إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > مقال بعنوان: ” تأنيس الفضلاء بأحكام عيد الأضحى “.

مقال بعنوان: ” تأنيس الفضلاء بأحكام عيد الأضحى “.

  • 28 أغسطس 2017
  • 1٬148
  • إدارة الموقع

تأنيس الفضلاء بأحكام عيد الأضحى

الحمدُ لله العليِّ العظيمِ، العزيزِ الكريم، الغفورِ الرَّحيم، ذي العرشِ المجيد، والصَّلاة والسَّلام على عبده ورسوله محمَّد الأمين وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

وبعد:

فهذه رسالة فقهية بعنوان:

تأنيس الفضلاء بأحكام عيد الأضحى “.

تضمنت جملة طيبة ومختصرة مِن أحكام عيد الأضحى، وسننه، وآدبه.

وقد جعلتها في مسائل ليسهل فهمها، ويحصل الإلمام بها، وتُضبط جيدًا.

والله – عزَّ وجلَّ – المسؤول أن يجعلها خالصة لوجهه، مُدنية مِن رضاه، وأن ينفع بها كاتبها وقارئها والساعي بين الناس في نشرها، أو تفقيههم بها، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء.

ثم أقول مستعينًا بالله – جلَّ وعلا -:

المسألة الأولى / عن صلاة العيد.

وتحتها فرعان:

الفرع الأول: عن مشروعية صلاة العيد.

قال الإمام ابن تيمية الحراني ـ رحمه الله ـ عن صلاة العيد كما في “مجموع الفتاوى” (23/ 161):

إنها من أعظم شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظم مِن الجمعة.اهـ

ومشروعيتها ثابتة بالسُّنَّة النَّبوية المشتهرة المستفيضة بين الناس، وإجماع أهل العلم.

وقد قال إمام الحرمين عبد الملك الجويني الشافعي – رحمه الله – في كتابه “نهاية المطلب في دراية المذهب” (2/ 611- رقم:1569):

الأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع.

قال الله تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }، قيل: أراد صلاة العيد.

ونَقلُ صلاة العيد متواترٌ، والإجماع مِن الكافة منعقدٌ.اهـ

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني” (2/ 253):

الأصل في صلاة العيد الكتاب والسُّنَّة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }،

– و – المشهور في التفسير أن المراد بذلك صلاة العيد، وأما السُّنَّة فـثبت بالتواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُصلي صلاة العيدين، وأجمع المسلمون على صلاة العيدين.اهـ

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء مِن بعده يداومون عليها، ولم يأت عنهم تركها في عيد مِن الأعياد.

وقال عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما -:

(( شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الخُطْبَةِ )).

رواه البخاري (962) واللفظ له، ومسلم (884).

بل حتى النساء كُنَّ يشهدنها على عهده صلى الله عليه وسلم، فقد قالت أم عطية – رضي الله عنها -:

(( كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ )).

رواه البخاري (971) واللفظ له، ومسلم (890).

وقال الإمام إسحاق بن راهويه ـ رحمه الله ـ كما في “مسائل إسحاق بن منصور الكوسج” (2/ 375 – رقم:2865):

يُستحب الخروج لهن في العيدين، لِما مضت السُّنَّة بذلك، ولكن لا يتزيَّن ولا يتطيَّبن.اهـ 

فإذا خرجن على هذه الصفة جمعن بين فِعل السُّنَّة، واجتناب الفتنة.

وهي مِن السُّنَن المؤكَّدة عند أكثر أهل العلم.

نسَبه إليهم:

 النَّووي الشافعي في كتابه “المجموع شرح المهذب” (5/ 6)، وابن جُزَي المالكي في كتابه “القوانين الفقهية” (ص:103)، وغيرهم.

ومن حجتهم على سُنِّيتها:

ما أخرجه البخاري (1891) واللفظ له، ومسلم (11) عن طلحة بن عبيد الله – رضي الله عنه -:

(( أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا )).

ووجه الاستدلال مِن هذا الحديث:

أنه دَلَّ على ما عدا الصلوات الخمس تطوع.

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني” (2/ 265):

لا خلاف بين أهل العلم في أن صلاة العيد مع الإمام ركعتان، وفيما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العيد ركعتين، وفعَله الأئمة بعده إلى عصرنا، لم نعلم أحدًا فعل غير ذلك، ولا خالف فيه.اهـ

وقال فيه الشافعية أبو زكريا النَّووي – رحمه الله –  في كتابه “المجموع شرح المهذب”(5/ 24):

تُسنُّ صلاة العيد جماعة، وهذا مجمعٌ عليه، للأحاديث الصَّحيحة المشهورة.اهـ

الفرع الثاني: عن مكان صلاة العيد.

المستحب لجميع الناس في كل الأمصار أن يصلوا صلاة العيد في مُصلَّى خارج البلد، عدا أهل مكة فيصلون في المسجد الحرام.

إذ قال الإمام الشافعي – رحمه الله – في كتابه “الأم” (1/ 389):

بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين إلى المُصلَّى بالمدينة، وكذلك مَن كان بعده، وعامة أهل البلدان إلا أهل مكة، فإنه لم يبلغنا أن أحدًا مِن السلف صلى بهم عيدًا إلا في مسجدهم، …، ولم أعلمهم صلوا عيدًا قطّ ولا استسقاء إلا فيه.اهـ

وقال الحافظ ابن عبد البَر النَّمري المالكي – رحمه الله – في كتابه “التمهيد” (6/ 31):

وقد اتفق مالك وسائر العلماء على أن صلاة العيدين يُبْرَزُ لها في كل بلد إلا بمكة فإنها تُصلى في المسجد الحرام.اهـ

وقال أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه -:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ )).

رواه البخاري (956) واللفظ له، ومسلم (889).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري” (2/ 522 – حديث رقم:956) عقب هذا الحديث:

واسْتُدِل به على استحباب الخروج إلى الصحراء لصلاة العيد، وأن ذلك أفضل مِن صلاتها في المسجد، لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مع فضل مسجده.اهـ

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني” (2/ 260):

السُّنَّة أن يُصلى العيد في المُصلَّى…

ولنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى المُصلَّى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء بعده، ولا يترك النبي صلى الله عليه وسلم الأفضل مع قُربه، ويتكلف فِعل الناقص مع بُعده، ولا يَشرَع لأمته ترك الفضائل، ولأننا قد أُمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص، والمنهي عنه هو الكامل، ولم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العيد بمسجده إلا مِن عذر، ولأن هذا إجماع المسلمين، فإن الناس في كل عصر ومصر يخرجون إلى المُصلَّى فيصلون العيد في المُصلَّى مع سعة المسجد وضيقه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في المُصلَّى مع شرف مسجده.اهـ

المسألة الثانية / عن الاغتسال للعيد.

وتحتها ثلاثة فروع:

الفرع الأول: عن مشروعية الغسل للعيد.

 الاغتسال للعيد فِعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت عن نافع – رحمه الله -:

(( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِلْعِيدَيْنِ )).

رواه الفريابي في “أحكام العيدين” (15).

وثبت عن الجعد بن عبد الرحمن – رحمه الله – أنه قال:

(( رَأَيْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمُصَلَّى )).

رواه الفريابي في “أحكام العيدين” (16).

وقال الفقيه ابن رشد الحفيد المالكي ـ رحمه الله ـ في كتابه “بداية المجتهد” (1/ 505):

أجمع العلماء على استحسان الغسل لصلاة العيدين.اهـ 

الفرع الثاني / عن وقت الاغتسال للعيد.

الأفضل أن يكون الاغتسال بعد صلاة الفجر وقبل الذهاب إلى المُصلَّى، وأن تكون صفته كصفة غسل الجنابة.

وعليه يدلُّ ظاهر أكثر الآثار الواردة عن الصحابة – رضي الله عنهم -.

فقد ثبت عن محمد بن إسحاق أنه قال: قلت لنافع: كيف كان ابن عمر يُصلي يوم العيد؟ فقال:

(( كَانَ يَشْهَدُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَيَغْتَسِلُ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَيَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا عِنْدَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى فَيَجْلِسُ فِيهِ حَتَّى يَجِيءُ الْإِمَامُ, فَإِذَا جَاءَ الْإِمَامُ صَلَّى مَعَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَدْخُلُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي بَيْتَهُ )).

رواه الحارث ابن أبي أسامة في “مسنده” كما في “المطالب العالية” (2753) و “بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث” (207).

وثبت عن الجعد بن عبد الرحمن – رحمه الله – أنه قال:

(( رَأَيْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمُصَلَّى )).

رواه الفريابي في “أحكام العيدين” (16).

وإن اغتسل قبل صلاة الفجر لضيق الوقت، وحتى يتمكن مِن التبكير إلى المُصلَّى فحسن، وقد فعله جمع مِن السلف الصالح، واستحسنه كثير مِن الفقهاء.

الفرع الثالث: عن أهل هذا الغسل.

قال فقيه الشافعية أبو زكريا النووي – رحمه الله – في كتابه “المجموع شرح المهذب” (2/ 233):

ومِن الغسل المسنون غسل العيدين، وهو سُنَّة لكل أحد بالاتفاق، سواء الرجال والنساء والصبيان، لأنه يراد للزينة، وكلهم مِن أهلها، بخلاف الجمعة فإنه لقطع الرائحة، فاختص بحاضرها على الصحيح.اهـ

المسألة الثالثة / عن التَّجمُل في العيد بأحسن الثياب والطِّيب.

قال عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما -:

(( وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ، فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوُفُودِ )).

رواه البخاري (3054)، ومسلم (2068).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه “فتح الباري” (6/ 67-68) عقبه:

وقد دلَّ هذا الحديث على التَّجمُل للعيد، وأنه كان معتادًا بينهم…، وهذا التَّزيُن في العيد يستوي فيه الخارج إلى الصلاة، والجالس في بيته حتى النساء والأطفال.اهـ

وقال أيضًا (5/ 372):

“ولا خلاف بين العلماء – فيما نعلمه – في استحباب لبس الثياب، أجود الثياب لشهود الجمعة والأعياد”.اهـ

وقال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ في كتابه “الأم” (1/  387):

ويلبس الصبيان أحسن ما يقدرون عليه ذكورًا وإناثًا.اهـ

وثبت عن محمد بن إسحاق أنه قال: قلت لنافع: كيف كان ابن عمر يُصلي يوم العيد؟ فقال:

(( كَانَ يَشْهَدُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَيَغْتَسِلُ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَيَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا عِنْدَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى فَيَجْلِسُ فِيهِ )).

رواه الحارث ابن أبي أسامة في “مسنده” كما في “المطالب العالية” (2753) و “بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث” (207).

وقال الإمام مالك بن أنس ـ رحمه الله ـ كما في كتاب “الأوسط” (4/ 265) لابن المنذر:

سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والتَّطيب في كل عيد.اهـ 

وقال الحافظ ابن عبد البَر النَّمري المالكي – رحمه الله – في كتابه “الاستذكار” (7/ 11) في شأن الاغتسال للعيدين:

واتفق الفقهاء على أنه حسن لِمن فعله، والطِّيب يُجزئ عندهم منه، ومَن جمعهما فهو أفضل.اهـ

وأما المرأة، فإذا خرجت إلى صلاة العيد فإنها تخرج غير مُتزيِّنة ولا متطيِّبة, ولا متبرِّجة ولا سافرة عن حجابها، لأنـَّها منهيَّـة عن ذٰلك في جميع أحوال خروجها، والخروجُ للعبادة أشدّ في النهي.

المسألة الرَّابعة / عن ترك الإنسان الأكل يوم عيد الأضحى حتَّى يرجع مِن المصلَّى.

قال الإمام موفق الدين ابن قُدامة الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “الـمُغني” (3/ 258-259):

السُّنَّة أن يأكل في الفِطر قبل الصَّلاة، ولا يأكل في الأضحَى حتَّى يُصلِّي، وهذا قول أكثر أهل العلم, لا نعلم فيه خلافـًا.اهـ .

وقال الفقيه ابن رشد المالكي – رحمه الله – في كتابه “بداية المجتهد” (1/ 514):

وأجمعوا على أنـَّه يُستحبُّ أن يفطِر في عيد الفطر قبل الغُدوِّ إلى المصلَّى، وأن لا يُفطِر يوم الأضحَى إلَّا بعد الانصراف مِن الصَّلاة.اهـ .

وثبت عن سعيد بن المسيّب – رحمه الله – أنـَّه قال:

(( كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَأْكُلُونَ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ )).

رواه الشافعي في كتابه “الأمّ” (1/ 387).

وثبت عن الشَّعبي – رحمه الله – أنـَّه قال:

(( إنَّ من السُّنَّة أن يَطعم يوم الفطر قبل أن يغدُو، ويؤخِّر الطَّعام يوم النَّحر حتَّى يرجع )).

رواه ابن أبي شيبة في “مصنفه”(5590).

المسألة الخامسة / عن سُنَن الخروج إلى مُصلَّى العيد والعودة منه.

وتحتها فرعان:

الفرع الأول: عن استحباب ذهاب الناس إلى مُصلَّى العيد مشيًا على الأقدام.

ثبت عن زر بن حبيش – رحمه الله – أنه قال:

(( خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي يَوْمِ فِطْرٍ أَوْ فِي يَوْمِ أَضْحَى فِي ثَوْبِ قُطْنٍ مُتَلَبِّبًا بِهِ يَمْشِي )).

رواه ابن أبي شيبة في “مصنفه” (5590).

وثبت عن جعفر بن برقان – رحمه الله – أنه قال:

(( كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْعِيدَ مَاشِيًا فَلْيَفْعَلْ )).

رواه عبد الرزاق في “مصنفه” (5664)، وابن أبي شيبة في “مصنفه” (5604) واللفظ له.

وقال الإمام أبو عيسى الترمذي ـ رحمه الله ـ في “سننه” (2/ 264):

أكثر أهل العلم يستحِبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيًا.اهـ

وقال الإمام ابن المنذر النيسابوري – رحمه الله  -في كتابه “الأوسط” (4/ 264):

المشي إلى العيد أحسن وأقرب إلى التَّواضع، ولا شيء على مَن ركب.اهـ .

الفرع الثاني: عن استحباب ذهاب الإمام والمأمومين إلى مُصلَّى العيد مِن طريق والرجوع منه إلى بيوتهم مِن طريق آخر.

قال جابر بن عبد الله – رضي الله عنه -:

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ )).

رواه البخاري (986).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه “فتح الباري” (6/ 166):

وقد استحب كثير مِن أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره.اهـ

بل قال الفقيه ابن رشد الحفيد المالكي ـ رحمه الله ـ في كتابه “بداية المجتهد” (1/ 221-222):

وأجمعوا على أنه يُستحب أن يرجع مِن غير الطريق التي مشى عليها، لثبوت ذلك مِن فعله – عليه الصلاة والسلام -.اهـ

المسألة السَّادسة / عن صلاة النَّوافل في مُصلَّى العيد.

وتحتها ثلاثة فروع:

الفرع الأوَّل: عن تطوُّع الإمام قبل صلاة العيد.

أخرج البخاري (989) ومسلم (884) واللفظ له – عن ابن عباس – رضي الله عنهما- :

(( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا )).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري” (6/ 186):

فأمـَّا الإِمام: فلا نعلمُ في كراهة الصَّلاة له خلافـًا، قبلها وبعدها، وكل هذا في الصَّلاة في موضع صلاة العيد.اهـ

الفرع الثَّاني: عن تطوُّع المأموم قبل صلاة العيد.

قال الإمام مالك – رحمه الله – في كتابه “الموطَّـأ” (ص:14- رقم:422) عن نافعٍ:

(( أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاَةِ وَلاَ بَعْدَهَا )).

وإسناده صحيح.

وقال أبو الـمُعلَّى – رحمه الله -:

(( سَمِعْتُ سَعِيدًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَرِهَ الصَّلاَةَ قَبْلَ العِيدِ )).

ذكره البخاري في “صحيحه” (عند حديث رقم: 989) معلقًـا بالجزم.

وثبت عن يزيد بن أبي عُبيد – رحمه الله – أنه قال:

(( صَلَّيْتُ مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَجَلَسَ وَجَلَسْتُ حَتَّى جَاءَ الْإِمَامُ، فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ رَجَعَ )). رواه الفريابي في “أحكام العيدين” (173).

وقال الإمام الزُّهري – رحمه الله – :

لم أسمع أحدًا مِن علمائنا يذكر عن أحد مِن سلف هذه الأمـة أنه كان يُصلِّي قبلها ولا بعدها.اهـ  

وقد نَسَب الفقيه ابن رشد الحفيد المالكي – رحمه الله – في كتابه “بداية المجتهد” (1/ 511-512) ترك التَّطوع قبل صلاة العيد وبعدها إلى أكثر أهل العلم.

الفرع الثَّالث: عن تحيـَّة المسجد إذا كانت صلاة العيد في المسجد.

إذا صلى العبد صلاة العيد خارج البلد في المُصلَّى الـمُعدّ لذلك، فلا يصلِّي ركعتين تحيـَّة لهذا المُصلَّى، لأنَّ ركعتي التَّحيـَّة خاصَّة بالمسجد، وقد دلَّ على ذٰلك حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ )).

رواه البخاري (444)، ومسلم (417).

فخصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التَّحية بالمسجد، والمُصلَّى ليس بمسجد. 

وأمـَّا إذا صلَّى في المسجد فالغالبُ أنـَّه يأتي في وقت نهي، وصلاة تحيـَّة المسجد في وقت النَّهي للعلماء فيها قولان مشهوران:

القول الأول :أنَّها لا تُصلَّى.

وهو قول أكثر أهل العلم.

للأحاديث العديدة الواردة عن النَّهي عن الصَّلاة في أوقات النَّهي.

ومن هذه الأحاديث:

ما أخرجه مسلم (831) عن عقبة بن عامر الجهني – رضي الله عنه – أنه قال:

(( ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ )).

القول الثاني :أنها تُصلَّى .

وهو قول الإمام الشَّافعي – رحمه الله -.

لأنَّ النبَّيَّ صلى الله عليه وسلم علَّق فِعل التَّحية بدخولِ المسجد، وقد وقع،  فتُصلَّى .

وقد أُجيب عن هذا الاستدلال بجوابين:

الأول: أنَّ حديث الصَّلاة عند الدُّخول إلى المسجد عامٌّ في جميع الأوقات، وحديث النَّهي خاصٌّ ببعض الأوقات، فيُقدم العمل بخاصِّ الأوقات على عامـِّها.

الثَّاني: أنَّ النَّهي الوارد للتَّحريم، وتحيَّـة المسجد سُنَّـة، وقد حكَى غيرُ واحدٍ الإجماع على سنيـَّتها، فترك المحرَّم أوْلى مِن فعل المستحبّ.

المسألة السابعة / عن التَّكبيرات الزَّوائد في صلاة العيد.

وتحتها سِتَّة فروع:

الفرع الأوَّل: عن المراد بالتَّكبيرات الزَّوائد.

المراد بالتَّكبيرات الزَّوائد:

التَّكبيرات التي تكون بعد تكبيرة الإحرام في الرَّكعة الأولى، وبعد تكبيرة النُّهوض إلى الرَّكعة الثَّانية.

الفرع الثاني: عن مشروعية التَّكبيرات الزَّوائد.

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي – رحمه الله – في كتابه “شرح معاني الآثار” (4/ 350- حديث رقم: 6779):

ورأينا صلاة العيدين قد أُجْمِع أن فيهما تكبيرات زائدة على غيرهما مِن الصلوات.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 224):

واتفقت الأمة على أن صلاة العيد مخصوصة بتكبير زائد.اهـ

الفرع الثَّالث: عن عدد التَّكبيرات الزَّوائد في كلِّ ركعة.

قال الإمام مالك بن أنس – رحمه الله – في كتابه “الموطَّـأ” (ص:144 – رقم:421):

 أخبرنا نافع مولى عبد الله بن عمر أنـَّه قال:

(( شَهِدْتُ الأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ بِخَمْسِ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ )).

وإسنادُه صحيح.

وثبت نحوه عن عبد الله بن عبَّاس – رضي الله عنهما -.

وقال الفقيه الخطَّابي الشافعي – رحمه الله – في كتابه “معالم السنن” (1/ 217 – رقم:319):

وهذا قول أكثر أهل العلم.اهـ  

وقال فقيه الشافعية النَّووي – رحمه الله – في كتابه “المجموع شرح المهذب” (5/ 24):

وحكاهُ صاحب “الحَاوي” عن أكثر الصَّحابة والتَّابعين.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوى” ( 24/ 220):

وأمـَّا التَّكبير في الصَّلاة فيكبِّر المأموم تبعًا للإمام، وأكثر الصَّحابة – رضي الله عنهم – والأئمَّـة يكبِّرون سبعًا في الأُولى، وخمسًا في الثَّانية.اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 177):

فأما التكبير في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، فهو قول جمهور العلماء، وقد روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعن عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والزهري، وقال: (( مضت السُّنَّة به )).

وحكاه ابن أبي الزِّناد عن فقهاء المدينة السبعة.

وهو قول مكحول، وربيعة، والليث، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود.

وأكثر أهل الحديث، منهم: ابن المديني، وابن أبي شيبة، وأبو خثيمة، وسليمان بن داود الهاشمي، وغيرهم.اهـ

الفرع الرابع: عن نسيان الإمام أو المأموم للتَّكبيرات الزَّوائد أو شيءٍ منها.

قال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله  -في كتابه “المغني” (3/ 275):

والتَّكبيرات والذِّكر بينها سُنَّة وليس بواجب، ولا تبطل الصَّلاة بتركه عمدًا أو سهوًا، ولا أعلم فيه خلافـًا.اهـ

الفرع الخامس: عن رفع اليدين إلى حذو المنكبين أو فروع الأذنين مع التَّكبيرات الزَّوائد.

ثبت عن ابن جُرَيْج – رحمه الله – أنـَّه قال:

(( قُلْتُ لِعَطَاءٍ: يَرْفَعُ الْإِمَامُ يَدَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَ هَذِهِ التَّكْبِيرَةِ الزِّيَادَةَ فِي صَلَاةِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَيَرْفَعُ النَّاسُ أَيْضًا )).

رواه عبد الرزاق في “مصنفه” (5699).

وقال الإمام البغوي – رحمه الله – في كتابه “شرح السُّنَّـة” (4/ 310):

ورفعُ اليدين في تكبيرات العيد سُنَّة عند أكثر أهل العلم”.اهـ

وباستحباب هذا الرَّفع يقول:

ابنُ قيم الجوزيَّة، وابنُ باز، وابنُ عثيمين، – رحمهم الله -.

الفرع السادس: عن حكم الذِّكر بين التَّكبيرات الزَّوائد.

اختلف العلماء – رحمهم الله – في حكم الذِّكر بين التكبيرات الزوائد مِن صلاة العيد على قولين:

القول الأول: أنه لا ذِكر يُقال بين التكبيرات الزوائد.

وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وابن حزم، وابن الأمير الصنعاني.

وقال فقيه الشافعية النووي – رحمه الله- في “شرح صحيح مسلم” (6/ 180 – عند حديث رقم:890):

وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة.اهـ

ومِن حجة هذا القول:

أنه لم يُحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك.

حيث قال الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله – في كتابه “زاد المعاد” (1/ 427):

ولم يُحفظ عنه – أي: النبي صلى الله عليه وسلم – ذِكر معيَّن، ولكن ذُكِر عن ابن مسعود…اهـ

القول الثاني: أنه يُسَنُّ الذكر بين هذه التكبيرات.

وهو قول عطاء بن أبي رباح، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وابن تيمية، والفوزان.

وهو الراجح، لثبوته عن جمع مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

حيث أخرج الجهضمي في “فضل الصلاة على النبي” (88 و 89) واللفظ له، والبيهقي (6186) عن علقمة – رحمه الله -:

(( أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَبَا مُوسَى وَحُذَيْفَةَ خَرَجَ عَلَيْهِمُ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ قَبْلَ الْعِيدِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الْعِيدَ قَدْ دَنَا فَكَيْفَ التَّكْبِيرُ فِيهِ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تُفْتَتَحُ بِالصَّلَاةِ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ تَدْعُو أَوْ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَقْرَأُ ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَرْكَعُ، ثُمَّ تَقُومُ فَتَقْرَأُ وَتَحْمَدُ رَبَّكَ وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ اللَّهَ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَرْكَعُ»، فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ )).

وصححه:

ابن كثير، والسخاوي، والألباني.

وقال النووي: ثبت، وقال مرَّة: رواه البيهقي بإسناد حسن.اهـ

وقال ابن حجر العسقلاني: وسنده قوي.اهـ

وأخرجه عبد الرزاق في “مصنفه” (5697) مختصرًا، ومِن طريقه الطبراني في “المعجم الكبير” (9523).

وذكر الحافظ البيهقي – رحمه الله – في “السنن الكبرى” (6186) أنه لا يُعرف مخالف لابن مسعود – رضي الله – في ذلك فقال:

وهذا مِن قول عبد الله بن مسعود موقوفًا عليه، فنتابعه للوقوف بين كل تكبيرتين للذِّكر، إذ لم يُروَ خلافه عن غيره.اهـ

وقد أقرَّه عليه صحابيان هما أبو موسى الأشعري وحذيفة – رضي الله عنهما – فقالا:

(( صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ )).

وقول عطاء بن أبي رباح – رحمه الله – قد أخرجه عبد الرزاق في “مصنفه” (5696) بسند صحيح.

ومَن لم يذكر الله تعالى بين التكبيرات الزوائد بالحمد والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وما أشبه ذلك فلا جناح عليه وصلاته صحيحة.

وقد قال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله  -في كتابه “المغني” (3/ 275):

والتَّكبيرات والذِّكر بينها سُنَّة وليس بواجب، ولا تبطل الصَّلاة بتركه عمدًا أو سهوًا، ولا أعلم فيه خلافـًا.اهـ

المسألة الثامنة / عن دعاء الاستفتاح في صلاة العيد. دعاء الاستفتاح مستحبٌّ في صلاة العيد قياسًا على باقي الصَّلوات.

وإلى هذا ذهب عامَّة مَن يرى مشروعيَّة دعاء الاستفتاح.

إلَّا أنَّهم اختلفوا في موضعه على قولين:

القول الأول: أنَّ المصلي يُقوله بعد تكبيرة الإحرام، ثمَّ يُكبِّر بعده التَّكبيرات الزَّوائد.
وهو قولُ الأكثر.

القول الثاني: أنَّ المصلي يقوله بعد الانتهاء من التَّكبيرات الزَّوائد.

المسألة التاسعة / عن قضاء صلاة العيد.

مَن فاتَته ركعة من صلاة العيد، أو أدركهم في التَّشهد، أو فاتَته صلاة العيد كلّها، هل يُشرع له أن يقضِي؟ وإن قضَى، فَعلى أيِّ صفة؟.

قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية برئاسة العلامة عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ كما في “الفتاوى” ( 8/ 306 -307 – رقم : 2328 و4517):

ومَن فاتته وأحب قضاءها استُحب له ذلك، فيصليها على صفتها مِن دون خطبة بعدها.

وبهذا قال الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، والنخعي، وغيرهم مِن أهل العلم.

والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:

(( إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا )).

وما رُوي عن أنس – رضي الله عنه – أنه:

(( كان إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلي بهم ركعتين، يكبر فيهما )).

ولِمن حضر يوم العيد والإمام يخطب أن يستمع الخطبة ثم يقضي الصلاة بعد ذلك حتى يجمع بين المصلحتين.اهـ

وقالت أيضًا:

مَن أدرك التشهد فقط مع الإمام مِن صلاة العيدين صلَّى بعد سلام الإمام ركعتين، يفعل فيهما كما فعل الإمام، مِن تكبير وقراءة وركوع وسجود.اهـ

المسألة العاشرة / عن شهود خطبة العيد.

وتحتها فرعان :

الفرع الأوَّل: عن الجلوس لاستماع خطبة العيد.

مَن صلَّى صلاة العيد مع الإمام فالسُّنـَّة والأكمل في حقِّه أن لا ينصرف حتَّى يسمع خطبة العيد.

وقد قال الحافظ ابن عبد البَر النَّمري المالكي – رحمه الله – في كتابه “الاستذكار” (7/ 61):

وعلى هذا جماعة الفقهاء.اهـ

وهو المعمول به على عهده النبي صلى الله عليه وسلم،  فقد قال أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه -:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ )).

رواه البخاري( 956) واللَّفظ له، ومسلم (889).

وأمَّا حديث:

(( إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ )).

فأكثر أئمة الحديث على أنَّ الصَّواب فيه الإرسال، منهم: ابن معين، وأبو زُرعة الرَّازي، والنَّسائي، وأبو داود، والبَيهقِي، والوادِعي.

والـمُرْسل مِن أقسام الحديث الضَّعيف.

الفرع الثاني: عن كلام الناس في أثناء خطبة العيد.

 يُكره لِمن حضر خطبة العيد أن يتكلم في أثنائها مع غيره مِن المصلَّين، أو عبر الهاتف الجوَّال، لِـمَا في ذلك مِن الانشغال عن الانتفاع بالخطبة، والتَّشويش على المستمعين، والإخلال بأدب حضور مجالس الذِّكر.

وقد قال فقيه المالكية أبو الحسن ابن بطَّال – رحمه الله – في “شرح صحيح البخاري” (2/ 572):

وكَرِه العلماء كلام النَّاس والإمام يخطب.اهـ

المسألة الحادية عشرة / عن بدأ خطبة العيد بالتكبير.

بَدأ خطبة العيد بالتَّكبير جرَى عليه عملُ السَّلف الصَّالح – رحمهم الله تعالى -.

فأخرج سعيد بن منصور في “سننه” كما في “المغني” (2/ 239) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة  أنه قال:

(( يُكَبِّرُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَخْطُبُ، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ )).

وسندُه صحيح .

و(عبيد الله) هذا، قال عنه الحافظ ابن عبد البَرَّ – رحمه الله -:

هو أحد الفقهاء العشرة ثمَّ السَّبعة الَّذين تدور عليهم الفتوى.اهـ

وقال الحافظ ابن حبان – رحمه الله – عنه:

وهو من سادات التَّابعين.اهـ

وثبت عن إسماعيل بن أميَّة – رحمه الله – وهو من أتباع التَّابعين – أنه قال:

(( سَمِعْتُ أَنَّهُ يُكَبَّرُ فِي الْعِيدِ تِسْعًا وَسَبْعًا )).

رواه عبد الرزاق في “مصنفه” (5671 – باب: التكبير في الخطبة).

وإسناده صحيح.

وقد نصَّ جمع مِن أئمة أهل الحديث والسُّنَّة على أن هذا التكبير: مِن السُّنَّة.

وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، وابن أبي ذئب، وابن المنذر، وغيرهم.

بل جاء في مذاهب الأئمة الأربعة: أنـَّه يُسنُّ.

فقال العلَّامة أبو عبد الله ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله –  في كتابه “الفروع” (2/ 141-142):

ويسنُّ أن يستفتح الأولى بِسبع تكبيرات (وم) نسقاً (و)، … والثَّانية بسبع (وش) قال أحمد: “وقال عُبيد الله بن عُتبة: إنَّـه من السُّنَّـة”.اهـ

و”الواو” تعني: موافقة الحنفية والمالكية والشافعية للحنابلة في حكم المسألة.

وتابعه على نقل اتفاقهم الفقيه جمال الدِّين يوسف بن عبد الهادي في كتابه “مغني ذوي الأفهام” ( 7/ 350 – مع غاية المرام)، والعلامة عبد الرحمن ابن قاسم في كتابه “حاشية الروض المربع” (2/ 551).

ولم يمر بي بعد بحث طويل ومذاكرة مع بعض طلاب العلم عن أحد مِن السلف الصالح، ولا الأئمة المتقدمين أنه قال بخلاف ذلك، والله تعالى أعلم.

وعمومًا فالخروج عن جادتهم صعب، والعمل بخلافهم ليس برشد، لأنهم عند الجميع أفهم للنصوص، وأشد في العمل بها وأحرص، بل إن الأحاديث والآثار لا تُفهم إلا على ضوء فهومهم، وإلا كان الخطأ والزلل، وخطبة العيد أيضًا ظاهرة، يشهدونها ويسمعون كيف تُبدأ؟ أبالتكبير أم بالحمد.

ولا تنافر – بحمد الله – بين التكبير والحمد، إذ هما جميعًا تعظيم لله – عزَّ وجلَّ -، وثناء عليه سبحانه، ومَن بدأ خطبته بالتكبير فقد بدأها بالثناء على الله سبحانه.

وقد كتبت رسالة حول هذا الموضوع بعنوان:

” تذكير الخَلَفِ بأنَّ بدأَ خطبة العيد بالتكبير هو المنقول عن السَّلف “.

ومَن رام الاستزادة والتوسع فليطالعها في موقعي، أو يضع عنوانها في “قوقل” وستخرج له.

المسألة الثانية عشرة / عن خطبة العيد وأنها اثنتان لا واحدة.

لا خلاف بين العلماء – رحمهم الله – أن للعيد خطبتين يُفصل بينهما بالجلوس.

ذَكَرَ ذلك فقيه الظاهرية ابن حزم الأندلسي ـ رحمه الله ـ في كتابه “المحلى” (3/ 543 – مسألة: 543) فقال:

فإذا سلَّم الإمام قام فخطب الناس خطبتين يجلس بينهما جلسة, فإذا أتمهما افترق الناس، فإن خطب قبل الصلاة فليست خطبة, ولا يجب الإنصات له, كل هذا لا خلاف فيه إلا في مواضع نذكرها إن شاء الله تعالى.اهـ

ثم لم يذكر بعد ذلك خلافـًا في الخطبتين.

فإذا لم يكن خلاف بين مَن تقدَّمنا مِن أهل العلم في الخطبتين، وأجمعوا عليهما، فينبغي أن لا يحصل بيننا، والأسلم لنا متابعتهم، وجعلهم قدوتنا في ذلك.

وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله – كما في كتاب “مسائل الإمام ابن باز” (ص:82 ـــ تقييد وجمع: عبد الله بن مانع):

العلماء ألحقوا العيد بالجمعة في الخطبتين، فلا ينبغي العدول عنه.اهـ

وقال أيضًا كما في “فتاوى نور على الدرب” (13/ 364):

خطبة العيد خطبتان، يخطب خطبتين كالجمعة، هكذا قال أهل العلم.اهـ

وقال العلامة أحمد بن يحيى النجمي – رحمه الله – في كتابه “فتح الرب الودود في الفتاوى والرسائل والردود” (3/ 117):

علمًا بأن العمل الآن جارٍ على الخطبتين عند معظم الناس، وعامة الفقهاء، وفي الإتيان بخطبة واحدة جالب للبلبلة وكثرة النقاش والتساؤلات، فلو عمل الخطيب بما جرى عليه الفقهاء فهو أحسن في نظري.اهـ

وقد كتبت رسالة حول هذا الموضوع بعنوان:

” إسعاد الصُّحبة بأن السلف الصالح على أن للعيد خطبتين لا خطبة “.

ومَن رام الاستزادة والتوسع فليطالعها في موقعي، أو يضع عنوانها في “قوقل” وستخرج له.

المسألة الثالثة عشرة / عن التهنئة بالعيد.

التهنئة بالعيد جرى عليها عمل السلف الصالح مِن أهل القرون المفضلة، وعلى رأسهم الصحابة – رضي الله عنهم -.

وقد قال العلامة أبو عبد الله بن مفلح الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “الفروع” (2/ 15) عن التهنئة بالعيد بقول “تقبل الله منا ومنكم “:

في “النصيحة”: أنه فِعل الصحابة، وأنه قول العلماء.اهـ 

وصاحب كتاب “النصيحة” هو الإمام أبو بكر الآجري – رحمه الله -.

وأخرج ابن حبان في كتابه “الثقات” (9/ 90 – رقم:15348) عن علي بن ثابت – رحمه الله – أنه قال:

سألت مالك بن أنس عن قول الناس يوم العيد: ” تقبل الله منا ومنك “، فقال:

(( مَا زَالَ ذَلِك الْأَمر عِنْدنَا، مَا نَرَى بِهِ بَأْسًا )).اهـ

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني” (2/ 295):

وقال علي بن ثابت: سألت مالك بن أنس منذ خمس وثلاثين سنة، وقال:

(( لَمْ يَزُلْ يُعْرَفُ هَذَا بِالْمَدِينَةِ )).اهـ    

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ـ رحمه الله ـ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (2/ 446 – قبل حديث رقم: 951):

وَرُوِّينَا في “المحامليات” بإسناد حسن عن جبير بن نفير أنه قال:

(( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا الْتَقَوْا يَوْمَ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ )).اهـ

وحسن إسناده جلال الدين السيوطي – رحمه الله – في “الحاوي للفتاوى” (1/ 81).

وقال أيضًا في “جزء التهنئة في الأعياد” (ص:34):

وَرُوِّينَا في كتاب “التحفة” المذكور بسند حسن أيضًا إلى محمد بن زياد الألهاني – وهو من رجال الصحيح – قال:

 (( رأيت أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ صَاحِب رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي الْعِيدِ لِأَصْحَابِهِ: تَقَبَّل اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُم )).

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني” (2/ 295):

وقال أحمد: إسناد حديث أبي أمامة إسناد جيد.اهـ

وجوده أيضًا: ابن التركماني في كتابه “الجوهر النقي” (3/ 319 – بهامش “سنن” البيهقي).

وصحح التهنئة في العيد بذلك عن الصحابة – رضي الله عنهم -:

العلامة الألباني – رحمه الله – في كتابه “تمام المنة في التعليق على فقه السنة” (ص:355).

وقال في كتابه “سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة” (12/ 387 – بعد رقم: 5666):

لكن قد ثبت ذلك مِن طريق أخرى قوية:

أن الصحابة كانوا إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: (( تقبل الله منا ومنك )).اهـ

وبعض الناس – سددهم الله – قد يهنئون بالعيد قبل حلوله بيوم أو أكثر، أو يهنئون به في ليلته.

والمنقول عن السلف الصالح ـ رضي الله عنهم ـ أنهم كانوا يُهنئون بعضهم في نهار يوم العيد، ولا ريب أن الأحب عند الجميع هو فعلهم.

المسألة الرابعة عشرة / عن صيام يوم عيد الأضحى وأيام التشريق.

قال أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه -:

(( نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ)).

رواه البخاري ( 1991 ) واللفظ له، ومسلم (827).

وأخرج البخاري (1990) واللفظ له، ومسلم (1137) عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال في خطبة العيد:

(( هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ )).

وقال الحافظ ابن عبد البَر النَّمري المالكي – رحمه الله –  في كتابه “التَّمهيد” (13/ 26):

وصيام هذين اليومين لا خلاف بين العلماء أنـَّه لا يجوز على حال من الأحوال لا لِـمتطوعٍ, ولا لناذرٍ, ولا لقاض فرضًا, ولا لمتمتع لا يجد هدْيًا, و لا لأحد مِن الناس كلهم أن يصومهما، وهو إجماع لا تنازع فيه.اهـ

ومِمَّن نقل الإجماع أيضًا على الحرمة:

موفق الدين ابن قدامة الحنبلي، وأبو زكريا النووي الشافعي، وابن حجر العسقلاني الشافعي، وعبد العزيز بن باز – رحمهم الله -.

وأيام التَّشريق هي: الأيام الثلاثة التي بعد يوم عيد الأضحى، الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر.

وهذه الأيـَّام لا يجوز صيامها لا تطوعًا ولا فرضًا إلا لِمن لم يجد الـهَدْي.

وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم.

وذلك لِـمَا أخرجه البخاري (1997- 1998) عن عائشة – رضي الله عنها – , وابن عمر- رضي الله عنهما – أنـَّهما قالا:

)) لم يُرَخَّص في أيام التَّشريق أن يُصَمْنَ إلَّا لمن لم يجد الـهَدْي  )).

وثبت عن:

(( عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عُقَيْلٍ أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَذَلِكَ الْغَدَ أَوْ بَعْدَ الْغَدِ مِنْ يَوْمِ الْأَضْحَى، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمْ عَمْرٌو طَعَامًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَفْطِرْ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِفِطْرِهَا، وَيَنْهَى عَنْ صِيَامِهَا، فَأَفْطَرَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَكَلَ )).

أخرجه أحمد (17768)، وأبو داود (2418)، واالدارمي (1808)، وابن خزيمة (2149) واللفظ له، والحاكم (1589)

وصححه:

ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، والألباني.

المسألة الخامسة عشرة / لا عيد للمسلمين إلا عيدان.

قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله – كما في “مجموع فتاويه ورسائله” (3/ 111):

إنَّ جنس العيد الأصل فيه أنـَّه عبادة وقُربة إلى الله تعالى.اهـ

وصحَّ عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أنه قال:

(( قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ )).

رواه أحمد (13622)، وأبو داود (1134)، والنسائي (1556)، وغيرهم.

وصححه:

الحاكم، والبغوي، والنووي، وابن تيمية، والذهبي، والعيني، وابن حجر العسقلاني، والألباني.

وقال العلامة محمد بن صالح بن عثيمين – رحمه الله -في كتابه “الشرح الممتع على زاد المستقنع” (5/ 113) عقب هذا الحديث:

وهذا يدلُّ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحب أن تُحِدث أمـَّته أعيادًا سوى الأعياد الشَّرعية التي شرعها الله – عزَّ وجلّ -.اهـ

وقال المناوي الشافعي – رحمه الله – في كتابه “فيض القدير” (4/ 511 – حديث رقم: 6106):

وقال المجد ابن تيمية:

الحديث يُفيد حرمة التَّشبُه بهم في أعيادهم، لأنه لم يقرهم على العيدين الجاهليين، ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، وقال: (( أبدلكم )) والإبدال يقتضي ترك المُبدل منه.اهـ

المسألة السَّادسة عشرة / عن التَّكبير في أيَّام العشر الأُوَل مِن شهر ذِي الحجَّة، ويوم عيد الأضحى، وأيام التَّشريق.

وتحت هذه المسالة ثمانية فروع:

الفرع الأول: عن مشروعيَّـة التَّكبير في أيَّام العشر.

التَّكبير في أيَّام العشر جرى عليه العمل أيـَّام السَّلف الصَّالح مِن أهل القرون المفضَّلة وعلى رأسهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد قال الإمام البخاري – رحمه الله – في “صحيحه” (عند حديث رقم:969) جازمًا:

(( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: «يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا )).

و زاد غيرُه:

(( لا يخرجان إلَّا لذلك )).

وقال ميمون بن مهران – رحمه الله -:

(( أدركتُ النَّاس وإنـَّهم ليكبِّرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها )).

وقال ثابت البناني التابعي – رحمه الله -:

(( كَانَ النَّاسُ يُكَبِّرُونَ أَيَّامَ الْعَشْرِ حَتَّى نَهَاهُمُ الْحَجَّاجُ، وَالْأَمْرُ بِمَكَّةَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ، يُكَبِّرُ النَّاسُ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْعَشْرِ )).

أخرجه الفاكهي في “أخبار مكة” (1607) بإسناد صحيح.

وهذا التَّكبير مشروع في حقِّ سائر الناس مِن الرِّجال والنِّساء، والصِّغار والكبار، وفي البيوت والأسواق، والمساجد والمراكب، وفي السَّفر والحضر.

ويُكبِّر الإنسان وهو جالس أو راكب أو مضطجع أو وهو يمشي.

وفي سائر الأوقات.

ويُسمَّى هذا التكبير “بالتكبير المطلق” لأنه ليس له وقت مُحدَّد يُقال فيه، بل يذكر العبد ربه به متى شاء.

إلا أنـَّه لا يُكبَّر في هذه الأيام بعد السلام مِن صلاة الفريضة مع الأذكار، وسواء صُلِّيَت في المسجد، أو في البيت، أو في العمل، أو أيِّ مكان.

وإنما يبدأ التكبير الذي يكون بعد السلام من الفريضة لغير الحجاج: مِن بعد صلاة فجر يوم عرفة.

ويُسمَّى هذا التكبير “بالتكبير المُقيَّد” لأن ذِكر الله به قُيِّد النُّطق به بالسلام مِن صلاة الفريضة، فإذا سلَّم كبَّر.

الفرع الثَّاني: عن مشروعيَّـة التَّكبير في أيام عيد الأضحى.

التَّكبير في عيد الأضحى مشروع باتفاق أهل العلم.

وقد نقله عنهم:

موفق الدين ابن قدامة الحنبلي في “المغنِي” (3/ 287)، وأبو زكريا النَّووي الشافعي في “المجموع شرح المهذب” (5/38-39)، وابن تيمية كما في “مجموع الفتاوى” (24/220)، وغيرهم.

وقد ثبت عن جمعٍ مِن الصَّحابة – رضي الله عنهم -،  منهم:

عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأم المؤمنين ميمونة.

الفرع الثالث: عن أقسام التَّكبير في أيـَّام عيد الأضحَى.

شُرع للناس أن يُكبِّروا في أيـَّام عيد الأضحى في هذين الموضعين:
الأوَّل: عُقَيب الانتهاء مِن أداء صلاة الفريضة.

ويُسمَّى هذا “بـالتَّكبير المقيَّد”.

لأنَّ فعله قُيـِّد بالانتهاء مِن الصَّلاة بعد التسليم.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري” (6/124):

اتفق العلماء على أنـَّه يُشرع التَّكبير عُقَيب الصَّلوات في هذه الأيـَّام في الجُملة، وليس فيه حديث مرفوع صحيح؛ بل إنـَّما فيه آثار عن الصَّحابة – رضي الله عنهم -،  ومَن بعدهم، وعملُ المسلمين.

وهذا يدلُّ على أنَّ بعض ما أجمعت الأمـَّة عليه لم يُنقل إلينا فيه نصٌّ صريح عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، بل يُكتفَى بالعمل به.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوى” (24/220):

وأمـَّا التَّكبير في النَّحر فهو أَوْكد مِن جهة أنـَّه يُشرع أدبار الصَّلوات، وأنـَّه مُتفقٌ عليه.اهـ

الثاني: في سائر الأوقات من ليلٍ أو نهار.

ويسمى هذا “بـالتَّكبير المطلق”.

لأنَّ فِعله لا يتقيَّد بوقت؛ بل يفعله المسلم في أيِّ وقت شاء مِن ليلٍ أو نهار؛ وفي بيته أو مركبته أو سوقه، ويفعله وهو قائم أو جالس أو وهو يمشي.

وقال الإمام البخاري – رحمه الله – في “صحيحه” (عند رقم: 970) جازمًا:

(( وَكَانَ عُمَرُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا )).

(( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ، وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا )).

(( وكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ )).

(( وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ )). الفرع الرَّابع: عن وقت التَّكبير المقيَّد بأدبار الصَّلوات.

يبدأ وقت التَّكبير المقيَّد بالنِّسبة لِمن في الأمصار:

مِن فجر يوم عرفة إلى صلاة العصر مِن آخر أيـَّام التَّشريق، ثمَّ يُقطع.

قال الإمام ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوى” (24/220):

أصحُّ الأقوال في التَّكبير الَّذي عليه جمهور السَّلف والفقهاء مٍن الصَّحابة – رضي الله عنهم – والأئمَّة:

أن يُكبَّر مِن فجر يوم عرفة إلى آخر أيـَّام التَّشريق عقِب كلِّ صلاة.اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري” (6/124):

وقد حكَى الإمام أحمد هذا القول إجماعًا مِن الصَّحابة – رضي الله عنهم -، حكاه عن: عُمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس.اهـ  

وقال الفقيه شمس الدين السَّرخسي الحنفي – رحمه الله –  في كتابه “المبسوط” (2/42):

 اتَّفق المشايخ مِن الصَّحابة – رضي الله عنهم -: عُمر وعَليّ، وابن مسعود: أنـَّه يُبدأ بالتَّكبير من صلاة الغَداة من يوم عرفة.اهـ

الفرع الخامس: عن مشروعيَّـة الجهر بالتَّكبير عند الخروج إلى صلاة عيد الأضحى.

ثبت عن ابن عمر- رضي الله عنهما – :

(( أنـَّه كان إذا غدَا يوم الأضحى ويوم الفطر، يجهرُ بالتَّكبير حتَّى يأتي المصلَّى، ثمَّ يكبِّر حتَّىٰ يأتي الإمام )).

رواه الدَّار قطني (2/45)، والفريابي في “أحكام العيدين” (43،53).

وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوى” (24/220):

وُيشرع لكلِّ أحد أن يجهر بالتَّكبير عند الخروج إلى العيد، وهذا باتفاق الأئمَّة الأربعة.اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي- رحمه الله – في كتابه “فتح الباري” (6/133):

ولذلك يُشرع إظهار التَّكبير في الخروج إلى العيدين في الأمصار، وقد رُوِي ذلك عن: عمر، وعلي، وابن عمر، وأبي قتادة، وعن خلق مِن التـابعين، ومَن بعدهم، وهو إجماع مِن العلماء، ولا يُعلم بينهم خلاف في عيد النَّحر، إلَّا ما رواه الأثرم عن أحمد: أنـَّه لا يجهر به في عيد النَّحر، ويجهر به في عيد الفطر، ولعلَّ مراده أن يجهر به في عيد النَّحر دون الجهر في عيد الفطر، فإنَّ تكبير عيد الفطر عنده آكد.اهـ

الفرع السَّادس: عن مشروعيَّة الجهر بالتَّكبير أيـَّام العشر, وفي يوم النَّحر, وأيـَّام التَّشريق.

قال الإمام البخاري – رحمه الله – في “صحيحه” (عند حديث رقم: 969) جازمًا:

(( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا )).

 وقال أيضًا (عند رقم: 970) جازمً :

 (( وَكَانَ عُمَرُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا )).

الفرع السابع: عن تكبير النِّساء.

قالت أمُّ عطيـَّة – رضي الله عنها -:

(( كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ العِيدِ حَتَّى نُخْرِجَ البِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ وَطُهْرَتَهُ )).

رواه البخاري(971) واللَّفظ له، ومسلم (890).

وفي لفظ لمسلم:

(( الْحُيَّضُ يَخْرُجْنَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ )).

وهذا نصٌّ في مشروعيـَّة التَّكبير للنِّساء حتَّى ولو كُنَّ حِيَّض.

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “فتح الباري” (6/130):

ولا خلاف في أنَّ النَّساء يُكبِّرن مع الرِّجال تبعًا إذا صلَّيْنَ معهم جماعة، ولكنَّ المرأة تخفض صوتها بالتَّكبير.اهـ

وقال العلامة أبو زكريا النَّووي الشافعي – رحمه الله – في “شرح صحيح مسلم” (6/429) عقب حديث أمِّ عطيـَّة – رضي الله عنها -:

وهذا دليلٌ على استحباب التَّكبير لكلِّ أحد في العيدين وهو مُجمع عليه.اهـ

وقال البخاري- رحمه الله –  في “صحيحه” (عند رقم: 970) جازمًا:

(( وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ )).

وقال الفقيه أبو الحسن ابن بطَّـال المالكي – رحمه الله –  في “شرح صحيح البخاري” (2/567) عن تكبير النساء:

وهذا أمـرٌ مستفيض.اهـ

الفرع الثامن: عن صِيغة هذا التَّكبير.

للتَّكبير في العيد عِدَّة صِيغ جاءت عن الصَّحابة – رضي الله عنهم -:

الأولى: (( الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر وأجلُّ، الله أكبر ولله الحمد )).

وثبتت عن ابن عباس – رضي الله عنهما – عند ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (1/ 489).

الثانية: ما أخرج عبد الرزاق (20581 ، ومِن طريقه البيهقي (3/ 316) عن أبي عثمان النَّهدي – رحمه الله – أنه قال:

(( قال كان سلمان يعلِّمنا التَّكبير يقول: كبِّروا الله، الله أكبر، الله أكبر- مرارًا – الَّلهم أنت أعلى وأجلُّ مِن أن تكون لك صاحبة، أو يكون لك ولد، أو يكون لك شريك في الملك، أو يكون لك وليٌّ مِن الذُّلِّ، وكبِّره تكبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الَّلهم اغفر لنا، الَّلهم ارحمنا، ثمَّ قال: والله لتكتبنَّ هذه، ولا تترك هاتان، وليكوننَّ هذا شفعاء صِدق لهاتين )).

ولفظ البيهقي:

(( كان سلمان – رضي الله عنه –  يعلِّمنا التَّكبير يقول: كبِّروا: الله أكبر، الله أكبر كبيرًا – أو قال تكبيرًا –  اللهم أنت أعلى وأجلُّ مِن أن تكون لك صاحبة, أو يكون لك ولد, أو يكون لك شريك في الملك, أو يكون لك وليٌّ مِن الذُّلِّ، وكبِّره تكبيرًا، الَّلهم اغفر لنا، الَّلهم ارحمنا، ثمَّ قال: والله لتكتبنَّ هذه، لا تترك هاتان، ولتكوننَّ شفعًا لهاتين )).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمه الله –  في كتابه “فتح الباري” (2/ 462) عن هذه الصِّيغة:

أصحُّ ما ورد.اهـ

ووافقته اللَّجنة الدَّائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء بالمملكة برئاسة العلَّامة ابن باز – رحمه الله -.

الثالثة: (( الله أكبر, الله أكبر، لا إله إلَّا الله، والله أكبر, الله أكبر، ولله الحمد )).

وجاءت عن ابن مسعود – رضي الله عنه – عند ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (1/ 488-490).

وصحَّحها العلامة الألباني – رحمه الله – في كتابه “إرواء الغليل” (3/ 125).

وقد ثبتت هذه الصِّيغة أيضًا عن جمعٍ مِن التابعين – رحمهم الله – كما عند ابن أبي شيبة في”مصنَّفه” (1/ 488-490)، والفريابي في “أحكام العيدين” (62)، وغيرهما.

المسألة السابعة عشرة / عن الأضحية.

قال الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كما في “مجموع الفتاوى” (23/ 161):

وأما الأضحية فإنها مِن أعظم شعائر الإسلام، وهي النُّسك العام في جميع الأمصار، والنُّسك المقرون بالصلاة، وهي مِن ملة إبراهيم الذي أُمِرنا باتباع ملته.اهـ

وهي مشروعة بالسُّنة النبوية المستفيضة، وبالقول والفعل عنه صلى الله عليه وسلم

 حيث قال أنس بن مالك – رضي الله عنه -:

(( ضَحَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ )).

رواه البخاري (5565 )، ومسلم (1966).  

وقال صلى الله عليه وسلم للناس في خطبة عيد الأضحى معلِّمًا ومرغِّبًا:

(( إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا )).

رواه البخاري (951)، ومسلم (1961) مِن حديث البراء بن عازب – رضي الله عنه -. 

بل وضحى صلى الله عليه وسلم حتى في السفر، فقال ثوبان – رضي الله عنه -:

(( ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ: أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ»، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ )).

رواه مسلم (1975).

وأعطى صلى الله عليه وسلم أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ غنمًا ليضحوا بها.

حيث ذكر عقبة بن عامر – رضي الله عنه -:

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ أَنْتَ» )).

رواه البخاري (2500)، ومسلم (1965). 

وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه “المغني” (13/ 360):

وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية.اهـ

ومَن ضحى وهو يخشى الفقر والحاجة، فليُبشر بموعود الله الحسن له، حيث يُخلِفُه عليه في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، حيث قال سبحانه:

{ ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }.

وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ـ رحمه الله ـ في كتابه “الاستذكار” (15/ 163-164):

ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ترك الأضحية، ونَدب إليها، فلا ينبغي لموسر تركها.اهـ

وثبت عن أبي هريرة – رضي الله عنه –  أنه قال:

(( مَن وَجَدَ سَعَةً فلم يُضَحِّ فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنا )).

رواه الدار قطني (4743)، والحاكم (7566)، والبيهقي (19013)، وابن عبد البر في “التمهيد” (23/ 191).

وصححه:

الذهبي، وغيره.

المسألة الثامنة عشرة /  عن بعض المظاهر السَّيئة الَّتي تحصُلُ في العِيد.

العيد مِن أجمل المظاهر التي امتنَّ الله سبحانه بها على عباده؛ ففيه:

يجتمع المسلمون في مُصلَّياتهم، ويتقرَّبون إلى ربهم بعبادات شتَّى، ويكبِّرون الله ويشكرونه على ما أنعم عليهم، ويواسِي غنيُّهم فقيرهم، ويَصِلُ القريب فيه قريبه، والجار جاره، وتصفُو النفوس، ويُصفَح ويُتَجَاوز، وتحلُّ الأُلفة، ويظهر الكرم، ويكون السُّرور، ويُهنِّـأ النَّاسُ بعضهم بعضًا عليه.

وإن ثَمة مظاهر كثيرة تُرى في العيد لا يليق بالمسلمين أو المسلمات أن تقع منهم، وأن يكونوا مِن أهلها، أو مِن العاملين بها.

ومِن هذه المظاهر:

تشاغل كثير مِن الرِّجال عن أهمِّ شعائر العيد، وهي صلاة العيد، حيث يتشاغلون عنها بالنَّوم أو التَّبضُّع أو التَّجمُّل أو الزَّبائن أو أمور ضيافة الزُّوَّار والمهنئين.

ومِن هذه المظاهر:

أن كثيرًا مِن النِّساء قد جعلت العيد مظهرًا مِن مظاهر التَّبرج والسُّفور والتَّكشُّف، وإظهار المفاتن والعورات، فَتَفْتِن وتُفتَن، وتأثم وتتسبَّب في الإثم، يُرى ذلك منها وقت التَّزاور أو عند حضور الولائم, أو في الشَّواطئ والحدائق وأماكن النُّـزُّهة.

ومِن هذه المظاهر:

أن طوائف مِن النَّاس يكونون في العيد مِن الضَّارِّين لأنفسهم وأهليهم وأصدقائهم بحضور تجمُّعات الغناء والموسيقَى والرَّقص وحفلات أهلها، بل قد يُسافِرون في طلبها، وهذا إفساد للنفس والأهل والصُّحبة، وتكثير للوزر، وتبديد لنعمة المال، وما هكذا تُشكر نعم الله سبحانه، وإفضاله على عبده.

ومِن هذه المظاهر:

أن مِن النَّاس – وهم كُثُرٌ جدًا – واقعهم في العيد:

سهرٌ بالليل لمتعة النَّفس، وإمتاع الأهل أو الرِّفقة، ثمَّ نومٌ بالنَّهار، تضيع به الصَّلوات، فلا تُؤدَّى في أوقاتها، وهذا إهلاك للنَّفس بتكثير الإثم، وإغضاب لِلرَّب الذي أنعم بهذه النَّفس وكل النِّعم.

ومِن هذه المظاهر:

أن مِن الذُّكور والإناث مَن يجعل عيده محلًا للتَّشبُّه بأهل الكفر والفجور والفساد في ألبستهم، وقصِّ شعورهم، ورقصاتهم، وأفعالهم، وعاداتهم.

ومِن هذه المظاهر:

أن مِن الرِّجال والنِّساء مَن يُؤثم نفسه وغيره عند اللِّقاء في العيد والتَّزاور، بمصافحة مَن ليس أو ليست بمحْرَم، وبعضهم قد يفعل ما هو أشد، فيصافح ويُقبِّل في الخدود، ويضُم البدن إلى البدن ويلتزمه.

ومِن هذه المظاهر:

تبديد المال الكثير في شراء المفرقعات أو الألعاب النَّـارية للأولاد، وقد كرِه الله لنا إضاعة المال، بل قد تكون هذه الأشياء سببًا في إيذاء النَّاس بها وبأصواتها، أو تُلحق الضَّرر بالعيال، أو مَن حولهم، والمستشفيات والمطافئ شاهد حيٌّ على ذلك.

ومِن هذه المظاهر:

ما يحصل مِن بعضهم حيث يقْلِب لقاءه في العيد مع أهله وإخوانه وقرابته ورفاقه إلى تشاحن وتخاصم وتهاجُر وزيادة في التَّباغض، بسبب ضعف الحِلم، وسُرعة الغضب، وقِلَّة الرِّفق واللين، وفظاظة القول، وقساوة الطبع.

ومِن هذه المظاهر:

أن طوائف كثيرة جدًا مِن النَّاس قد جعلوا العيد موسمًا لزيارة المقابر والجلوس فيها والتَّجمع عندها، وقراءة الفواتح لأهلها، فما إن ينتهوا مِن صلاة العيد إلا وتوجهوا إليها، ولا يُعرف هذا عن سلف الأمة الصالح، فما جعلها موسمًا للزِّيارة في العيد، ولا خصَّصها بالزِّيارة فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته – رضي الله عنهم – ولا مَن بعدهم، ولا أئمة المذاهب الأربعة، وإن لم نقتد بهؤلاء الأكابر الأجلاء فبمَن؟

وأكثر الناس لا يعلمون أن هذه عادة رافضية أو صوفيه، هم مَن أحدثها ونشرها بين الناس.

ومِن هذه المظاهر:

أن بعض النَّاس يخصُّ ليلة العيد بالإحياء ببعض العبادات مِن صلواتٍ وأورادٍ، ولو كان هذا هو الخير في هذه الليلة لفعله رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه الراشدون وباقي أصحابه – رضي الله عنهم -، أو أمَر به أو رغَّب فيه، فقِفْ حيث وقف النَّبي صلى الله عليه وسلم, وسِرْ على طريقه وطريق أصحابه – رضي الله عنهم -؛ فإنَّ الخير لكَ في ذلك، ولا نجاة لك إلا به ودعك مِن ضلالات الروافض والصوفية فإنها مهلكة.

ومِن هذه المظاهر:

أن آباء وأمهات كُثُرٌ جدًا قد أنعم الله عليهم بِبُـنَـيَّـات، فتراهم يُخرجونهنَّ في العيد بألبسة إن رأيتها لم تتذكَّر إلا ألبسة الكاسيات العاريات المفسدات، وإن رأيت البُنيَّات سألت الله أن يُسلِّمهنَّ ويحفظهنَّ مِن الفِتن وأهلها، وخشِيت عليهنَّ مِن الشَّر، وأن يَكْبَرن على هذه الألبسة ويتعوَّدْنَ عليها، فيكُنَّ مِعْوَل إفسادٍ لبُلدانهنَّ ومجتمعاتهنَّ، وطريق وِزْرٍ لأهل البيت.

ومِن هذه المظاهر:

ما يحصل مِن أعداد كثيرة مِن الذكور والإناث حيث يضيِّعون مالهم، ويضرُّون أنفسهم ويُؤثِّمونها في العيد ببرامج الفضائيات والإذاعات ومكالمة أهلها لطلب الأغاني ومشاهد الفساد والتَّعرِّي فيها، فيرونها، ويهدونها لغيرهم، ويتسبَّبون في أن يَسمعها ويراها غيرهم مِن النَّاس بسبب طلبهم لها فيُؤثِّمونهم معهم، ويحملون أوزارًا مع أوزارهم.

ومِن هذه المظاهر:

ما يحصل مِن أعداد غفيرة مِن الشُّبان والشَّابات مِن مُعايدة غيرهم عبر الهاتف الجوَّال وبرامج التواصل المختلفة بكلماتٍ ماجنة، وأصواتٍ هابطة، وصور فاتنة، والجميع لا يضرّ إلا نفسه وأخاه وصاحبه.

ومِن هذه المظاهر:

ما عليه النِّساء في مجتمعات وأُسَرٍ عِدَّة مِن الظهور في الأعياد والمناسبات أمام الأخريات بألبسة فاضحة، إن رأيتها لم تتذكَّر إلا نساء أهل الكفر والفجور والفساد والإفساد، وتتعجَّب وقوعه ممَّن أنعم الله عليها بدينه وشرعه، وستره وحفظه، وأفضاله الكثيرة.

 

هذا وأسأل الله – جلَّ وعلا – أن يرزقنا توبة صادقة، وحسنات متزايدة، وقلوبًا تخشع، وإقبالًا على الطَّاعة يكثر، وبُعدًا عن المعاصي، وتركًا لأماكنها وأهلها وأسبابها وقنواتها ودعاتها، إنه سميع مجيب.

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.