إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: << أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه >> ملف: [word] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: << أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه >> ملف: [word] مع نسخة الموقع.

  • 18 مايو 2023
  • 2٬287
  • إدارة الموقع

أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ غافرِ الذَّنبِ، وقابِلِ التّوبِ، شديدِ العِقابِ، ذِي الطَّولِ لا إلهَ إلا هوَ، وإليهِ المَصير، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على عبدِهِ ورسولِهِ محمدٍ الأوَّاهِ المُنِيبِ كثيرِ التوبةِ والاستغفارِ، وعلى آلِهِ وأزواجِهِ وأصحابِهِ ومَن حُمِدَتْ في الإسلامِ سِيرَتُهُ ومسَاعِيه.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإلَى اللهِ ــ جلَّ وعلا ــ نشْكُو قسْوةَ قُلوبِنا، وشديدَ غفلَتِنا، وتقصِيرَنا فيما فُرِضَ علينا، وكثرةَ ذُنوبِنا، وثِقَلَ آثامِنا، وانشغالَنَا بدُنيانا عن دِينِنا وآخِرتِنا، وقد قالَ ربُّنا ــ تبارَكَ وتقدَّسَ ــ مُذكِّرًا لَنَا وَواعِظًا ومُنبِّهًا: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }، وثبتَ: (( أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ ــ رضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ كَانَ إِذَا قَرَأً هَذِهِ الآيَةِ: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ } بَكَى حتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ البُكَاءُ، ويَقُولُ: بَلَى يَا رَبِّ )).

وإنَّ اللهَ الكريمَ ــ عزَّ وجلَّ ــ قد رَحِمَ نُفوسَنَا الضعيفةَ، ورَأفَ بحالِنَا البَئِيسَةَ، فأوجَبَ علينا التوبةَ مِن جميعِ الذُّنوبِ والخطايا مِن شِركياتٍ وبدعٍ، وكبارِ وصِغارِ المعاصِي، وأمرَنا بالتوبةِ إليهِ، وأخبَرَ أنْ فلاحَنا في الدُّنيا والآخِرةِ في توبَتِنا، فقالَ سُبحانَه: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ فيما يَرويهِ عن ربِّهِ ــ تبارَكَ وتعالى ــ أنَّه قالَ: (( يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ))، وقالَ تعالى: { فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ )).

وفتحَ لَنَا اللهُ سُبحانَهُ بابَ التوبَةِ شديدًا، وحرَّضَنا إليها دَومًا، وجعلَهُ مِن الفرائضِ علينا، لِسَعَةِ رحمَتِهِ، وكبيرِ غُفرانِه، وعظيمِ عفوِهِ، فصحَّ أنَّ رسولَهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم إلينا قالَ مُرغِّبًا ومُبشِّرًا: (( إِنَّ اللهَ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))، وقالَ اللهُ ــ تبارَكَ اسْمُهُ ــ مُبشِّرًا: { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }.

بلْ ويَفرحُ اللهُ ــ جلَّ وعزَّ ــ بتَوبَتِنا إليهِ، مع أنَّ نفعَها لَنَا، ونحنُ المُستفِيدونَ مِنها وحْدَنا، وأمَّا هوَ سُبحانَهُ فغَنِيُّ عنَّا، غيرُ مُحتاجٍ إلينا في شيءٍ، ولنْ يَستزيدَ بصالِحِ أعمالِنَا نفعًا، ولنْ يَلحقَهُ بِسَيِّئِها ضَرًا، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ فيما يَرويهِ عن ربِّهِ ــ تبارَكَ وتعالى ــ أنَّه قالَ: (( يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا )).

أيُّها المسلمون:

لِنَتَّقِيَ اللهَ ــ عزَّ وجلَّ ــ ربَّنَا بترْكِ التسويفِ في التوبةِ، والبُعدِ عن الاغتِرارِ بالدُّنيا، والتعلُّقِ بالأمَانِيِّ، وهجْرِ الإصْرارِ على الخطايا، والمُبادرَةِ إلى التوبةِ مِن خطايانا، والإسراعِ إليها شديدًا، قبلَ ساعةِ السِّياقِ، وبُلوغِ الرُّوحِ التراقِي، إذِ الموتُ لا يَخُصُّ صغيرًا ولا كبيرًا، ولا شابًّا ولا كَهْلًا، ولا شيخًا مُسِنًّا، وقبلَ أنْ يُقالَ: أينَ المَفرُّ؟ يومَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أعزِّ الناسِ عليهِ، وأشفَقِهِم بِهِ، وأكرَمِهِم وأرفعِّهِم عندَه، وأجَلِّهِم وأحبِّهِم وأقرَبِهِم إليهِ، { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ }.

فإنَّ في التوبةِ إلى اللهِ مِن الذُّنوب فلاحَنا، حيثُ قالَ اللهُ سُبحانَهُ: { فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ }.

وفي التوبةِ إليهِ سُبحانَهُ مغفرةُ ذُنوبِنا، وتكفيرُ سيِّئاتِنا، ودُخولُنا الجِنَانَ العظيمةَ، والتَّنعُمَّ فيها بما لَذَّ وطابَ وأسعدَ وأفرَح، حيثُ قالَ اللهُ سُبحانَهُ مُبشِّرًا: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى }، وقالَ تعالى مُسْعِدًا: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }، وقالَ ــ عزَّ شأنُهُ ــ مُرغِّبًا: { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ فيما يَرويهِ عن ربِّهِ ــ تبارَكَ وتعالى ــ أنَّه قالَ: (( إِذَا أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، قَالَ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، قَالَ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ )).

وفي التوبةِ إليهِ سُبحانَهُ محبَّةُ اللهِ خالِقِنا لَنَا، حيثُ قالَ اللهُ سُبحانَهُ مُحرِّضًا: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ }.

وفي التوبةِ إليهِ سُبحانَهُ تبدِيلُ سيِّئاتِنا إلى حسناتٍ، حيثُ قالَ اللهُ سُبحانَهُ مُكْرِمًا: { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }.

وفي التوبةِ إليهِ سُبحانَهُ زيادَةُ الرِّزق، والقوَّةُ في الأرض، حيثُ قالَ اللهُ سُبحانَهُ: { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ }.

وفي التوبةِ إليهِ سُبحانَهُ تنظيفُ القلوبِ وتطهيرُها وصَقْلُها مِن سوادِ وظُلمةِ المعاصي، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ )).

وفي التوبةِ إليهِ سُبحانَهُ حصولُ المُتابعةِ والاقتداءِ والاهتداءِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، حيثُ صحَّ عن ابنِ عمرَ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قالَ: (( إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» )).

أيُّها المسلمون:

أكثِروا الاستغفارَ مِن الذُّنوبِ والآثامِ جميعِها، كبيرِها وصغِيرِها، ظاهِرِها وباطِنِها، المُعْلَنِ مِنها وما كانَ عن الناسِ مَخْفِيًّا، إذِ الاستغفارُ بابُ خيرٍ عظيمٍ لكُم عندَ ربِّكُم، وعملٌ جليلٌ تلقونَ بركَتَهُ في دُنياكُم وأُخْرَاكُم، وحسَنَةٌ كبيرةٌ تجدونَها في صَحيفةِ أعمالِكُم، وطريقُ مغفرةٍ وتكفيرِ سيِّئاتٍ لكُم، حيثُ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ مُحرِّضًا لكُم و مُبشِّرًا: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ ))، وثبتَ عن ابنِ عباسٍ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّه قالَ: (( لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ ))، ومعنَى ذلكَ: “أنَّ الاستغفارَ ينفعُ كثيرًا فيَحْمِي ويَقِي المُستغفِرَ شرَّ الكبائر، فكيفَ بالصَّغائر”، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في تبيينِ عاقبةِ الاستغفارِ مِن الذُّنوبِ على صَحيفةِ أعمالِ العبدِ: (( طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا ))، وفي حديثٍ حسَّنَهُ الإمامُ الألبانيُّ ــ رحمهُ اللهُ ــ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ: بِعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ مَا دَامَتِ الْأَرْوَاحُ فِيهِمْ، فَقَالَ لَهُ اللهُ: «فَبِعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ))، وقالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ داعِيًا عبادَهُ ومُبشِّرًا لَهُم: { أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، وقالَ سبحانَهُ مُطمئِنًا أهلَ الإيمانِ بِهِ: { وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }.

فاللهمَّ: اغفِرْ لَنَا، وتُبْ علينا، إنَّكَّ أنتَ التوابُ الرَّحيم، ونَستغفِرُكَ فاغفِرْ لَنَا إنَّكَ كُنتَ غفَّارًا.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الرَّحيمِ بعبادِه، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ التوابُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ كثيرُ المَتابِ، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ عليهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ المُستغفِرِينَ ربَّهُم بالليلِ والنَّهار .

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ التوبةَ النَّصوحَ الصادقةَ معَ عقْدِ القلبِ عليها، ونُطقِ اللسانِ بها، تكونَ، وتكبُرُ، وتعظُمُ، وتنبُلُ:

بالإقلاعِ عن خطيئةِ الشِّركِ والبدعةِ والمعصيةِ، والبُعدِ عن أسبابِها المُوصِلَةِ إليها مِن أماكِن، وأصحابٍ، ودُعاةٍ، ودعواتٍ، وأحزابٍ وانتماءاتٍ، وطُرقٍ صوفيَّةٍ، وفضائياتٍ، ومواقعِ انترنت، وبرامجِ تواصلٍ، واحتفالاتٍ ومحافِل، وسِينَماتٍ، ومسارِح، ومراقص، وموالد، ومآتم، وغيرِها، وبالنَّدمِ والحُزْنِ والتأسُّفِ على ما حصلَ مِن سيئةِ شِركٍ، أو بدعةٍ، أو معصية، وبالعزْمِ الجازمِ على عدمِ العودةِ إلى ذَنْبِ الشِّركِ، أو البدعةِ، أو المعصية، وبالتَّحلُّل وطلبِ المُسامحةِ مِن المخلوقِ، ورَدِّ مظلَمَتِهِ وما لَهُ مِن حقِّ إنْ كانَ الأمرُ يتعلَّقُ بإنسان، وبإتْبَاعِ السَّيئاتِ بالحسناتِ، لِتَمْحُوَ الحسَنةُ الخطيئةَ، ويظهرَ صدْقَ التوبةِ، ويبانَ النَّدمُ والتأسُّف.

هذا، وقد صحِّ عن ابنِ مسعودٍ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّه قالَ: (( إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ ))، وقالَ اللهُ سُبحانَهُ: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( يَا مُعَاذُ: أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ))، وقالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ عن أهلِ خشيَتِهِ: {  وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ }،

اللهمَّ: أعِنَّا وَلَا تُعِنْ علينا، وانصُرْنا ولا تَنْصُرْ علينا، وامْكُرْ لَنَا وَلَا تَمْكُرْ علينا، واهْدِنَا ويَسِّرْ الهُدَى لَنَا، وَانْصُرْنا عَلَى مَنْ بَغَى علينا، اللهمَّ: اجعلْنا لكَ شاكِرين، لكَ ذاكِرين، لكَ راهِبين، لكَ مِطْوَاعِين، وإليكَ مُخْبِتِينَ مُنِيبِينَ أوَّاهِين، اللهمَّ: تَقبَّلْ توبَتَنا، واغْسِلْ حَوْبَتنَا، وأجِبْ دَعْوَتَنا، وثَبِّتْ حُجَّتَنا، واهْدِ قَلوبَنا، وسَدِّدْ ألسِنَتَنا، واسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلوبِنَا، إنَّكَ سميعُ الدُّعاء، وواسعُ الفضلِ والعطاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.