إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: « العفة والعفاف والعفيفون والمتعففون » ملف [ word – pdf] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « العفة والعفاف والعفيفون والمتعففون » ملف [ word – pdf] مع نسخة الموقع.

  • 18 يناير 2024
  • 1٬984
  • إدارة الموقع

العِفَّة والعفاف والعفيفون والمُتعفِّفون

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي جمَّلَ مَن شاءَ مِن عبادِهِ بطَيِّبِ الخِصالِ، وكريمِ الفِعالِ، وسديدِ الأقوالِ، وتحسينِ الباطنِ للظاهرِ والمَظهرِ في كُلِّ حالٍ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ ذُو الإكرامِ والجَلالِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المُتخلِّقُ بأحكامِ وآدابِ القرآنِ في جميع الأماكنِ والأحوالِ، اللهُمَّ فصَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليهِ وعلى آلِ بيتِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ ما تعاقبتِ الأيَّامُ والليَال.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمونَ:

فإنَّ الأرضَ لا تَخلُو عن الفسادِ والمُفسدِينَ مِن الذُّكورِ والإناثِ، وهُم يَسعونَ قصْدًا أو جهلًا في نَقلِ الفسادِ لِغيرهِم، وغيرِ بُلدانِهِم، لاسِيَّما للمسلمينَ وبلادِهِم، وصغارِهِم وشبابِهِم وكبارِهِم، وذُكورِهِم وإناثِهِم، وقد قالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ مُرهِّبًا لَنَا مِن المُفسدِينَ: { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا }، وقالَ ــ جلَّ وعلا ــ مُرهِّبًا مِن اتِّباعِهِم: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا أي: شرًّا وخُسرانًا وهلاكًا وعذابًا.

واللهُ ــ تبارَكَ وتقدَّسِ ــ قد أوجَدَ غَرِيزَةً جِنسيةً طبيعيةً في نفوسِ البَشَرِ ذُكورًا وإناثًا، بِها يَسعَدونَ، ويأنسونَ، ويَسكنونَ إلى بعضٍ، ويتكاثرونَ.

ولم يَهدِمْهَا بالرَّهابنيَّةِ التي ابتدَعَها النَّصارى، وألزَمُوا بِها أنفُسَهُم، مِن ترْكِ الزَّواجِ، وجعلُوها قُربَةً إلى اللهِ، وأحَبَّ إليهِ، ولا ترَكَهَا لِطُغيانِ الإباحِيَّةِ، وشهواتِ وإفسادِ المَاسونيينَ والشَّاذِّينَ واللادِينيينَ والفاجِرينَ والمَاجِنين.

بل ضبطَها سُبحانَهُ بالزَّواجِ الشَّرعِيِّ بينَ الذَّكرِ والأُنثَى.

وبتحريمِ الزِّنا، وعملِ قومِ لُوطِ، والسِّحاقِ، وإتيانِ الزَّوجاتِ في الأدبارِ.

وبالنَّهيِّ عن كشفِ العوراتِ، والاختلاطِ، والسَّفِر مِن غيرِ محرَمٍ، والخَلوَةِ بالنِّساءِ الأجنبيات، والتَّبرُّجِ والسُّفور، وإظهارِ المفاتِن، والكلامِ الليِّنِ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ الأجانبِ عن بعضٍ، وتجَمُّلِ وتطيُّبِ المرأةِ بينَ الأجانبِ مِن الرِّجال، ومشاهدةِ الصُّورِ والأفلامِ والمقاطعِ المُحرَّمة.

وبالأمرِ بالحِجابِ، واللباسِ السَّاترِ الواسعِ، وغضِ البصَرِ، وسؤالِ الأجنبياتِ مِن وراءِ حِجاب.

