إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: ” لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ” . ملف: [word] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ” . ملف: [word] مع نسخة الموقع.

  • 19 مايو 2022
  • 4٬033
  • إدارة الموقع

لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

لا تزول قدَما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأَل عن أربع

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ مُحييِ العِظامِ وهيَ رَميمٌ كمَا أنشأَها أوَّلَ مرَّة، جامعِ الناسِ ليومٍ لا رَيبَ فيه، ففريقٌ في الجنَّةِ مُكرَمًا ومُنعَّمًا، وفريقٌ في النَّارِ مُهانًا ومُعذَّبًا، وصلَّى اللهُ على النبيِّ محمدٍ المُفضلِّ على جميعِ العِبادِ، وعلى الآلِ لهُ والأصحابِ والأتباعِ، صلاةً لا تَزالُ في تجديد.

أمَّا بعدُ، أيُّها الناس:

فلَقدْ ثبتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ  مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفًقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ )).

ومِصْداقُ هذهِ المُساءَلةِ والمُحاسبةِ مِن كتابِ اللهِ ــ عزَّ وجلَّ ــ:

قولُ اللهِ العظيمِ سبحانَه: { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } أي: قِفوهُم حتى يُسأَلوا عن أعمالِهم وأفعالِهم وأقوالِهم التي صدَرتْ عنهم في حياتِهمُ الدُّنيا، وقولُ اللهِ ــ جلَّ وعلا ــ مُقسِمًا بنفسِهِ المُعَظَّمةِ: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.

فأقوالُنَا وأفعالُنَا ــ يا عِبادَ اللهِ ــ وإنْ نَسِينَاها، لكِنَّها لا تذهبُ ولا تضيعُ، بل هيَ مُحْصَاةٌ علينا، ومحفوظةٌ لَنَا ومكتوبة، سَنرَاها حينَ لا يَنفعُ النَّدمُ، ولا الاعتذارُ يُقبَل، كما قالَ اللهُ سبحانَهُ مُرهِّبًا لَنَا مِن سَيِّئِها، وداعيًا لَنَا إلى حسَنِها وإلى مُحاسبةِ أنفُسِنَا: {  يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا }.{ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ }.{ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا }.{  وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا }.

وأفْضَحُ مِن ذلكَ، وألْجَمُ لنَا، قولُ اللهِ الجبَّارِ ــ تباركَ وتقدَّسَ ــ: { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.{ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }.{ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ }.

أيُّها الناس:

يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ المُخوِّفِ لَنَا شديدًا: (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ )) أي: لا تَتحركُ في ذلكَ اليومِ العظيمِ الشديدِ قدَمَا عبدٍ عن مَوقفِ الحِسابِ المَهُولِ إلى جنَّةٍ أو نارٍ حتى يُسأَلَ عن هذهِ الأمورِ الأربعة.

ـــ (( عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ))، أَأَفنَاهُ فيما خُلِقَ لأجلِهِ وهوَ عبادةُ اللهِ خالِقِه، والقيامُ بما أوجَبَ عليه، وما يُقرِّبُهُ إليه، وإلى جنَّتِه، ويُرْضِيهِ عنه، ويُكرَمُ ويُعَزُّ بِه في الدُّنيا والقبرِ والآخِرَة؟ أمْ أفنَاهُ في الآثامِ والجهالاتِ واللعبِ واللهوِ والسَّفَهِ والطَّيشِ والمُتعَةِ والأسفارِ والرِّحلاتِ والنُّزهَةِ وكَسْبِ وجَمْعِ المالِ، والسِّياسةِ ومُتابعتِها، وبرامجِ التواصلِ الاجتماعِي، وطلبِ الشُّهرةِ والبحثِ عن أسبابها، والإعراضِ عن اللهِ والدّارِ الآخِرة؟ وسواءٌ قلَّتْ سُنونُ عُمُرِهِ أو كَثُرَت، أو كانتْ أعمالُهُ وقتَ شبابِهِ وقُوَّتِهِ، أو زَمَنِ كُهولَتِهِ، أو حِينَ شَيخُوخَتِهِ، سَيُسأَلُ لا مَحالَة.

