إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: ” اغتنام الفرصة في عشر رمضان الأخيرة “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” اغتنام الفرصة في عشر رمضان الأخيرة “.

  • 3 يوليو 2015
  • 1٬418
  • إدارة الموقع

اغتنام الفرصة في عشر رمضان الأخيرة

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ

الحمد لله الذي وفق برحمته مَن شاء مِن عباده، فعرفوا أقدار مواسم الخيرات، وعَمَروها بالإكثار مِن الطاعات، وخذل مَن شاء بحكمته، فعميت منهم القلوب والبصائر، وفرَّطوا في تلك المواسم، فباءوا بالخسائر، وأشهد أن الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الحكيم القاهر، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أقوم الناس بطاعة ربه في البواطن والظواهر، فصلَّى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله ربكم حق التقوى، فهو – جلَّ وعلا – أهل التقوى، وأهل المغفرة، واعلموا أنه سبحانه قد جعل الليل والنهار خلفة لَمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكورًا، فهما خزائن الأعمال، ومراحل الآجال، يُودعهما الإنسان ما قام به فيهما مِن عمل، ويقطعهما مرحلة مرحلة حتى ينتهي به الأجل، فانظروا – سددكم الله وقوَّاكم على طاعته – ماذا تُودعونهما، فستجد كل نفس ما عملت مِن خير مُحضرًا، وما عملت مِن سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، وستعلم ما قدَّمت وأخرَّت في يوم لا تستطيع به الخلاص مما فات: { يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }.

أيها الناس:

لقد قطعتم الأكثر مِن شهر الصيام، ودخلتم في عشره الأخيرة، فمَن كان منكم قام بحقه، فليتم ذلك، وليحمد الله عليه، وليسأله القبول، ومَن كان منكم فرَّط فيه وأساء، فليتب إلى ربه، فباب التوبة مفتوح غير مقفول، وليقلع عن التقصير والعصيان قبل ساعة السياق، وبلوغ الروح التراقي، قبل أن يُبعثر ما في القبور، ويُحصَّل ما في الصدور، قبل الحاقة والقارعة والزلزلة والغاشية، قبل أن يُقال: أين المفر، يوم يفر المرء مِن أعز الناس عليه، وأقربهم إليه، وأشفقهم لديه، وأكرمهم عنده، وأجلهم وأعلاهم.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }.

أيها الناس:

 إنكم قد دخلتم في العشر الأخيرة مِن هذا الشهر الطيِّب المُطيَّب المبارك الفضيل رمضان، فاغتنموها بطاعة الله المولى العظيم، وأحسنوا في أيامها الصيام، ونوِّروا لياليها بالقيام، واعْمُروا ليلها ونهارها بتلاوة القرآن والاستغفار والدعاء والذكر، فكم مِن أُناس تمنوا إدراك العشر، فأدركهم المنون، فأصبحوا في قبورهم مرتهنين لا يستطيعون زيادة في صالح الأعمال ولا توبة مِن التفريط والإهمال والذنوب، وأنتم قد أدركتموها بفضل مِن الله تعالى وأنتم في صحة وعافية، وقوة وقُدرة.

أيها الناس:

لقد كان نبيكم وقدوتكم صلى الله عليه وسلم يُعظِّم العشر الأواخر مِن رمضان، فيهتم لها اهتمامًا بالغًا إذا دخلت، ويجتهد في الأعمال الصالحة فيها اجتهادًا شديدًا، ويحيي ليلها بالصلاة وغيرها، إذ صحَّ عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ )).

وصحَّ أنها قالت: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ )).

ومِن شدَّة اجتهاده صلى الله عليه وسلم بالعبادة في هذه العشر أنه كان يخصها كلها بالاعتكاف في مسجده الشريف، إذ صحَّ عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها -: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ )).

يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم تفرغًا لعبادة ربه سبحانه ومناجاته، وتحرَّيًا لإدراك فضيلة ليلة القدر التي قال الله سبحانه معظمًا شأنها في كتابه العزيز: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }.

ومعنى ذلك: أنها خيرٌ مِن ثلاثين ألف ليلة أو قريبًا منها، خيرٌ منها في بركتها وأجورها، وما يُفيض فيها المولى الكريم على عباده مِن الرحمة والغفران، وإجابة الدعاء، وقبول الأعمال.

فاجتهدوا – سددكم الله – في طلبها، وتحروها في جميع العشر، وخصوصًا في أفرادها، واعْمُروا لياليها بالصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن، لعلكم تفلحون، فقد صحَّ عن نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).

اجتهدوا في طلب تلك الليلة الشريفة المباركة، وتحروا خيرها وبركتها بالمحافظة على الصلوات المفروضة، وكثرة القيام، وأداء الزكاة، وبذل الصدقات، وحفظ الصيام مما يُنقصه ويُفسده، وبكثرة الطاعات، واجتناب السيئات، والبعد عن العداوة بينكم والبغضاء والمشاحنات، فإن الشحناء مِن أسباب حرمان الخير في ليلة القدر، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليُخبر أصحابه بليلة القدر، فتخاصم وتنازع رجلان مِن المسلمين فرُفعت بسبب ذلك، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ )).

بارك الله لي ولكم فيما سمعتم مِن الآيات والأحاديث والوعظ والتذكير، ونفعنا به، إنه جواد كريم.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ

 الحمد لله الذي جعل مواسم الخيرات نُزلًا لعباده الأبرار، وهيَّأ لهم مِن أصناف نعمه وكرمه كل خير غزير مدرار، وجعلها تتكرر كل عام ليوالي على عباده الفضل ويحط عنهم الذنوب والأوزار، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد المصطفى المختار، وعلى آله وأصحابه البَررة الأطهار.

أما بعد، أيها الناس:

فقد قال الله – عزَّ وجلَّ – آمرًا لكم رحمة بكم وبأهليكم في سورة التحريم: {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }.

فامتثلوا ما أمركم به، وجدوا في وقاية أنفسكم وأهليكم مِن النار، واعلموا أن مَن طُرق وقايتهم مِن النار، ورفع منازلهم في الجنان، حثهم وتحريضهم على اغتنام مواسم الخيرات بالإكثار فيها مِن الطاعات، وإن مِن أجلِّ وأفضل هذه المواسم عشر رمضان الأخيرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بأهله أن يُحيوا ليلها بالقيام والذكر والمناجاة زيادة على العادة، فثبت عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ )).

وكذلك كان السلف الصالح يُعظمون هذه العشر، ويجتهدون فيها بالعبادة أكثر مِن غيرها، فثبت عن إبراهيم النخعي – رحمه الله -: (( أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، فَإِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ خَتَمَ فِي لَيْلَتَيْنِ )).

وكان قتادة بن دعامة – رحمه الله -: (( يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً، فَإِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ خَتَمَ فِي كُلِّ ثَلَاثِ لَيَالٍ مَرَّةً، فَإِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ خَتَمَ كُلَّ لَيْلَةٍ مَرَّةً )).

أيها الناس:

أما يحق أن نُجرِّد قلوبنا وأوقاتنا مِن جميع الأشغال في هذه العشر المباركة المعظمة، لاسيَّما الليالي الوتر منها، والتي يُرجى أن تكون فيها ليلة القدر، وأن نُقبل فيها بكليتنا على طاعة ربنا ذي العظمة والجلال، وأن نُكثر مِن دعائه واستغفاره وطلب مغفرته ورضوانه بإخلاص وخضوع وإنكسار، لعلَّنا نُصادف ساعة استجابة مِن ربنا الرحيم بنا، فتصلح أحوالنا، وتزداد طاعاتنا، ونكون مِن السعداء الذين لا يَشْقَون أبدًا، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أيها الناس:

ثبت عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: (( يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: تَقُولِينَ: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ  تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي )).

فأكثروا – سدَّدكم الله – مِن هذا الدعاء في ليالي العشر، فإنه دعاء مبارك رغَّب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرشد إليه فيها.

فاللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم وفقنا لدعائك بالليل والنهار، ومُنَّ علينا بالإجابة، اللهم تقبَّل دعاءنا وسائر طاعاتنا، وتجاوز عن تقصيرنا وسيئاتنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم تقبَّل صيامنا وقيامنا، واجعلنا ممن فعل ذلك إيمانًا واحتسابًا فغفرت له ما تقدم مِن ذنبه، اللهم بارك لنا في أعمارنا وأعمالنا وأقواتنا وأهلينا، اللهم اكشف عن المسلمين ما نزل بهم مِن ضر وبلاء، وفقر وتشرُّد، وضعف وتقصير، وقتل واقتتال، وخوف وضعف أمن، وأعذنا وإياهم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم قاتل النصيريين والحوثيين والخوارج المارقين، وأنزل عليهم رجزك وعذابك إله الحق، ولا تجعل لهم على السنة وأهلها وبلادها سبيلًا، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وأقول قولي هذا، وأشتغفر الله لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم.

تنبيه:

في هذه الخطبة كلمات كثيرات منقولة عن العلامة السعدي، وتلميذه العلامة العثيمين – رحمهما الله -.

خطبة ألقاها:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد