إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > رسالة بعنوان: «الأحكام الفقهية الخاصة بأيام عشر ذي الحجة الأولى». ــ ملف: [pdf] و [word] مع نسخة الموقع.

رسالة بعنوان: «الأحكام الفقهية الخاصة بأيام عشر ذي الحجة الأولى». ــ ملف: [pdf] و [word] مع نسخة الموقع.

  • 29 يونيو 2022
  • 3٬900
  • إدارة الموقع

الأحكام الفقهية الخاصة بأيَّام عشر ذي الحِجَة الأُوَل

 

الحمدُ لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، والصلاةُ والسلام على عبده ورسوله محمدٍ الصَّادقِ الأمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعهِ الكِرامِ المَيَامِين.

أمَّا بعدُ، أيُّها الفُضَلاء ــ جمَّلَكُم الله بالفِقه في شريعته ــ:

فهذه رسالة فقهية بعنوان:

“الأحكام الفقهية الخاصِّة بأيَّام عشرِ شهر ذي الحِجِّة الأُوَل”.

وأسأل الله ــ تبارَك اسْمُه ــ أنْ يَنفعَني وإيَّاكُم بها في الدُّنيا والآخِرة، إنَّه سميعٌ مُجِيب.

وسوف يكون الكلام عن هذه الأحكام في ثمان وقفات، لِيَسْهُل ضَبطها، ويَقْوَى الإلمَام بِها.

فأقول مُستعينًا بالله القويِّ العزيز، فهوَ المُعِين وحدَه، وعليه المُعتَمد، ومِنه المُستَمد:

الوقفة الأولى:

عن المُراد بالأيَّام العَشْر في النُّصوص النَّبوية.

أخرج البخاري (969)، وأحمد (3228 و 3139 و 1968)، وأبو داود (2438)، والترمذي (757) واللفظ له، وابن ماجه (1727)، عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» )).

وأخرجه الدارمي (1814)، بلفظ:

(( «مَا الْعَمَلُ، فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ»، قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» )).

وإسناده حسن.

والمُراد بالأيّامِ العَشْر في هذا الحديث:

«أيَّامُ عشِرِ شهرِ ذي الحِجَّة الأُولى جميعها».

وأخرج الإمام مسلم في “صحيحه” (1176)، عن عائشة ــ رضي الله  عنها ــ أنَّها قالت:

(( مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ )).

والمراد بالعَشْر في هذا الحديث:

«الأيَّام التِّسْعةِ الأُوَّلِ مِن شَهر ذي الحِجَّة».

لأنَّ يوم العيد، وهو العاشر مِن شهر ذي الحِجَّة لا يُصام بنصِّ السُّنة النَّبوية الصَّحيح، واتفاق العلماء.

1 ــ وقد قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح مسلم” (8/ 320 ــ رقم:1176)، عقب هذا الحديث:

«والمُراد بالعشر هُنا: الأيَّام التِّسعة مِن أوَّلِ ذي الحِجَّة، قالوا: وهذا مِمَّا يُتأوَّل».اهـ

يَعني: يُطلَقُ الكُل، ويُراد بِه الأكثر.

2 ــ وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائف المعارف” (ص: 279):

«وهذا كما يُقال: صامَ عشر ذي الحِجَّة، وإنَّما صام مِنه تِسعة أيَّام.

ولهذا كان ابن سِيرين يَكرَه أنْ يُقال: “صام عشر ذي الحِجَّة”، وقال: “إنَّما يُقال: صامَ التِّسع”.

ومَن لم يَكرَه، وهُمُ: الجمهور، فقد يقولون: الصيام المُضاف إلى العشر هو صيام ما يُمكِن مِنه، وهو ما عدا يوم النَّحر، ويُطلَق على ذلك العشر، لأنَّه أكثر العشر».اهـ

الوقفة الثانية:

عن فضل أيَّام عشْر ذي الحِجَّة الأُولى.

أيَّامُ عشْرِ ذي الحِجَّة الأُوَلِ أيَّامٌ فاضلة، وأيَّامٌ مُعظَّمة، وأيَّامٌ جليلة، وأيَّامٌ مُباركة، تُضاعَفُ فيها الحسنات، وتتكاثَرُ بسببها الأُجُور، وتَعْظُمُ فيها الخطايا، وتَتغلَّظ السيئات.

بل هي أجَلُّ أيَّامِ السَّنَةِ، وأعظمُها، وأفضلُها.

وقد نصَّ جمْع مِن العلماء على:

«أنَّها أفضَلُ مِن أيَّام عشر شهر رمضان الأخيرة».

وجاءَ في حديثٍ حسَّنَ إسنادَهُ طائفةٌ مِن علماءِ الحديث ــ رحمهُم اللهُ ــ المُتأخِّرين مِن حديث جابر ــ رضي الله عنه ــ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

(( أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ: عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ )).

ومِمَّن حسَّنه: المُنذري، والهيثمي، والسيوطي، والمُناوي، والصنعاني، و الرُّباعي.

وقال العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ: «صحيح لِغيره».اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ: « ورُوي مُرسلًا، وقيل: إنَّه أصَح».اهـ

[ أخرجه: البزار (1128 ــ كما في كتاب “كشف الأستار”)، والطبراني في كتابه “فضل عشر ذِي الحِجَّة” (11)، وغيرهما ]

وجاء بلفظ: (( مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ )) أو (( مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ )).

[ أخرجه: أبو يَعلى في “مُسنده” (2090)، والطحاوي في كتابه “مُشكل الآثار” (2973)، وابن حبِّان (3853)، وأبو عوانة (3023)، والطبراني  في كتابه “فضل عشر ذي الحِجَّة” (9)، وغيرهم.]

وصحَّحه: ابن حِبَّان، والمُنذري.

وقد نوَّه الله ــ جلَّ وعلا ــ في كتابه العزيز بشأن أيَّام العشر، وأنَّها أيَّامُ ذِكرٍ له سبحانه، فقال ــ عزَّ شأنه ــ في سورة “الحَج”:

{ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }.

وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” (عند حديث رقم: 969) جازمًا:

«وقال ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ: (( { فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }: أَيَّامُ العَشْرِ ))».اهـ

وقال ــ عزَّ وجلَّ ــ مُقْسِمًا بالعشر في أوَّل سورة “الفجر”:

{ وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ }.

وقال الإمام ابن جَرير الطَّبري ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (24/ 397)، عند هذه الآية:

«والصواب مِن القول في ذلك عندنا: أنَّها عشْرُ الأضْحَى، لإجماع الحُجَّة مِن أهل التأويل عليه».اهـ

وقال الحافظ ابن كثير الشافعي ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (8 / 390):

«واللَّيالي العشر المُراد بها: عشر ذي الحِجَّة، كما قال ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد مِن السَّلف والخَلف».اهـ

وصحَّ عن مَسْروق التابعي ــ رحمه الله ــ أنَّه سُئل عن قوله تعالى: { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } فقال: (( هِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ )).

وفي لفظ آخَر: (( { وَلَيَالٍ عَشْرٍ }، قَالَ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَهِيَ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )).

[ أخرجه: عبد الرزاق في “مصنَّفه” (8120)، وابن جَرير الطبري في “تفسيره” (24/ 396 و 367)، والطبراني في كتابه “فضل عشر ذي الحِجَّة” (24). ]

وصحَّ عن قتادة السَّدوسِي التابعي ــ رحمه الله ــ: (( { وَلَيَالٍ عَشْرٍ }، قَالَ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهَا عَشْرُ الْأَضْحَى )).

[ أخرجه: ابن جَرير الطبري في “تفسيره” (24/ 396 )، والطبراني في كتابه “فضل عشر ذي الحِجَّة” (22). ]

وأعْلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمْرَ أيَّامِ العشر، وأكْبَرَه، وأظهَر فضلَها، وعظيمَ أُجُورِها، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:

(( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

[ أخرجه: البخاري (969)، والترمذي (757)، واللفظ له، وغيرهما، مِن حديث ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ. ]

وفي لفظٍ بإسناد حسَن: (( مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى، قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

[ أخرجه: الدارمي (1815). ]

وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (2/ 460)، عقب هذا الحديث:

«وفي الحديث: تَعظيم قدْر الجهاد، وتفاوت درجاته، وأنَّ الغاية القُصوى فيه بذْل النفس لله.

وفيه: تفضيل بعض الأزمنة على بعض، وفضل أيَّام عشر ذي الحِجَّة على غيرها مِن أيَّام السَّنة».اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه «فتح الباري شرح صحيح البخاري» (6/ 115 – عند حديث رقم:969)، عقب هذا الحديث:

«وهذا الحديث:

نصٌّ في أنَّ العمل في عشر ذي الحِجَّة أفضل مِن جميع الأعمال الفاضلة في غيره، ولا يُستثنى مِن ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد، وهو أنْ يَخرج الرَجل بنفسه وماله، ثم لا يَرجع مَنهما بشيء، فهذا الجهاد بخصوص يَفضُل على العمل في العشر، وأمَّا سائر أنواع الجهاد مع سائر الأعمال، فإنَّ العمل في عشر ذي الحِجَّة أفضل مِنها».اهـ

وقال أيضًا (6/ 119):

«نوافل عشر ذي الحِجَّة أفضل مِن نوافل عشر رمضان، وكذلك فرائض عشر ذي الحِجَّة تُضاعف أكثر مِن مضاعفة فرائض غيرها».اهـ

وقال أيضًا في كتابه “لطائف المعارف” (ص: 365-366):

«وقد دلَّ هذا الحديث على: أنَّ العمل في أيَّامه أحبُّ إلى الله مِن العمل في أيَّام الدنيا مِن غير استثناء شيء مِنها، وإذا كان أحبَّ إلى الله فهو أفضل عنده».اهـ

وقال أيضًا (ص: 367):

«وقد دلَّ حديث ابن عباس على: مُضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر مِن غير استثناء شيء مِنها».اهـ

الوقفة الثالثة:

عن ظُلم الإنسان نفسَه أيَّام العشر بفِعل السيئات والقبائح.

أيَّام العشر تقع في شهر ذي الحِجَّة، وهو أحد الأشهُر الأربعة الحُرُم، وشهرُ الحجِّ، وشهر يومِ عرفة، وشهر يومِ النَّحر، وعيد الأضْحَى، وشهر أيَّام التشريق.

وقد قال الله ــ عزَّ وجلَّ ــ في إثبات حُرْمَة هذا الشهرِ، وبقيِّة الأشهُر الحُرُم في سورة “التوبة”:

{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

وأخرج البخاري (3197)، ومسلم (1679)، عن أبي بَكْرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ )).

ألَا فلنَحْذَر أشدَّ الحَذَرِ أنْ نَظلِمَ أنفسَنا في هذا الشهر، لاسِيَّما في أفضل أيَّامِه، وهي العشر، بالسيئات والخطايا، والشِّركيات والبِدعِ والضَّلالات، والفِسقِ والفُجور، والظُّلمِ والعُدوان، والقتلِ والاقتتال، والتَّسَبُبِ بالفتنِ، والتحريشِ بينَ الناس، والغِشِ والكذب، والغِيبةِ والبُهتان، والحسدِ والغِلّ، والتَّكالُب على الشُّهرة، والانغماسِ في ملذَّاتِ الدنيا وشهواتها.

فإنَّ الله ــ تباركَ اسمُه ــ قد زجَرَنا ونهانا عن ذلك، فقال سبحانه:

{ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

ولأنَّ السيئات مِن الشركيات والبدعِ والمعاصي تَعِظُمُ وتَشتدُّ، وتَكبُرُ وتَتغلَّظُ، في كلِّ زمانٍ أو مكانٍ فاضل.

وأيَّامُ العشرِ زمنُها فاضل جِدًّا، بل هي أفضل أيَّام السَّنة.

وقد ثبَت عند ابن جَرير الطَّبري في “تفسيره” (16698)، عن قتادة السَّدوسِي التابعي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( أَمَّا قَوْلُهُ: { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }، فَإِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمَرِهِ مَا شَاءَ )).

وقال الإمام ابن جَرير الطَّبري ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (14/ 241) عن هذه الأشهر:

«ولكنَّ اللهَ عظَّمَ حُرمَةَ هؤلاء الأشهر، وشرَّفَهُنَّ على سائر شهور السَّنة، فخصَّ الذَّنْب فيهنَّ بالتعظيم، كما خصَّهُنَّ بالتشريف».اهـ

الوقفة الرابعة:

 عن الاجتهاد بالأعمال الصالحة في أيَّام عشر ذي الحِجَّة، مُسارَعَةً، وإكثارًا، وإحسانًا.

إنَّ مِمَّا يَجْدُر بالمسلم، ويَنبغي له، ويتأكَّد عليه، في هذه الأيَّام الفاضلة المُعظَّمة، أيَّامِ عشر ذي الحِجَّة الأُوَلِ، أنْ يَحرص غاية الحرص على نفسه، وعلى أهل بيته، وعلى مَن حولَه مِن أباءٍ وأمهات، وأبناءٍ وبنات، وإخوانٍ وأخوات، ورِفاقٍ وجِيران:

أنْ يكونوا مِن المُكثِرين فيها مِن الأعمال الصالحة، والمسارعين إليها، السَّبَّاقين.

فيُذَكِّرَهم بفضلها، ويُرغِّبَهم بالاجتهاد فيها، ويكونَ قدوةً لهم في الجِدِّ والاجتهاد، وعُمْرَانِ ليلِها ونهارِها بالقُرُبَات.

ولْنَحْذَر جميعًا وشديدًا أنْ يُثبِّطَّنا الشيطان، فنكونَ مِن المتكاسلين، الذين لا يَغتنمونَ الفُرَص، ولا يَهتمُّونَ بالأيِّام الفاضلة، والمواسمِ المُعظَّمَة.

إذ أيَّام العشر أيَّام قليلة، لكنَّها عظيمة الأُجُور، سريعة الرَّحيل، مَن حُرِمَ خيرَها، وبركَتَها، وما فيها مِن أجْرٍ، ومضاعَفةِ حسناتٍ، فقد حُرِمَ خيرًا كثيرًا.

ولْنَستَدرِك بالاجتهاد فيها عُمُرًا ضيَّعنا أوَّلَه، وفرائضَ وواجباتٍ ونوافل قصَّرْنا فيها، أو أضَعناها،  وذُنوبًا أسْرَفنا فيها، وسَقطنا في أوحالها.

ولْنَشكُر الله على أنْ أكرمنا بهذه الأيام، قصيرة الوقت، كبيرة الأجُور، وذلك مِن فضلِ الله علينا، وعلى الناس، والله يختَصُّ بفضلِه مَن يشاء، والله ذو الفضلِ العظيم.

وقد كان السَّلف الصالح ــ رحمهم الله ــ يَجتهدون في هذه العشر بالطاعات شديدًا.

حيث أخرج الدارمي (1815)، بإسناد حسَنٍ، عن القاسم بن أبي أيوب ــ رحمه الله ــ  أنَّه قال:

(( كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا، حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ )).

وأعظَمُ مِن ذلك، وأبْيَنُ للمؤمن، وأشرحُ لصدره، وأشحَذُ لِهمَّتِه قولُ النَّبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح:

(( مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى، قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

فمَا ذا نُريد بعدَ هذا الفضْل، وهذا الترغيب، وهذا الأَجْر العظيم؟

الوقفة الخامسة:

عن مشروعية صيام أيَّام عشر ذي الحِجة الأُوَل.

وسوف يكون الكلام عن صيام أيَّام العشر مِن جهتين:

الجِهة الأولى:

عن صيام الأيَّام الثمانية الأُوَلِ مِن أيَّام العشر.

وصيامها مُستحَبٌّ عند الأئمة الأربعة، والظاهرية، وغيرهم مِن أهل العلم.

بل حُكِي إجماعًا.

وقد كان هذا الصيام مشهورًا في عصر السَّلف الصالح مِن الصحابة، والتابعين، فمَن بعدَهم.

ويَدُلُّ عليه:

ما أخرجه عبد الرزاق في “مُصنَّفه” (4/ 257 – رقم:7715)، عن عثمانَ بنِ مُوهِبٍ ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ، أَفَأَصُومُ الْعَشْرَ تَطَوُّعًا؟ قَالَ: لَا، وَلِمَ؟ ابْدَأْ بِحَقِّ اللَّهِ، ثُمَّ تَطَوَّعْ بَعْدُ مَا شِئْتَ )).

وإسناده صحيح.

ووجْهُ الاستدلال مِن هذا الأثَر:

أنَّ أبا هُريرة ــ رضي الله عنه ــ لم يُنكر على الرَّجل التطوعَ بصيام العشر، بل أقرَّهُ على ذلك إذا قَضَى ما بَقِيَ عليه مِن شهر رمضان.

وهذا ظاهرٌ في أنَّ صيامَها كان معروفًا في عهد السَّلف الصالح، وعلى رأسهم الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ.

وأخرج ابن أبي شَيبة في “مُصنَّفه” (9221)، بسندٍ صحيح، عن ابن عونٍ ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( كَانَ مُحَمَّدٌ يَصُومُ الْعَشْرَ، عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ كُلِّهِ )).

ويُقوِّي استحبابَ صيامِها أيضًا:

قول النَّبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: (( مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ )).

ووجْه الاستدلال مِن هذا الحديث:

أنْ العملَ الصالحَ المذكور فيه عامٌ، فيدخل فيه الصِّيام، لأنَّه مِن جُملة الأعمال الصالحة، بل هو مِن أفضلها، وآكدِها.

وقد بَوَّبَ جمْعُ مِن المُحدِّثِين ــ رحمهم الله ــ على هذا الحديث:

«بابٌ في صومِ العَشر».

واستنبطَ مِنه جماعات كثيرة جدًا مِن المُحدِّثين والفقهاء:

استحباب صيام العشر.

