إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > خطبة مكتوبة بعنوان: ” الأحكام الفقهية الخاصة بتسمية المولود “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” الأحكام الفقهية الخاصة بتسمية المولود “.

  • 14 أبريل 2017
  • 214
  • إدارة الموقع

الأحكام الفقهية الخاصة بتسمية المولود

الخطبة الأولى: ـــــــــــ

الحمد لله الذي أسعد مَن شاء مِن خليقته، ووفَّقهم للقيام بطاعته، واستعملهم فيما يُرضيه؛ مع صِغر سنِّ أحدِهم وحداثته؛ ليتبيَّنَ بذلك أنَّ السعادة بيده، والتوفيقَ بإرداته، أحمدُهُ على سَوابِغ نعمه، وأسأله التوفيق لشكره، والإمداد بمعونته، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وحبيبه وخليله، وأمينه على وحيه، وخِيرتُه مِن بَريَّتِه، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين لمنهاجِه وسُنَّتِه.

أما بعد، أيها المسلمون:

اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أنَّ مِن تقواه شُكرَ نعمةِ أنْ وهبكم بنين وبنات، يَدخل عليكم بهم الأنس والسرور، وتنالكم بهم كثير الأجور، ويقومون عليكم عند حاجتكم، ومرضكم، وكِبَركم، ويُحيون ذِكركم في الناس، ويَدْعون لكم ويتصدَّقون بعد الموت.

ومِن تقواه سبحانه أيضًا: أنْ تقوموا بما أوجب عليكم مِن رعايتهم، وتأديبهم بأحسن الأخلاق والأعمال، وسَوقِهم إلى ما يُحبه ويرضاه، حتى يكونوا قُرَّة عين لكم في الدنيا والآخرة، لا حسرة عليكم وندامة ونكاد، إذ مَن قام بحُسن رعايته فيهم أفلح ونجا، ومَن فرَّط في رعايته فيهم خسر وهلك، وقد قال – جلَّ وعلا – آمرًا لكم ومُرهِّبًا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }.

أيها المسلمون:

هذه وقفات عِدَّة تتعلَّق بتسمية المولود ذكرًا كان أو أنثى – رزقكم الله بِرَّه، ورفع به درجاتكم -، فأقول مستعينًا بالله – عزَّ وجلَّ -:

الوقفة الأولى / عن حكم تسمية المولود.

 تسمية المولود ذكرًا كان أو أنثى واجبة باتفاق أهل العلم، لا خلاف بينهم في ذلك، حيث قال ابن حزم – رحمه الله -: واتَّفَقُوا أنَّ التَّسمية للرِّجال والنِّساء فرْضٌ.اهـ

فمَن ترك مولودَه بلا اسم أثِمَ، إذ حاجة الناس إلى التَّسمية شديدة، فبها يتعارفون، وبها يَصِل القرابة بعضهم، وبها تستقيم معاملات الناس وعقودهم، وبها يُعرف أهل الخير والإصلاح مِن أهل الشَّر والإفساد ويُمَيَّزون.

 الوقفة الثانية / عن وقت تسمية المولود.

 يجوز تسمية المولود في اليوم السابع، وقبل اليوم السابع، وبعده، وإلى هذا ذهبت المذاهب الأربعة المشهورة، وغيرهم، إلا أنَّ المُستحب أنْ تكون التَّسمية في اليوم السابع مِن ولادته، أو في أوَّل يوم مِن لادته، لثبوت الأمرين عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى )).

و صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلاَمٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِى: إِبْرَاهِيمَ )).

وصحَّ عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال: (( ذَهَبْتُ بِعْبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وُلِدَ، فَحَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ )).

وصحَّ عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – أنه قال: (( وُلِدَ لِي غُلاَمٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَيَّ )).

الوقفة الثالثة / عن أفضل ما يُسمَّى به المولود الذَّكر مِن الأسماء.

مَن سمَّى أولاده الذكور، فإنه يُستحب له باتفاق أهل العلم أنْ يُسمِّيهم بالأسماء المضافة إلى الله – عز وجل – كعبد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، وعبد السلام،  وعبد الكريم، وعبد الخالق، وأشباهها، حيث قال ابن حزم – رحمه الله -: واتَّفَقُوا على اسْتِحْسَان الأسماء المضافة إلى الله – عز وَجل – كعبد الرحمن، وما أشبه ذلك.اهـ

وأحبُّ الأسماء إلى الله تعالى عند أكثر الفقهاء: عبد الله، وعبد الرحمن، لِمَا صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ )).

وأما حديث: (( خيرُ الأسماءِ ما حُمِّدَ وعُبِّد )) فلا أصل له، ولا يُعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قال الإمام العثيمين – رحمه الله -: ليس بصحيح، بل هو موضوع ومكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.اهـ

الوقفة الرابعة / عن حكم تسمية المولود الذَّكر باسم مُعَبَّدٍ لغير الله تعالى.

جرت عادت بعض الناس، كالشيعة الرافضة والصوفية ومَن تأثر بهم على تعبيد اسماء ابنائهم لغير الله تعالى، كتسميتهم: بعبد النَّبيِّ أو عبد الرسول، أو عبد المصطفى، أو عبد الحسين، أو عبد عليٍّ، أو عبد الزهراء، أو عبد الكعبة، وتسمية الأبناء بذلك مُحرَّم لا يجوز باتفاق العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، حيث قال ابن حزم – رحمه الله -: وَاتَّفَقُوا على تَحْرِيم كل اسْم مُعَبَّدٍ لغير الله – عز وجل -.اهـ

وتعبيدُ الأسماء لغير الله لا يُعرف في الإسلام، وإنما عُرِف عند النصارى، حيث يُسمون أبناءهم “بعبد المسيح”، وعُرِف عن كفار قريش في الجاهليه حيث يُسَمُّون أبناءهم “بعبد الكعبة”، أو “عبد العُزى”، وما شابه ذلك، وقد غيَّر النبي صلى الله عليه وسلم اسْم رجل عُبِّد لغير الله، فسُمِّي “بعبد الحَجَر”، فثبت عن هانئ بن شُريح – رضي الله عنه – أنه: (( وَفَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمِهِ، فَسَمِعَهُمْ يُسَمُّونَ رَجُلًا عَبْدَ الْحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ» ؟ قَالَ: عَبْدُ الْحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ» )).

الوقفة الخامسة / عن الأحق مِن الوالدين بتسمية الولد ذكراً كان أو أنثى.

إذا تنازع الوالدان في تسمية المولود ذكرًا كان أو أنثى فالحقٌّ في التَّسمية للأب، وهو الأحقُّ بها عند جميع العلماء، وليست الأم، وقد قال الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله -: التسمية حقٌ للأب لا للأم، هذا مما لا نزاع فيه بين الناس.اهـ

وذلك لأن الولد يُدعى لأبيه لا لأمه، كما قال سبحانه: { ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ }.

ويوم القيامة يُدعى الناس بآبائهم، فلان بن فلان، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ الغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ )).

وما يعتقده بعض النِّسوة أو يُروِّجْن له مِن أنَّ تسمية الأنثى حق للأم لا للأب، فاعتقاد وكلام مخالف للشرع.

وإذا تشاورا الوالدان في اختيار الاسم، أو تنازل الأب للأم أحيانًا فلا حرج، وهو مِن حسن العشرة، وجميل الصحبة، وإنْ تشدَّد المرأة وأصرَّت على أنْ تُسمِّي المولود فقد أساءت وتعدت.

الخطبة الثانية: ـــــــــــ

الحمد لله على إحسانه العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القدير، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالدين القويم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أكمل تسليم.

أما بعد، أيها المسلمون:

فأحسنوا – سدَّدكم الله – تسمية أبنائكم وبناتكم، حتى ولو كان بأسماء يَكثر استعمالها، ولا يكن همَّكم أنْ تختلفوا عن الناس، وتلفتوا أنظارهم، فتأتون بأسماء غريبة، أو شاذة، أو بعيدة عن بيئتكم، أو لا تُناسب إلا مرحلة الطفولة، فقد ثبت: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ الِاسْمُ الْحَسَنُ )).

واحذروا الأسماء القبيحة والمنكرة وتجنَّبوها حتى ولو كانت لآبائكم وأجدادكم، فإن مِن حقِّ الولد على الأب أن يُحسن تسميته، فالولد هو الذي يحمل تبعة الاسم القبيح ومرارته، وليس مَن سمَّاه، وقد ثبت عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَ اسْمًا قَبِيحًا غَيَّرَهُ )).

وصحَّ أن رجلًا مِن قريش: (( كَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُطِيعًا )).

وصحَّ: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ، وَقَالَ: «أَنْتِ جَمِيلَةُ» )).

وتجنَّبوا الأسماء التي تدُلُّ على تزكية النَّفْس، وتتعالى بها، فقد صحَّ عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: (( سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: «سَمُّوهَا زَيْنَبَ»)).

أيها المسلمون:

إذا زنا مسلم بامرأة مسلمة أو غير مسلمة فإنَّ المولود الناتج عن هذا الزنا – ذكرًا كان أو أنثى – يُنسب إلى أمه التي حملت به وأنجبته، ولا يجوز أن يُنسب إلى الرجل الذي تخلَّق مِن مائه ونطفته عن طريق الزنا، وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم من السلف الصالح فمَن بعدهم، لِمَا ثبت: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى: إِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ تَزَوَّجَهَا أَوْ مِنْ  أَمَةٍ يَمْلِكُهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَا اسْتَلْحَقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ عَاهَرَ بِهَا لَمْ يَلْحَقْ بِمَا اسْتَلْحَقَهُ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ، وَهُوَ ابْنُ زِنْيَةٍ، لِأَهْلِ أُمِّهِ، مَنْ كَانُوا، حُرَّةً أَوْ أَمَةً )).

وهذا الحديث ظاهر وصريح في أنَّ المولود مِن الزنا لا يُلحق في النَّسب بالزاني، بل يُلحق بمَن ولدته.

أيها المسلمون:

قال الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله -: وأما يَذكرهُ العَوَام أنَّ “يس” و “طه” مِن أسماء النَّبِي صلى الله عليه وسلم فغير صحيح، ليس ذلك في حديث صحيح، ولا حسن، ولا مُرْسَل، ولا أثَرٍ عن صاحب، وإنَّما هذه الحُروف مثل: { الم } و { حم } و{ الر } ونحوها.اهـ

هذا وأسأل الله – جلَّ وعلا – أن يهبَ لنا مِن أزواجنا وذرياتنا قرَّة أعين، و أنْ يحفظهم ويرعاهم لنا، و أنْ يجعلنا وإياهم مِمن يعمل بطاعته في السِّر والعلن، والعُسر واليُسر، والصِّغر والكِبَر، و أنْ يُجنِّبنا وإياهم الشِّرك والبدع والآثام، و أنْ يقينا وإياهم مِن السُّوء ودعاته وأهله وقنواته ومواقعه وصُحُفه، و أنْ يصرف عنَّا وعنهم شرَّ الكفار، ومكر الفجار، وكيد الضلال، وتلبيس المبتدعة، وإفساد الفسقة، و أنْ يُتمَّ علينا وعليهم نِعمة السِّتر في الدَّارَين، إنه سميعٌ مجيب، جوادٌ كريم، برٌّ رحيم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.