إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > مقال فقهي بعنوان: “تبصير المُتَعَبِّد بكلام الأئمة حول نقض الوتر لِمَن سَبَق له الوتر وحده أو مع إمام تراويح وأحبَّ أنْ يَتطوع بالصلاة آخِر الليل

مقال فقهي بعنوان: “تبصير المُتَعَبِّد بكلام الأئمة حول نقض الوتر لِمَن سَبَق له الوتر وحده أو مع إمام تراويح وأحبَّ أنْ يَتطوع بالصلاة آخِر الليل

  • 29 يونيو 2015
  • 6٬826
  • إدارة الموقع

تبصير المُتَعَبِّد بكلام الأئمة حول نقض الوتر لِمَن سَبَق له الوتر وحده أو مع إمام تراويح وأحبَّ أنْ يَتطوع بالصلاة آخِر الليل

 

 الحمد لله العزيز الحميد، والصلاة والسلام على نبيِّه محمد إمام كل زاهد وعابد وساجد، وعلى آله وأصحابه الأئمة الأماجد، وعلى أتباعه المُستمسكين بهديه في كل زمان وبلاد.

وبعد، أيُّها الفضلاء:

فهذا جزء فقهي قليل الورقات، نفيس المعلومات، عن:

“حكم نقض الوتر لِمَن سَبق له الوتر”.

عسى الله أنْ ينفع بِه الكاتب والقارئ والناشر، إنَّه جواد كريم.

وسوف يكون الكلام عن هذا الحكم في وقفات أربع، ليحصل الإلمام بِه، ويتأكد استيعابه، ويَقوى ضبطه، ويَرسخ فهمه.

فأقول مستعينا بالله – جلَّ وعلا – مالك المُلك:

الوقفة الأولى / عن المراد بنقض الوتر.

المراد بنقض الوتر:

شفعه بركعة تُلْغِيِهِ لِيُتَنَفَّلَ بعدَها ثم يُوتَر.

قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمهما الله ــ في “مسائله عن أبيه” ( 325):

قلت لأبي: وكيف يَنقض الوتر؟.

قال: إذا أوتَر الرَّجل يقوم فيصلي ركعة أُخْرى حتى يَشفع إليها فيكون نَقَض الوتر.

ويكون أيضًا:

أنْ يُوتر ثم ينام فإذا استيقظ صلَّى ركعة يَشفع بها إلى وِتْرَه فيكون هذا نَقْض الوتر.اهـ

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (3/ 598):

ومعناه:

إذا قام للتهجد يُصلِّي ركعة تَشفع الوتر الأوَّل، ثم يُصلِّي مَثنى مثنى، ثم يُوتِر في آخِر التهجد.اهـ

وقال الفقيه ابن رشد القرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة” (1/ 291):

ومِنهم مَن يقول:

إذا أوتَر أوَّل الليل بعد أنْ صلَّى نافلة ثم أراد أنْ يُصلِّي آخِر الليل يَشفع وِتْرَه بركعة، ثم يُصلِّي ما شاء، ويُوتر مرَّة أُخْرى.

وهذا القول مشهور في السَّلف، ويُسمُّونه مسألة:

”نقض الوتر“.اهـ

الوقفة الثانية / عن الأصناف التي تحتاج إلى معرفة حكم نقض الوتر.

يَحتاج إلى معرفة حكم نقض الوتر، وما ورَد حوله مِن أحاديث وآثار، وما للعلماء فيه مِن كلام، صنفان جليلان طيِّبان مِن الناس:

الصنف الأوَّل: المُتَعَبِّدُون الصُّلَحاء.

وسَبب ذلك أنَّه قد يقع مِنهم الوتر في أوَّل الليل قُبَيل النوم ثم الاستيقاظ في منتصفه أو آخِره والرَّغبة في مزيدٍ مِن التهجد والقيام.

ويَكثُر هذا في شهر رمضان، حيث يُصلُّون مع الإمام التراويح، ويُوترون معه، فيُحِبُّون في آخِر الليل أنْ يقوموا لله بما تيسَّر مِن ركعات.

الصنف الثاني: طُلَّاب العلم والفقه في الدين.

وذلك لِيَتقرَّر هذا الحكم في نفوسهم على بصيرة، ويحصل لهم فيه قوة ورسوخ، وإذا بيَّنوه في أثناء تدريسهم أو إفتائهم كان بيانهم عن طمأنينة وثبات.