مِنهم:

الأثْرم تلميذ الإمام أحمد بن حنبل، وأبو جعفر الطحاوي الحَنفي، وابن حَزم الظاهري، ومُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي، وأبو زكريا النَّووي الشافعي، ومُحِبُّ الدين الطَّبري الشافعي، وابن رجبٍ الحنبلي، وابن حَجَر العسقلاني الشافعي، والشوكاني، وابن باز، وابن عثيمين، وحافظ حكمي، وزيد بن محمد هادي المدخلي، ومحمد علي آدم الإتيوبي.

وفقهاءٌ كُثُرٌ أيضًا مِن:

الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية.

ولو سَرَدت أسماء مَن وقَفْت عليه مِنهم، لزَادَت الأوراق، وطال المُقام.

وقد كتب في تقرير استحباب ذلك رسالة مُستقلَّة بعنوان: «تثبيت القلوب المؤمنة بثبوت سُنِّية صوم أيام عشر ذي الحِجَّة».

ــــ وأمَّا قولُ الصِّديقةِ عائشة ــ رضي الله عنها ــ الذي أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه” (1176):

(( مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ )).

فلم أجِد نصًّا عن أحدٍ بعينه مِن السَّلف الصالح، أو مِمَّن بعدَهم، مِن الفقهاء المشهورين، وأصحابهم، أنَّه اسْتَدلَّ بِه على عدم استحباب صيام هذه الأيَّام، أو كراهتها، أو أنَّها بدعة.

وقد أجاب أهل العلم والفِقه ــ رحمهم الله ــ عن قولها هذا بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يَصُم العشر بعدَّة أجوبة:

الأوَّل: أنَّ تَرْك النَّبي صلى الله عليه وسلم صيام العشر، قد يكون لِعارضٍ مِن مرض، أو سفر، أو غيرهما.

الثاني: أنَّ عائشة ــ رضي الله عنها ــ رُبَّما لم تَعلم بصيام النَّبي صلى الله عليه وسلم للعشر، لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يَقسِم لِتسع نِسوة، فلعلَّه لم يَتَّفِق صيامه في نَوبَتِها.

الثالث: أنَّ تَرْك النَّبي صلى الله عليه وسلم صيام العشر، قد يكون خشيةَ أنْ تُفرَضَ على أُمَّتِه، فشَفق بِها، وأحَبَّ التخفيف عنها.

الرابع:  أنَّ تَرِك النَّبي صلى الله عليه وسلم صيام العشر، قد يكون لأجْل أنَّه إذا صام ضَعُفَ أنْ يَعمل فيها بِما هو أعظم منزلةً مِن الصوم.

الخامس:  أنَّ عائشة ــ رضي الله عنها ــ قد تكون أرادت أنَّه صلى الله عليه وسلم لَم يَصُم العشر كاملًا.

الجِهة الثانية:

عن صيام يوم عَرَفة.

يوم عَرَفةٍ هو:

«اليوم التاسع مِن أيَّام شهر ذي الحِجَّة باتفاق أهل العلم».

وقد نَقلَه عنهم:

الفقيه أبو عبد الله بن مُفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الفروع” (3/ 108-109).

حيث قال ــ رحمه الله ــ:

«ويُستحَبُّ صوم عشر ذي الحِجّة، وآكدُه التاسع، وهو يوم عرفة إجماعًا».اهـ

ويدلُّ على استحباب صوم يوم عرفة، وتأكُّدِه:

ما أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه” (1162)، وغيره، عن أبي قتادة الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ )).

وهو حديث صحيح.

وقد وقفْت على تصحيح جمْعٍ كثيرٍ مِن أهل العلم لَه، زادوا على الثلاثين.

وكتبت في ذلك رسالة مُستقلَّة بعنوان: «جُزء فيه ذِكر مَن نصَّ على ثبوت حديث أبي قتادة في مشروعية صيام يوم عرفة».

وقال الفقيه عَون الدِّين ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح” (1/ 425 ــ قسم اختلاف العلماء):

«واتفقوا على أنَّ صومَ يومَ عرفة مُستحب لِمَن لم يَكن بعرفة».اهـ

ويَعني بقوله “اتفقوا” أيْ: أئمَّة المذاهب الأربعة المشهورة.

وقد أُخْرِجَ الحُجَّاجُ مِن هذا الاستحباب، فيكون تَرْكُ الصوم لَهم أفضل، بأدلة عِدَّة.

ومِن هذه الأدلَّة:

أولًا: ما أخرجه البخاري (1989) واللفظ له، ومسلم (1124)، عن ميمونة ــ رضي الله عنها ــ:

(( أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلاَبٍ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ )).

ثانيًا: ما أخرجه أحمد (5080 و 5117 و 5420)، واللفظ له، والترمذي (751)، والنسائي في “السُّنن الكبرى”( 2840)، وغيرهم، عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال:

(( حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ )).

وصحَّحه: ابن حِبَّان، والألباني.

وحسَّنه: الترمذي، والبَغوي.

وقال الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سُننه” (750)، عقبه:

«والعملُ على هذا عند أكثر أهل العلمِ:

يَسْتَحِبُّون الإفطارَ بعرفة لِيَتَقَوَّى بِه الرَّجل على الدعاء، وقد صامَ بعض أهل العلم يوم عرفة، بعرفة».اهـ

ومِمَّن ثبَت عنه صيام يوم عرفة بعرفة مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ:

عائشة بنت أبي بكر الصِّديق، وعثمان بن أبي العاص.

وتقدَّم أنَّه ثبَت عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال:

(( وَأَنَا لَا أَصُومُهُ، وَلَا آمُرُ بِهِ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ )).

واستُحِبَّ ترْك صيامه للحاج عند أكثر العلماء:

حتى لا يَضْعُف الحاج عن عبادة الله، وذِكره، واستغفاره، وتكبيره، وتهليله، ودعائه، بعرفة، ولا يَشق عليه خروجه مِن مِنًى إلى عرفة.

وكثيرٌ مِن الناس اليوم يَبقون في مَقرِّ سكنهم بمكة، فلا يدفعون لِعرَفة إلا بعد صلاة العصر، وهؤلاء قد يُقال باستحسان الصوم في حقِّهم، لِقلَة وقت وقوفهم بعرفة، وقُرْبِ غروب الشمس، وقلَّة المشقة عليهم.