وكلُّ ذلكَ: رحمةً بجميعِ الناسِ، وحفظًا للبيوتِ والأُسَرِ والمُجتمعاتِ مِن الهدْمِ والفسادِ والتَّفكُّكِ والخِياناتِ والجرائمِ، وحتى لا يُظلمَ الصِّغارُ بعدمِ وجودِ آباءٍ لهُم وأُمَّهاتٍ، فيَعيشونَ بِلا عاطفةِ والِدَينِ، وبِلا رِعايةٍ وتربيةٍ صالحةٍ، ولا نفقةِ كافيةٍ، وبنفوسٍ مكسورةٍ كئيبَةٍ مُهانَةٍ غاضِبَةً.

وقد قالَ اللهُ ــ تبارَكَ وتقدَّسَ ــ مُتفضِّلًا ومُذكِّرًا: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }.

وقالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ آمِرًا مَن لم يَستطيعْ مِن عبادِهِ إعفافَ نفسِهِ بالتَّزَوُّجِ: { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ }.

وهذا حُكم العاجزِ عن الزَّواجِ والتبكيرِ بِهِ، أنْ يَستعفِفَ بالكفِّ عن المُحرَّماتِ،

وذلكَ: بفعلِ الأسبابِ التي تكفُّهُ وتُبعِدُهُ عن التفكيرِ فيها، وعن إتيانِها، كالإكثارِ مِن صيامِ التطوع، والاستغفارِ والذِّكرِ، والدُّعاء بالسلامةِ مِنها، والبُعدِ عن أماكنِ ومسارحِ الاختلاطِ بالنساءِ المُتبرِّجاتِ السَّافراتِ، وترْكِ مُشاهدةِ الصُّور ِوالمقاطعِ المُحرَّمةِ، وعدمِ الاشتراكِ في قنواتِ الفسادِ والإفساد، والنَّومِ على طهارةٍ وذِكرٍ للهِ بأذكارِ النَّومِ، والمُحافظةِ على أذكارِ الصَّباحِ والمساءِ، والاستعانةِ بالصَّبرِ والصلاةِ وما عِندَ اللهِ مِن الأجرِ الكبيرِ، والنَّعيمِ العظيمِ على ذلكَ، والمُجاهدةِ الشديدةِ للنفسِ حتى لا تضعُفَ، أو يَغلِبُها الشيطانُ وأهلُ الإفساد.

وقد قالَ الله سُبحانَهُ آمِرًا: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ }، وقال تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ }.

وقالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ مُبشِّرًا مَن فعلَ ذلك: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالً: (( الْمُجَاهِدُ: مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي اللَّهِ ))، وصحَّ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( المُهَاجِرُ: مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ )).

وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ))، أي: قاطِعُ للشهوةِ، وقالَ اللهُ سُبحانَهُ آمِرًا الرِّجالَ والنِّساءَ: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ }.

ألَا فاتَّقوا اللهَ  ــ عبادَ اللهِ ــ بالسَّعيِّ كثيرًا وباستمرار في أنْ تكونوا مِمَّن قالَ اللهُ سبحانَهُ فيهِم وعنهُم: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى }.

وقالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ مُرغِّبًا ومُرهِّبًا: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ }، أي: كلُّ خَبيثٍ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ والكلماتِ والأفعالِ مُناسِبٌ للخَبيثِ، ومُوافِقٌ لَهُ، ومُقترِنٌ بِهِ، ومُشاكِلٌ لَهُ، وكلُّ طيِّبٍ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ والكلماتِ والأفعالِ مُناسِبٌ للطيِّبِ، ومُوافِقٌ لَهُ، ومُقترِنٌ بِهِ، ومُشاكِلٌ لَهُ، قالَهُ العلامةُ السعديُّ ــ رحمهُ اللهُ ــ.

فكونوا ــ يا عِبادَ اللهِ ــ مِن المٌتقينَ الطيِّبينَ تَطِيبُوا في الدُّنيا والآخِرةِ، وتُرحمونَ وتُفلِحون، فإنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ المُفلِحون.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الخَلَّاقِ العليمِ، والصلاةُ والسَّلامُ على النبيِّ محمدٍ الصَّادقِ الأمينِ، وعلى جميعِ النَّبيينَ، وأتباعِهِم مِن المؤمنينَ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمونَ:

فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ )).

