إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: « أمور تفسد الصوم وأمور لا تفسده ». ملف: [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « أمور تفسد الصوم وأمور لا تفسده ». ملف: [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 9 مايو 2018
  • 22٬750
  • إدارة الموقع

أمور تُفسِد الصيام وأمور لا تُفسِده

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ كثيرًا، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأكبِّرُهُ تكبيرًا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المبعوثُ بشيرًا ونذيرًا، اللهمَّ فصَلِّ وسلِّم عليهِ بُكرَةً وأصيلًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فأنَّ مُفسِداتِ الصومٍ لَعديدةٌ، وأنَّ مِنها: الأكلَ، والشُّربَ، والجِماعَ، وهي مُفطِّراتُ بنصِّ القرآنِ والسُّنَّةِ النَّبويةِ واتفاقِ العلماء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: إخراجُ القَيءِ عمدًا باتفاقِ العلماءِ، وذلك: بإخراجِ ما في المَعدةِ مِن طعامٍ وشرابٍ بإدخالِ إصبَعٍ أو غيرِهِ.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: إخراجُ المَنِيِّ عن طريقِ الاستمناءِ، وهو مُفسِّدٌ للصومِ عندَ الأئمةِ الأربعةِ وسائرِ فقهاءِ الأمصار.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: إنزالُ المَنِيِّ بسببِ تَقبِيلٍ أو مَسٍّ أو ضَمٍّ أو مُباشَرةٍ للمرأةِ فيما دُونَ الفرْجِ، وهو مُفسِّدٌ للصومِ باتفاقِ العلماء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: السَّعُوطُ إذا وصلَ طعمُهُ إلى الحلق، والسَّعُوطُ: دواءٌ يُوضَعُ في الأنفِ ثم يُجذَبُ إلى داخلِه بالنَّفَسِ أو غيرِ ذلك، وهو مُفسِّدٌ للصومِ عندَ الأئمةِ الأربعة، وغيرِهم، وعلى هذا: تُخرَّجُ قطرةُ الأنفِ الطبية، فإذا قطَّرَها الصائمُ في أنفِهِ ووجَدَ طعمَها في حلْقِه فقد فسدَ صومُه، وبهذا يُفتِي الأئمةُ: الألبانيُّ، وابنُ بازٍ، والعُثيمينُ، والفَوزان.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: خروجُ دَمِ الحيضِ والنِّفاسِ مِن المرأةِ أثناءَ الصيام، وهو مُفسِّدٌ للصومِ باتفاقِ العلماء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: قَطْعُ نِيَةِ الصومِ بقصدِ الإفطارِ في جُزءٍ مِن نهارِ الصومِ حتى ولو لم يأكل، وهو قولُ أكثرِ الفقهاء، لِما صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ))، حيثُ دَلَّ على أنَّ مَن نَوَى إبطالَ ما هو فيهِ مِن عبادةٍ فلَه ما نَوَى.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: ابتلاعُ ما لا يُتغذَّى بِه كالتُّراب والحَصَى والنَّوى، وغيرِها، وهو مُفسِّدٌ للصومِ عندَ الأئمة الأربعة، وعامَّةِ العلماء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: إتيانُ المرأةِ أو الرَّجلِ في الدُّبُر، سواءٌ أنْزَلَ مَنيًّا أو لم يُنزِل، وهو مُفسِّدٌ للصومِ عندَ الأئمةِ الأربعة وغيرِهم، وثبَتَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ))، وثبتَ أنَّ أبا هُريرةَ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( مَنْ أَتَى أَدْبَارَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَقَدْ كَفَرَ )).

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: ابتلاعُ ما يَتبقَّى في الأسنانِ مِن لَحمٍ ونحوِه مع القُدْرةِ على إخراجِه، وهو مُفسِّدٌ للصومِ عندَ عامَّة الفقهاء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: الرِّدةُ عن الإسلامِ باتفاق العلماء.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: الحُقْنَةُ الشَّرْجيَّة، وهِيَ: ما يُحقَنُ مِن دواءٍ عن طريقِ فتحَةِ الدُّبُر، وهي مُفسِّدَةٌ للصومِ عندَ المذاهبِ الأربعةِ وعامَّةِ العلماء، لأنَّ فتحَةَ الدُّبُرِ مُتَّصِلةٌ بالمُستقيم، والمُستقيمُ مُتصِلٌ بالأمعاء، وتمتصُّ الأمعاءُ ما دخلَ عن طريقها، وعلى هذا: تتخرَّجُ التحاميلُ الطِّبيةُ التي تُدخَلُ عن طريقِ فتحَة الدُّبُر، فيَفسُدُ الصومُ بها.

ومِن مُفسِداتِ الصومِ أيضًا: غسيلُ الكُلَى بطريقتيهِ، وبهذا يُفتِي العلماءُ: ابنُ بازٍ، والفوزانُ، والغُدَيَّانُ، والمُفتي آلُ الشيخ.

أعوذُ باللهِ مِن الشيطانِ الرَّجيم: {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }.

والحمدُ للهِ أوَّلًا وآخِرًا، وعلى كلِّ حال.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ العَليِّ الأعلى، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على النبيِّ محمدٍ المُرتضَى، وعلى الآلِ والصحابةِ أئمَّةِ الهُدى.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ مِنَ الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ: خروجَ المَنِيِّ مِن الرَّجلِّ أو المرأةِ بسببِ احتلامٍ في نهارِ الصومِ حالَ النوم، باتفاقِ العلماء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: خروجُ القَيءِ مِن المعدةِ بغير تَسبُّبٍ مِن الصائمِ، باتفاقِ العلماءِ.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: إنزالُ المَنِيِّ بسبب التفكِيرِ المُجرَّدِ في الذِّهن بالجماعِ وأمورِ الشهوة، باتفاقُ العلماءِ.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: خروجُ المَذْيِ بسببِ مسٍّ للمرأة أو تقبيلٍ أو تفكيرٍ بشهوة، وهوَ قولُ عامَّةِ الفقهاء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: التقطيرُ في الإحْلِيل، والإحليلُ: ذَكَرُ الرَّجل، ومِثلُه: رَحِمُ المرأة، فإذا وُضِعَ فيهما دواءٌ نهارَ الصومِ فإنَّ الصومَ لا يَفْسُد عندَ أكثرِ العلماء، لأنَّه لا مَنفذَ بينَ الذَّكَرِ والرَّحِمِ وبينَ الجوفِ يُوصِلُ ما وُضِعَ إلى داخلها، وعلى هذا: تتخرَّجُ جملةُ مِن الأشياءِ المُعاصرةِ، فلا يَفْسُدُ بسببها الصومُ، ومِن أمثلَتِها: إدخالُ أُنبوبُ القسطرةِ عن طريقِ فتحَةِ الذَّكَر، أو إدخالُ مِنظارِ طِّبيٍّ عن طريقِ فتحةِ الذَّكَر أو الرَّحِم، أو إدخالُ مَحلولٍ لِغسلِ المَثانةِ، أو مادةٍ تُساعِدُ على وضوحِ الأشعة، أو عملِ لَولبٍ في الرَّحِم، أو تنظيفِ المِهبَل، وقد ذهبَ إلى أنَّها لا تُفَطِّر الصائمَ: العلامةُ ابنُ بازٍ، ومَجْمَعُ الفقهِ الإسلامي.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: الأكلُ والشُّربُ نسيانًا، أو فِعلُ أيّ مُفطِّرٍ نسيانًا، لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ )).

