إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة قصيرة مكتوبة بعنوان: ” موعظة وتذكير لأوَّل جمعة مِن شهر شوال “.

خطبة قصيرة مكتوبة بعنوان: ” موعظة وتذكير لأوَّل جمعة مِن شهر شوال “.

  • 8 يوليو 2016
  • 8٬227
  • إدارة الموقع

موعظة وتذكير لأوَّل جمعة مِن شهر شوال

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله جامعِ الناس ليوم لا ريب فيه، عالمِ ما يُسِرُّه العبد وما يُخفيه، أحصى عليه خطرات فِكره وكلمات فِيه، مَن توكَّل عليه كفاه، ووجد كفايته خيرًا مِن توقِّيه، ومَن تواضع له رفعه، وزاد بقدر تواضعه في ترقِّيه، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، مُعلِّمُ الإيمان وداعيه، وأكمل الناس في عبادته وخُلقه وهديه، وعلى أجلَّة الناس وهُم آل بيته وصحبه، وعلى كل مَن حُمِدت في الإسلام سيرته ومساعيه.

أمَّا بعد، فيا أيُّها الناس:

اتقوا الله ربَّكم بالعمل بما يُحبُّه ويُرضيه، وسارعوا إلى مغفرته وجنَّته بلزوم أمره واجتناب نواهيه، فالمؤمِن مَن يرجو الله ويتقيه، ولا تتبعوا خُطوات الشيطان فإنَّه يُضِل مَن اتَّبعه ويُغويه، ويأمره بالفحشاء والمُنكر وإلى طريق الجحيم يهديه، ولقد كنتم ترتقبون مجيءَ شهر رمضان، ولقد جاءكم وخلَّفتموه وراء ظهوركم، وهكذا كل مُسْتَقبَلٍ سوف يصل إليه العبد ثم يُخَلِّفه وراءه حتى الموت، ولقد أودعتموه ما شاء ربُّكم أنْ تُودعوه مِن الأعمال، فمَن كان مِنكم قد أحسن فيه العمل فَلْيُبْشِرْ بالقبول، فإنَّ الله يتقبل من المتقين، وإنَّه سبحانه لا يُضيع أجْر المحسنين، ومَن كان مِنكم مسيئًا ومِن أهل التقصير فليتُب إلى الله خالقه، فالعُذر قبل الموت مقبول، والله يُحب التوابين، ويَفرح بتوبة عبده المؤمن، ومَن ركب ما تهواه نفسه، فلم يتُب إلى ربِّه توبة نصوحًا، ولم يَنزجر عن عصيانه، واستمر في غيِّه وتفريطه، فقد قال ربُّه – جلَّ وعزَّ – مُبشرًا ومُرهبًا -: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }.

أيُّها الناس:

لئن انقضى شهر المغفرة والرحمة ومضاعفة الأجور رمضان، فإنَّ زمَن العمل لا ينقضي إلا بالموت، ولئن تصرَّمت أيَّام صيام وقيام رمضان، فإنَّ الصيام والقيام لا يزالان مشروعان ولله الحمد في باقي العام، فقد سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام سِتٍّ مِن شوال بعد الانتهاء مِن صيام شهر رمضان، ليحصُل العبد على أجْر صيام سَنة كاملة، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ))، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنَّه قال: (( صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ )).

ولا يجب صيام هذه السِّتِّ مِن أوَّل الشهر، ولا متتابعة، ومَن بادر إلى صيامها أوَّل الشهر وتابعها فهو أفضل، ومَن أخَّرَها أو فرَّقها فلا حرج، ومَن صامها قبل قضاء ما فاته مِن رمضان لم يَدخل في ثواب هذا الحديث، لظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ )) إذ لا يَصْدُق إلا على مَن أتمَّ صيام جميع أيَّام رمضان.

وسَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام يوم الاثنين والخميس، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ )).

وأوصى صلى الله عليه وسلم أصحابه بصيام ثلاثة أيَّام مِن كل شهر، فصحَّ عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: «صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» )).

وصحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص ــ رضي الله عنهما ــ: (( وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ )).

ومَن أمكنه أنْ يَجعل صيام الثلاثة أيَّام مِن كل شهر في: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، مِن الشهر، وهي: الأيَّام البِيض، فهو أفضل وأعظم أجرًا، وإلا صامها في أيِّ وقتٍ مِن الشهر.

وسَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل طِوال السَّنة، ورغَّب فيه، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ))، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ )).

