إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: ” اغتنام الفرصة بالتوبة وزيادة العبادات في عشر رمضان الأخيرة “. ملف: [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” اغتنام الفرصة بالتوبة وزيادة العبادات في عشر رمضان الأخيرة “. ملف: [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 3 يوليو 2015
  • 28٬504
  • إدارة الموقع

اغتنام الفرصة بالتوبة وزيادة العبادات في عشر رمضان الأخيرة

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي وفَّقَ مَن شاءَ مِن عبادِهِ فعمَروا الأوقاتَ الفاضِلةَ بالطاعاتِ، والازديادِ مِن الحسناتِ، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ القهَّارُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ إمامُ الأخيارِ، اللهمَّ فصلِّ وسَلِّمْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِه.

أمَّا بعدُ، أيُّها الناس:

فاتقوا اللهَ حقَّ التقوى، فهو ــ جلَّ وعلا ــ أهلُ التقوى، وأهلُ المغفرةِ، وقد جعلَ الليلَ والنهارَ خِلفةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكورًا، فهُما خزائنُ الأعمالِ، ومراحلُ الآجالِ، يُودِعْهُما الإنسانُ ما قامَ بِه فيهما مِن عملٍ، ويقطعهُما مرحلةً مرحلةً حتى يَنتهيَ بِهِ الأجلُ، فانظروا ماذا تُودعونَهما، إذ ستجدُ كلُّ نفسٍ ما عملِتْ مِن خير مُحضْرًا، وما عملِتْ مِن سوءٍ تودُّ لو أنَّ بينَها وبينَهُ أمدًا بعيدًا، وستعلَمُ ما قدَّمَتْ وأخرَّتْ في يومٍ لا تستطيعُ الخلاصَ فيهِ ممَّا فاتَ: {  يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }.{ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ }.

أيُّها الناس:

لقد قطعتُم الأكثرَ مِن شهرِ رمضان، وقرُبتُم مِن عَشْرِهِ الأخيرةِ، فمَن كان مِنكُم قد أحسنَ فقامَ بحقِّ ما مضَى مِن أيَّامِهِ، فليُتمَّ ما بَقِي، وليَحمَدِ اللهَ عليهِ، ويَسألَهُ القَبولَ، ومَن كان مِنكُم قد فرَّطَ فيها وأساءَ، فليَتُب إلى ربِّهِ، فبابُ التوبةِ مفتوحٌ غيرُ مقفولٍ، وليُقلِعْ عن التقصيرِ والعصيانِ قبْلَ ساعةِ السِّياق، وبُلوغِ الرُّوحِ التراقِي، قبْل أنْ يُبعثَرَ ما في القبور، ويُحصَّلَ ما في الصُّدور، قبْل أنْ يُقالَ: أينَ المَفرُّ؟، يومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أعزِّ الناسِ عليهِ، وأقربِهم إليهِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }.{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

أيُّها الناس:

اغتنموا عشرَ رمضانَ الأخيرةَ بالإكثار مِن الطاعاتِ، وأحسِنوا فيها العباداتِ إخلاصًا للهِ ومُتابعةً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وجمِّلوا أيَّامَها بالصيامَ الخالِي عن الخطيئاتِ والمكروهاتِ، ونوِّروا لياليَها بالقيامِ والتهجُّدِ، واعْمُروا ليلَها ونهارَها بتلاوةِ القرآنِ والاستغفارِ والدعاءِ والذِّكرِ والجُودِ والرحمةِ والعَفوِ والصَّفح والحِلمِ والسماحةِ واللينِ وجميلِ الفِعالِ والمَقالِ، والمُحافظةِ على فرائضِ الصلاةِ في المساجدِ، والتتميمِ بالسُّننِ الرواتبِ، ومُحاسبَةِ النفسِ، فكَم مِن أُناسٍ تمنَّوا إدراكَ العشرِ، فأدركَهم الموتُ، وأصبَحوا في قبورِهم مُرتهَنينَ لا يستطيعونَ زيادةً مِن صالحِ الأعمالِ، ولا توبةً مِن السَّيِّئاتِ، وقد أدركتُموها بفضلٍ مِن اللهِ وأنتم في صِحَّةٍ وقوَّةٍ وقُدرَةٍ.

وقد كانَ نبيُّكُم وقُدوتُكم صلى الله عليه وسلم يُعظِّمُ العشرَ الأواخِرَ مِن رمضان، فيَهتَمَّ لهَا اهتمامًا بالغًا إذا دخَلت، ويَجتهدُ بالأعمالِ الصالحةِ فيها اجتهادًا شديدًا، ويُحْيِي ليلَها بالصلاةِ وغيرِها مِن العبادات، حيثُ صحَّ عن عائشةَ ــ رضيَ اللهُ عنها ــ أنَّها قالتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ ))، وصحَّ أيضًا أنَّها قالت}: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ: أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ ))، ومعنى: (( شَدَّ المِئزَر )) أي: اعْتَزَلَ النِّساءَ فلم يَقربْهُنَّ تفرُّغًا للعبادة، وانشغالًا بأعمالِ الآخِرةِ، وكانَ مِن عظيمِ اجتهادِه صلى الله عليه وسلم في هذهِ العشرِ أنَّه يَخصُّها كلَّها بالاعتكاف في مسجدِهِ، حيثُ صحَّ عن عائشةَ ــ رضيَ اللهُ عنها ــ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ))، يَفعلُ صلى الله عليه وسلم ذلكَ تفرُّغًا لِعبادةِ ربِّهِ ومُناجاتِه، وتحرَّيًا لإدراكِ فضيلةِ ليلةِ القدْرِ التي قالَ اللهُ مُعظِّمًا شأنَها: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }، ومعنى ذلكَ: أنَّها خيرٌ مِن ثلاثينَ ألفِ ليلةِ أو قريبًا مِنها، خيرٌ مِنها في بركتِها وأُجُورِها، وما يُفيِضُ اللهُ على عباده فيها مِن الرَّحمةِ والغُفران، وإجابةِ الدُّعاءِ، وقبولِ الأعمالِ، ومُضاعفةِ الأُجور، ورِفعَةِ الدرجات.