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: ما طارَ إلى حلْق الإنسانِ أو دخَلَ إلى جوفِه بغيرِ إرادةٍ مِنهُ واختيار، باتفاقِ العلماء، ومِن أمثلتِه: الذُّبابُ والبَقُّ والغُبارُ والدَّقيقُ والدُّخَانُ.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: وصولُ شيءٍ إلى حلْقِ الصائمِ مِن ماءِ المَضمضةِ والاستنشاقِ بغيرِ قصدٍ ولا مُبالغةٍ مِن المُتوضِئ، وأمَّا إذا بالغَ حتى سَبَقهُ الماءُ إلى حلقِهِ فيَفْسُدُ صومَهُ عندَ المذاهبِ الأربعةِ، لقولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الثابتِ: (( وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا ))، حيثُ دَلَّ على: تأثُّرِ الصومِ بالمُبالغَة.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: فِعلُ شيءٍ مِن المُفطِّراتِ على وجْهِ الإكراهِ مِن قِبَلِ الغيرِ، سواء فَعَلهُ المُكْرَهُ بنفسِه أو فُعِلَ بِه مِن قِبَلِ غيرهِ، قياسًا على الإكراهِ على الكُفرِ الواردِ في قولِ اللهِ تعالى: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا }، إذ دلَّتِ الآيةُ على: أنَّ قولَ أو فِعلَ الكُفرِ عن رضًا مِن الفاعلِ يُفسِدُ إسلامَهُ ويَنقضُه، وفِعلُهُ له عن إكراهٍ لا يُفسِدُهُ ولا يَنقُضُه، والإكراهُ على الإفطارِ أولَى بعدمِ الفساد.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: تذَوُّقُ الطعامِ على طَرَفِ اللِّسانِ لِمعرفةِ حلاوتِهِ أو مُلوحتِهِ دُونَ بلْعٍ، وهو مذهبُ الأئمةِ الأربعةِ، وغيرِهم، إلا أنَّه يُكرَهُ عندَ عدمِ الحاجةِ، وصحَّ أنَّ ابنَ عباسٍ ــ رضي الله عنه ــ قالَ: (( لاَ بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ القِدْرَ أَوِ الشَّيْءَ )).

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: القُبْلَةُ والمَسُّ للمرأةِ إذا لم يُصَاحَب بإنزالِ مَنِيٍّ أو مَذِيٍّ عندَ عامَّة الفقهاء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: بقاءُ الجُنُبِ مِن جماعٍ أو احتلامٍ أو المرأةِ الحائضِ والنُّفساءِ إذا طهُرَتا بالليلِ مِن غيرِ اغتسالٍ حتى يطلُعَ عليهم الفجر، وتنتهِي صلاتُه، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (( كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ )).

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: بلعُ الإنسانِ رِيقَ ولُعابَ نفسِه حتى ولو كَثُرَ ما دامَ في محلِّه وهو الفَم، باتفاقِ العلماء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: ابتلاعُ ما بينَ الأسنانِ مِن فضْلِ طعامٍ وغيرِه بدونِ قصْدٍ، ولا قُدْرةٍ على دفعِه، باتفاق العلماء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: شرطَ العِرقِ بسكينٍ لِيَخرجَ الدَّمُ مِنه، عند أكثر العلماء، ومِثلُه: تحليلُ الدَّم.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: الدَّمُ والقيحُ الخارِجَينِ مِن الأسنانِ واللِّثَّةِ إذا لم يَرجعا إلى داخلِ الحلْق، باتفاقِ العلماء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: الاكتحالُ حتى ولو وجَدَ الصائمُ طَعْمَهُ في حلْقه، عند أكثرُ الفقهاء.

ومِن الأشياءِ التي لا يَفْسُدُ بحصولِها الصومُ أيضًا: إنزالُ الرَّجلِ المَنِيِّ بتقبيلِ غيرِهِ لَه مِن غيرِ اختيارِهِ ورِضاه، باتفاقِ العلماء.

هذ وأسألُ اللهَ: أنْ يُجنِّبَنا ما يُسخِطُه، ويُباعِدَ بينَنا وبينَ ما يُفسِدُ صيامَنا أو يُنقِصُ أجْره، اللهمَّ اجعلنا مِمَّن يصومُ رمضانَ ويقومُهُ إيمانًا واحتسابًا فيُغفر له ما تقدَّمَ مِن ذنْبِه، اللهمَّ باعِد بينَنا وبينَ خطايانا كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغرب، وتُبِ علينا إنَّك إنَّكَ أنتَ التَّوابُ الرحيم، اللهمَّ أعنَّا على ذِكرِكَ، وشُكرِكَ، وحُسْنِ عبادتِك، واجعلنا مِن الذَّاكِرينَ لكَ كثيرًا، إنَّكَ سميعُ الدعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.