إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: « لا تُراق النفوس  بالباطل والظلم والغضب وتُحفظ بالحق والعدل والصبر ». ملف [word] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « لا تُراق النفوس  بالباطل والظلم والغضب وتُحفظ بالحق والعدل والصبر ». ملف [word] مع نسخة الموقع.

  • 15 سبتمبر 2022
  • 475
  • إدارة الموقع

لا تراق النفوس بالباطل والظلم والغضب وتحفظ بالحق والعدل والصبر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

لا تُراق النفوس  بالباطل والظلم والغضب وتُحفظ بالحق والعدل والصبر

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي لَه الأسماءُ الحُسْنى، والصِّفاتُ العُلَى، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على النبيِّ الكريمِ محمدٍ الذي فاقَ الأنامَ عِلمًا وتقوَى، وعلى آلِه وأصحابِه وأتباعِه الذين ارتقَوا بالإيمانِ بِه ونُصرَتِهِ إلى المَقامِ الأَسْنَى.

أمَّا بعدُ، أيُّها الناس:

فإنَّ كَثْرةَ الفتنِ والقتلِ مِن علاماتِ قُرْبِ القيامةِ الظاهِرَة، وأشراطِ الساعةِ الأكيدة، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ ؟ فَقَالَ: الْقَتْلُ ))، بل وسيَحصلُ ما هو أعجَبُ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَل،َ وَلاَ يَدْرِى الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ )).

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعةِ الإسلامِ: كانَ قاتِلُها بغيرِ حقٍّ كمَن قتلَ الناسَ جميعًا، لِقولِ اللهُ سبحانَه: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا }.

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: أنَّ كلَّ نفسٍ تُقتلُ ظُلمًا على أوَّلِ مَن قتلَ نَصيبٌ مِن دَمِها، لِما صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ )).

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: كانَت إراقَتُها أوَّلَ ما يُقضَى فيه بينَ العِبادِ يومَ القيامةِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ )).

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: أوجَبَ اللهُ قتلَ مُزْهِقِها بغيرِ حقٍّ، لِقولِ اللهِ سبحانَه: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ــ وذَكرَ مِنها ــ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ )).

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: كانَ الاجتماعُ على إرَاقَتِها بغيرِ حقٍّ موجِبًا لعقوبةِ المُتعاوِنينَ عليهِ بقتلِهم جميعًا، واستحقاقَ العقوبةِ في الآخِرةِ بالنَّار، حيثُ جاءَ مِن طُرقٍ تتقوى ببعضٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ ))، وصحَّ: (( أَنَّ إِنْسَانًا قُتِلَ بِصَنْعَاءَ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ بِهِ سَبْعَةَ نَفَرٍ، وَقَالَ: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعًا» ))، وقالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ ــ رحمه الله ــ: «قولُ عمرَ هذا: استقرَّتْ عليهِ مذاهبُ أهلِ العلمِ قاطبةً».

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: كان المُؤمنُ لا يَزالُ في فُسحَةٍ مِن دِينِه ما لَم يُرِقْهَا بغيرِ حقٍّ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ))، وصحَّ أنَّ ابنِ عمرَ ــ رضي الله عنه ــ قالَ: (( إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا: سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ )).

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: أنَّ زَوالَ الدُّنيا أهوَنُ عندَ اللهِ مِن قتلِ مُسلِم، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ )).

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: أنَّهُ شُدِّدَ في المَغفِرةِ لِقاتِلِ المُؤمِنِ عمدًا، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا: رَجُلٌ يَمُوتُ مُشْرِكًا، أَوْ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا )).

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: أنَّ اللهَ توعَّدَ قاتلِ المُؤمِنِ عمدًا بخمسَ عقوباتٍ غليظات، حيثُ قالَ سبحانَه: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }.

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: أنَّ اللهَ صَانَ المؤمنَ عن قتلِها عمدًا، فقالَ سبحانَه: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً }.

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: أنَّ اللهَ أوجَبَ الدِّيةَ والكفارةَ على قاتلِها خطأً، حتى ولو كانتْ نفسَ كافرٍ مُعاهَدٍ أو مُستَأَمَنٍ، حيثُ قالَ سبحانَه: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ }.