فاجتهِدوا ــ سدَّدكُمُ اللهُ ــ في طلبِها بزيادةِ الطاعاتِ، والقيامِ بالواجباتِ والمُستحبَّاتِ، وترْكِ الخطيئاتِ والمُنكراتِ، والصِّدقِ والنُّصحِ في المُعاملاتِ، وتحرَّوها في جميع العشَر، وخصوصًا الليالي الفَرْديَةِ مِنها، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))، وابتعِدوا فيها عن العداوةِ والبغضاءِ والشَّحناءِ والأحقادِ والحسدِ والضغائِنِ فيما بينَكم، فإنَّ الشَّحناءَ مِن أسبابِ حِرمانِ الخيرِ، فقد خرجَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ليُخبِرَ أصحابَه بليلةِ القدْرِ في سنَتِهِ تلكَ، فتخاصَمَ وتنازعَ رجلانِ مِن المسلمينَ فرُفِعَت، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ )).

باركَ اللهُ لِي ولكُم فيما سمعتُم مِن الآياتِ والأحاديثِ والتذكيرِ، ونفعنَا بذلكَ، إنَّه جوادٌ كريم.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي بنعمتِهِ تتِمُّ الصالحاتُ، وصلاتُه على أنبيائِهِ ورُسلِهِ، وأتباعِهِم على الإيمانِ، وعنَّا معَهُم يا رحمنَ الدُّنيا والآخِرةِ ورحيمَهُما.

أمَّا بعدُ، أيُّها الناس:

فقد قالَ اللهُ سبحانَهُ آمرًا لكُم رحمةً بِكُم وبأهلِيكم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }.

فامتثِلوا ما أمرَكُم بِهِ سبحانَهُ، وجِدُّوا واجتهِدوا كثيرًا في وقايةِ أنفسِكم وأهلِيكم مِن النَّارِ، واعلموا أنَّ مِن طُرقِ وِقايتِهم مِن النَّارِ، ورفعِ منازلِهم في الجِنانِ، حثَّهُم وتحريضَهُم على اغتنامِ المواسمِ الفاضلةِ بفعلِ الطاعاتِ وترْكِ الخطيئاتِ، والتي مِن أجلِّها موسمُ عشْرِ رمضانَ الأخيرة، فقد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَهتمُّ بأهلِهِ أنْ يُحيُوا ليلَها بالقيامِ والذِّكرِ والمُناجاةِ زيادةً على العادةِ، فثبَت عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ــ رضيَ الله ُعنهُ ــ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ))، يَعني: يُوقِظُهم لِقيامِ الليلٍ بالصلاةِ ومُناجاةِ اللهِ وودعائِه وذِكرِه واستغفارِه.

وكان السَّلفُّ الصالحُ يُعظِّمونَ هذهِ العشر، ويَجتهدونَ فيها بالعبادةِ أكثرَ مِن غيرها، فثبَتَ عن إبراهيمَ النِّخعيِّ: (( أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، فَإِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ خَتَمَ فِي لَيْلَتَيْنِ ))، وكان قَتادةُ: (( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ خَتَمَ فِي كُلِّ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ خَتَمَ كُلَّ لَيْلَةٍ )).

وبعضُ الناسِ ــ أعانَهُمُ اللهُ على مراضِيهِ ــ إذا جاءَ أوَّلُ رمضانَ جَدُّوا واجتهَدوا في الطاعات، ومَلئوا المساجدَ، وهذا خيرٌ عظيمٌ، لَكِنَّهُم إذا دخلَت أفضلُ ليالي رمضان، وأعظمُها أجرًا، بل أفضلُ ليالي السَّنَةِ جميعِها، وهيَ ليالي عشرِ رمضانَ الأخيرةِ ضَعُفُوا عن السابقِ، ودخلَهُم الفُتور، وكانَ حقُّهُم أنْ يَجتهدوا أكثرَ.

وقد ثبت أنَّ أمَّ المؤمنينَ عائشة ــ رضيَ اللهُ عنها ــ قالت:(( يَا نَبِيَّ اللهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: تَقُولِينَ: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ  تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي ))، فأكثِروا مِن هذا الدعاءِ في ليالي العشرِ، فإنَّهُ دعاءٌ رَغَّبَّ فيهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأرشدَ إليه فيها.

فاللهمَّ: إنَّك عفوٌّ تُحبُ العفوَ فاعفُ عنَّا، اللهمَّ تجاوَزْ عن تقصيرِنا وسيئاتِنا، واغفرْ لنَا ولوالِدِينا وجميعِ المسلمينَ، اللهمَّ تقبَّل صيامَنا وقيامَنا، واجعلنا ممَّن فعَل ذلك إيمانًا واحتسابًا فغَفَرتَ له ما تقدَّمَ مِن ذنْبِه، اللهمَّ بارك لنَا في أعمارِنا وأعمالِنا وأقواتِنا وأهلِينا، اللهمَّ اكشفْ عن المسلمينَ ما نَزلَ بِهم مِن ضُرٍّ وبلاء، وكُروبٍ وهُموم، اللهمَّ وفِّق ولاتَنا لمراضِيك، وأصلِح بِهمُ الدِّينَ والدُّنيا والعِباد، إنَّكَ سميعُ الدُّعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.