الوقفة الثالثة / عن كلام أهل العلم والفقه حول نقض الوتر لِمَن سَبق أنْ أوْتَر.

اختلف أهل العلم والفقه ــ رحمهم الله ــ في حكم نقض المُتعبِّد وِتْرَهُ إذا رَغِب في مَزيدٍ مِن الصلاة في ما بقي مِن الليل، على ثلاثة أقوال:

القول الأوَّل: أنَّه لا ينقض وِتْرَه، ويُصلِّي بعده ما شاء مِن ركعات، ركعتين ركعتين، مِن غير وِتْر.

وإلى هذا القول ذهب جماهير أهل العلم.

وقد نَسبه إليهم:

ابن العربي المالكي في “عارضة الأحوذي” (2/ 255)، والقاضي عياض المالكي في “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (3/ 91)، وابن رُشد المالكي في “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” (1/ 475-476)، وابن جُزَي المالكي في “القوانين الفقهية” (ص:107)، وابن رجب الحنبلي في “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 256)، وبدر الدين العيني الحنفي في “البناية شرح الهداية” (2/ 504)، والعراقي الشافعي كما في “نيل الأوطار”(3/ 45)، وابن حَجَر العسقلاني الشافعي في “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (2/ 558 – عند حديث رقم:990)، وعُبيد الله المباركفوري في “مرعاة المفاتيح” (4/ 266 – عند حديث رقم:1266)، وغيرهم.

واختاره:

ابن المنذر النيسابوري، وابن عبد البَرِّ المالكي، والبغوي الشافعي، وابن حَجَر العسقلاني الشافعي، وعُبيد الله المباركفوري، وعبد العزيز ابن باز، وومحمد بن صالح ابن عثيمين، ومحمد علي آدم الأثيوبي.

واحتُجَّ لهذا القول بأمور:

الأمر الأوَّل: حديث: (( لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَة )).

وقالوا:

إنَّه يَدُلُّ على أنَّه لا يُوتَر في الليلة إلا وِتْر واحد.

وقد أخرجه أحمد (4/ 23)، وأبو داود (1439)، والترمذي (470)، والنسائي (3/ 229)، وابن خزيمة (2/ 156 ــ رقم:1101)، وابن حِبَّان (2449)، وغيرهم، مِن حديث طلق بن علي ــ رضي الله عنه ــ.

وصحَّحه:

ابن حِبَّان، وابن خزيمة، وأبو العباس القرطبي، وأحمد شاكر، والألباني، ومحمد علي آدم الأثيوبي.

وقال الترمذي: حسن غريب.اهـ

وقال عبد الحق الأشبيلي عقب قول الترمذي هذا:

وغيره يُصحِّح الحديث.اهـ

وحسَّنه:

ابن المُلقِّن، وابن حَجَر العسقلاني، والزرقاني.

وذَكَره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه “الأحاديث المختارة أو المستخرج مِن الأحاديث المختارة ممَّا لم يُخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما”.

إلا أنَّ في سنده قيس بن طَلق بن علي الحنفي اليَمامي، وهو مُخْتَلَف فيه.

فقال الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ:

قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد مَن يَعرفه بما يكون لنا قبول خبره.اهـ

وقال الحافظ عبد الرحمن ابن أبي حاتم ــ رحمه الله ــ:

سألت أبي وأبا زرعة عن حديث محمد بن جابر هذا فقالا:

قيس بن طلق ليس مِمَّن تقوم بِه حُجَّة، ووهَّناه، ولم يُثبِّتاه.اهـ

وقال الإمام يحيى بن معين ــ رحمه الله ــ:

قد أكثر الناس في قيس بن طلق، ولا يُحتجُّ بحديثه.اهـ

وقال الحافظ الدارقطني ــ رحمه الله ــ:

ليس بالقوي.اهـ

وضعَّفه أيضًا:

الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ.

وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ــ رحمه الله ــ:

سألت يحيى بن معين قلت: عبد الله بن النُّعمان، عن قيس بن طلق؟

قال: شيوخ يمامية ثقات.اهـ

وقال الإمام أبو داود السجستاني ــ رحمه الله ــ:

قلت لأحمد: قيس بن طلق؟

قال: ما أعلم بِه بأسًا.اهـ

ونَقل الخَلَّال عن الإمام أحمد ــ رحمهما الله ــ أنَّه قال:

غيره أثبَت مِنه.اهـ

وقال الحافظ العجلي ــ رحمه الله ــ:

تابعي ثقة.اهـ

وذَكره الحافظ ابن حِبَّان ــ رحمه الله ــ في كتابه “الثقات”.

وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني ــ رحمه الله ــ في كتابه “كشف السِّتر عن حُكم الصلاة بعد الوتر” (ص:31) عن الإمام أحمد بن حنبل:

وضعَّف حديث: (( لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَة ))، أو حمَله على الضرورة.اهـ

قلت:

وقد أُجِيبَ عن استدلالهم بهذا الحديث بجوابين:

الأوَّل: أنَّه ضعيف.

والثاني: أنَّ مَن شَفع وِتْره فقد ألغاه، وأصبح كمَن لم يُوتِر، فلم يَدخل في هذا الحديث.

الأمر الثاني: حديث: (( اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا )).

وقد أخرجه البخاري (998)، ومسلم (750)، مِن حديث ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ.

وقالوا:

إنَّه يَدُلَّ على أنَّ الوتر واحد.

قلت:

وقد أُجِيبَ عن استدلالهم بهذا الحديث بعدة أجوبة، مِنها:

أوَّلًا ــ أنَّ مَن شَفع وِتْرَه فقد ألغاه، وأصبح كمَن لم يُوتر، فإذا أوْتَر بعد ذلك فقد صدَق عليه أنَّه جعل آخِر صلاته بالليل وترًا.

ثانيًا ــ بما قاله الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 255)، إذ قال:

ولِهذا رَوى ابن عمر هذا الحديث، وهو كان يَنقض وِتْرَه، فدَلَّ على أنَّه فهِمَه مِنه.اهـ

ثالثًا ــ أنَّ مَن أوتَر، ثم نام، ثم قام فلم يَشفع وِتْرَه، وصلَّى ركعتين ركعتين، لم يَدخل في هذا الحديث، حيث لم يَجعل آخر صلاته بالليل وِتْرًا، بل جعلها شَفعًا.

وإلى هذا المعنى أشار الإمام إسحاق بن راهويه ــ رحمه الله ــ كما في “مسائل إسحاق بن منصور الكوسج” (299).

الأمر الثالث: القياس على الفريضة.

إذ قال الحافظ ابن المنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأوسط في السُّنن والاجماع والاختلاف” (5/ 199):

ولا أعلم اختلافًا في أنَّ رجلًا بعد أنْ أدَّى صلاة فرْضٍ كما فُرِضت عليه، ثم أراد بعد أنْ فرغ مِنها نقضها أنْ لا سبيل له إليه.

فحُكم المُختلَف فيه مِن الوتر حُكم ما لا نعلمهم اختلفوا فيه مِمَّا ذَكرناه.

وكذلك الحج والصوم والعُمرة والاعتكاف لا سبيل إلى نقض شيء مِنها بعد أنْ يكملها.اهـ

وأُضْعِف هذا الكلام:

بأنَّ نقض الوتر قد جاء عن خليفتين راشدين مَهديين لهما سُنَّة مُتَّبَعَة، فثبت عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ــ رضي الله عنهما ــ.

قلت:

وقد ثبت هذا القول الذي عليه الجمهور عن ثلاثة مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، وهُم:

أوَّلاً ــ أمَّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ.

حيث ذُكِر لَها ــ رضي الله عنها ــ:

الرَّجل يُوتر ثم يَستيقظ فيشفع بركعة؟ فقالت: (( ذَلِكَ يَلْعَبُ بِوِتْرِه )).

وقد أخرجه عبد الرزاق (4687)، واللفظ له، وابن أبي شيبة (6744)، في “مصنَّفيهما”.

وقال سعيد بن جبير ــ رحمه الله ــ:

(( ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ــ نَقْضُ الْوِتْرِ، فَقَالَتْ: لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ )).

وقد أخرجه الطحاوي في “شرح معاني الآثار” (2020).

وثانيًا: عمار بن ياسر ــ رضي الله عنه ــ.

حيث قال ــ رضي الله عنه ــ:

(( أَمَّا أَنَا فَأُوتِرُ، فَإِذَا قُمْتُ صَلَّيْتُ مَثْنَى مَثْنَى وَتَرَكْتُ وَتْرِي الْأَوَّلَ كَمَا هُوَ )).

وقد أخرجه ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (6734)، واللفظ له، والطحاوي في “شرح معاني الآثار” ( 2004 و 2019).