ألَا فلْنَستَعِدَّ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ قبلَ مَوقِفِ القيامةِ هذا، لإحسانِ الإجابةِ فيهِ بالإكثارِ مِن الصالحاتِ والحسناتِ المُنجياتِ المُسْعِدَاتِ، والبُعدِ عن السيئاتِ المُهلكاتِ المخْزِياتِ، حتَّى لا نكونَ مِن أهلِ النَّارِ الذينَ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ عنهم: { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ }.

ـــ (( وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ )) أَأَبلاه في البحثِ عن حُطامِ الدُّنيا ومَلذَّاتِها أمْ أبلاهُ في طاعةِ اللهِ وقيامِ الليلِ وصيامِ النَّهارِ والاعتمارِ؟ أَأَبلاهُ في مُلاحقةِ النساءِ، وسهراتِ الطَّرب، وحفلاتِ الفساد، والتحضيرِ لَهَا؟ أمْ أبلاهُ في نفعِ نفسِهِ دُنيًا وآخِرَة، ونفعِ دِينِ اللهِ الإسلامِ، وعِبادِ اللهِ المسلمين؟ أَأَبلاهُ في الأسفارِ والرِّحلاتِ والنُّزْهةِ، وتحضيرِ مقاطعِ الاشتهارِ في برامجِ التواصلِ أمْ أبلاهُ في طلبِ العلمِ وتحصيلِه، والسَّفر إلى علماءِ أهلِ السُّنة الرَّاسخينَ لأخذِهِ عنهم؟

هذا، وقد صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال مُنَبِّهًا لَنَا إلى هذا الأمرِ: (( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ )).

ـــ (( وَعَنْ  مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ )) هلِ اكتسبَهُ مِن طريقٍ حلالٍ كإرثٍ ووظيفةٍ ومِهنةٍ مُباحةٍ، وبيعٍ وسِلَعٍ وتجارة لا حُرمَةَ فيها؟ أمِ اكتسَبَهُ مِن طريقٍ حرامٍ كسرقةٍ، ورِشوةٍ، وأكلٍ للمالِ العامِّ، وأموالِ اليتامَى، وبيعِ سِلَعٍ وتجارةٍ مُحرَّمةٍ، أو وظيفةٍ ومِهنةٍ لا تجوز، أو غِشٍّ وتدليسٍ وخِداعٍ وحفلاتِ فسادٍ دِينِيٍّ وأخلاقِي؟

وقد ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ ))، والسُّحتُ هوَ: المالُ الحَرام، وصحَّ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: (( مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنَّهُ قالَ: (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَان لاَ يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ أَمِنْ حَلاَلٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ )).

ـــ (( وَفِيمَا أَنْفًقَهُ )) أي: وسَيُسْأَلُ العبدُ أيضًا عن مالِهِ فيما أنفقَهُ، أَأَنفقَهُ في وجُوهِ الخيرِ والبِرِّ والإحسانِ أمْ أنفقَهُ على المُحرَّماتِ والباطلِ والمُجونِ والرَّذيلَةِ والصَّدِ عن الخيرِ والفضيلةِ والبِدعِ والمعاصِي والفسادِ؟ أَأَنفقَهُ في وجوهٍ مُباحةٍ ونافعةٍ أمْ أنفقَهُ على الشَّهواتِ والمَلذَّاتِ، واللهوِ واللعبِ، والطَّربِ وحفلاتِهِ ومراقِصِه وأسفارِه، وفسادِ ورذيلةِ برامجِ التواصلِ ومواقعِ الإنترنت؟