ولعله لأجل قلَّة المشقة أو عدمها صام يوم عرفة في الحج بعض الصحابةــ رضي الله عنهم ــ والتابعين، ومَن بعدهم.

الوقفة السادسة:

عن التكبير المُطلَق في أيَّام عشر ذي الحِجة، ويوم عيد النِّحر، وأيَّام التشريق.

وتحت هذه الوقفة عدة فروع:

الفرع الأوَّل:

عن مشروعيَّـة التَّكبير المُطلَق في أيَّام عشر ذي الحِجة الأُوَل، ويوم عيد النَّحر، وأيَّام التشريق.

التَّكبير في أيَّام عشر ذي الحِجَّة الأُوَلِ، ويومِ النَّحر، وأيَّام التشريق، قد جَرَى عليه العملُ زمَن السَّلف الصَّالح مِن أهل القرون المفضَّلة، وعلى رأسهم أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

فقد قال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” (عند حديث رقم:969) جازمًا:

(( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ــ رضي الله عنهما ــ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا )).

وزاد غيرُه: (( لا يَخْرُجَانِ إلَّا لِذَلِك )).

وقال ميمون بن مِهران التابعي ــ رحمه الله ــ:

(( أدْرَكتُ النَّاسَ وإنـَّهُم لَيُكَبِّرونَ في العْشِر، حتى كُنْتُ أُشَبِّهُهُ بالأمْوَاجِ مِن كَثْرَتِهَا )).

وأخرج الفاكِهيُّ في كتابه “أخبار مكة” (1706)، بإسناده صحيحٍ، عن التابعي ثابت البُناني ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( كَانَ النَّاسُ يُكَبِّرُونَ أَيَّامَ الْعَشْرِ حَتَّى نَهَاهُمُ الْحَجَّاجُ، وَالْأَمْرُ بِمَكَّةَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ، يُكَبِّرُ النَّاسُ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْعَشْرِ )).

وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” (عند حديث:907)، عن التكبير أيَّام التشريق، جازمًا:

(( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ــ رضي الله عنهما ــ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ جَمِيعًا )).

ووصَلَه:

الحافظ ابن المُنذر في كتابه “الأوسط” (2199)، والفاكِهي في “أخبار مكة” (4/ 228 – رقم: 2583).

وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (2/ 462)، عقب أثَرِ ابن عمر هذا، وغيرِه مِن الآثار عن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ:

«وقد اشتمَلت هذه الآثار على وجود التَّكبير في تلك الأيَّام عقب الصلوات، وغير ذلك مِن الأحوال».اهـ

وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ أيضًا في “صحيحه” (عند رقم:907)، عن التكبير أيَّام التشريق، جازمًا:

(( وَكَانَ عُمَرُ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا )).

وهذا التَّكبير عند أكثر أهل العلم مشروع في حقِّ سائر النَّاس ذكورًا وإناثًا، وفي سائر الأوقات، وفي السَّفر والحضر.

ويقوله الإنسانُ وهو جالسٌ، أو قائم، أو راكب، أو مُضطجِع، أو وهو يمشي، وفي البيت، والعمل، والسُّوق، والمراكب، والطرقات، وغيرها مِن الأماكن.

الفرع الثاني:

عن وقت التَّكبير في أيَّام عشر ذي الحِجة، ويوم النَّحر، وأيَّام التشريق.

يُستحب التكبير في أيَّام عشر ذي الحِجَّة الأُوَل، ويومِ النَّحر، وأيَّامِ التشريق، في جميع الأوقات مِن ليلٍ أو نهار.

ويُسمَّى هذا التكبير عند العلماء ــ رحمهم الله ــ “بالتَّكبير المُطلَق”.

لأنَّ قولَه لا يَتقيَّد بوقت، بل يقولُه المسلم في أيِّ وقتٍ شاءَ مِن ليلٍ أو نهار.

ويَبدأ هذا التكبير:

«مِن بعد غُروب شمسِ آخِر يومٍ مِن أيَّام شهر ذي القَعْدة، ويَستمِرُّ إلى آخِر يومٍ مِن أيَّام التشريق، قبْل غُروبِ شمسِه، ثُمَّ يُقطَع».

إلَّا أنـَّه لا يُكبَّرُ في أيَّام عشر ذي الحِجَّة الأُوَل بعد السلام مِن صلاة الفريضة، سواء صلَّاها العبد في المسجد، أو البيت، أو العمل، أو في أيِّ مكان.

لأنَّ وقت التَّكبير الذي يكون بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة، والذي يُسميه العلماء ــ رحمهم الله ــ “بالتكبير المُقيَّد ” يَبدأ لغير الحُجَّاج:

«مِن فجْرِ يومِ عرفة إلى صلاة العصر مِن آخِر أيـَّام التَّشريق، ثمَّ يُقطَع».

حيث قال الحافظ ابن كثير الشافعي ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (1/ 561):

«وأشهرها الذي عليه العمل: أنَّه مِن صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر مِن آخِر أيَّام التشريق».اهـ

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 220)، عن هذا التكبير:

«أصحُّ الأقوال في التَّكبير الَّذي عليه جمهور السَّلف والفقهاء مِن الصَّحابة ــ رضي الله عنهم ــ والأئمَّة:

أنْ يُكبَّرَ مِن فجْر يومِ عرفة إلى آخِر أيـَّام التَّشريق، عقِب كلِّ صلاة».اهـ

وقال أيضًا (24/ 224):

«ولأنَّه: إجماعٌ مِن أكابِر الصحابة».اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 124):

«وقد حَكَى الإمام أحمد هذا القول إجماعًا مِن الصَّحابة ــ رضي الله عنهم ــ، حكاه عن عُمر، وعَليٍّ، وابن مسعودٍ، وابن عباس».اهـ

وقال أيضًا (6/ 126):

«والإجماع الذي ذَكرَه أحمد، إنَّما هو في ابتداء التكبير يوم عرفة مِن صلاة الصبح.

أمَّا آخِر وقته، فقد اختلف فيه الصحابة الذين سمَّاهُم».اهـ

وقال الفقيه شمس الدِّين السَّرخسي الحَنفي ــ رحمه الله ــ  في كتابه “المبسوط” (2/ 42):

«اتَّفقَ المشايخ مِن الصَّحابة ــ رضي الله عنهم ــ: عُمر، وعَليٌّ، وابن مسعودٍ، أنـَّه يُبدأ بالتَّكبير مِن صلاة الغَداة مِن يوم عرفة».اهـ

وقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (3/ 288-289):

«ولأنَّه إجماعُ الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، رُوي عن عمر، وعليٍّ، وابن عباس، وابن مسعود، ….

وقيل لأحمد: بأيِّ حديث تذهب إلى أنَّ التكبير مِن صلاة الفجْر يوم عرفة إلى آخِر أيَّام التشريق؟

قال: بالإجماع، عمر، وعليّ، وابن عباس، وابن مسعود ــ رضي الله عنهم ــ».اهـ

وأمَّا بالنِّسبة للحُجَّاج:

فالأصحُّ مِن أقوال أهل العلم أنَّهم كمَن لم يَحُج.

فيَبدأ تكبيرُهم أيضًا:

«مِن فجْر يوم عرفة، ويَستمر إلى عصر آخِر يوم مِن أيَّام التشريق، ثم يُقطَع».

وهو مذهب أبي حنيفة، وقولٌ للشافعي.

وذلك لِعموم الآثار الثابتة عن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، كعليِّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، إذ لم تُفرِّق بين حاجٍّ وغيره.

وقد اتَّفَقَت على الابتداء مِن صلاة الفجر.

وقد عُدَّ طائفة مِن أهل العلم هذا إجماعًا مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، لعدَم ثبوت مُخالِفٌ لِهم مِنهم.

واتفق علي بن أبي طالب ــ وهو خليفة راشد ــ، وابن عباس، ــ رضي الله عنهم ــ على انتهاء هذا التكبير بصلاة العصر.

وذهب سفيان ابن عيينة، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، والشافعي في قول:

إلى أنَّ الحاجَّ يَبدأُ بالتكبير مِن ظهر يوم النَّحر.

ثم اختلفوا في وقت انتهاء تكبيره.

فمنهم مَن قال: يَنتهي بصلاة فجْرِ آخِر أيَّام التشريق.

ومِنهم مَن قال: ينتهي بصلاة عصْرِه.

الفرع الثالث:

عن مشروعيَّة الجهر بالتَّكبير في أيـَّام العشر، ويوم عيد النَّحر، وأيَّام التشريق.

قال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” (عند حديث رقم: 969)، جازمًا، عن التكبير أيَّام العشر:

(( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ــ رضي الله عنهما ــ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا )).

وقال أيضًا (عند رقم:970)، جازمًا، عن التكبير أيَّام التشريق:

(( وَكَانَ عُمَرُ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا )).

وهذه الآثار ظاهرة في جهر الذُّكور بالتكبير.

وأمَّا النساء:

فقد قال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (3/ 291):

«ويَنبغي لهنَّ أنْ يَخفِضن أصواتهنَّ حتى لا يَسْمَعَهُنَّ الرِّجال».اهـ

فإنْ كُنَّ في مكان لا رِجال فيه، أو لا يَسمعُهنَّ فيه الرِّجال، فلَهُنَّ الجهر.

وقالت أمُّ عطية ــ رضي الله عنها ــ في شأن خروج النساء إلى مُصلَّى العيد:

(( كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ )).

[ رواه البخاري (971)، واللفظ له، ومسلم (890) ].

والشاهد مِنه قولها في شأن النساء:

(( فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ )).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 130)، عقب هذا الحديث:

«لا خلاف أنَّ النساء يُكبِّرن…، ولكن المرأة تخفض صوتها بالتكبير».اهـ

وقال فقيه الشافعية أبو زكريا النَّووي ــ رحمه الله ــ في شرح على “صحيح مسلم” (6/ 429 – عند حديث رقم:890):

«وقولها: (( يُكبِّرنَ مع النَّاس )) دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين، وهو مُجمع عليه».اهـ

الفرع الرابع:

عن صِيَغ هذا التَّكبير.

جاءت في هذا التَّكبير عِدَّة صِيغ عن الصَّحابة ــ رضي الله عنهم ــ:

الأولى: (( اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ )).

وثبَتت عن عبد الله بن عباس ــ رضي الله عنهما ــ.

[ ورواها: ابن أبي شَيبة في “مصنَّفه” (1/ 489-490 – رقم:5645 و 5654). ]

الثانية: (( اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ )).

وثبَتت عن عبد الله بن مسعود ــ رضي الله عنه ــ.

[ ورواها: ابن أبي شَيبة في “مصنَّفه” (1/ 488-490 ــ رقم: 5632 و 5633 و 5650-5652)، والفِريابي في “أحكام العيدين” (62)، وغيرهما. ]

وصحَّحها: العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ، وغيره.

وثبَتت هذه الصِّيغة أيضًا عن جمْعٍ مِن التَّابعين ــ رحمهم الله ــ.

وثبَت عند ابن أبي شَيبة في “مصنَّفه” (1/ 490 – رقم:5649)، عن التابعي إبراهيم النَّخعي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( كَانُوا يُكَبِّرُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَحَدُهُمْ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ )).

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 220)، عن هذه الصِّيغة مِن التكبير، إنَّها:

«صِفة التكبير المنقولة عن أكثر الصحابة».اهـ

الثالثة: ما ثبَت عند عبد الرزاق في “مصنَّفه” (20581)، ومِن طريقه البيهقي في “سُننه” (3/ 316 – رقم: 6282)، واللفظ له، عن أبي عثمان النَّهدي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( كَانَ سَلْمَانُ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ يُعَلِّمُنَا التَّكْبِيرُ يَقُولُ: كَبِّرُوا: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، أَوْ قَالَ: تَكْبِيرًا، اللهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ صَاحِبَةٌ، أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلَدٌ، أَوْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا، اللهُمَّ اغْفِرْ لَنَا، اللهُمَّ ارْحَمْنَا )).

وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (2/ 462) عن هذه الصِّيغة:

«أصحُّ ما ورد».اهـ

الوقفة السابعة:

عن أخْذ المُضَحِّي مِن شعره وأظفاره وجِلده في أيَّام العشر.

إذا دخلَت العشرُ الأُوَل مِن شهر ذي الحِجَّة، فإنَّ مُريد الأضحية منهِّي عن الأخذ مِن شعره، وأظفاره، وجِلده، حتى يَذبح أو تُذبخ أُضْحِيته، لحديث أُمِّ سلَمة ــ رضي الله عنها ــ أنَّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).

[ أخرجه: مسلم (1977). ]

وصحَّحه:

أحمد بن حنبل، ومُسلم، والترمذي، وابن حِبَّان، وابن المُنذر، وأبو جعفر الطحاوي، والحاكم، والبيهقي، وأبو عَوانة، والطيوري، والبغوي، وابن عساكر، وجمال الدين الظاهري الحنفي، وعبد الحق الأشبيلي، وابن قيِّم الجوزية، والذهبي، وابن المُلقِّن، وبدر الدين العَيني الحنفي، وابن حَجَر العسقلاني، والسيوطي، وعُبيد الله المباركفوري، وأبو العلا المباركفوري، والألباني، وابن باز، وابن عثيمين، ومثقبل الوادعي، ومحمد علي آدم الإثيوبي.

وقد كتبت رسالة مُستقلَّة بعنوان:

«الإفادة بذكر بعض أسماء مَن صحَّح حديث أُمِّ سلَمة في نَهْي المُضحِّي عن الأخذ مِن جِلده وشعره وأظفاره».

وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشرح المُمتِع على زاد المُستقنِع” (7/ 488):

«وقوله: (( أو بَشْرَتِهِ )) أي: جِلده».اهـ

وقال الفقيه عون الدِّين ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح عن معاني الصِّحاح” (1/ 550-551 ــ قسم اختلاف العلماء):

«واتفقوا ــ ويَعني بهم: الأئمة الثلاثة ــ: على أَنَّه يُكره لِمَن أراد الأضحية أنْ يأخذ مِن شَعْرَة وظُفره في العَشْر إلى أنْ يُضحِّي.

وقال أبو حنيفة: لا يُكره».اهـ

قلت:

والكراهة تحريمية عند سعيد بن المُسيب التابعي، ورَبيعة بن عبد الرحمن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن خزيمة، وداود الظاهري.

للنَّهيِّ الوارد في حديث أمِّ سلَمة ــ رضي الله عنه ــ، والأصل في النَّهي أنَّه يَقتضي التحريم.

وللتنزِيه عند مالك، والشافعي، وأبي جعفر الطحاوي مِن الحنفية، وبعض الحنابلة.

وقال الفقيه جمال الدِّين الصردفي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة” (1/ 407):

«عند الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأكثر العلماء: يُكره لِمَن أراد أنْ يُضحِّي إذا دخل عليه عشر ذي الحِجَّة أنْ يأخذ شعره وظُفره.

وعند أحمد في رواية، وإسحاق: يَحرُم عليه ذلك».اهـ

وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 363)، في شرحه على “صحيح مسلم” (13/ 147- 148- عند حديث رقم:1977):

«والمراد بالنَّهي عن الحَلْق والقَلْم:

المنْع مِن إزالة الظُّفر بقَلْم، أو كسْر، أو غيره، والمنْع مِن إزالة الشعر بحَلْقٍ، أو تقصير، أو نتْف، أو إحراق، أو أخذِه بِنَوْرَةٍ، أو غير ذلك، وسواءٌ شعر العانة، والإبط، والشارب، والرأس، وغير ذلك مِن شعور بَدَنه».اهـ

قلت:

فإنْ أخذ مِن ذلك شيئًا فقد أساء، وخالف السُّنَّة، ولا كفارة عليه.

حيث قال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 362-363):

«فإنْ فعَل استغفر الله تعالى، ولا فِدية عليه إجماعًا، وسواء فعَله عمدًا أو نسيانًا».اهـ

وقال الفقيه أبو العباس الرَّملي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “شرح سُنن أبي داود” (12/ 145 ــ حديث قم: 2791):

«فإذا ثبت هذا، فيترك قطع الشعر وتقليم الأظفار، فإنْ فعَل استغفر الله، ولا فدية فيه إجماعًا، سواء فعله عمدًا أو نسيانًا».اهـ

ويبدأ وقت المَنْع مِن الأخْذ:

مِن حين إهلال هِلال شهر ذي الحِجَّة حتى يَذبح المُضَحِّي أضحية، سواء ذبحها في يوم العيد، أو في أوَّل أوثاني يوم مِن أيَّام التشريق.

وقد تقدَّم في حديث أمِّ سلَمة ــ رضي الله عنها ــ عند مسلم في “صحيحه”، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا، حَتَّى يُضَحِّيَ )).

ومَن نوى الأضحية مُتأخِّرًا، كمَن نواها في اليوم الثامن مِن شهر ذي الحِجَّة مثلًا، فوقُت إمساكِه عن الأخْذ مِن شعره وجْلده وأظفاره يَبدأ مِن حين حصَلت له هذه النِّية.

وأمَّا مَن يَعولهم المُضّحِّي، كالزوجة والأولاد والوالدين، فهل يُمسكون أيضًا عن الأخْذ مِن شعورهم وأظفارهم وجلودهم.

وجدتُ لأهل العلم ــ رحمهم الله ــ في هذه المسألة قولان:

القول الأوَّل: أنَّ حُكمَهم كحُكم المُضَحِّي عنهم، فيُمسٍكون عن الأخذ كما يُمسِك.

وهو قول أكثر العلماء، مِنهم: سعيد بن المُسيب التابعي، والمالكية، والحنابلة.

وهذا القول هو الأظهر.

وقُوِّي هذا القول بأمرين:

الأمْر الأوّل: 

أنَّ هذا الإمساك مُفتَىً بِه في عهد السَّلف الصالح ــ رحمهم الله ــ.