وثالثًا: عبد الله بن العباس ــ رضي الله عنهما ــ.

إذ قال ــ رضي الله عنه ــ:

(( إِذَا أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَلَا يَشْفَعْ بِرَكْعَةٍ، وَصَلَّى شَفْعًا حَتَّى يُصْبِحَ )).

وقد أخرجه عبد الرزاق (34686 و 4685) واللفظ له، وابن أبي شيبة (6739 و 6738)، في “مصنَّفيهما”.

القول الثاني: أنَّه يَنقض وِتْرَه بركعة تَشفعه، ثم يُصلِّي ما شاء مِن ركعات، ويَختم صلاته بِوتْر.

ونُقل هذا القول عن:

عمرو بن ميمون، وابن سيرين، وعروة بن الزبير، ومكحول، مِن التابعين.

وهو رواية عن أحمد، وقول إسحاق بن راهويه، ورواية عند المالكية، ووجْه عند الشافعية.

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 255):

قال كثير مِن الصحابة:

يُصلِّي ركعة واحدة فيَصير بها وِتْرَه الماضي شَفعًا، ثم يُصلِّي ما أراد، ثم يُوتِر في آخِر صلاته.

وهؤلاء أخذوا بقوله: (( اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا )).

ولِهذا رَوى ابن عمر هذا الحديث، وهو كان يَنقض وِتْرَه، فدَلَّ على أنَّه فهمَه مِنه.

ورُوي عن أسامة بن زيد، وغير واحد مِن الصحابة، حتى قال أحمد: ورُوي ذلك عن اثني عشر رجلًا مِن الصحابة.

ومِمَّن رُوي ذلك عنه مِنهم:

عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وابن مسعود، وابن عباس في رواية.

وهو قول عمرو بن ميمون، وابن سيرين، وعروة، ومكحول، وأحمد في رواية اختارها أبو بكر وغيره.

قال ابن أبي موسى: هي الأظهر عنه.

وقول إسحاق، قال إسحاق: وإنْ لم يَفعل ذلك لم يكن قد عمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا )).

وهو أيضًا وجْه للشافعية.اهـ

وقال الفقيه شمس الدين الزركشي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في “شرحه على مختصر الخِرَقِي” (2/ 67):

وصحَّ عن اثني عشر مِن الصحابة نقض الوتر بركعة.اهـ

قلت:

ومِمَّن ثبَت عنه هذا القول مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، هؤلاء:

أوَّلًا ــ الخليفة الراشد عثمان بن عفان ــ رضي الله عنه ــ.

حيث قال ــ رضي الله عنه ــ:

(( أَمَّا أَنَا فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ مِنَ اللَّيْلِ أُوتِرْتُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ نِمْتُ، فَإِذَا قُمْتُ وَصَلْتُ إِلَيْهَا أُخْرَى )).

وقد أخرجه ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (6730 و 6726)، وابن المنذر في “الأوسط” (5/ 197رقم:2685 و 5/172 – رقم:2619) واللفظ له، والطحاوي في “شرح معاني الآثار” ( 2000 و 2001)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في “مسائله عن أبيه” ( 325).

وثانيًا ــ عبد الله بن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنهما ــ.

إذ أخبَر عنه ابنه سالم ــ رحمه الله ــ:

(( أَنَّهُ كَانَ إِذَا نَامَ عَلَى وِتْرٍ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ صَلَّى رَكْعَةً إِلَى وِتْرِهِ فَيَشْفَعُ لَهُ، ثُمَّ أَوْتَرَ بَعْدُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ )).

وقد أخرجه عبد الرزاق في “مصنَّفه” (4682)، وابن المنذر في “الأوسط” (5/ 197- رقم: 2687)، والطحاوي في “شرح معاني الآثار” ( 2005).

وثالثًا ــ عبد الله بن العباس ــ رضي الله عنهما ــ.

إذ قال ــ رضي الله عنه ــ:

(( إِذَا أَوْتَرَ الرَّجُلُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ قَامَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيَشْفَعْ وَتْرَهُ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ لِيُصَلِّ، ثُمَّ لِيُوتِرْ آخِرَ صَلَاتِهِ )).

وقد أخرجه ابن أبي شيبة في “مصنَّفه”  (6728).

وأخرجه أيضًا ابن المنذر في “الأوسط” (5/ 197- رقم:2689)، مِن فِعْله.