ـــ (( وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ )) أي: هل عَمِلَ بما علِمَهُ مِن أحكامِ شريعةِ الإسلامِ ودِينِ اللهِ القويمِ؟ أمْ أنَ عِلمَهُ هذا سيكونُ حُجَّةً عليهِ يومَ القيامةِ، وزيادةً في عذابِهِ؟ علِمَ أنَّ هذا حرامٌ فهلِ اجتنبَهُ أمْ فعلَهُ، وأنَّ هذا مُنكَرٌ فهل تركَهُ أمْ فعلَه وشهدَ مجالِسَ ومسارِحَ أهلِهِ؟ علِمَ أنَّ هذا بِدعةٌ أو شِركٌ فهلِ اجتَنبَ أمْ فعلَ وشارَكَ أهلَهُ ودُعاتَه؟ علِمَ أنَّ هذا فريضَةٌ واجِبٌ فهلْ قامَ بِهِ وعمِلَهُ أمْ ترَكَهُ وأهملَهُ وتكاسلَ عنهُ وتشاغلَ وعَفَل؟

هذا، وقد ثبتَ عن الخائفِ مِن ربِّهِ وعذابِهِ أبي الدَّرداءِ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( إِنَّمَا أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَا يَسْأَلُنِي عَنْهُ رَبِّي أَنْ يَقُولَ: قَدْ عَلِمْتَ! فَمَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ )).

ألَا فاتقوا اللهَ ــ عِبادَ اللهِ ــ وبادِرُوا أعمارَكم وأيَّامَكم بأعمالِكم الصالحةِ قبلَ انقِضائِها، وحقِّقوا أقوالَكُم بأفعالِكم، واغتنِموا ما بَقِيَ مِن أوقاتِ حياتِكم بالإكثارِ مِن الطاعاتِ قبلَ المَمات، فإنَّ حقيقةَ العُمُرِ ما أمضَاهُ العبدُ بطاعةِ ربِّهِ ومَولَاهُ، فبِها يَحْيَى حياةً طيبةً في الدُّنيا والآخِرَة، وما سِوى ذلكَ فذاهِبٌ خسَارًا، ومَسئوولٌ عنه، ومُحاسَبٌ عليه، وقد ثبتَ أنّ السَّلفَ الصالحَ ــ رحمهمُ اللهُ ــ في أوَّلِ الإسلامِ كانوا يَتواعظُونَ بهذهِ الأربع، يقولُها بعضُهم لِبعض:(( اعْمَلْ فِي شَبَابِكَ لِكِبَرِكَ، وَاعْمَلْ فِي فَرَاغِكَ لشُغْلِكَ، وَاعْمَلْ فِي صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَاعْمَلْ فِي حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ ))، وسُبحانَ ربِّكَ، ربِّ العِزَّةِ عمَّا يَصِفون، وسلامٌ على المُرسَلِين، والحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي بنعمَتِهِ تتِمُّ الصَّالحاتُ، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَه، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الأوَّهُ المُنِيب.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فقد قالَ اللهُ ـ عزَ وجلَ ـ آمرًا لكُم بتقواهُ ومُحاسبةِ النَّفسِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.

وهذهِ الآيةُ: أصلٌ في محاسبةِ العبدِ نفسَهُ، وأنهُ يَنبغِي لهُ أنْ يتفقدَها، فإنْ رَأى عليها ذَنْبًا تدارَكهُ بالإقلاعِ عنْه، والتوبةِ النَّصوحِ مِنهُ، والإبتعادِ عن الأسبابِ المُوصِلَةِ إليه، وإنْ رَأى نفسَهُ مُقصِّرَةً في أمرٍ منْ أوامرِ اللهِ، وما أوجَبَ، بذَلَ جُهدَهُ واستعانَ بربِّهِ في القيامِ بِهِ وتكميلِهِ وتتميمِهِ وإتقانِه.

ولقدْ كانتِ المُحاسبةُ للنفسِ، لأقوالِها وأفعالِها منْ دأبِ الصالحينَ، وصَنيعِ المَلأِ الغُرِّ الأوَّلِينَ، مِن الصحابةِ الأكرمين، والتابعينَ لَهم، ومَن بعدَهُم، وقد صحَّ عن أنسٍ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ـ أنهُ قال: (( خَرَجْتُ مَعَ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ حَتَّى دَخَلَ حَائِطاً فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارٌ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَخٍ بَخٍ وَاللَّهِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ ))، وهذا أبو الدَّرداءِ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ــ يُحاسِبُ نفسَهُ فيقول: (( إنِّي لَخَائفٌ يومَ يُنادي منادٍ فيقولُ: يا عُويمِرُ، فأقولُ: لبَّيكَ ربِّ لبَّيكَ، فيقولُ: أما علِمتَ؟ فأقولُ: نعَم، فيُقالُ: كيفَ عمِلتَ فيما علِمتَ؟ فتأتِي كلُ آيةٍ في كتابِ اللهِ زاجرةٍ وآمرةٍ تسألُنِي فريضَتَها، فتَشهدُ عليَّ الآمرةُ بأنِّي لمْ أفعَلْ، وتَشهدُ عليَّ الزَّاجِرةُ بأنِّي لمْ أنْتَهِ أو أَتْرُكْ ))، وثبتَ أنَّ مَيمونَ بنَ مِهران ــ رحمهُ اللهُ ــ قالَ: (( لَا يَكُونُ العَبْدُ تَقِيًّا حَتَّى يَكُونَ لِنَفْسِهِ أَشَدُّ مُحَاسَبَةً مِنَ الشَّرِيِكِ لِشَرِيكِهِ، وَحَتَّى يَعلَمَ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ وَمَشْرَبُهُ وَمَلْبَسُهُ ))، وقالَ الحَسنُ البَصريُّ ــ رحمهُ اللهُ ــ: (( فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هِمَّتِهِ )).

فرحمَ اللهُ عبدًا حاسَبَ نفسَهُ فيما بَينَهُ وبينَ ربِّهِ العظيمِ، فقالَ لَهَا:

أَلسْتِ صاحبَةَ كذا وكذا، ألمْ تفعلِ كذا وكذا، أمَا سترَ اللهُ عليكِ كذا وكذا، ثمَّ ذكَّرَهَا بإحسانٍ اللهِ إليها، وإنعامِهِ عليها، وإمهالِهِ لَهَا، ثم ذَمَّهَا على تقصِيرِهَا في جَنْبِ اللهِ، وألزَمَهَا بطاعتِهِ، وجنَّبَها ما يُسخِطُهُ، لأنَّهُ لا أحدَ أحرصُ على نجَاةِ العبدِ وفِكَاكِ نفسِهِ مِن عذابِ اللهِ ونارِهِ وعُقوباتِهِ غيرَ نفسِهِ، وقد ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ))، ومعنى: (( دَانَ نَفْسَهُ )) أي: حاسبَ نفسَهُ في الدُّنيا قبلَ أنْ يُحاسِبَها اللهُ يومَ القيامة.

هذا وأسألُ اللهَ ــ عزَّ وجلَّ ــ: أنْ يُجنِّبَنا مُنكراتِ الأعمالِ والأخلاقِ والأهواء، وأنْ يجعلَنا مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشرِ، اللهمَّ عافِنا مِن كلِ شَرٍّ قاصرٍ ومُتعدٍّ، ومِن البَلوى والعقوباتِ والعذاب، وارزُقنا الهُدى والتُّقَى والعفافَ والغِنَى والجنَّة، اللهمَّ ارحَم أمواتَنا وأمواتَ المسلمين، وأنعِمْ عليهم في قبورِهم، وأكرِمْ ولاةَ أمورِ المسلمينَ ونُوَّابَهم بالعملِ بما يُرضيك، ويُصلِحُ المسلمينَ وأحوالَهم، اللهمَّ ارفعِ الضُّرَ عن المُتضرِّرينَ مِن المسلمين، وجنِّبهُم وجنِّبنا معَهم الفتنَ ما ظهرَ مِنها وما بطَن، إنَّكَ سميعُ الدعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.