إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > خطبتة مكتوبة بعنوان: ” شيء من الأحكام الخاصة بتهنئة الكفار بأعيادهم واحتفالاتهم ومشاركتهم فيها وإعانتهم عليها “..

خطبتة مكتوبة بعنوان: ” شيء من الأحكام الخاصة بتهنئة الكفار بأعيادهم واحتفالاتهم ومشاركتهم فيها وإعانتهم عليها “..

  • 25 ديسمبر 2015
  • 8٬094
  • إدارة الموقع

شيء من الأحكام الخاصة بتهنئة الكفار بأعيادهم واحتفالاتهم ومشاركتهم فيها وإعانتهم عليها

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــ

الحمد لله الذي رَضِي لَنا الإسلام دينَا، ونَصَب لَنا الدَّلالة على صحَّته بُرهانًا مُبينًا، وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقَّا يقينًا، ووَعد مَن قام بأحكامه وحفظِ حدوده أجرًا كبيرًا، وذَخِرَ لِمَن وافاه بِه ثوابًا جزيلًا، وفوزًا عظيمًا، وفرَضَ علينا الدخولَ فيه، والانقيادَ لأحكامه، والتمسُّكَ بِه، والصلاةُ والسلام على عبده ورسوله محمدٍ المبعوثِ إلى الثَّقلَيْن، والمُفضَّلِ على العالَمين، والمُؤَيَّدِ بِالْآيَاتِ المُوضِحَةِ للدين الحق، والقاطعةِ لكل باطل، ومُرهِقِ الكفر، ومُزهِق مِلَله، وراحمِ أُمَمِه، ومُنقِذِهم مِن عذاب النار، وعلى آله وأصحابه وأتباع شريعته في كل أرض، ومِن أهل كل زمان ولُغة، حتى يأتيَ أمْر الله قُربَ قيام الساعة.

أمَّا بعد، فيا أيُّها الناس:

اتقوا الله الذي خلقَكُم والجِبِلَّةَ الأوَّلِين، بالاستمساك بدينه وشَرعهِ القويمِ حتى الممات، وأكثروا مِن شُكره على امتنانه عليكم بنِعمٍ لا تُحصَى، وخيراتٍ تزيد كلَّ يوم ولا تَنقُص، واعلموا أنَّ أجلَّ نِعمِهِ التي أكرمَكم ورحمَكم بِها، وأحسَنَ إليكم فجعلَكم مِن أهلها، نِعمةُ الهدايةِ إلى الإسلام، والإخراجِ مِن ظُلمة الشِّرك ونجاستهِ إلى نور التوحيد وطهارته، ومِن طريق النار وعذابها إلى طريق الجنَّة ونعيمها، فالحمدُ لله أنْ رحمَنا فجعلنا مِمَّن يُؤمن بِه، ولا يَصرفُ العبادة إلا له وحدَه، فله نركع، وله نَسجد، ووحدَه ندعو، وبِه نستغيثُ ونستعيذ، وله نذبح ونَنذر، وغيُرنا مشركٌ بِه وكافر، يَعبدُ وثنًا، أو يَسجدُ لنارٍ أو شمس، أو يتقرَّبُ ويَخضع ويَتذلَّل إلى بهيمة، أو يدعو وليًّا صالحًا، فيستغيث بِه، ويطلب مِنه الفرَجَ والمَدد وزوالَ الشدائد، أو يطوف لصاحب قبر، ويذبحُ له ويَنذر، أو يَعبدُ المسيحَ عيسى بنَ مريم ــ عليه السلام ــ وأمَّه، فلهما يُصلِّي ويَسجد ويَخضع ويَتذلَّل ويَتقرَّب، وإليهما يَلجأ، وبهما يَستنصِر ويَستنجِد ويَحتمي، ومِنهما يَطلبُ ما يحتاجه في دنياه، وكَشْفَ ما بِه من ضُر، وإليهما يتوب، وإيِّاهما يَسأل مغفرةَ ذنوبه وآثامه، فاذكروا نِعمة ربكم القائل سبحانه: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ }، وقال الكريم يوسف ــ عليه السلام ــ للسَّجِينين معه وهو يَشكر ربَّه على نِعمة الإسلام: { إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ }، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه يَرتجزونَ بهذه الكلمات في غزوة الأحزب، وهُم يَحفرونَ الخندق، وأهلُ الكفر والشرك يُحاصرونهم: (( اللهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا )).

أيُّها الناس:

إنَّنا قد نشاهِد ــ إنْ كتبَ الله لنا حياةً ــ بعد أيَّام يسيرة احتفالات جُموعٍ غفيرةٍ مِن أهل الكفر في كثير مِن البلدان بعيدٍ دِينيٍّ عندَهم، وقد يكون هذا الاحتفال وللأسفِ الشديد قائمًا وظاهرًا في كثير مِن بلاد أهل الإسلام، وعلى مَرأى مِن صغارهم وكبارهم، وذُكورهم وإناثهم، ومُساهمةٍ فيه ومُشاركةٍ وإعانة، ودُونَكم ــ فقَّهكم الله في دينه ــ وقفاتٍ مُتعلِّقةٍ بتهنئة أهل الكفر بأعيادهم واحتفالاتهم، فأقول مستعينًا بالله ــ جلَّ وعلا ــ:

 الوقفة الأولى / عن حُكم تهنئةِ الكفارِ مِن جميع المِلَلِ بأعيادِهم ومناسباتِهم الدِّينيةِ كعيد الكِريسمس أو عيد الفَصْح أو النَّيروز وما شابهها.

وهذه التهنِّئةُ مُحرَّمةٌ باتفاق العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، حيث قال الإمام ابن القيِّمِ ــ رحمه الله ــ: “وأمَّا التهنئةُ بشعائر الكفرِ المُختصَّةِ بِه فحرامٌ بالاتفاق، مثل أنْ يُهنِّئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: “عيدٌ مباركٌ عليك” أو “تَهنأُ بهذا العيد” ونحوه، فهذا إنْ سَلِمَ قائله مِن الكفر فهو مِن المُحرمات، وهو بمنزلة أنْ يُهنِّئهُ بسجوده للصليب، بل ذلك أعظمُ إثمًا عند الله وأشدُّ مقتًا مِن التهنئة بشُرب الخمر، وقتلِ النفس، وارتكابِ الفرْجِ الحرام، ونحوِه، وكثيرٌ مِمِّن لا قَدْرَ للدين عنده يَقع في ذلك، ولا يَدري قُبحَ ما فعَل، فمّن هنَّأ عبدًا بمعصيةٍ أو بدعة أو كُفر فقد تعرَّضَ لِمقتِ الله وسَخطِه”.اهـ

وقال العلامة العُثيمين ــ رحمه الله ــ: “تهنئةُ الكفار بعيد الكِريسمس أو غيرِه مِن أعيادهم الدِّينية حرامٌ بالاتفاق، كما نَقلَ ذلك ابنُ القيم، وإنَّما كانت تهنئةُ الكفار بأعيادهم الدِّينية حرامًا، لأنَّ فيها إقرارًا لِمَا هُم عليه مِن شعائر الكفر، ورِضًا بِه لَهم، وإنْ كان المُهَنِّئُ لا يَرضَى بهذا الكفر لنفسه، لكن يَحرمُ عليه أنْ يَرضَى بشعائر الكفر أو يُهنِّئ بها غيرَه، لأنَّ الله تعالى لا يَرضَى بذلك، كما قال الله تعالى: { إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ }“.اهـ

 ونَقل ابنُ الحاجِّ المالكيّ عن الإمام ابنِ القاسمِ صاحبِ الإمامِ مالك ــ رحمهم الله ــ: “أنَّه لا يَحِلُّ للمسلمين أنْ يَبيعوا للنصارى شيئًا مِن مَصلَحَة عيدهم، لا لحمًا، ولا إدَامًا، ولا ثوبًا، ولا يُعَارُون دابَّة، ولا يُعانُون على شيءٍ مِن دِينِهِم، لأنَّ ذلك مِن التعظيم لِشركِهم، وعَونِهِم على كُفرِهم، ويَنْبَغِي للسَّلاطين أنْ يَنهَوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالكٍ، وغيرِه، لم أعْلم أحَدًا اخْتَلَفَ في ذلك” ــ يعني: مِن العلماء ــ.

ومِمَّا تقدَّم ــ يا عبادَ الله ــ مِن كلام أهل العلم الماضين والراسخين:  يَتبيَّنُ لنا ضَلالَ وانحرافَ بعضَ الدُّعاة المعاصرين عن جادَّة الشريعة، وما اتفقَّ عليه فقهاء المسلمين الماضين، ودلَّت عليه نُصوص الشريعة، حيث نقرأُ لهم عبْرَ الصُّحفِ والمقالات وبرامجِ التواصل الاجتماعي أو نَسمعهم عبْرَ الفضائياتِ والإذاعات يُهنِّئون الكفارَ بأعيادهم الدينية، أو يفعلونَ ما هو أٌقبح عند الله مِن ذلك وأشْنَع وأجْرم، فيُبيحونَ للناس ما حُرِّمَ عليهم، فيُحِلُّونَ لهم التهنئةَ بأعياد الكفار الدِّينية.

الوقفة الثانية / عن بعضِ الصُّورِ المَحرَّمةِ التي تَقعُ مِن بعض المسلمينَ في أثناء إقامةِ الكفارِ لأعيادِهم الدِّينية.

إنَّ مِن الأمور المُحرَّمة، والمُنكراتِ الشَّنيعة، التي تَقع مِن بعض المسلمينَ في أوقات إقامةِ الكفار لأعيادهم الدِّينية هذه الأربعة:

أوَّلًا ــ إجابةَ دعوةِ الكفار إلى حضور هذه الأعياد، فتَرى البعضَ يَحضرُ معَهم، ويُشاركُهم في الفَرحة والسُّرور، ويُهنِّئُهم، ويُبارِك لهم، ويَجلِب لهم الهدايا.

وثانيًا ــ إرسالَ كُروتِ أو بطاقاتِ التهنِّئةِ بعيدِهم، وقد تكون مصحوبةً بالورود والزُّهور، وذُكِرَ فيها أجملُ الكلماتِ والتبريكات والتمنِّيات.

وثالثًا ــ إعلانَ تَهنئَةِ الكفار بأعيادهم عبْرَ الفضائياتِ أو الجرائد أو المجلَّات أو مواقعِ الشبكة العنكبوتية “الإنترنت”، كما يَفعله بعض  الإعلاميينَ أو المسئولين أو التُّجارِ أو الوجهاءِ أو الدَّكاتِرة في العلوم المُختلِفة أو أصحابِ المواقعِ الإلكترونية.

ورابعًا ــ تأجيرَ الأماكنِ لَهم كصالاتِ الزواج والاستراحات وباحاتِ الفنادقِ والخيام وما شابهها، ليُقيموا فيها أعيادَهم الدِّينية ويَحتفلوا، وحُرِّمَ هذا على المؤمنينَ لأنَّه يُعين أهلَ الكفر على فِعلِ ما حرَّمَ الله، وقد نَهى الله عن ذلك بقول سبحانه: { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ }.

وقال العلامةُ العُثيمين ــ رحمه الله ــ: “وإجابةُ المسلمِ دعوتَهم بهذه المناسبةِ حرامٌ، لأنَّ هذا أعظمُ مِن تهنئتِهم بها، لِمَا في ذلك مِن مشاركتهم فيها، وكذلك يَحرُم على المسلمين التشبُّهَ بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة، أو تبادلَ الهدايا أو توزيعَ الحَلوى، أو أطباقِ الطعام، أو تعطيلَ الأعمال، ونحو ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ تَشَبَّه بِقَومٍ فَهُوَ مِنْهُم ))، ومَن فَعلَ شيئًا مِن ذلك فهو آثِمٌ، سواء فعلَه مُجاملةً، أو تَودُّدًا، أو حياءً، أو لِغيرِ ذلك مِن الأسباب، لأنَّه مِن المُداهنة في دين الله، ومِن أسباب تقويةِ نُفوس الكفار، وفَخرِهم بدينهم”.اهـ

الوقفة الثالثة / عن حُكمِ تِهنئةِ الكفارِ بأعيادِهم التي لا يزالونَ يَبتدعونَها ويُحدِثونَها لإغواءِ الناسِ لاسيَّما الفِتيان والفتيات ورَميهِم في مُستنقَع الرَّذيلة والفُجور، وجَرِّهِم إلى التشبُّه بِهِم ومتابعتِهم في هيئاتِهم وأفعالِهم وأقوالِهم وعاداتِهم، كعيد الحُبِّ وأشباهِه.

وهذه الأعيادُ لا يَحِلُّ تهنئتُهم بها، ولا يجوز إظهارُ السُّرور بحلولها، ويَحرُم التجاوُبُ معها، لا بالألبسة الحمراء، ولا بإهداء الورود وقبولِها، لا مع الأهل، ولا مع غيرِهم، ولا بإظهار زيادةِ الحُبِّ والغَرامِ والحُنوِّ والعاطفةِ مع الزوجة، ولا بتغييرِ مَظهرِ اللباسِ والبيتِ والسيارة، ولا بأيِّ شَكلٍ ومَظهرٍ وفِعلٍ يُجمِّلُ هذه الأعيادِ ويُزيِّنُها ويُحسِّنُها في أعين وقلوب الناس، لأنَّ هذه الأفعال مِن المسلمينَ تُعتبرُ مِن الاستجابة لِمخططات المفسدين، وتوسيعِها في صفوف الناس، وإعانتِهم على الاستمرار في الإفساد، والتجاوُبِ مع المحرَّمات والمُنكرات، والله تعالى قد زجَرَ عبَاده المؤمنين عن الإعانة على المحرَّمات والمُنكرات سواء كان فاعلُها مسلمًا أو كافرًا، فقال سبحانه: { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ }، باركَ الله لِي ولكم فيما سمعتم، ونفعنَا بِه في الدنيا والآخِرة، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــ

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمد عبدُه ورسوله.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فإنَّ مولاةَ أهلِ الإيمانِ والتوحيد بمحبَّتِهم ونُصرتِهم، والبراءةَ مِن أهلِ الكفرِ والشرك ببُغضِهم، وبُغضِ ما هُم عليه مِن كُفرٍ وشِركٍ ومُحرَّماتٍ وفُجًورٍ لَمِنَ الأصولِ العظيمة في الإسلام، والعبادات الجليلة العالية، حيث قال الله سبحانه: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ الله أَلَا إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ }، وقال ــ جلَّ وعزَّ ــ: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ }، وثبت عن النِّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ: الْحَبُّ فِي الله، وَالْبُغْضُ فِي الله )).

أيُّها الناس:

لا رَيبَ أنَّ الكفارَ بجميع مِلَلِهِم يُبغضونَ الإسلامَ وأهلَه ويُعادونَهم، ويَسعونَ لإضعافِهم وتمزيقِهم، وإطفاءِ نورِ الإسلام وحَجْبِهِ عن العِباد، وقد دلَّنَا على هذا، وأخبرَنا بِه ربُّنا الذي خلَقنا وخلَقَهم، وهو أدرى بِنا وبِهم مِن كلِّ أحد، وأعْرَفُ بظواهِر الجميعِ وبواطنِهم، فقال سبحانه: { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً }، وقال ــ جلَّ وعزَّ ــ: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَالله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }، وقال  ــ عزَّ شأنه ــ: { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }.

أيُّها الناس:

إنَّ بُغضَنا للكُفر وأهلِه ودعاتِه لا يُبيحُ لَنا شرعًا أنْ نَعتدِيَ عليهم في بلادنا، أو على أموالهم، أو على أعراضهم، لأنَّهم دخلوها وأقاموا فيها بعهدٍ وأمان، ولا يُبيحُ لَنا أيضًا أنْ نُحْدِثَ في بلادهم إنْ سافرنا إليها أو عِشنا فيها ما لا يَحِلُّ لنا، لأنَّنا دخلناها أو سكنَّاها بعهدٍ وميثاق، بخلافِ حالِ الجماعاتِ الخارجيةِ التكفيرية المعاصِرة، فإنَّهم ارتكبوا في حقِّ الكفار ما حرَّمَه اللهُ ورسوله، فقتلوا بعضَ مَن في بلاد المسلمين مِنهم، مِمَّن دخلوا إليها بعهدٍ وأمانٍ مِن قِبل وليِّ الأمْرِ أو أيِّ فرْدٍ مِن المسلمين المُكلَّفِينَ مِن الذُّكور والإناث، واعتدوا على أموالِهم وأعراضِهم، وغَدروا ونَقضوا العهود والمواثيق عند السفرِ إلى بلاد الكفار أو العيشِ فيها والإقامةِ، فأحدَثوا فيها ما هو شَرٌّ وضَرَرٌ وحرام، حيث فجَّروا فيها، وقتلوا الرجال والنساء والأطفال والشُّيوخ، وأتلفوا الأموال والمُمتلكات، وروَّعوا السُّكان والعُمَّال والمَارَّة.

ولا ريبَ أنَّ المسلمينَ المُستمسِكينَ بدينِهم لا يَرضونَ بِفِعالِهم هذه، لِمخالفتها لشرعِ الله، ويُنكرونَها على كل مَن فَعلَها، ويَبْرَئُونَ إلى الله مِنها ومِن أهلها ودعاتها، ويُبيِّنونَ بقدْرِ استطاعتهم مُخالفَتَها ومُخالفةَ مرتكِبيها لِنصوص القرآن والسُّنة الصَّحيحة، وأنَّ أهلَهَا غادرونَ مُعتدونَ ظَلَمةٌ فَجَرَة.

هذا وأسألُ الله تعالى أنْ يُباعدَ بينَنا وبين ما حرَّمَ علينا، وأنْ يُعينَنا على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته، اللهم لا تُهلكنا بذنوبنا وآثامِنا، ولا تُلهنا بدنيانا وأنفسِنا وأهلينا عن ديننا وآخِرتِنا، اللهم صَرَّف قلوبَنا وأسماعَنا وأبصارَنا وجوارحَنا إلى مراضيك، اللهم إنَّا نعوذ بكَ مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارزقنا الأمنَ والأمان، وجنِّبنا أسبابَ حُلول الخوفَ والفُرقة، وقوِّنا بالاعتصام بالتوحيد والسُّنة، وباعد بينَنا وبين الشركَ والبدع ودعاتهما، اللهم إنَّا نسألك عِيشةً هنيَّة، ومِيتتةً سوِّية، ومرَدًّا غير مُخْزٍ ولا فاضِح، ووفِّق ولاتَنا وجندَنا لحفظِ الإسلامِ ونُصرتِه، إنَّك سميع مُجيب، وأقولُ قولِي هذا، وأستغفرُ اللهِ لِي ولَكم.