إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: “وجوب إقامة الحدود الشرعية على المستحقين لها وأثر تطبيقها على العباد والبلاد”

خطبة مكتوبة بعنوان: “وجوب إقامة الحدود الشرعية على المستحقين لها وأثر تطبيقها على العباد والبلاد”

  • 8 يناير 2016
  • 188
  • إدارة الموقع

وجوب إقامة الحدود الشرعية على المستحقين لها وأثر تطبيقها على العباد والبلاد

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، ورب الناس أجمعين، مالك الملك، الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، بلغ الرسالة وأدّى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

أما بعد، أيها الناس:

فلا ريب أن الحكم بين العباد بشرع الله المنزَّل على رسوله صلى الله عليه وسلم من أعظم العبادات، وأهم الواجبات، وآكد الحقوق على الولاة، حيث قال سبحانه آمراً به: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ }.

وبيَّن سبحانه أن تحكيم شرعه بين عباده أحسن لهم، وأصلح لأحوالهم، فقال – عز وجل -: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }.

وذم – جل وعلا – من لم يتحاكم إلى شرعه ويُسلِّم له، ويرضى به، وتوعده شديداً، فقال تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }.

وأخبرنا سبحانه عن حال أهل الإيمان وحال أهل القلوب المريضة إذا دُعوا إلى التحاكم إلى شرعه المنزَّل على رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال – عز شأنه – عن المؤمنين: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }.

وقال عن أهل القلوب المريضة: { وَإِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ }.

وأعلمنا سبحانه أن كل تحاكم إلى غير شرعه إنما هو تحاكم إلى الطاغوت، وإضلال من الشيطان، وعاب من فعله، فقال – عزّ من قائل -: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً }.

أيها الناس:

إن من نعم الله الكبرى التي تفضل بها على أهل هذه البلاد، البلاد السعودية، وأكرمهم بها منذ التأسيس، أن قيظ لهم ولاة أمر يحكمون بينهم بشرع الله المطهر، ويلزمون العباد أحكامه، ويطبقونه بمرأى ومسمع من العالم كله، وذلك فضل الله يكرم به من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.

فَحُقَّ لهم أن يفرحوا بهذه النعمة شديداً، وكيف لا يفرحون وقد قال ربهم سبحانه آمراً: { قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }.

وواجب عليهم أن يشكروا ربهم على هذه النعمة كثيراً، وقد قال سبحانه: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }.

وحَقٌّ عليهم أن يشكروا ولاة أمرهم على تحكيمهم للشريعة، وأن يلهجوا بالدعاء لهم، والثناء عليهم بذلك، ويحفظوا هذا الجميل لهم، ولا يتناسوه أو يُغفلوه أو يتعاموا عنه، فهذا من طبع اللئام وأهل الجحود، وفعل أصحاب النكران للفضل والجميل، وصفات أهل الغل والحقد والحسد، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ الله )).

وقد تَسَبَّب نُكران النساء لمعروف وإحسان وفضل الأزواج عليهن في كونهن أكثر أهل النار، حيث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِالله؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ )).

بل وكل مؤمن حق أكرمه الله فسلَّم قلبه من الغل والحقد والحسد يفرح بهذا التحكيم للشرع المطهر على هذه البلاد وجميع من يسكن فيها، ويحبه لهم ومنهم، لأنه يعلم وجوب تحكيم شرع الله بين عباده، ويعرف أن الفرح بذلك ومحبته من أجلِّ صفات أهل الإيمان، حيث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ )).

أيها الناس:

إن مما يسر قلوب أهل الإيمان كثيراً، ويطمئن العباد على بلادهم وأنفسهم وأموالهم شديداً، ويحفظ الأمن ويقويه، ويضعف الإجرام والاعتداء، ما قامت به الحكومة السعودية في يوم السبت المنصرم من إقامة العقوبات الشرعية، وتنفيذ الحدود والتعزيرات التي قضت بها المحاكم الشرعية، على أقوام شرعوا في أنكر أنواع الإجرام، وباشروا أقبح صور العدوان، فشقوا عصى الطاعة، وفارقوا الجماعة، وخرجوا على الولاة المسلمين بالقول والسلاح، وأفسدوا في الأرض، فقتلوا من حرم الله قتله من رجال الأمن وعموم المسلمين وأهل العهد والأمان من غير المسلمين، ودمروا وأتلفوا ونهبوا ممتلكات الناس، وممتلكات بيت مال المسلمين، وأضروا بالاقتصاد، وأدخلوا الخوف والرعب على الناس، وزعزعوا الأمن، وتعرضوا للناس في مراكبهم وأعمالهم وطرقاتهم بالسلاح، بل حتى المساجد لم تسلم من شرورهم، وحرضوا على ذلك عبر أجهزة الإعلام والتواصل المسموعة والمرئية والمقروءة، وأفتوا به، ودعوا الناس إليه، وشجعوهم للالتحاق بأهله.

