتِ، وأظهِروا الأُلْفَةَ والتآلفَ، واجتنِبوا الفُرْقةَ وأسبابَها، وابتعِدوا عن الخصوماتِ والمنازعاتِ، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ))، نفعنِي اللهُ وإيَّاكُم بما سمعتُم، والحمدُ لله البَرِّ الرَّحيم.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــــ

الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر.

الحمدُ للهِ، وسلامٌ على عبادِه الذينَ اصطَفى.

أمَّا بعدُ فيَا عِبَادَ الله:

اشكُروا اللهَ على ما أنعمَ بِه عليكُم مِن إتمامِ الصيامِ والقيام، واسألُوهُ أنْ يَتقبَّلَ مِنكُم، ويَتجاوزَ عن تقصيرِكم، فإنَّه جوادٌ كريمٌ، عَفوٌّ غفورٌ رحيم، واعلموا أنَّه قد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ))، فلا تتكاسَلوا عن صيامِ هذهِ السِّت.

واعلموا أيضًا: إنَّ التهنئةَ بالعيدِ قد جَرَى عليها عملُ السَّلفِ الصالحِ، وعلى رأسِهم الصحابةُ ــ رضي الله عنهم ــ، وقد قال الإمامُ الآجُرِّيُّ ــ رحمه الله ــ عنها إنَّها: “فِعلُ الصحابةِ، وقولُ العلماء”، وثبت: (( أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كانوا إِذَا الْتَقَوْا يَوْمَ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ )).

واعلموا أيضًا: أنَّ السُّنَّةَ لِمَن خرجَ إلى مُصلَّى العيدِ مِن طريقٍ أنْ يَرجعَ إلى بيتَه مِن طريقٍ آخَر، لِمَا صحَّ أنَّ: (( النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ )).

اللهمَّ أعنَّا على الاستمرارِ والإكثارِ مِن طاعتكَ إلى حين الوفاة، اللهمَّ اغفر لنَا ولجميعِ أهلينا، اللهم احقِنْ دماءَ المسلمينَ في كلِّ مكان، وارفعِ الضُّرَ عنْهُم والكُروب، وأعذْنا وإياهُم مِن الفتنِ ما ظهرَ مِنها وما بطَن، اللهمَّ وفِّق حُكَّامَ المسلمينَ لِمَرَاضِيكَ، وأزِل بِهمُ الشِّركَ والبدعَ والآثامَ والظلمَ والعُدوانَ والبَغيَ والفجورَ والفساد، اللهمَّ اجعلنا مِمَّن صامَ رمضانَ وقامَهُ، وقامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا فغَفرْتَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنبِه، إنَّكَ سميعُ الدعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الخطبة الثامنة بعنوان:

موعظة وتذكير لأول جمعة من شهر شوال

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ جامعِ الناسِ ليومٍ لا رَيبَ فيه، عالمِ ما يُسِرُّهُ العبدُ وما يُخفيِه، أحصَى عليهِ خطراتِ فِكرِهِ وكلماتِ فِيه، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، مُعلِّمُ الإيمانِ وداعِيه، وعلى أجلَّةِ الناسِ وهُم آلُ بيتِه وصحابتِه، وعلى كلِّ مَن حُمِدَت في الإسلامِ سِيرتُهُ ومساعِيه.

أمَّا بعدُ، أيُّها الناس:

فاتقوا اللهَ ربَّكم بالعملِ بما يُحبُّه ويَرضَاه، وسارعوا إلى مغفرتِه وجنَّتِه بلزومِ أمرِهِ واجتنابِ نواهيه، فالمؤمِن مَن يَرجو اللهَ ويَتقِيه، ولا تَتبِعوا خُطواتِ الشيطانِ فإنَّه يُضِلُ مَن اتَّبعَهُ ويُغوِيه، ويأمرُهُ بالفحشاءِ والمُنكرِ وإلى طريقِ الجحيمِ يَهدِيه، ولقد كنتُم تَرتقبونَ مَجِيءَ شهرِ رمضانِ، ولقد جاءَكم وخَلَّفتُموه وراءَ ظهورِكم، وهكذا كلُّ مُسْتَقبَلٍ سوفَ يَصلُ إليهِ العبدُ ثم يُخَلِّفُه وراءَهُ حتى الموت، ولقد أودعتُموه ما شاءَ ربُّكم أنْ تُودِعوهُ مِن الأعمال، فمَن كان مِنكُم قد أحسنَ فيه العملَ فَلْيُبْشِرْ بالقبول، فإنَّ اللهَ يَتقبلُ مِن المُتقين، وإنَّه سبحانَه لا يُضيعُ أجْرَ المُحسِنين، ومَن كان مِنكُم مُسيئًا شديدَ التقصيرِ فلْيَتُب إلى اللهِ خالقِه، فالأوبَةُ قبلَ الموتِ مقبولةٌ، واللهُ يُحبُ التوابين، ويَفرحُ بتوبةِ عبدِه المؤمن، ومَن ركبَ ما تهواهُ نفسُه، فلم يَتُب إلى ربِّه توبةً نصوحًا، ولم يَنزجِرْ عن عصيانِه، واستمرَّ في غيِّهِ وتفريطِه، فقد قال ربُّه ــ جلَّ وعزَّ ــ مُبشرًا ومُرهِّبًا: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ ))، وقالَ اللهُ سبحانَه: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

أيُّها الناس:

لَئِنِ انقضَى رمضانُ شهرُ المَغفرةِ والرحمةِ ومُضاعفةِ الأجورِ وتَصفِيدِ الشياطينِ بالأغلالِ، فإنَّ زمَنَ العملِ لا يَنقضِي إلا بالموت.

ولَئِنْ ذهبَت أيَّامُ صيامِ وقيامِ رمضان، فقد سَنَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: صيامَ سِتٍّ مِن شوالٍ بعدَ الانتهاءِ مِن صيامِ شهرِ رمضان، لِيَحصُلَ العبدُ على أجْرِ صيامِ سَنةِ كاملةٍ، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ))، ولا يَجبُ صيامُ هذهِ السِّتِّ مِن أوَّلِ الشهرِ، ولا مُتتابعةً، ومَن بادرَ إلى صيامِها أوَّلَ الشهرِ وتابَعها فهوَ أفضل، ومَن أخَّرَها أو فرَّقها فلا حرَج، ويَبدأُ وقتُها مِن ثاني يومٍ في شهرِ شوالٍ، ومَن صامَها قبل قضاءِ ما فاتَهُ مِن رمضان لم يَدخُل في ثوابِ هذا الحديث، لِظاهرِ قولِه صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ )) إذْ لا يَصْدُقُ إلا على مَن أتمَّ صيامَ جميعِ أيَّامِ رمضان.

وسَنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أيضًا: صيامَ يومِ الاثنينِ والخميسِ، وأيَّامِ البِيضِ، وأوصَى صلى الله عليه وسلم أصحابَه بصيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهر.

وسَنَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قيامَ الليلِ طِوالَ السَّنةِ، ورَغَّبَ فيه، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ))، وثبتَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: (( رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ )).

أيُّها الناس:

بادِروا أعمارَكُم وأيَّامَكُم بأعمالِكُم الصالحةِ قبلَ انقضائِها، وحقِّقوا أقوالَكم بأفعالِكم، إذ كَبُرَ مقتًا عندَ اللهِ أنْ تقولوا ما لا تفعلون، واغتنِموا ما بَقِيَ مِن أوقاتِ حياتِكم بالإكثارِ مِن الطاعاتِ قبلَ المَمات، فإنَّ حقيقةَ العُمُرِ ما أمضَاهُ العبدُ بطاعةِ ربِّهِ ومولَاه، فبِها يَحْيَى حياةً طيبةً في الدُّنيا والآخِرة، وما سِوى ذلكَ فذاهِبٌ خسارًا، ومسئوولٌ عنه، ومُحاسَبٌ عليه، وقد قال الله تعالى: { إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ }، وثبتَ أنّ السَّلفَ الصالحَ في أوَّلِ الإسلام كانوا يَتواعظونَ بهذهِ الأربع، يقولُها بعضُهم لِبعض: (( اعْمَلْ فِي شَبَابِكَ لِكِبَرِكَ، وَاعْمَلْ فِي فَرَاغِكَ لشُغْلِكَ، وَاعْمَلْ فِي صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَاعْمَلْ فِي حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ ))، فرَحِمَ اللهُ عبدًا اغتَنمَ أيَّامَ الشبابِ والقوةِ، وأوقاتَ الصِّحةِ والفراغ، فأسْرَعَ بالتوبةِ والإنابةِ قبْلَ طَيِّ الكتابِ، وأكثرَ مِن صالحِ الأعمالِ، وطَيِّبِ الأفعالِ، وجميلِ الأقوالِ، قبلَ حُلولِ الأجلِ، قبلَ أنْ يَتمنَّى ساعةً مِن ساعاتِ العُمُرِ لِيَستدَرِكَ ما قصَّرَ فيه أو أذْنَب، قبلَ أنْ تقولَ نفسٌ: { يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله }، قبلَ أنْ تقولَ حينَ تَرَى العذابَ: { لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }، قبل أنْ تقولَ وهي تُعذَّبُ في النَّار: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}.{رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ }، ولكنْ لا جَدوَى مِن ذلك، ولا نَفعَ حِينَها، فقد فاتَ زمَنُ الإمكانِ، ووَلَّى وقتُ الإمهالِ، وأُغلِقَ بابُ المُراجعةِ للنفسِ والمُحاسبةِ، ولم يَبقَ مع العبدِ إلا ما قدَّمَت يَداه، وما اكتسبَهُ في حياتِه مِن طاعةٍ أو عِصيانٍ، وجنَاهُ مِن إساءةٍ أو إحسانٍ، وحازَهُ مِن خيرٍ أو شَرٍ،{ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }.

فاللهمَّ اغفرْ لنَا، وارحمنَا، وتُبْ علينا، إنَّكَ أنتَ التَّوابُ الرحيم.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ، وسلامٌ على عبادِهِ الذينَ اصطَفى.

أمَّا بعدُ، أيُّها الناس:

فاتقوا اللهَ ربَّكم وخالقَكم بالمحافظةِ على ما افترَضَهُ عليكم مِن الطاعاتِ وأوجبَه، واستكثَروا مِن نوافلِ ومُستحبَّاتِ العباداتِ، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((قَالَ اللهُ تعالى: مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ))، ولا تَزهَدوا في شيءٍ مِن القُرباتِ ولو صَغُرَت في أعيُنِكم، فإنَّها تَقيكُمُ النَّارَ ولَهبَها، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» )).

وإيَّاكُم أنْ تَستصغِروا مِن الذُّنوبِ شيئًا، وتَجتَرِئوا على فِعلِها، فإنَّ ذلكَ دليلُ ضِعفِ الإيمان، وطريقُ خسارةٍ وبوار، وبابٌ للشيطانِ عليكم، فقد ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ )).

واعلموا أنَّ القويّ في إيمانِهِ هو مَن داومَ على طاعةِ ربِّهِ ولو بقليلِ نَفْلٍ مُسْتَحَبٍّ مِن الصيام، أو قليلٍ مِن قيامِ الليلِ، أو قليلٍ مِن الصدقةِ، أو بِحِزبٍ يومِيٍّ يَسيرٍ مِن تلاوةِ القرآنِ وذِكرِ اللهِ واستغفارِهِ ودعائِه، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ: خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ )).

هذا وأسألُ اللهَ العظيمَ: أنْ يَجعلَني وإيَّاكُم مِمَّن صامَ رمضانَ وقامَهُ إيمانًا واحتسابًا فَغُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنْبِه، اللهمَّ ارحمْ موتانا وموتَى المسلمين، واجعلْهُم في قبورِهم مُنعَّمِين، وأكرمنَا وإيَّاهُم في الآخِرةِ برضوانكَ والجنَّةِ والنظرِ إلى وجهكَ الكريمَ في الجِنَان، اللهم ارفعِ الضُّر عن المُتضرِّينَ مِن المسلمينَ في كلِّ مكان، وسَدِّد للخيرِ وُلاةَ أمورِنا ونُوَّابهم وعُمَّالَهم وجُندَهم، واغفر لنَا ولِوالِدِينا وأهلينا أجمعين، إنَّك سميعُ الدعاء، واسعُ الفضلِ والعَطاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخطبة التاسعة بعنوان:

خطبة ليوم جمعة وافق يوم عيد الفطر

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الأعزِّ الأكرم، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ فصلِّ عليه، وعلى آلِه وأصحابِه، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ الله:

اتقوا اللهَ ربَّكم بالعملِ بما يُحبُّه ويَرضَاه، وسارعوا إلى مغفرتِه وجنَّتِه بلزومِ أمرِهِ واجتنابِ نواهيه، فالمؤمِن مَن يَرجو اللهَ ويَتقِيه، ولا تَتبِعوا خُطواتِ الشيطانِ فإنَّه يُضِلُ مَن اتَّبعَهُ ويُغوِيه، ويأمرُهُ بالفحشاءِ والمُنكرِ وإلى طريقِ الجحيمِ يَهدِيه، ولقد كنتُم تَرتقبونَ مَجِيءَ شهرِ رمضانِ، ولقد جاءَكم وخَلَّفتُموهُ وراءَ ظهورِكم، وهكذا كلُّ مُسْتَقبَلٍ سوفَ يَصلُ إليهِ العبدُ ثم يُخَلِّفُهُ وراءَهُ حتى الموت، ولقد أودعتُموهُ ما شاءَ ربُّكم أنْ تُودِعوهُ مِن الأعمال، فمَن كان مِنكُم قد أحسنَ فيه العملَ فَلْيُبْشِرْ بالقبول، فإنَّ اللهَ يَتقبلُ مِن المُتقين، وإنَّه سبحانَه لا يُضيعُ أجْرَ المُحسِنين، ومَن كان مِنكُم مُسيئًا شديدَ التقصيرِ فلْيَتُب إلى اللهِ خالقِه، فالأوبَةُ قبلَ الموتِ مقبولةٌ، واللهُ يُحبُ التوابين، ويَفرحُ بتوبةِ عبدِه المؤمن، ومَن ركبَ ما تهواهُ نفسُه، فلم يَتُب إلى ربِّه توبةً نصوحًا، ولم يَنزجِرْ عن عصيانِه، واستمرَّ في غيِّهِ وتفريطِه، فقد قال ربُّه ــ جلَّ وعزَّ ــ مُبشرًا ومُرهِّبًا: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }، وقالَ سبحانَه آمِرًا ومُبشِّرًا: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

عِبادَ الله:

لَئِنِ انقضَى رمضانُ شهرُ المَغفرةِ والرحمةِ ومُضاعفةِ الأجورِ وتَصفِيدِ الشياطينِ بالأغلالِ، فإنَّ زمَنَ العملِ لا يَنقضِي إلا بالموت.

ولَئِنْ ذهبَت أيَّامُ صيامِ وقيامِ رمضان، فقد سَنَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: صيامَ سِتٍّ مِن شوالٍ بعدَ الانتهاءِ مِن صيامِ شهرِ رمضان، لِيَحصُلَ العبدُ على أجْرِ صيامِ سَنةِ كاملةٍ، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ))، ولا يَجبُ صيامُ هذهِ السِّتِّ مِن أوَّلِ الشهرِ، ولا مُتتابعةً، ومَن بادرَ إلى صيامِها أوَّلَ الشهرِ وتابَعها فهوَ أفضل، ومَن أخَّرَها أو فرَّقها فلا حرَج، ويَبدأُ وقتُها مِن ثاني يومٍ في شهرِ شوالٍ، ومَن صامَها قبل قضاءِ ما فاتَهُ مِن رمضان لم يَدخُل في ثوابِ هذا الحديث، لِظاهرِ قولِه صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ )) إذْ لا يَصْدُقُ إلا على مَن أتمَّ صيامَ جميعِ أيَّامِ رمضان.

وسَنَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صيامَ الاثنينِ والخميسِ، وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهر: فثبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ عن صيامِه الاثنينَ والخميسَ: (( ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ))، وصحَّ عن أبي هريرةَ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قالَ: (( أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ ))، والأفضلُ أنْ تُصَامَ هذهِ الأيَّامُ الثلاثةُ في أيَّامِ البيضِ، وهيَ: اليومُ الثالثُ عشَر، والرابعُ عشَر، والخامسُ عشَر مِن الشهر، ومَن لم يَتمكَّن صامَها في أيِّ وقتٍ شاءَ مِن الشهر، ومُتتابعةً أو مُتفرِّقة، وإنْ صام أيَّامَ البيضِ ومعها ثلاثةَ أيَّام أُخْرَى مَن الشهرِ فهوَ أفضلُ وأكثرُ في الأجْر.

ولئِن انقَضَى قيامُ شهرِ رمضانَ، فقد سَنَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قيامَ الليلِ طِوالَ السَّنةِ، ورَغَّبَ فيه، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ))، وثبتَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: (( رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ ))، وصحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ، لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )).

فاتقوا اللهَ ــ عِبادَ اللهِ ــ وبادِروا أعمارَكُم بأعمالِكُم، وحقِّقوا أقوالَكُم بأفعالِكُم واغتنِموا الأوقاتَ بالأعمالِ الصالحة، فإنَّ حقيقةَ العُمُرِ ما أمضَاهُ العبدُ في طاعةِ الله، وما سِوى ذلكَ فذاهِبٌ خسارًا، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }، واعلموا أنَّه لا يجوزُ صيامُ يومِ عيدِ الفطرِ باتفاقِ العلماءِ لا لِمُتطوعٍ ولا لِناذِرٍ ولا لَقاضٍ فرْضًا، لِما صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (( نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ )).

عِبادَ الله:

إنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ ــ أصلَحَهمُ اللهُ وسدَّدهم ــ قد جعلوا العيدَ موسِمًا لزيارةِ المقابرِ، والجلوسِ فيها، والتَّجمُّعِ عندَها، وقراءةِ الفواتحِ والأدعيةِ لأهلِها، فما إنْ تَنتَهِي صلاةُ العيدِ إلا وتوجَّهوا إليها، وهذا الفِعلُ لا يُعرفُ عن السلَّفِ الصالحِ أهلِ القُرونِ الثلاثةِ الأُولَى المُفضَّلة، إذ لم يَجعلْها موسِمًا للزِّيارةِ في يومِ العيدِ، ولا خصَّصَها بالزِّيارةِ فيه رسولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم، ولا صحابتُه ــ رضي اللهُ عنهم ــ، ولا مَن بعدَهم، ولا أئمةُ المذاهبِ الأربعةِ وتلامذتِهم، وإنَّه إنْ لم نَقْتَدْ بهؤلاءِ الأكابرِ الأجِلَّاء فبِمَن؟ وهذا التخصيصُ يُعتبَرُ عندَ العلماءِ مِن البدع المُحدَثةِ في دِينِ الله، والبدعةُ مِن أغلظِ المُحرَّماتِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ))، وصحَّ عن ابنِ عمرَ ــ رضي اللهُ عنه ــ أنَّه قال: (( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً ))، وأكثرُ الناسِ أيضًا: لا يعلمونَ أنَّ هذا التخصيصَ للمقابرِ بالزيارةِ في العيدِ إنَّما هو عادةٌ شِيعِيَّةٌ رافضِية، وتلقَّاها وأخذَها عنهم غُلاةُ الصُّوفية، ونشرُوها بينَ عوامِّ أهلَ السُّنَّةِ، وفي بلدانِهم.

والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين، وسلامٌ على المُرسَلين.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الملكِ الأعلى، وسلَّمَ على النَّبيِّ محمدٍ وآلِه وصحبِه، وصَلَّى.

أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ الله:

إنَّ يومَ الجُمعةِ هذا قد وافقَ يومَ عيدِ الفطر، وإنَّ السُّنَّةَ النَّبويةَ: أنْ يُقيمَ الإمامُ بالناسِ صلاةَ الجمعةِ وخطبَتها، وإلى إقامةِ الإمامِ لَهَا ذهبَ الأئمةُ الأربعةُ، وغيرُهم، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُقيمُ الجمعةَ بالناسِ في يومِ العيد، حيثُ صحَّ عن النُّعمانِ بن بَشيرٍ ــ رضي اللهُ عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ «بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»، وَ «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ ))، ونُقلَتْ إقامتُها بالناس عن خليفةٍ راشدِ، فصحَّ عن أبي عُبيدٍ ــ رحمهُ الله ــ أنَّه قال: (( شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ــ رضي الله عنه ــ فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ» )).

وأمَّا المأمومونَ الذين قد صَلَّوا العيدَ مع الإمامِ: فالمُستَحَبُّ في حقِّهم شُهودُ صلاةِ الجُمعة، فإنْ لم يَحضروها مع الإمامِ فلا جُناحَ عليهم، ولكنَّهم يُصلُّونَ في بيوتِهم ظهرًا أربعَ كعاتٍ وجوبًا، لِمَا تقدَّم عن عثمانَ ــ رضي اللهُ عنه ــ مِن الرُّخصة، وقد قالَ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ لِزيدِ بنِ أرْقمٍ ــ رضي اللهُ عنهما ــ: (( أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُصَلِّ» ))، وهذا الحديثُ قد صحَّحهُ جمْعٌ مِن علماءِ الحديث، وأمَّا مَن لم يَشهدْ صلاةَ العيدَ معَ الإمامِ: فيَجبُ عليه شُهودُ صلاةِ الجُمعةِ، فإنْ لم يَشهدْها أثِمَ، وكان لِربِّه عاصيًا، وأقدَم على فِعل ذنْب عظيم، لأنَّه ليسَ مِن أهل الرُّخصةِ في عدمِ الشُّهود.

هذا وأسأل الله: أنْ يحفظَنا مِن بين أيديِنا، ومِن خلفِنا، وعن أيمانِنا، وعن شمائِلنا، ومِن فوقِنا، ومِن تحتِ أرجلِنا، وأنْ يُجنِّبَنا كيدَ الكائدين، ومَكرَ الماكرين، اللهمَّ قوِّ إيمانَنا بِك، وزِد في توكلِّنا عليك، واجعل قلوبَنا متعلِّقةً بكَ وحدَك، اللهمَّ ارفعِ الضُّرَ عن المُتضرِّرينَ مِن المسلمين، اللهمَّ اغفر لَنا ولآبائِنا وأمهاتِنا ولجميعِ المسلمين، الأحياءِ مِنهم والأموات، إنّكَ سميعُ الدُّعاء، وأقولُ قولِي هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.