أيُّها الناس:

بادروا أعماركم وأيامكم بأعمالكم الصالحة قبل انقضائها، وحقِّقوا أقوالكم بأفعالكم، إذ كَبُر مقتًا عند الله أنْ تقولوا ما لا تفعلون، واغتنموا ما بَقي مِن أوقات حياتكم بالإكثار مِن الطاعات قبل الممات، فإنَّ حقيقة العُمُر ما أمضاه العبد بطاعة ربِّه ومولاه، فبِها يَحيى حياة طيبة في الدنيا والآخرة، وما سِوى ذلك فذاهِبٌ خسارًا، ومسئوولٌ عنه، ومُحاسَبُ عليه، وقد ثبت أنّ السَّلف الصالح ــ رحمهم الله ــ في أوَّل الإسلام كانوا يتواعظون بهذه الأربع، يقولها بعضهم لبعض: (( اعْمَلْ فِي شَبَابِكَ لِكِبَرِكَ، وَاعْمَلْ فِي فَرَاغِكَ لشُغْلِكَ، وَاعْمَلْ فِي صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَاعْمَلْ فِي حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ )).

فرَحِم الله عبدًا اغتنم أيَّام الشباب والقوة، وأوقات الصِّحة والفراغ، فأسرع بالتوبة والإنابة قبْل طيِّ الكتاب، وأكثر مِن صالح الأعمال، وطيِّب الأفعال، وجميل الأقوال، قبل حُلول الأجل، قبل أنْ يتمنَّى ساعة مِن ساعات العُمُر ليستدرك ما قصَّر فيه أو فرَّط، قبل أنْ تقولَ نفسٌ: { يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله }، قبل أنْ تقولَ حين تَرى العذاب: { لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }، قبل أنْ تقولَ وهي تُعذَّب في النَّار: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } { رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ }، ولكن لا جدوى مِن ذلك، ولا نَفع حينها، فقد فات زمَن الإمكان، وانصرم وقت الإمهال، وأُغلِق باب المراجعة للنفس والمحاسبة، ولم يَبق مع العبد إلا ما قدَّمت يداه، وما اكتسبه في حياته مِن طاعة أو عصيان، وجنَاه مِن إساءة أو إحسان، وحازَه مِن خيرٍ أو شَر، { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }.

فاللهم اغفر لنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين، وأعنَّا على ذِكرك، وشُكرك، وحُسْن عبادتك، إنَّك جواد كريم.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله ربِّ كلِّ شيء ومليكه، وراحمِ عباده المُتفضِّلِ عليهم بكلِّ نِعمة جليلة، والصلاة والسلام على عبده ورسوله النَّبي الأُمِّي القرشي المُنيب الأوَّاه، وعلى آله وأصحابه وسائِر مَن آمَن بِه واتَّبعَه ووالاه.

أمَّا بعد، فيا أيُّها الناس:

اتقوا الله ربَّكم وخالقَكم بالمحافظة على ما افترضه عليكم مِن الطاعات وأوجبه، واستكثروا مِن نوافل ومُستحبَّات العبادات، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ ربَّه سبحانه تفضَّل عليكم، فقال: (( مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ )).

ولا تَزهدوا في شيء مِن القُربات ولو صَغُرت في أعينكم، فإنَّها تَقيكم النَّار ولهبَها، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ )).

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: « فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ »)).

ولا تَستصغِروا مِن الذنوب شيئًا فتجترِئوا على فِعلها، فإنَّ ذلك دليلُ ضِعفِ الإيمان، وطريقُ خسارةٍ وبوار، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ )).

وإنَّ القويّ في إيمانه هو مَن داوم على طاعة ربِّه الكريم ومولاه، ولو بقليلِ نَفْلٍ مُسْتَحَبٍّ مِن الصيام في شهره، أو قليلٍ مِن قيام الليل، أو قليلٍ مِن الصدقة في يومه أو أسبوعه أو شهره، أو بِحزبٍ يومِيٍّ يَسيرٍ مِن تلاوة القرآن وذِكر الله واستغفاره، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ: خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ )).

هذا وأسأل الله الكريم أنْ يجعلني وإيَّاكم مِمَّن صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا فَغُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبه، وأنْ يُعيننا على الاستمرار على طاعته إلى الوفاة، وأنْ يقيَنا شرَّ أنفسنا، وشرَّ أعدائنا، وشرَّ الشيطان، اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، وأجدادنا وجداتنا، وسائر أهلينا، اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان، وارفع عنهم القتل والاقتتال، وأزل ما حلَّ بهم مِن خوف وجوع وتشرُّد، وأعذنا وإيَّاهُم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم وفق ولاة أمورِ المسلمين لكل ما يُرضيك، واجعلهم عاملين بشريعتك، معظِّمين لها ومدافعين وناصرين، وأزِل بِهمُ الشرك والبدع والآثام والظلم والعدوان والبغي، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واجعلهم في قبورهم مُنعَّمِين، وأكرمنا وإيَّاهُم في الآخرة برضوانك والجنَّة والنظر إلى وجهك الكريم، إنَّك يا ربَّنا لسميع الدعاء، وواسع الفضل والعطاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم