إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: ” هكذا دمرت المظاهرات بلاد المسلمين وأحرقت وأفقرت وشرَّدت سكانها “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” هكذا دمرت المظاهرات بلاد المسلمين وأحرقت وأفقرت وشرَّدت سكانها “.

  • 10 نوفمبر 2016
  • 5٬189
  • إدارة الموقع

هكذا دمرت المظاهرات بلاد المسلمين وأحرقت وأفقرت وشرَّدت سكانها

الخطبة الأولى: ـــــــــــ

الحمد لله القادر المُقتدر ذي القوة والحَول، الصادقِ وعدُه بنصر مَن نصَره، المتواترِ لأهل توحيدِه إعانتَه وإمدادَه، المؤيِّد دينَه بتدمير مَن بدَّله وغيَّره، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الذي بيَّن للأمة ما يُصلح دينهم ودنياهم، ويُعِزُّهم دنيًا وآخِرة، اللهم فصلِّ وسلِّم وبارك عليه، وعلى آلهِ الأخيار، وصحابتَه الأبرار، المشرَّفين بأنَّهم أنصاره وأعوانه، والمُنهدمة بِهم عروش الضَّلال، وفُلول الضُّلَّال ورؤوسهم.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

اتقوا الله ــ جلَّ وعلا ــ بلزوم شرعه، والعمل بأحكامه، يَحق لكم رضوانه، وتسلموا مِن شرور الدنيا والآخرة، وإيَّاكم ومعصيتَه والعدولَ عن حكمه وشرعه، فإنَّما هلاك الدنيا والآخرة عصيانه في أمْره ونهيه، وقد قال ربكم سبحانه آمرًا لجميعكم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }.

أيَّها الناس:

إنَّكم اليوم لتسمعون وترون وتعايشون واقعًا مُرًا أليمًا، وحالًا بئيسًا نكِدًا، ومظهرًا مُرعبًا مُكدِّرًا، ووضعًا حرِجًا عسيرًا، يجتاح عددًا مِن بلادنا الإسلامية العزيزة على قلوبنا، حيث اجتاحتها أمواج عاتية مِن الفتن، فتنٌ تحرق الدين، وفتنٌ تحرق العقل، وفتنٌ تحرق البَدن، وفتنٌ أشعلت الحروب، وزادت الكُروب، واجتالت الأنفسَ والثمرات، وملأت المستشفيات والبيوت بالمصابين وأهل العاهات، وأذهبت الأموال والممتلكات، وأحرقت المُدن والأرياف، ودمَّرت البيوت والمراكب والمساجد، وأتلفت الزُّروع والثمار، وأفزعت الرجال والنساء، والصغار والكبار، والحاضر والباد، والغني والفقير، والصالح والفاسد، فتنٌ قسَمت الدولة الواحدة إلى دُويلات، وأجَّجَت بين أفرادها العداوات، فتنٌ أزالت الأمْن والاستقرار، وأدخلت الرُّعب والخوف، وأضعفت الجيوش وحُماة الأوطان، وكثَّرت الأرامل والأيتام، فتنٌ أضعفت الاقتصاد، وأهدرت الثروات، وزادت الفقرَ وجوعَ الناس، ووسَّعت البطالة والحاجة، وقلَّلت الوظائف والأعمال، وأيقظت أهل الإفساد والإجرام، فزادت السرقات والاعتداءات.

أتدرون ــ عباد الله ــ لِمَا أصابنا ذلك، وما سبب ما نحن فيه، ولماذا حَلَّ بنا، إنَّه بسبب مخالفة شرع الله ودينه البيِّن الواضح القويم في التعامل مع حكامنا وولاة أمْرنا إذا حصل مِنهم ظلمٌ وجور، ووقعوا في خَلل وتقصير، وظهرت مِنهم أمور تخالف تعاليم الدين، واستأثروا دوننا بشيء مِن أموال الدنيا الزائلة وأراضيها ومناصبها.

حيث أمرت شريعة الله المُصلحة للعباد والبلاد بالصبر على جورهم وظلمهم واستئثارهم، وبالسمع والطاعة لهم في غير معصية الله سبحانه، وأنْ تكون نصيحتنا لهم سرًا لا جهرًا، ونَهت عن نزع اليد مِن طاعتهم، وحرَّمت الخروج عليهم بقول أو فعل، بسلاح أو بدون سلاح، وزجرَت عن سبِّهم وشتمهم وتحريض الرعية وتأليبهم عليهم، ومَنعت إهانتهم بالقول أو الفعل.

