إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: ” ترغيب أهل الإيمان بالإكثار مِن صيام شعبان وشيء من فضائل صوم التطوع وأحكام قضاء الفائت من رمضان “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” ترغيب أهل الإيمان بالإكثار مِن صيام شعبان وشيء من فضائل صوم التطوع وأحكام قضاء الفائت من رمضان “.

  • 5 مايو 2016
  • 7٬319
  • إدارة الموقع

ترغيب أهل الإيمان بالإكثار مِن صيام شعبان وشيء من فضائل صوم التطوع وأحكام قضاء الفائت من رمضان

الخطبة الأولى:ـــــــــ

الحمد لله الذي يعلم سِرَّ كل نفس ونجواها، وأحاط علمه بجميع أقوال وأفعال عباده وأحصاها، ويوم القيامة يُجازيهم فيُكرِم مَن زكَّاها، ويعذِّب مَن دسَّاها، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمدٍ المبعوث بأكمل الشرائع وأسناها، والبالغ أرقى الرُّتب وأعلاها، وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين عَضُّوا على سُنَّته بالنواجذ وتمسَّكوا بعُراها، وعنَّا معهم يا خالقنا ومولانا.

أمَّا بعد، فيا عباد الله:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله ــ عزَّ وجلَّ ــ فاتقوا الله في السِّر والعلن، وراقبوه مُراقبة أصحاب القلوب الخاشية، وإيَّاكم والأمنَ مِن مَكْرِه، والقُنوطَ مِن بِرِّه، وتعرَّضوا لأسباب رحمته ومغفرته، واعملوا كل سبب يُوصلكم إلى رضوانه وفضله العظيم، ويُقرِّبُكم مِن جنَّته، ويُباعدكم عن ناره، فإنَّ رحمة الله قريب مِن المحسنين، وقد قال سبحانه آمِرًا لكم بتقوا، ومُذَكِّرًا بمحاسبة النَّفْس، ومُحذَّرًا مِن نسيانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }.

واعلموا أنَّ مِن أعظم ما تقرَّب به المتقرِّبون إلى الله ربِّهم، وأوصلَهم المنازل العالية، وهذّبَ نفوسَهم وأخلاقَهم، ورقّقَ قلوبَهم وأصلحها، وأعفَّ عن الحرام فروجَهم وألسنَتهم، عبادةَ الصيام، تلك العبادة التى صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في تعظيم شأنها: (( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي )).

وثبت عن أبي أمامة ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال لِرسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مُرْنِي بِعَمَلٍ لِعَلِيِّ أَنْتَفِعُ بِهِ فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ», فَمَا رُئِيَ أَبُو أُمَامَةَ وَلَا امْرَأَتُهُ وَلَا خَادِمُهُ إِلَّا صِيَامًا، فَكَانَ إِذَا رُئِيَ فِي دَارِهِ الدُّخَانُ بِالنَّهَارِ قِيلَ: اعْتَرَاهُمْ ضَيْفٌ )).

عباد الله:

إنَّكم على مَقرُبة مِن شهر شعبان، وما أدراكم ما شهر شعبان؟ إنَّه شهر تُرفع فيه أعمال العباد إلى ربِّهم ــ جلَّ وعزَّ ــ ، فهنيئًا لِمن رُفعَت له فيه أعمال صالحة وهو صائم، فقد جاء بإسناد حسَّنه عديد مِن العلماء عن أسامة بن زيد ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ تَصُومُ فِي شَعْبَانَ صَوْمًا لَا تَصُومُ فِي شَيْءٍ مِنَ الشُّهُورِ، إِلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فّقَالَ صلى الله عليه وسلم: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ، وَشَهْرِ رَمَضَانَ، تُرْفَعُ فِيهِ أَعْمَالُ النَّاسِ، فَأُحِبُّ أَنْ لَا يُرْفَعَ لِي عَمَلٌ، إِلَّا وَأَنَا صَائِمٌ )).

وصحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها سُئلَت عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (( وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا )).

فبادروا ــ سدَّدكم الله وقوَّاكم ــ إلى الاقتداء بنبيكم صلى الله عليه وسلم بالصيام في شهر شعبان، والإكثارِ مِنه، حتى إذا رُفعَت أعمالكم إلى ربِّكم ــ جلَّ وعلا ــ رُفعَت وأنتم صائمون، لعَلَّه سبحانه أنْ يُعْظِم أُجُورَ أعمالكم الصالحة، وإنْ صَغُرَتْ أو قلَّت، ويتجاوزَ عن تقصيراتكم، ويُدخلَكًم في عفوه ورحمته الواسعة، فتَسْعَدوا وتُفلحوا دومًا وأبدًا.

عباد الله:

لقد تكاسل وتشاغل أكثرنا عن صيام التطوع، مع عِظَم وجلالة ما ورَد في شأنه مِن الأحاديث النبوية الكثيرة المُبيِّنة لأنواعه، والمُرغِّبة فيه، والمُعدِّدة لِثماره، وما فيه مِن الحسنات الكثيرات، والأجور العاليات، والمكاسب الطيبة التي تنفع العبد في دنياه وأُخْراه.

ولأنَّ النُّفوسَ تَتُوقُ وتَتشوَّقُ لِما له فضائل، وتتزايدُ أُجُوره، وتعلو بسببه منزلة أهله،  فدونَكم ــ سلَّمَكم الله ــ جُملة مِن فضائل صيام التطوع، والتنفل بالصيام.

فَمِن هذه الفضائل:

أنَّه مِن أسباب تكفير الذنوب والخطايا، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ )).

ومِن هذه الفضائل:

أنَّه مِن أسباب البُعد والعِفَّة عن الحرام، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ )).

ومِن هذه الفضائل:

أنَّه يُسَدُّ بِه يوم القيامة النَّقصُ والخلَلُ الذي وقع مِن صاحبه في صيام الفريضة، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم إنَّه قال: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى نحو ذَلِكَ )).

ومِن هذه الفضائل:

أنَّه مِن أسباب نَيلِ العبد محبَّة ربِّه سبحانه له، ودَفْعِهِ ودِفَاعِه عنه، وتوفِيقهِ وتسديده، وإجابةِ دعوته، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِنَّ اللَّهَ قَالَ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ )).

وقد قال الله ــ تبارك اسمه ــ آمرًا لكم ومُرغَّبًا إلى المسارعة إلى الإكثار مِن الأعمال الصالحة التي تُنيلكم مغفرَتَه وجنَّتَه: {  وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }.

وقال ــ جلَّ وعزَّ ــ مُبشِّرًا لكم على ذلك: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }.

هذا وأسأل الله أنْ يُعينني وإيَّاكم على الإكثار مِن صيام شعبان، وفي جميع أوقات الصيام المسنون، إنَّه سميع الدعاء.

الخطبة الثانية:ـــــــــ

الحمد لله الذي عَلا في سمائه، وجَلَا باليقين قلوب أوليائه، وخارَ لهم في قدَرِه، وبارك لهم في قضائه، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة مؤمن بلقائه، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، فصلى الله وسلَّم عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه.

أمَّا بعد، فيا عباد الله:

لقد قال الإمام الحافظ ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ عن رفع أعمال العباد إلى الله ربِّهم سبحانه:

ونَظيرُ هذا رفْعُ الأعمال وعرْضُها على الله تعالى، فإنَّ عملَ العام يُرفع في شعبان، كما أخبر بِه الصادق المصدُوق، أنَّه: (( شَهْر تُرْفَع فِيهِ الْأَعْمَالُ، فَأُحِبّ أَنْ يُرْفَع عَمَلِي وَأَنَا صَائِم ))، ويُعرَضُ عملُ الأُسبوع يومَ الاثنين والخميس، كما ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم في “صحيح مسلم”، ويُعرَضُ عمل اليوم في آخِره، والليلة في آخِرها، كما في حديث أبى موسى الذى رواه مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ))، ثم إذا انقضى الأجل رُفِعَ العمل كلُّه، وعُرِضَ على الله، وطُويَت الصُّحف، وهذا عَرْضٌ آخَر.اهـ

عباد الله:

مَن كان مِنكم أو مِن أهليكم قد بَقِيَت عليه أيَّامٌ مِن شهر رمضان الماضي لم يَصُمْها فليُبادر إلى قضائها قبل أنْ يَدخل عليه شهر رمضان الجديد.

وأمَّا مَن فرَّط فأخَّر القضاء بعد تمكُنِّه مِنه حتى دَخل عليه رمضان آخَر، فإنَّه آثمٌ، وعليه مع القضاء فِدية وكفارة، وهي إطعامُ مسكينٍ عن كل يوم أخَّرَه.

وقد جاء في كتاب “الإقناع في مسائل الإجماع” للفقيه ابنِ القَطانِ الفاسيِّ المالكي ــ رحمه الله ــ:

ومَن أمكَنه القضاء فلم يقضِ حتى دخل رمضان آخَر فقد عَصَى بتأخير القضاء إلى هذا الوقت، ومَن أخَّرَ القضاء عن وقته فإنَّه يصوم رمضان الذي حصل فيه باتفاق، فإذا خرج قَضَى ما كان عليه، وعليه الفِدية عن كل يوم، وبِه قال عديدُ أهل العلم، وهو عندنا إجماعُ الصحابة.اهـ

وصحَّ عن أمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت: (( كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ )).

هذا وأسأل الله الكريم أنْ يُجنِّبني وإيَّاكم الشِّرك والبِدع، اللهم ارزقنا لزوم التوحيد والسُّنة والاستقامة عليهما إلى الممات، وطهِّر أقوالنا وأسماعنا وجوارحنا عن كل ما يُغضبك، واشرح صدورنا بالسُّنة والاتباع، وأصلح بالخير والهُدى ولاتنا وجُندنا وأهلينا وأولادنا وجيراننا، اللهم ثبِّتنا في الحياة على طاعتك، وعند الممات على قول لا إله إلا الله، وفي القبور عند سؤال مُنكَرٍ ونَكِير، وليِّن قلوبنا قبل أنْ يُليِّنها الموت، واجعلها خاشعة لِذكْرك وما نزَل مِن الحق، وارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم ارفع الضُّر عن المتضرِّرين مِن المسلمين في كل مكان، وأعذنا وإيَّاهُم هم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنَّك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.