إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > القرآن و التفسير > خطبة مكتوبة بعنوان: « قصة نبي الله أيوب ــ عليه السلام ــ وما فيها من العظات والعبر » ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « قصة نبي الله أيوب ــ عليه السلام ــ وما فيها من العظات والعبر » ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 14 ديسمبر 2023
  • 4٬305
  • إدارة الموقع

قِصَّة نَبيِّ الله أيوب ــ عليه السلام ــ وما فيها مِن العِظات والعِبَر

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الفعَّالِ لِمَا يُريد، الذي خلَقَ فقدَّرَ، ودبَّرَ فيسَّرَ، فكُلُّ عبدٍ إلى ما قَدَّرَهُ عليهِ وقضَاهُ صائرٌ، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ كاشِفُ الشِّدَّات، وفارِجُ الكُربَات، ودافِعُ البليَّات، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، بيَّنَ وجوبَ الصَّبرِ على البَلاء، وأنبأَ عن كِبَرِ أجورِ احتسابِ المُصِيبَات، فاللهمَّ صَلِّ عليه، وعلى آلِه وأصحابِه، وسَلِّمْ تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فقد صحَّ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللَّهِ كَانَ فِي بَلَائِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، إِلَّا رَجُلَانِ مِنْ إِخْوَانِهِ، كَانَا مِنْ أَخَصَّ إِخْوَانِهِ، كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ إِلَيْهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَتَعْلَمُ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ، فَقَالَ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشِفُ عَنْهُ، فَلَمَّا رَاحًا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أَيُّوبُ ــ عليهِ السلامُ ــ: «لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرِّجْلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يُذْكَرَ اللَّهُ إِلَّا فِي حَقٍّ»، قَالَ: وَكَانَ ــ أي: أيوبُ ــ عليه السلام ــ يَخْرُجُ إِلَى حَاجَتِهِ، فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا، وَأُوحِيَ إِلَى أَيُّوبَ فِي مَكَانِهِ أَنِ: { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } فَاسْتَبْطَأَتْهُ فَلَقِيَتْهُ يَنْتَظِرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى؟ وَوَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا، قَالَ: «فَإِنِّي أَنَا هُوَ» )).

أيُّها المسلمون:

قالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ ــ رحمهُ اللهُ ــ: «قالَ علماءُ التفسيرِ والتاريخِ وغيرِهم: كان أيوبُ ــ عليهِ السلامُ ــ رجلَا كثيرَ المالِ مِن سائرِ صُنوفِهِ وأنواعِه، مِن الأنعامِ والعَبيدِ والمَواشيِ والأراضِيِ المُتَّسِعَةِ، وكانَ له أولادٌ وأهلونَ كُثُرٌ، فَسُلِبَ مِنهُ ذلكَ جميعُهُ، وابتُلِيَ في جسدِهِ بأنواعٍ مِن البَلاءِ ولم يَبقَ مِنهُ عُضوٌ سليمٌ سِوى قلبِهِ ولِسانِه يَذكرُ اللهَ بِهما، وهوَ في ذلكَ كُلِّهِ صابرٌ مُحتسِبٌ ذَاكرٌ للهِ في ليلِهِ ونهارِهِ، وطالَ مرضُهُ حتى عافَهُ الجليسُ، وأَوْحَشَ مِنهُ الأنيسُ، وانقطعَ عنهُ الناسُ، ولم يَبقَ أحدٌ يَحنُو عليهِ سِوى زوجتِهِ، كانت تَرعَى له حقَّهُ، وتَعرِفُ قديمَ إحسانِهِ إليها، وشفقتِهِ عليها، فكانت تتردَّدُ إليه فتُصلِحُ مِن شأنِهِ، وتُعينُهُ على قضاءِ حاجتِهِ، وتقومُ بمصلحتِهِ، وضَعُفَ حالُها، وقلَّ مالُها، حتى كانت تَخدِمُ الناسَ بالأجِرِ لِتُطعِمَهُ وتقومَ بأودِهِ، وهىَ صابرةُ معهُ على ما حَلَّ بِهما مِن فِراقِ المالِ والولد، وما يَختصُّ بها مِن المُصيبةِ بالزوج، وضِيقِ ذاتِ اليدِ، وخِدمَةِ الناس، بعدَ السعادةِ والنِّعمَةِ والخِدمَةِ والحُرمَة، فإنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، وقد ثبتَ في الصَّحيحِ أنَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ ))، وقالَ صلى الله عليه وسلم: (( يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ ))، ولم يَزِدْ هذا كُلُّهُ أيوبَ إلا صَبِرًا واحتِسابًا وحمْدًا وشُكرًا، حتى إنَّ المَثلَ ليُضرَبُ بصبْرِهِ ــ عليهِ السلامُ ــ، ويُضرَبُ المَثلُ أيضًا بما حصلَ لهُ مِن أنواعِ البلايا».