فدخلوا في قول الله سبحانه وحكمه المصلح للعباد والبلاد: { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.

ودخلوا في قول النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه المصلح للدين والدنيا فيمن سعى في تفريق أمر المسلمين المجتمعين على ولي أمرهم، حيث صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ )).

وفي لفظ آخر: (( فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ )).

بارك لله لي ولكم فيما سمعتم، ونفعنا به، إنه سميع الدعاء.

وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــ

الحمد لله وكفى، وأشهد أن لا إله إلا الله المعبود المرتجى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه نجوم الهدى، وكلِّ من سار على نهجهم واقتفى.

أما بعد، أيها الناس:

إن في إقامة الحدود والتعزيرات الشرعية على مستحقيها خير عظيم جداً للعباد والبلاد، ففيها ردع لأهل الإجرام والإرهاب والإفساد، وتخفيف من شرورهم وعدوانهم على العباد وأموالهم وأعراضهم، وفيها ترهيب للناس من سلوك مسالك المفسدين في الأرض، وفيها تقوية الأمن، واستقرار البلاد، وطمأنينة الخلق في إقامتهم وأسفارهم على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وفيها تقليل للشر والفساد الديني والأخلاقي، وفيها كبح للقتل والسرقة والظلم والاعتداء والفجور والزنا والقذف، وكسر لشوكة أهل ذلك، وعصاباته، ودعاته، وقنواته، وفيها زجر الناس والقبائل وأهل الأماكن من التسلط أو الاعتداء على بعض.

وفي بعض هذه المصالح يقول الله – عز وجل -: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

فتأملوا – سلمكم الله وسددكم – قول ربكم هذا، وكيف بيَّن سبحانه أنه امتن على عباده المؤمنين، بأن فرض عليهم { الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى } أي: المساواة فيه، وأن يُقتل القاتل على الصفة التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد.

وتوجيه الخطاب بذلك لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طَلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين.

ثم بيَّن تفصيل ذلك، ثم ختم فبين حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } أي: تنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قَتل، لا يكاد يصدر منه القتل، وآثر حب حياته ونفسه، فكان فيه حياة له ولمن أراد قتله، وإذا رُئي القاتل مقتولاً انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل، لم يحصل انكفاف الشر، الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والانزجار، ما يدل على حكمة الحكيم الغفار، ونكَّر “الحياة “لإفادة التعظيم والتكثير.

ومن وجه آخر: فقد كان الناس قبل الإسلام إذا قُتل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم  قَتلوا به كل من وجدوه من عشيرة القاتل وحيّه وقبيلته، وكان في ذلك من الفساد والهلاك ما يعم ضرره، وتشتد مؤنته، فشرع الله تعالى القصاص، وأن لا يُقتل بالمقتول غير قاتله، ففي ذلك حياة عشيرته وحياة أقاربه.

ولما كان هذا الحكم، لا يعرف حقيقته، إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة، خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى، يحب من عباده، أن يُعملوا أفكارهم وعقولهم في تدبر ما في أحكامه من الحكم، والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته، وعدله ورحمته الواسعة.

اللهم وفق عبدك خادم الحرمين الشريفين وجنده ورجالات دولته لما تحب وترضى، وأمدهم بالعون والنصرة، واكتب لهم التوفيق والسداد، واكلأهم بالحفظ والسلامة، وارفع لهم في الدرجات، وأكرمهم بالجنة ونعيمها الذي لا ينقطع، اللهم قاتل النصيريين والحوثيين والخوارج ومن عاونهم وساندهم، واشدد وطأتك عليهم، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، ومزقهم في الأرض كل مُمَزق، ولا تجعل لهم على السنة وبلادها وأهلها سبيلاً، واخذلهم في العالمين، اللهم من جاهدهم فأعزه، ومن مات في جهادهم فاقبله شهيداً، ومن ساندهم بقول أو مقال أو إعلام فاخذله وامكر به واكشف تلبيسه، اللهم ارفع البأس والضراء عن إخواننا المستضعفين في سوريا، اللهم قاتل من يقتلهم، وأهلك من يحاصرهم، واشف مريضهم، وأمِّن خائفهم، وأشبع جائعهم، وألبس عاريهم، وارحم النازح منهم، واجبر قلب كسيرهم، وخفف آلامهم وأحزانهم، واربط على قلوبهم فلا يقولوا ويفعلوا إلا ما يرضيك، وارزقهم الصبر والرضا بما قدَّرت، إنك سميع الدعاء، و { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ }.