إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: ” هكذا دمرت المظاهرات بلاد المسلمين وأحرقت وأفقرت وشردت سكانها

خطبة مكتوبة بعنوان: ” هكذا دمرت المظاهرات بلاد المسلمين وأحرقت وأفقرت وشردت سكانها

  • 10 نوفمبر 2016
  • 2٬220
  • إدارة الموقع

هكذا دمرت المظاهرات بلاد المسلمين وأحرقت وأفقرت وشردت سكانها

 

الخطبة الأولى: ـــــــــــ

الحمد لله القادر المقتدر ذي القوة والحول، الصادقِ وعده بنصر من نصره، المتواترِ لأهل توحيده إعانته وإمداده، المرجوِّ ورحمته الواسعة، المخشييِّ ونقمه الدامغة، المؤيِّد دينه بتدمير من بدَّله وغيَّره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي أَنزل عليه آياتِه وسوره، وأسَّس به شريعته المطهرة، وأطفأ ببيانه وسيفه الشرك ومناراته، وأيده بأصحابه الكرام البررة، اللهم فصل وسلم وبارك على هذا النبي الكريم، وآله الأخيار الناهجين منهاجه الذي شرعه، وصحابته الأبرار المُرتقين بمتابعته أسمى رتبة، المشرَّفين بأنهم أنصاره وأعوانه، المُنهدمة بهم عروش الضَّلال، وفلول الضُّلَّال ورؤوسهم.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله – جل وعلا – بلزوم شرعه، والعمل بأحكامه، يحق لكم رضوانه، فتفلحوا وتسلموا من شرور الدنيا والآخرة، وإياكم ومعصيته والعدول عن حكمه وشرعه، فإنما هلاك الدنيا والآخرة عصيانه في أمره ونهيه، وقد قال ربكم سبحانه آمرًا لجميعكم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }.

أيها الناس:

إنكم اليوم لتسمعون وترون وتعايشون واقعًا مُرًا أليمًا، وحالًا بئيسًا نكِدًا، ومظهرًا مرعبًا مكدِّرًا، ووضعًا حرِجًا عسيرًا، يجتاح عددًا من بلادنا الإسلامية العزيزة على قلوبنا، حيث اجتاحتها أمواج عاتية من الفتن، فتن تحرق الدين، وفتن تحرق العقل، وفتن تحرق البدن، وفتن أشعلت الحروب، وزادت الكروب، واجتالت الأنفس والثمرات، وملأت المستشفيات والبيوت بالمصابين وأهل العاهات، وأذهبت الأموال والممتلكات، وأحرقت المدن والأرياف، ودمَّرت البيوت والمراكب والمساجد، وأتلفت الزروع والثمار، وأفزعت الرجال والنساء، والصغار والكبار، والحاضر والباد، والغني والفقير، والصالح والفاسد، فتن قسَمت الدولة الواحدة إلى دويلات، وأججت بين أفرادها العداوات، فتن أزالت الأمن والاستقرار، وأضعفت الجيوش وحماة الأوطان، وكثَّرت الأرامل والأيتام، فتن أضعفت الاقتصاد، وأهدرت الثروات، وزادت الفقر وجوع الناس، ووسعت البطالة، وقللت الوظائف والأعمال، وأيقظت أهل الإفساد والإجرام، فزادت السرقات والاعتداءات.

أتدرون – عباد الله – لِما أصابنا ذلك، وما سبب ما نحن فيه، ولماذا حلَّ بنا، إنه بسبب مخالفة شرع الله ودينه البيِّن الوضح القويم في التعامل مع حكامنا وولاة أمرنا إذا حصل منهم ظلم وجور، ووقعوا في خلل وتقصير، وظهرت منهم أمور تخالف تعاليم الدين، واستأثروا دوننا بشيء من أموال الدنيا الزائلة وأراضيها ومناصبها.

حيث أمرت الشريعة بالصبر على جورهم وظلمهم واستئثارهم، وبالسمع والطاعة لهم في غير معصية الله سبحانه، وأن تكون نصيحتهم سرًا لا جهرًا، ونهت عن نزع اليد من طاعتهم، وعن الخروج عليهم بقول أو فعل، بسلاح أو بدون سلاح، وعن سبِّهم وشتمهم وتحريض الرعية وتأليبهم عليهم وإهانتهم.

لأن هذا السبيل يقلل الفتن والشرور عن الناس وبلادهم، ويضعف المفاسد والمصائب، ويدفع الأضرار والغوائل، ويقوي اللُّحمة وتماسك البلاد، ويُخفف الفُرقة والتناحر، ويُبقي على الألفة والتآلف، ويكثِّر المصالح والخيرات، ويزيد في الأمن والرخاء، ويحفظ الدين والدنيا والنفوس والأعراض والأموال، وكيف لا يكون كذلك، وهو حكم الله وشرعه بين الرَّعية وحاكمها، والله سبحانه هو خالق المحكومين والحاكمين، وأدرى بما يصلح دينهم ودنياهم، فشرع لهم هذا التعامل، وأكرمهم بهذه المعاملة والعلاج.

ولكن وا أسفاه ووا ندماه أبَت وتنكَّبت جموع غفيرة وأعداد هائلة من شباب الأمة وشاباتها أن تنقاد لهذا الحكم، وتعمل به، إما جهلًا به، أو اتباعًا لهوى النفوس، أو اعتدادًا بآراء العقول، أو طمعًا في مناصب الدنيا وجاهها ومالها، أو حُبًّا في الشهرة والتصدر، أو تضليلًا من دعاةِ ووعاظِ ورموز جماعاتٍ دينية سياسية أو أحزاب لبرالية وعلمانية تريد الوصول للحكم والسلطة عن طريقهم، أو تقليدًا لأهل الكفر في بلاد الغرب والشرق، أو انخداعًا بالمحللين السياسين وأقوالهم عبر أجهزة الإعلام وصحفها وقنواتها الفضائية.

أبوا أن يُعالجوا ما يحصل من حكامهم وولاة أمرهم إلا بطريق المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات والاعتصامات، فجَرَّهم هذا التعامل وهذه الطريقة إلى المواجهة مع حكامهم، والثورة عليهم، والسعي في إزالتهم.

جاءتهم فتاوى أكابر أهل العلم من أئمة أهل السنة والحديث كابن بازٍ والألباني والعُثيمين والفَوزان والوادِعي والعَبَّاد والمَدخلي والنَّجمي والجامي والجابِري وآلِ الشيخ والغُديان والغُصون واللُّحيدان والسُّبيل وأضرابهم بأن هذه الأمور المذكورة لا تجوز شرعًا، وأنها ستجر على العباد والبلاد شرورًا أكبر، ومفاسد أعظم، وفقرًا أشد، ومصائب أكثر، وستجلب الحروب، وتزيل الأمن، وبيَّنوا لهم أدلة ذلك من القرآن والسنة وأقوال الصحابة وكتب اعتقاد السلف الصالح، وأكدوا ذلك بذكر صور التاريخ البعيدة والقريبة والعديدة بآثار الثورات على الحكام وأنها مُرَّة وأليمة وبئيسة وفظيعة لعلهم يتعظون ويعتبرون فيرجعوا عن ذلك، ولكن لا فائدة في القوم، ولا جدوى منهم، إن نصحت فكأنما تشاهد عقولًا قد سُلبت، وفِطرًا قد مُسخت، ونفوسًا قد تحجَّرت، وأفهامًا قد لوِّثت.

 وهذا هو الإمام الكبير ـ الذي فاق أهل زمانه علمًا ومعرفة ودراية ـ ابن تيمية الحراني الدمشقي – رحمه الله – قد استقرأ وسبر لنا تاريخ هذه الثورات على الولاة وما نَجم عنها، فقال في كتابه “منهاج السنة النبوية”:

وقلَّ من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تَوَلَّد على فعله من الشر أعظم مما تولَّد من الخير.اهـ

وقال أيضًا: ولعله لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته.اهـ

ويا لله كم للصومال وهي تحترق، أظنها قد بلغت الثلاثين عامًا، بل انقسمت إلى ثلاث دويلات وحكومات، وكم لأفغانستان وهي تنزف، لعلها قد قاربت الأربعين أو زادت، وأصبحت دويلات بدل دولة واحدة، وكم لليبيا وهي تتوجع وإلى كم انقسمت، وكم لسوريا وهي تصرخ، وكيف تقسمت، وكم لليمن وهي تتقلب، وكيف أصبحت، وكم لمصر وهي تعاني، وكم في بلاد المسلمين، من فتن ومطاحن، ونكبات وبلايا، ومحن ورزايا، وخطوب وكروب، وإلى أي حال وصل ضعف المسلمين، وهوانهم على الناس.

يا مَن دعوتم إلى المظاهرات والمسيرات والاعتصامات والاحتجاجات حتى قامت بسببها الثورات والحروب المهلكة المفزعة، إنكم ستُسألون يوم القيامة وتتحملون وزرًا وإثمًا بسبب ما أريق من دماء، وما سُلب ونُهب وأُتلف ودُمِّر وأُحرق من أموال، وما حصل من فساد، لأن دعوتكم وتحريضكم سبب وجودها وحصولها، ولو لم تشعلوا قلوب الناس إليها لكانوا مع البلاد في سلامة من شرورها وعافية.

ويا مَن تحمستم مع هذه الدعوات وهؤلاء الدعاة إلى المظاهرات فتظاهرتم واعتصمتم حتى اشتعلت المواجهات والثورات بين الحاكم والمحكومين كيف يطيب لكم عيش ومظاهراتكم قد آلت إلى سفك دماء نفوس مسلمة بالمئات إن لم يكن الآلاف؟ كيف تهنأ لكم حياة ومظاهراتكم قد تسببت في ترميل نساء وتيتيم أطفال كُثر جدًا؟ كيف يرتاح لكم قلب ومظاهراتكم قد تسببت في دخول الحزن والكرب والمصاب على بيوت فُجعت بقتل من يعولها ويرعاها وينفق عليها من أب أو أخ أو ابن أو زوج؟ كيف تهدأ لكم جفون وتنام لكم عيون ومظاهراتكم قد تسببت في إصابة وجرح أبدان ألوف؟.

نفعني الله وإياكم بما سمعتم، وجعلنا من المتعظين المعتبرين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إن ربي غفور رحيم.

الخطبة الثانية: ــــــــــــ

الحمد لله المحمود على كل حال، عالمِ الغيب والشهادة الكبير المتعال، والصلاة والسلام على عبد ورسوله محمد أفضلِ الخلق في كل الخِلال، وعلى الآل والأصحاب والأتباع ما تعاقبت الأيام والليال.

أما بعد، عباد الله:

 لعلَّ الأمور الأكثر استخدامًا لتأجيج الرعية وتحريكهم للخروج في المظاهرات والاعتصامات والعصيانات هي هذه الثلاثة:

الأول: الاقتصاد، أو بعبارة أخرى: حطام الدنيا، لأن الناس يرون الاستئثار بالمال، ويشاهدون تزايد الفقر، ويرون كثيرًا من العاطلين عن العمل، مع وجود خيرات عظيمة في البلاد.

الثاني: التقصير في الخدمات العامة، في باب الصحة، والتعليم، والطرق، والمواصلات، وغيرها.

الثالث: وقوع جهات عديدة في شيء من المظالم.

وهذا الاستئثار والتقصير والظلم لا يمكن تغطيته، ولا يسع أحدًا حجب أعين الناس عنه، ولكن الشريعة الإسلامية الرحيمة لم تتركك الناس هملًا، بل بيَّنت لهم بوضوح تام أنه سيحصل من بعض الولاة أو نوابهم وعمالهم شيء من ذلك، وبيَّنت لهم كيف يتعاملون معهم حين وجوده، وأوجبت عليهم لزوم العلاج الذي جاءت به.

حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ )) رواه البخاري ومسلم.

فالعلاج والحل في شرع الله هو: الصبر الطويل على هؤلاء الولاة ولو امتد إلى يوم القيامة.

وقال صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِى أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ )) رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ،- فقال حذيفة -: قُلْتُ؟ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) رواه مسلم.

وصحَّ أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: (( أَطِعِ الإِمَامَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، إِنْ ضَرَبَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ أَمَرَكَ بِأَمْرٍ فَاصْبِرْ، وَإِنْ حَرَمَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ ظَلَمَكَ فَاصْبِرْ )).

وقال صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً )) رواه مسلم.

وثبت عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( نَهَانَا كُبْرَاؤُنا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَنَا: لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ وَلَا تَغْشَوْهُمْ وَلَا تَعْصُوهُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ )).

فالعلاج والحل في شرع الله هو: أداء الحقوق التي أوجبها الله علينا جهة هذا الحاكم كالسمع والطاعة في غير معصية، وترك الخروج عليه، وعدم نزع اليد من الطاعة، وأن لا نَسُبّه، وسؤال الله الكريم حقوقنا التي وجبت على الحاكم فلم يؤدها لنا، والصبر على ظلمه وجوره واستئثاره وحرمانه.

ومَن عمل بهذا التشريع العظيم، ولزم علاج الشريعة، فالفرج قريب، ومن تنكَّب عنه، واستبدله بغيره، زاد في الفتن، وأكثرَ الشر، وأضرَّ بالعباد والبلاد، والدين والدنيا.

  هذا وأسأل الله أن يحقن دماءِ المسلمين في كل مكان، وأن يجنبهم القتل   والاقتتال، ويزيل عنهم الخوف والجوع والدمار، ويعيذهم من الشرور والفتن والمهالك، اللهم وفق ولاة أمورِ المسلمين لكل ما يرضيك، واجعلهم عاملين بشريعتك، معظمين لها ومدافعين وناصرين، وأزل بهم الشرك والبدع والآثام والظلم والعدوان، اللهم احفظ رجال أمن البلاد في سائر القطاعات والجهات من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن فوقهم ومن تحت أرجلهم، واحفظهم بالإسلام قائمين وقاعدين وراقدين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وقوموا إلى صلاتكم سددكم الله.