وقولُهُ صلى الله عليه وسلم عن هذا الرَّجلِ الذي هوَ مِن أهلِ الجنَّةِ: (( وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ )) معناهُ: أنَّهُ عَفيفٌ عمَّا لا يَحِلُ لَهُ، ومُتعَفِّفٌ عن سؤالِ الناسِ، فهُوَ فقيرٌ وذُو عيالٍ، ولِكِنَّهُ معَ فقرِهِ عَفيفٌ لا يَكتسِبُ لأجلِ فقرِهِ وحاجةِ أولادِهِ الشديدةِ مِن المالِ الحرامَ، ولا يُنفِقُ مِنهُ على نفسِهِ ولا عليهِم، ولا يَسأَلُ الناسَ شيئًا، يَحسَبُهُ الجاهلُ غنيًّا مِن تعفُّفِهِ عمَّا في أيدِيِ الناسِ، وتَجِدُهُ صابرًا على الفقرِ، مُحتسِبًا أجْرَ صبرِهِ عليهِ عندَ اللهِ، ويُنفِقِ على نفسِهِ وعِيالِهِ مِن كسْبِهِ وعملِهِ، حتى ولو كانَ ما يَجنِيهِ مِنهُ قليلًا، وكانَتْ مِهنتَهُ وضِيعَةً عندَ الناسِ ما دامتْ عندَ اللهِ مُباحَة.

وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُبشِّرًا أهلَ الاستعفافِ: (( وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ )).

وثبتَ في فضلِ العفافِ في الطُّعْمَةِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ــ رضيَ اللهُ عنهُما ــ أنَّه قالَ: ((أَرْبَعُ خِلَالٍ إِذَا أُعْطِيتَهُنَّ لَمْ يَضُرَّكَ مَا عُزِلَ عَنْكَ مِنَ الدُّنْيَا: حُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعَفَافُ طُعْمَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحِفْظُ أَمَانَةٍ )).

وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ آمِرًا: (( مَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ ))، أي: مَن كانَ لَهُ حقُّ عندَ أحدٍ مِن مالٍ أو غيرِهِ فلْيَطلُبْهُ ويأخُذْهُ في عفافٍ، يعني: بطريقة ليسَ فيها ما لا يَحلُ مِن قولٍ أو فِعلٍ، سواءٌ أخذَهُ كاملًا أو دُونَ أنْ يَكتمِل.

{ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ }.

اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى، اللهمَّ: إنَّا نعوذُ بِكَ مِن الكفرِ والفقرِ وعذابِ القبر، اللهمَّ: إنَّا نعوذُ بِكَ مِن قلبٍ لا يَخشَع، ونفسٍ لا تشبَع، وعينٍ لا تدمَع، ودعوةٍ لا يُستجابُ لَها، ربَّنا هبْ لَنا مِن أزواجِنا وذُرِّياتِنا قُرَةَ أعيُن، واجعلْنا للمُتقينَ إمامًا، ربَّنا: لا تُزِغْ قلوبَنا بعدَ إذ هديتَنا وهَبْ لِنا مِن لدُنكَ رحمةً، إنَّكَ أنتَ الوهاب، ربَّنا: اصرِفْ عنَّا عذابَ جهنَّمَ إنَّ عذابَها كانَ غرامًا، اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ عِيشةً هنيَّة، ومِيتتةً سوِّية، ومرَدًّا غيرَ مُخْزٍ، اللهمَّ: ارفعِ الضُّرَ عن المُتضرِّرينَ مِن المسلمينَ في كلِ مكان، وارحمْ موتانا وموتَى المسلمين، وأصلِحِ جميعَ الولاةَ ونُوَّابَهُم وسدِّدهُم إلى مراضيكَ، إنَّك سميعٌ مُجِيبٌ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.