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: أنَّها أَغلَظَتِ العقوبةَ لِمَن قتلَ نفسَهُ مُنتَحِرًا، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدً ))، وصحَّ عن أبي هريرةَ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قالَ: (( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلاَمَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ القِتَالِ، حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحَةُ، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الجِرَاحَةِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَسْهُمًا فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، انْتَحَرَ فُلاَنٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ )).

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: أنَّ الشيطانَ يَفرحُ ويُكرِمُ مَن سَوَّلَ مِن جُندِهِ لآدَمِيٍّ أنْ يَقتُلَ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيسُ بَثَّ جُنُودَهُ فَيَقُولُ: مَنْ أَضَلَّ الْيَوْمَ مُسْلِمًا أَلْبَسْتُهُ التَّاجَ، فَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قَتَلَ، فَيَقُولُ: أَنْتَ أَنْتَ وَيُلْبِسُهُ التَّاجَ )).

ولِعظمِ النُّفوسِ في شريعَةِ الإسلامِ أيضًا: أنَّ الملائكةَ تَلْعَنُ مَن أشارَ إلى مُسلمٍ بسلاحٍ، فكيف بما هوَ أشدّ، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ )).

أيُّها الناس:

اتقوا اللهَ ــ جلَّ وعلا ــ بتَجَنُّبِ الدُّخولِ فيما قد يَجُرُّ إلى القتل أو الاقتتال، وابذُلُوا طاقَتِكُم في البعُد عن مُسبِّباتِ إراقةِ الدماءِ، وتحَلَّوا عندَ المُوجِعاتِ بالصَّبرِ، والحِلمِ، وكظمِ الغيظِ، والعَدْلِ والأناةِ والتَّؤدَة، وسَلِّموا أنفُسَكُم بالنَّأيِّ والتَّرْكِ لِموَاطنِ ومجالِسِ وأهلِ ورِفاقِ التساهُل في ولُوجِ أبوابِ الدَّماء، وجمِّلوا بواطِنَكُم بخشيَةِ اللهِ والوقوفِ عندَ حُدودِهِ في جميعِ أحوالِكُم، لأنَّ ذلكَ مِن أعظمِ سُبُلِ سلامَتِكُم مِن دِمَاءِ الناسِ، وتَسلِيمِ دِينِكُم ودُنياكُم وآخِرَتِكُم، وتَسلِيمِ غيرِكُم مِن الجِنايةِ عليكُم في نفسٍ أو مالٍ أو عِرْض.

واعلموا أنَّ مِن أعظمِ مُسبِّباتِ القتلِ أو الاقتتالِ هذهِ الأسبابُ السَّبعةِ:

السَّببُ الأوَّل: الدُّخول في الفِتن، لأنَّها تَؤولُ في أحيانٍ كثيرةٍ إلى القتلِ أو الاقتتال، وقد ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ ))، وثبتَ أنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ عندَ نُشُوبِ الفِتنِ بينَ المسلمينَ بكسْرِ السِّلاحِ وتقطيعِه، ولُزومِ البيتِ لِتَضْعُفَ أو تنقطعَ أسبابُ الدُّخولِ فيها، وأكَّدَ بأنْ نكونَ كالخَيِّرِ مِن ابْنَي آدمَ، حيثُ صَبرَ على قتلِ أخيهِ له، ولم يُقاتِلْهُ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: (( اكْسِرُوا قُسِيَّكُمْ، ــ يَعْنِي فِي الْفِتْنَةِ ــ وَاقْطَعُوا الْأَوْتَارَ، وَالْزَمُوا أَجْوَافَ الْبُيُوتِ, وَكُونُوا فِيهَا كَالْخَيِّرِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ ))، وقد قرَأتُم عن فِتنٍ أو مرَّتْ عليكُم فِتَنٌ كثيرةٌ دخلَ فيها مِئاتُ الأُلوفِ، وآلَتْ بِهم إلى حَملِ السلاحِ، ثمَّ إلى القتلِ والاقتتالِ، فأُزْهِقَتْ نفوسُ آلافٍ مِنهم، ومِن غيرِهِم، وأُحْرِقَتْ مُدُنٌ وقُرًى، وشُرِّدَتْ عن أرضِها ملايينٌ بغيرِ ذنْبٍ، ولا حق.