وبعدَ هذهِ البَلاءِ الشديدِ الذي نَزَلَ بِنَبِيِّ اللهِ أيوبَ ــ عليهِ السلامُ ــ، والكَرْبِ العظيمِ، والمُدَّةِ الطويلةِ فيه حتى بلغَت ثمانِ عشرةَ سِنة، وهَجْرِ الناسِ لهُ حتى القريبَ مِنهم، نادَى ودعَا ربَّهُ وحدَهُ ــ جلَّ وعلا ــ بكَشْفِ ضُرِّهِ، وإزالَةِ مُصَابِهِ، ورفعِ بلائِهِ، { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ }.

حيثُ قالَ اللهُ ــ تبارَكَ وتقدَّس ــ في سورةِ “الأنبياءِ”، عن ندائِه ودُعائِه لِربِّه وحدَهُ بكشفِ ضُرِّهِ: { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }، وانظُروا ــ سدَّدكمُ اللهُ ــ كيفَ توجَّهَ أيوبُ ــ عليهِ السلامُ ــ إلى ربِّهِ وحدَهُ، ولم يُنادِ ويَدعو جبريلَ أو آدمَ أو إبراهيمَ ــ عليهمُ السلامُ ــ، ولا غيرَهُم، لأنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ، والعبادةُ حقٌّ خالِصٌ للهِ وحدَه، ومَن صرَفها لِغيرِهِ فقد كفرَ وأشركَ بنصِّ القرآنِ والسُّنةِ النَّبويةِ واتفاقِ العلماء، بل حتى كُفارَ الجاهليةِ كانوا يُفرِدُونَ اللهَ وحدَهُ بعبادةِ الدعاءِ في الشَّدائِد، فإذا زالَت عنهمُ رجَعوا يَدعونَ غيرَ اللهَ معَ اللهِ، كما قالَ اللهُ سبحانهُ عنهم: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ }، وأمَّا أهلُ الشِّركِ مِن الشِّيعةِ الرَّفضَةِ وغُلاةِ الصوفيةِ، ففِي وقتِ الشَّدائِدِ والشِّدَّةِ يدعونَ المخلوقينَ أكثَر، قائلينَ: «فرِّجْ عنَّا يا رسولَ الله»«أغِثنا يا جَيلَانِي»« أزِّلْ كرْبَنَا يا حُسين» «مَدَد يا بدَوِي» «اكشِفْ ما بِنَا عيدَروس» «الفرَجَ يا بنتَ رسولِ الله»، وصدَق اللهُ القائلُ مُسَفِّهًا عقولَ هؤلاءِ: { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ }، وقالَ ــ عزَّ وجلَّ ــ حاكمًا بشركِ وكُفر مَن يَدعو معَ اللهِ غيرَهُ: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }.

فماذا كانتْ عاقبةُ دعاءِ أيوبَ ــ عليهُ السلامُ ــ لربِّهِ وحدَهُ، قالَ اللهُ سبحانهُ عنها: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ }.

وقال الحافظ ابنُ كثيرٍ ــ رحمه اللهُ ــ: «وقولُه: { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } أي: رَفَعْنا عنهُ شِدَّتَهُ، وكشفْنا ما بِه مِن ضُرٍّ، رحمةً مِنَّا بِه، ورأفةً وإحسانًا، { وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ }، أي: تذكرةً لِمَن ابتُلِيَ في جسدِهِ أو مالِهِ أو ولدِهِ، فلَهُ أسوةٌ بنَبِيِ اللهِ أيوب ــ عليهِ السلامُ ــ حيثُ ابتلاهُ اللهُ بما هوَ أعظمُ مِن ذلكَ فصبرَ واحتسَبَ حتى فرَّجَ اللهُ عنهُ، وجعلْناهُ في ذلكَ قُدوةً، لئَلَّا يَظنَّ أهلُ البلاءِ أنَّما فعلْنا بِهِم ذلكَ لِهوانِهم علينا، ولِيَتأسَّوا بِه في الصَّبرِ على مَقدُوراتِ اللهِ، وابتلائِهِ لِعبادِهِ بما يشاء، وله الحِكمَةُ البالغةُ في ذلك».

ألَا فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، ولا تدْعوا إلَّا إيَّاهُ، واصِبِروا وصَابِروا، وقد قالَ سبحانهُ آمِرًا ومُبشِّرًا: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الرحيمِ دومًا وأبدًا، وصلَّى اللهُ على النبيِّ محمدٍ وآلِه وسلَّمَ تسليمًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها الناس:

فقد قال اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ في شأنِ نبيِّهِ أيوب ــ عليهِ السلامُ ــ في سورةِ “ص”: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }.

وقال الحافظُ ابنُ كثيرٍ ــ رحمه الله ــ: «فلمَّا طالَ المَطالُ، واشتدَّ الحالُ، وانتَهى القدَرُ المَقدورُ، وتمَّ الأجلُ المُقدَّرُ، تَضرَّعَ ــ عليهِ السلامُ ــ إلى ربِّ العالمينَ، وإلِه المُرسلِينَ، فقالَ: { أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } قيلَ: بنُصْبٍ في بدَنِي وعذابٍ في مالِي وولدِي، فعندَ ذلكَ استجابَ لهُ أرحمُ الراحمينَ، وأمرَهُ أنْ يقومَ مِن مَقامِهِ وأنْ يَركُضَ الأرضَ برِجلِهِ، ففَعلَ، فأنبَعَ اللهُ عينًا، وأمرَهُ أنْ يَغتسلَ مِنها، فأذهَبَ جميعَ ما كانَ في بدَنِهِ مِن الأذَى، وأمرَهُ أنْ يَشرَبَ مِنها فأذهبَت ما كانَ في باطنِهِ مِن السُّوءِ، وتكامَلَت العافيةُ ظاهرًا وباطنًا، ولهذا قال تعالى: { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ }، وأبدلَهُ اللهُ بعدَ ذلكَ كلِّهِ صِحَّةً ظاهرةَ وباطِنةَ، وجَمَالًا تامًّا، ومالًا كثيرًا، حتى صُبَّ له مِن المالِ صبًّا، مطرًا عظيمًا، جرَادًا مِن ذهبْ، وأخلَفَ اللهُ لهُ أهلَهُ، كما قال تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ }، فقيلَ: أحياهُمُ اللهُ بأعيانِهم، وقيلَ: آجَرَهُ فيمَن سَلَفَ، وعوضَّهُ عنهُم في الدُّنيا بدلَهُم، وجمعَ له شملَهُ بُكُلِّهِم في الدِّارِ الآخِرة.

وقولِه: { رَحْمَةً مِنَّا } أي: بِهِ ــ عليهِ السلامُ ــ على صَبْرِهِ وثباتِهِ وإنابَتِهِ وتواضُعِهِ واستكانَتِهِ { وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } أي: لِذَوي العقولِ، لِيَعلَموا أنَّ عاقبةَ الصَّبرِ الفرَجُ والمَخرَجُ والرَّاحَة.

وقولِه: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } وذلكَ أنَ أيوبَ ــ عليهِ السلامُ ــ كانَ قد غضِبَ على زوجتِهِ، ووجدَ عليها في أمرٍ فعلَتْهُ، قيلَ: إنَّها باعَتْ ضفيرَتَها بخُبزٍ فأطعَمتْهُ إيَّاهُ، فلامَها على ذلكَ، وحَلَفَ إنْ شفاهُ اللهُ ليَضرِبَنَّها مئةَ جلدَة، وقيلَ: لِغيرِ ذلكَ مِن الأسبابِ، فلمَّا شفاهُ اللهُ وعافاهُ ما كانِ جزاؤُها مع هذهِ الخِدمةِ التامَةِ، والرَّحمةِ والشفقةِ والإحسانِ أنُ تُقابَلَ بالضَّربِ، فأفتاهُ اللهُ أنْ يأخذَ ضِغثًا ــ وهوَ: الشِّمراخُ ــ فيه مئةُ قَضِيبٍ، فيَضرِبُها بِه ضربةً واحدةً، وقد برَّتْ يَمِينُهُ، وخرجَ مِن حِنْثِهِ، ووفَّى بنَذْرِهِ، وهذا مِن الفرَجِ والمَخرجِ لِمَن اتقَى اللهَ، وأنابَ إليه، ولِهذا قالَ تعالى: { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } فأثنَى اللهُ تعالى عليهِ ومدَحَهُ بأنهُ { نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي: رجَّاعٌ مُنِيبٌ، ولِهذا قالَ تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }».انتهى كلامُه.

وأمَّا مِن جهةِ المالِ، فقد صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ أيوبَ ــ عليهِ السلامُ ــ: (( كَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ، أَنْدَرٌ لِلْقَمْحَ، وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الْأُخْرَى عَلَى أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى، قَالَ بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لاَ غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ))، ومعنى: (( رِجْلُ جَرَادٍ )) أي: قطعةٌ عظيمةٌ مِن الجَراد.

هذا وأسألُ الله: أنْ يجعلَ القرآنَ ربيعَ قلوبِنا، ونورَ أبصارِنا، وجِلاءَ أحزانِنا، وذهابَ هُمومِنا، وأنْ يجعلَنا ممَّن يتلونَهُ حقَّ تلاوتِهِ، ويحفظونَهُ أحسنَ حفظٍ، وأنْ يرزقَنا بِه السعادةَ والفلاحَ والرِّفعةَ في الدُّنيا والآخِرةِ، وأنْ يجعلَنا بِهِ مؤمنينَ، ولأخبارِه مُصدِّقينَ، وبأحكامِهِ عاملينَ، مُتَّفقينَ فيهِ غيرَ مُختلِفينَ، مُؤتلِفينَ غيرَ مُتعادِينَ، اللهمَّ ارفع لنَا بِه الدرجات، وكفِّر عنَّا بِه السَّيئات، وباعِد بينَنا وبينَ هَجرِهِ، إنَّكَ سميعٌ مُجيبٌ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.