حيث قال الإمام مُسدَّد ــ رحمه الله ــ في “مسنده” كما في كتاب “المطالب العالية” (رقم:2287) و “المُحلَّى” (6/ 28 – رقم:976):

حدثنا المُعتمِر بن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أبي يقول:

(( كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ شَعْرِهِ، حَتَّى يَكْرَهَ أَنْ يَحْلِقَ الصِّبْيَانُ فِي الْعَشْرِ )).

وإسناده صحيح.

وقد ذَكر بعضهم: أنَّه لا يُعرَف لغيره مِن التابعين قول في هذه المسألة.

وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “إعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين” (4/ 90):

«الفتوى بالآثار السَّلفية والفتاوى الصحابية أَوْلَى بالأخذ بِها مِن آراء المُتأخرين وفتاويهم، وأنَّ قُربَها إلى الصواب بحسب قُرْب أهلها مِن عصر الرسول ــ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ــ، وأنَّ فتاوى الصحابة أَوْلَى أنْ يُؤخذ بِها مِن فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أَوْلَى مِن فتاوى تابعي التابعين، وهلُمَّ جَرا».اهـ

الأمْر الثاني:

أنَّ الشَّرع الحَنيف قد جعَل لهم نوعَ مشاركة في الأضحية مع المُضحِّي، وهي المشاركة في الأجْر والثواب، فيَشتركون معه في حُكم ترْك الأخْذ، لأنَّ الجميع يُطلَق عليه اسم مُضحِّ.

حيث يقول الصِغار، وتقول النساء: «سَنُضَحِّي» وَ «ضَحَّينا».

ويقول الناس تصديقًا لهم: «قد ضَحَّيتُم أو قد ضحَّوا».

مع أنَّ الأضحية مِن مال الأب أو الزوج أو الأخ.

وقد أخرج الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147)، عن عطاء بن يسار التابعي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

(( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى ))، وهو حديث صحيح.

وقد صحَّحه: الترمذي، وابن العربي، ومُوفَّق الدين ابن قُدامة، والسيوطي، والألباني، وغيرهم.

وقال الفقيه عبد الله بن عقيل الحنبلي ــ رحمه الله ــ في “فتاويه” (250):

«قال الفقهاء ــ رحمهم اللَّه ــ:

وإذا دخلت عشر ذي الحِجَّة حرُم على مَن يُريد أنْ يُضَحِّي، أو يُضَحَّى عنه: أنْ يأخذ مِن شعره أو بشرته أو ظفره شيئًا حتى يُضَحِّي».اهـ

وهذا القول هو اختيار:

العلامة مُقبل بن هادي الوادعي ــ رحمه الله ــ.

حيث كان ــ رحمه الله ــ يَعمل بِه، ويأمر بِه مِن يُضحِّي عنهم مِن أهل بيتِه.

القول الثاني: أنَّه لا يُكره لهم الأخْذ.

ونُقل عن بعض مُتأخِّري الشافعية.

واختار مِن المعاصرين: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين.

وحجَّة هذا القول:

ظاهر حديث أمِّ سلمة ــ رضي الله عنها ــ في “صحيح مسلم” (1977)، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).

ووجْه الاستدلال مِنه:

أنَّ النَّهي عن الأخْذ مِن الأظفار والشعر والبشرة وُجِّه إلى مُريد الأضحية وحدَه، فيكون هو المطالب بالأخذ وحدَه.

وأُجِيب عن هذا الاستدلال:

بأنَّ المُضَحَّى عنهم يُعتبرون مُضَحِّين شرعًا، وعُرفًا، ويُطلق عليهم ذلك، فكانوا كمُريدها، ودخلوا في الحديث.

وقد كتبت رسالة مُستقلَّة بعنوان:

«تزويد المُضحِّي بحكم أخذ الـمُضَحَّـى عنهم مِن أولاد ونساء مِن شعرهم وأظفارهم وجلدهم».

فائدة طيبة:

قال أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحكَم والمحيط الأعظم” (8/ 57):

«والبَشَرَة: ظاهر أعلى جِلْدَة الوجْه والرأس والجَسد مِن الإنسان، وهي التي عليها الشَّعْر، وقيل: هي التي تَلِي اللَّحْم».اهـ

وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشرح المُمتع على زاد المستقنِع” (7/ 488):

«وقوله: “أو بشرته” أي: جِلده، لا يأخذ مِنه شيئًا، وهل يُمكن للإنسان أنْ يأخذ مِن جِلده شيئًا؟.

نقول: يُمكن أنْ يأخذ كما يلي:

أوَّلًا: إذا كان لم يَخْتَتن، وأراد الخِتان في هذه الأيَّام، نقول له: لا تَختتن، لأنَّك ستأخذ مِن بشرتك شيئًا.

ثانيًا: بعض الناس يَغفل فتجده يَقطع مِن جَلده مِن عقِب الرِّجْل، والإنسان الذي يَعتاد هذا الشيء لابُدَّ أنْ يُصاب بتشقق العقِب، فإنْ ترَكه سَكن، وإنْ حرَّكه فتَن عليه، ولو كان فيه جَلد ميِّت اتركه حتى لا يتشقَّق ويَزيد».اهـ

الوقفة الثامنة:

عن جِماع المُضحِّي وغيره في أيَّام العشر.

قال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي الأندلسي ــ رحمه الله ــ  في كتابه “التمهيد” (17/ 234):

«أجمع العلماء على أنَّ الجِماع مباح في أيَّام العشر لِمَن أراد أنْ يُضحِّي، فما دونَه أحْرىَ أنْ يكون مباحًا».اهـ

ونَقل الإجماع أيضًا:

الحافظ أبو جعفر الطحاوي الحنفي ــ رحمه الله ــ كما في “مختصر اختلاف العلماء” (3/ 232 ــ مسألة: 1334).

وسبحان ربِّك، ربِّ العِزَّة عمَّا يَصفون، وسلامٌ على المرسلِين، والحمد لله ربِّ العالمين.

تنبيه: 

أصل هذا الكتابة:

محاضرة كتَبَتْها مِن التسجيل طالبة علم ــ وفقَّها الله لِمرضاته ــ، ثُمَّ أُرْسِلت إليَّ، فراجعتها وعدَّلت فيها يسيرًا، وزدت فذكَرْت مصادر التخريج والأقوال.

قال ذلك، وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.