السَّببُ الثاني: الانتماء إلى الأحزابِ والجماعاتِ والتنظيماتِ ــ سواءٌ كانت تسمِيَتُها دِينِيَّةً أو قَومِيَّةً أو لِبرَالِيَّةً أو بَعثِيَّةً أو اشتِراكِيَّةً أو عَلمَانِيَّة أو غيرَ ذلك، وسواءٌ رَفعَتْ شِعارًا دِينيًّا أو اقتِصادِيًّا أوتحَرُّرِيًّا أو غيرَه ــ، لأنَّها تطلُبُ الحُكمَ، وأنْ تكونَ في السُّلطَة، وتُجمِّعُ لِذلكَ الشَّبابَ والشَّاباتِ والنُّخَبَ الأكادِيميَّةِ وأهلَ الشُّهرةِ بشِعاراتٍ برَّاقَةٍ، وأمانِيَّ خدَّاعَةٍ، وأحلامٍ ورْدِيَّةٍ، ظاهِرُها الرَّحمةُ، وباطِنُها الكذِبُ والفِتنُ والمَهالِكُ والشُّرور، ويا للهِ كمْ حصَلَ بسبَبِها مِن الانقلاباتِ والمُظاهراتِ والثوراتِ والمُواجهاتِ المُسلَّحةِ، حتى قتُلَ الملايين، وهُدِّمَت دُوَلٌ وقُسِّمَت إلى دُويلاتٍ صغيرة، وانقلَبَتْ بلادٌ غنِيَّةٌ قويَّةٌ إلى فقيرةٍ ضعيفةٍ عسكرِيًّا، وبلادٌ حولَنا قد قرُبَت مِن الخمسينَ عامًا أو تجاوَزتْ وهيَ لا تزالُ في اقتتالٍ وتقسُّمٍ وزيادةِ فقرٍ وضَعْف.

السَّببُ الثالث: تألِيب الناسِ على حاكِمِهم، بالإنكارِ عليهِ علنًا في غَيبتِهِ باسمِ النَّصيحةِ، أو الحِرصِ على الشَّعبِ، أو غيرِ ذلكَ مِن الشِّعاراتِ، عبرَ الفضائياتِ، والخُطبِ والمُحاضَراتِ، وبرامجِ التواصلِ، ومواقعِ الإنترنت، والصُّحفِ والمجلاتِ، ولا يَزالُ التاريخُ يَحْكِي لَنَا أضرارَ هذهِ الطريقةِ على الدِّينِ والدُّنيا، والعِبادِ والبلادِ، بل وعايَشْنا قبلَ سنواتٍ آثارَ هذهِ الطريقةَ، ولا نَزالُ نُشاهدُ ونَتضرَّرُ بشُرورَها، وكيفَ آلَتْ إلى المظاهرات، فالثوراتِ، ثُمَّ حَملِ السلاحِ والقتال، فقُتِلَ عشَراتُ الآلافِ، وشُرِّدَ الملايين، وأصبَحت الدَّولةُ الواحِدَةُ تحكُمُها ثلاثَ حُكوماتٍ، وانحَطَّ الاقتصادُ إلى أشدِّ درجاتِه، وهذهِ الطريقةُ مع الحاكمِ ممنوعةٌ شرعًا، حمايةً للناسِ وبلادِهم  ودِينِهم وأموالِهم مِن الفتنِ والشُّرورِ، فثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلا يُبْدِهِ عَلانِيَةً، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَخْلُوا بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ ))، وثبتَ أنَّ سعيدَ بنَ جُبيرٍ قالَ لابنِ عباسٍ ــ رضي الله عنه ــ: (( آمُرُ إِمَامِي بِالْمَعْرُوفِ وأنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ وَلَا بُدَّ فَاعِلًا فَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَلَا تَغْتَبْ إِمَامَك )).

السَّببُ الرابع: التَّعَصُّب للقبائلِ والعشائرِ والشُّعوبِ والبُلدانِ والأقاليمِ، بحيثُ يكونُ المُتَعصِّبُ معَهُم ضدَّ مَن خالَفَهُم في شيءِ، أو اعتدَى عليهِم بشيءٍ، أو طعنَ فيهم أو في بعضِهم، دونَ مُراعاةٍ لأحكامِ الشريعةِ عندَ الاختلافِ، وفي الأقوالِ والأفعالِ، ولا لِحاكِمِ البلدِ وقوانينِ الدَّولةِ، ولا للمصَالِحِ بتكثِيرِها، والمفاسِدِ والشُّرورِ بتقليلِها وتخفيفِها، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَبرَّأَ مِن أهلِ هذا الحالِ، فقالَ: (( مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ، وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: (( مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ )).