لأنَّ هذا السبيل الذي جاءنا مِن عند الله تعالى يُقلِّل الفتن والشُّرور عن الناس وبلادهم، ويُضعف المفاسد والمصائب، ويَدفع الأضرار والغوائل، ويُقوِّي اللُّحمة وتماسك البلاد، ويُخفِّف الفُرقة والتناحر، ويُبقي على الألفة والتآلف، ويكثِّر المصالح والخيرات، ويزيد في الأمْن والرخاء، ويحفظ الدين والدنيا والنفوس والأعراض والأموال، ويُوهِن كيد ومَكر وخُطط الأعداء وأعوانهم وأحزابهم.

وكيف لا يكون كذلك، وهو حكم الله وشرعه بين الرَّعية وحاكمهم، والله سبحانه هو خالق المحكومين والحاكمين، وأعلم بما يُصلح دينهم ودنياهم، فشَرَع لهم هذا الطريقة، وأكرمهم بهذه المعاملة، وفرَّج عنهم بهذا العلاج الفعَّال السريع.

ولكن ــ وا أسفاهُ ووا ندَمَاه ــ فقد أبَتْ وتنكَّبت جُموع غفيرةٌ وأعداد هائلة مِن شباب أمَّتنا وشابَّاتها أنْ تنقاد لحكم الله هذا، وتعملَ بِه، إمَّا جهلًا بِه، أو اتباعًا لهوى النفوس، أو اعتدادًا بآراء العقول، أو طَمعًا في مناصب الدنيا وجاهِها ومالها، أو حُبًّا في الشُّهرة والتصدُّر، أو تضليلًا مِن قِبل دعاةِ ووعاظِ ورموز جماعاتٍ دينية سياسية أو أحزابٍ لبرالية وعلمانية تُريد الوصول للحكم والسُّلطة عن طريقهم، أو تقليدًا لأهل الكفر في بلاد الغرب والشرق، أو انخداعًا بالمحلِّلين السياسين وأقوالهم عبْر أجهزة الإعلام وصُحفها وقنواتها الفضائية.

أبوا ــ أصلحهم الله ــ أنْ يُعالجوا ما يَحصل مِن حكامهم وولاة أمرهم إلا بطريق المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات والاعتصامات، فجَرَّهم هذا التعامل، وآلت بِهم هذه الطريقة إلى المواجهة مع حكامهم، والثورة عليهم، والسِّعي في إزالتهم.

جاءتهم فتاوى أكابر أهل العلم مِن أئمة أهل السُّنة والحديث: كابن بازٍ والألباني والعُثيمين والفَوزان والوادِعي والعَبَّاد والمَدخلي والنَّجمي والجامي والجابِري وآلِ الشيخ والغُديان والغُصون واللُّحيدان والسُّبيل وأضرابهم: بأنَّ هذه الأمور المذكورة لا تجوز شرعًا، وأنَّها سَتجُرُّ على العِباد والبلاد شرورًا أكبر، ومفاسد أعظم، وفقرًا أشد، ومصائب أكثر، وسَتجلِب الحروب، وتُزيل الأمْن، وبيَّنوا لهم أدلَّة ذلك مِن القرآن والسُّنة وأقوال الصحابة وكُتب اعتقاد السَّلف الصالح، وأكدوه لهم بِذِكر صور التاريخ البعيدة والقريبة والعديدة بآثار الثورات على الحكام، وأنها مُرَّة وأليمة وبَئيسة وفظيعة، لعلهم يتعظون ويعتبرون فيرجعوا عن ذلك.

ولكن لا فائدة في القوم، ولا جَدوى مِنهم، إنْ نصحت فكأنَّما تُشاهد عقولًا قد سُلِبت، وفِطرًا قد مُسِخت، ونفوسًا قد تحجَّرت، وأفهامًا قد لوِّثت، حيث سَلبتها ومسختها وحجَّرتها ولوثتها وجرفتها وأعمتها قنوات إعلامية عديدة، وأحزاب وجماعات مختلفة، ورموز ودعاة ومُفكِّرون مُضِلُّون، ومُحلِّلون سياسيون وعسكريون واقتصاديون وإعلاميون ماكرون، حتى خرجوا عن نصوص وحكم شرع ربِّ العالمين، ولم يقبلوا نُصح أئمة أهل العلم والدين، واستساغوا وتبعوا مخططات ومَكر أعداء الأمَّة والدين. 

 وها هو الإمامُ الكبير ابنُ تيميَّةَ الدِّمشقِيُّ ــ رحمه الله ــ قد استقرأ وسَبَر لنا تاريخ هذه الثورات على الولاة وما نَجم عنها، فقال في كتابه “منهاج السُّنة النَّبوية”: “وقلَّ مَن خرج على إمام ذِي سلطان إلا كان ما تَوَلَّد على فِعله مِن الشَّر أعظمَ مِمَّا تولَّد مِن الخير”.اهـ

وقال أيضًا: “ولعلَّه لا يَكاد يُعرف طائفةً خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها مِن الفساد ما هو أعظمُ مِن الفساد الذي أزالته”.اهـ

ويا لله كم للصومال وهي تحترق؟، أظنها قد بلغت أكثر مِن ثلاثين عامًا، بل انقسمت إلى ثلاث دُويلات وحكومات، وكم لأفغانستان وهي تنزِف؟، لعلها قد تجاوزت الأربعين سَنة أو زادت، وأصبحت دويلات بدل دولة واحدة، وكم لليبيا وهي تتوجع، وإلى كم انقسمت، وكيف أصبحت؟، وكم لسوريا وهي تصرخ، وكيف تقسَّمت، وماذا حصل لأهلها وبينهم، وكيف صاروا؟، وكم لليمن وهي تتقلَّب وتضطرب وتتقسَّم وتأِنّ، وكيف أصبحت؟، وكم لمصر وهي تعاني وتتألم وتتوجَّع؟.

فيا مَن دعوتم إلى المظاهرات والمسيرات والاعتصامات والاحتجاجات حتى قامت بسببها الثورات والحروب المهلكة المُفزعة، والفتن والمطاحن العِظام، والنَّكَبات والبلايا الشِّداد، والمِحَن والرَّزايا الغِلاظ، والخُطوب والكُروب الكِبار، والضَّعف والهوان المُزْرِي، والفقر والفاقة البئيسة، والتَّفرُّق والإنقسام الشَّنيع، والتشرُّد والنُّزوح إلى الأقاليم، والفساد العريض للدين والدنيا، والعِباد والبلاد: إنَّكم ستُسألون يوم القيامة وتتحملون وزرًا وإثمًا بسبب ما أُرِيق مِن دماء، وما سُلِب ونُهب وأُتلِف ودُمِّر وأُحرِق من أموال وأبنية ومراكب وممتلكات عامة وخاصة، وما حصل مِن فساد عريض، وحصل مِن فتن وشُرور وآلام وكُروب، لأنَّ دعوتكم وتحريضكم سبب وجودها وحصولها، ولو لم تُشعلوا قلوب الناس إليها لكانوا مع البلاد في سلامة مِن شرورها وعافية.

ويا مَن تحمَّستم مع هذه الدعوات وهؤلاء الدعاة إلى المظاهرات فتظاهرتم واعتصمتم حتى اشتعلت المواجهات والثورات بين الحاكم والمحكومين: كيف يَطيب لكم عيش ومظاهراتكم قد آلت إلى سَفك دماءِ نفوسٍ مسلمة بمئات الآلاف؟ كيف تهنأ لكم حياة ومظاهراتكم قد تسبَّبت في ترميل نساء وتيتيم أطفال كُثر جدًا؟ كيف يرتاح لكم قلب ومظاهراتكم قد تسبَّبت في دخول الحُزن والكرب والمصاب على بيوت غفيرة فُجِعت بقتل مَن يعولها ويرعاها ويُنفق عليها مِن أبٍ أو أخٍ أو ابنٍ أو زوج؟ كيف تهدأ لكم جفون وتنام لكم عيون ومظاهراتكم قد تسبَّبت في إصابة وجرح أبدان مئات الألوف؟ كيف ستنسون ومظاهراتكم قد دمَّرت البلاد، وأوجعت العباد، وأضعفت الاقتصاد، وجلبت الخوف، وأذهبت الأمن؟.

نفعني الله وإيَّاكم بما سمعتم، وجعلنا مِن المتعظين المعتبرين، إنَّ ربِّي لسميع الدعاء.

الخطبة الثانية: ــــــــــــ

الحمد لله المحمود على كل حال، عالمِ الغيب والشهادة الكبير المتعال، والصلاة والسلام على عبد ورسوله محمد أفضلِ الخلق في كل الخِلال، وعلى الآل والأصحاب والأتباع ما تعاقبت الأيام والليال.

أمَّا بعد، فيا عباد الله:

لعلَّ الأمورَ الأكثرَ استخدامًا لتأجيج الرَّعية وتحريكهم للخروج في المظاهرات والاعتصامات والعصيانات ضدَّ حكامهم هي هذه الأمور الثلاثة:

الأمر الأوَّل: الاقتصاد، أو بعبارة أُخْرى: حطام الدنيا، لأنَّ الناس يرون الاستئثار بالمال، ويًشاهدون تزايد الفقر، ويرون كثيرًا مِن العاطلين عن العمل، مع وجود خيرات عظيمة في البلاد.

الأمر الثاني: التقصير في الخدمات العامة، في باب الصحة، والتعليم، والطُّرق، والمواصلات، وغيرها.

الأمر الثالث: وقوع جهات عديدة في الدَّولة في شيء مِن المظالم والتقصير والخَلل والتَّجاوز.

وهذا الاستئثار والتقصير والظلم لا يُمكن تغطيته، ولا يَسع أحدًا حَجَب أعين الناس عنه، ولكن الشريعة الإسلامية الرحيمة لم تتركك الناس هملًا مع هذا الواقع المُحزِن، بل بيَّنت لهم بوضوح تام أنَّه سيحصل مِن بعض الولاة أو نُوابِهم وعمَّالِهم شيء مِن ذلك، وبيَّنت لهم كيف يتعاملون معهم حين وجوده، وأوجبت عليهم لزوم العلاج الذي جاءت بَه، فصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ )) رواه البخاري ومسلم.

وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِى أَثَرَةٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ )) رواه مسلم.

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ، فقال حذيفة ــ رضي الله عنه ــ: قُلْتُ؟ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) رواه مسلم.

وصحَّ أن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ قال: (( أَطِعِ الإِمَامَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، إِنْ ضَرَبَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ أَمَرَكَ بِأَمْرٍ فَاصْبِرْ، وَإِنْ حَرَمَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ ظَلَمَكَ فَاصْبِرْ )).

وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً )) رواه مسلم.

وثبت عن أنس ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( نَهَانَا كُبْرَاؤُنا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَنَا: لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلَا تَغْشَوْهُمْ، وَلَا تَعْصُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاصْبِرُوا، فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ )).

فالعلاج والحَل في شرع الله العظيم هو: أداء الحقوق التي أوجبها الله علينا جهة هذا الحاكم كالسمع والطاعة له في غير معصية، وترْك الخروج عليه، وعدم نَزع اليد من الطاعة، وأنْ لا نَسُبّه، وسؤال الله الكريم حقوقنا التي وجبت على الحاكم فلم يؤدِّها لنا، والصبر على ظلمه وجوره واستئثاره وحرمانه.

ومَن عمل بهذا التشريع العظيم، ولزم علاج هذه الشريعة الرحيمة، فالفرج قريب، والصلاح سريع، ومَن تنكَّب عنه، واستبدله بغيره، زاد في الفتن، وأكثرَ الشَّر، وأضرَّ بالعباد والبلاد، والدين والدنيا، وأطال في أمَد حصول الفرج، وعلى هذا أكثر الناس وللأسف الشديد، يتركون علاج الشريعة لزوال الشدائد، ويركنون إلى طُرق مِن عند أنفسهم، أو مِن عند أعدائهم، فيزداد الشَّر بِهم،  وتطول معاناتهم، ويتأخر علاج ما حلَّ بهم أو لا يأتي، وقد قال الله سبحانه: { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا }، وقال تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.

هذا وأسأل الله أنْ يَحقِن دماءِ المسلمين في كل مكان، وأنْ يُجنِّبهم القتل والاقتتال، ويُزيل عنهم الخوف والجوع والدَّمار، ويُعيذنا وإيَّاهم مِن الشرور والفتن والمهالك، وتآمر الأعداء ومكْرهم، اللهم وفق ولاة أمورِ المسلمين لكل ما يرضيك، واجعلهم عاملين بشريعتك، معظِّمين لها، ومدافعين عنها، وناصرين لأهلها، وأزل بِهم الشرك والبدع والآثام والظلم والعدوان والحاجة والفقر، اللهم احفظ رجال أمْن البلاد في سائر القطاعات والجهات مِن بين أيديهم ومِن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ومِن فوقهم ومِن تحت أرجلهم، واحفظهم بالإسلام قائمين وقاعدين وراقدين، وصلَّ اللهم وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.