ورابعًا ــ أسامة بن زيد ــ رضي الله عنه ــ.

حيث ذكر أبو مِجْلَزٍ ــ رحمه الله ــ أنَّ أسامة بن زيد وابن عباس ــ رضي الله عنهم ــ قالا:

(( إِذَا أَوْتَرْتَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قُمْتَ تُصَلِّي فَصَلِّ مَا بَدَا لَكَ، وَاشْفَعْ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ أَوْتِرْ )).

وقد أخرجه ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (6728).

وأخرجه أيضًا ابن المنذر في “الأوسط” (5/ 197- رقم:2689)، مِن فِعْلهما.

القول الثالث: أنَّه مُخيَّر، إنْ شاء نقض وِتْرَه بشفع، وإنْ شاء لم يَنقضه، وصلَّى بعده ركعتين ركعتين ما شاء مِن عدد.

وهو رواية عن الإمام أحمد.

وثبت التخيير أو الفتوى بالأمرين عن بعض الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، مِنهم:

أوَّلًا ــ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ.

حيث قال ــ رضي الله عنه ــ:

(( إِنْ شِئْتَ إِذَا أَوْتَرْتَ قُمْتَ فَشَفَعْتَ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ أَوْتَرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ شِئْتَ صَلَّيْتَ بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتَ الْوِتْرَ حَتَّى تُوتِرَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ )).

وقد أخرجه عبد الرزاق في “مصنَّفه” (4684) واللفظ له، وابن المنذر في “الأوسط”(5/ 200)، والطحاوي في “شرح معاني الآثار” ( 2003)، والبيهقي في “السُّنن الكبرى” (4627).

ثانيًا ــ عبد الله بن عباس ــ رضي الله عنهما ــ.

حيث قال ــ رضي الله عنه ــ:

(( إِذَا أَوْتَرَ الرَّجُلُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ قَامَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيَشْفَعْ وَتْرَهُ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ لِيُصَلِّ، ثُمَّ لِيُوتِرْ آخِرَ صَلَاتِهِ )).

وقد أخرجه ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (6725).

وفي لفظ آخَر له (6728):

(( إِذَا أَوْتَرْتَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قُمْتَ تُصَلِّي فَصَلِّ مَا بَدَا لَكَ، وَاشْفَعْ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ أَوْتِرْ )).

وأخرجه أيضًا ابن المنذر في “الأوسط” (5/ 197- رقم:2689)، مِن فِعله.

وقال ــ رضي الله عنه ــ أيضًا:

(( إِذَا أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَلَا يَشْفَعْ بِرَكْعَةٍ، وَصَلَّى شَفْعًا حَتَّى يُصْبِحَ )).

وقد أخرجه عبد الرزاق  (3/ 30-31 – رقم:4686و4685) واللفظ له، وابن أبي شيبة (6739و 6738).

وقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 257):

وعن أحمد: أنَّه مُخيَّر بين الأمرين، لأنهما جميعًا مرويان عن الصحابة.اهـ

وفي كتاب “المغني” (3/ 598) لِموفَّق الدين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ:

قيل لأحمد: ولا تَرى نقض الوتر؟

فقال: لا.

ثم قال: وإنْ ذهب إليه رجل فأرجو، لأنَّه قد فعَله جماعة.اهـ

الوقفة الرابعة / عن حكم التطوع بالصلاة بعد الوتر.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي البغدادي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 257-258):

ويَتصِل بهذا:

الكلام على حكم الصلاة بعد الوتر.

وقد كرهه طائفة مِن السَّلف.

ومُستندهم: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا ))، وما أشبهه.

ورَوى عطية العوفي، عن أبي سعيد الخُدري: (( أنَّه كَرِه الصلاة بعد الوتر )).

وكان أبو مِجْلز لا يُصلِّي بعد الوتر إلا ركعتين.

وقال قيس بن عباد: إذا أوتَرت ثم قمت فاقرأ وأنت جالس.

وظاهر هذا: أنَّه يَقرأ مِن غير صلاة.

وأمَّا الأكثرون:

فلم يَكرهوا الصلاة بعد الوتر، ولكن اختلفوا في نقضه، كما سَبق.اهـ

قلت:

ويُقوِّي القول الأخير الذي عليه جماهير أهل العلم:

ما تقدَّم مِن آثار ثابتة عن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، إمَّا بالصلاة مِنهم بعد الوتر، أو بالإفتاء بفعلها، كعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن العباس.

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.