السَّببُ الخامس: سُرعَة الغضَبِ واشتِدَادهُ عندَ حُصولِ شيءٍ قبيحٍ أو قهْرٍ أو ظُلمٍ أو اعتداءٍ وتعدِّي، بحيثُ يتعجَّلُ ولا يَصبِرُ، ولا يَحلُمُ، ولا يَكظِمُ غيظَه، ولا يُفكِّرُ في العواقِب، ولِقبيحِ أضرارِ ومفاسدِ الغضبِ على أهلِه، صحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا، فَقَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» )).

السَّببُ السادس: قهْر الرَّجالِ أو النساءِ في أموالِهم وأهليهِم وحُقوقِهم، وبالتَّسَلُّطِ عليهِم بغيرِ حق، بحيثُ لا يَتحمَّلونَ، فيَنفَجِرونَ لِضعفِ دِينِهم، أو نقصِ عقولِهم، أو طُغيانِ نُفُوسِهم، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُكثِرُ أنْ يقولَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ غَلَبَةِ الرِّجَالِ ))، أي: مِن قَهْرِهِم.

السَّببُ السابع: حَمْل السِّلاحِ لِغيرِ ضَرورةٍ مُلِحَّة، لأنَّه عندَ نَزْغِ الشيطانِ والغضبِ والقَهرِ قد يَلجأُ إليهِ حامِلُه ويَستعمِلُه، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ )).

اللهمَّ اجعلنا مِن السُّعداءِ الذين جُنِّبوا الفِتن، وأعِذْنا مِن الفتنِ ظهرَ مِنها وما بطَن، إنَّكَ سميعُ الدُّعاء.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الحيِّ القيومِ، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صَلِّ عليه، وعلى آلِه وصحبِه، ومَن اتَّبَعَهُ ووَلَاه.

أمَّا بعدُ، أيُّها الناس:

فقد قالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ في فضلِ استنقاذِ نُفوسِ الناسِ مِن القتلِ: {  وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا }، ويَدخلُ في إحياءِ النفوسِ: مَن ترَكَ قتلَ غيرِه مع دُعاء نفسَهُ له إلى قتلِه، فمنَعَهُ خوفُ اللهُ مِن قتلِ مَن لا يَستحِقُّ القتل، ويدخلُ فيها أيضًا: مَن أنقذّها وأسعَفَها مِن غَرَقٍ أو حَريقٍ أو حادِثٍ أو انتحارٍ أو هَلكَة، ويدخلُ فيها أيضًا: أنْ يُعِينَ على استيفاءِ القَصَاصِ مِن القاتلِ بغيرِ حقٍّ، بإخبارٍ عنه، وتَمكينِ القبضِ عليهِ، وغيرِ ذلك، ويدخلُ فيها أيضًا: أنْ يَعفوَ أولياءُ المقتولِ عن القِاتل، ويدخلُ فيها أيضًا: أنْ يَزْجُرَ ويَنهَى مَن أرادَ أنْ يَقتلَ نفسًا، ويُخوِّفَهُ بالله، وعاقبةِ ذلكَ، وعقوبتِه، ويدخلُ فيها أيضًا: إقامةُ الحُدودِ والتعزيراتِ على مَن يَعتدونَ على النُّفوسِ المُحرَّمةِ بغيرِ حقٍّ، لأنَّ إقامتَها مِن أعظمِ الرَّوادعِ عن ذلك، حيثُ قالَ اللهُ سبحانَه في شأنِ ذلك: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }.

هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يجعلَنا مِن التائِبينَ المُصلِحينَ المَرحُومِين، اللهمَّ ارفعِ الضُّرَّ عن المُتضررينَ مِن المسلمين، اللهمَّ ارفعْ عنَّا وعنهُم القتلَ والاقتتال والفتن، اللهمَّ وفِّق حُكَّامَ المسلمينَ إلى مراضِيك، وأصلح بهم الدِّينَ والدُّنيا، والعِبادَ والبلادَ، اللهمَّ ارحمْ موتانا وموتَى المسلمين، وارزُقْهُم النَّعيمَ في قبورِهم، واختِمْ لَنَا ولهُم برضوانِكَ والجنة، إنَّكَ سميعٌ مُجِيب، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.