إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > رسالة بعنوان: «إرشاد الرفيق إلى الإجماع والآثار والأحكام المنقولة على التكبير المُقيَّد بعد الفريضة في يوم عرفة وعيد الأضحى وأيام التشريق». ــ ملف: [pdf وَ word] مع نسخة الموقع.

رسالة بعنوان: «إرشاد الرفيق إلى الإجماع والآثار والأحكام المنقولة على التكبير المُقيَّد بعد الفريضة في يوم عرفة وعيد الأضحى وأيام التشريق». ــ ملف: [pdf وَ word] مع نسخة الموقع.

  • 6 أغسطس 2019
  • 5٬291
  • إدارة الموقع

إرشاد الرفيق إلى الإجماع والآثار والأحكام المنقولة على التكبير المُقيَّد بعد الفريضة يوم عرفة وعيد الأضحى وأيَّام التشريق

 

الحمد لله ربَّ العالمين، والصلاة والسلام على خَير البَريَّة محمد الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين.

وبعد، أيُّها السائر على طريق النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ــ سدَّدك الله، وأعانك، ونفع بك ــ:

فهذه وُرِيقَات فقهية ماتعة لك، ومُحَبَّذٌ إليك فِقهها، تُبيِّن أحكام وأدِلة ومسائل:

«التكبير المقيَّد في يوم عرفة، وعيد الأضْحَى، وأيَّام التشريق».

عسى الله أنْ يَنفع بها الكاتب، والقارئ، والنَّاشر، إنَّ ربِّي جواد كريم.

وسوف يكون الكلام عن هذا التكبير في سِتِّ وقفات، فأقول مُستعينًا بالله ــ جلَّ وعزَّ ــ القوي العزيز:

الوقفة الأولى:

عن المُراد بالتكبير المُقيَّد.

شُرِع للنَّاس أنْ يُكبِّروا في يوم عرفة، ويوم عيد النَّحر، وأيـَّام التشريق، في موضعين:

الموضع الأوَّل:

عقيب الانتهاء مِن أداء صلاة الفريضة، بالسَّلام مِنها، وقُبيل أذكارها.

ويُسمَّى هذا عند العلماء: “بـالتَّكبير المُقيَّد”.

لأنَّ فِعله قُيـِّد بالانتهاء مِن صلاة الفريضة بالسلام مِنها.

وقد قال العلامة عبد الرحمن السعدي ــ رحمه الله ــ في كتابه “منهج السالكين وتوضيح الفقة في الدِّين” (ص: 91):

«وَالْمُقَيَّدُ: عقب المكتوبات مِن صلاة فجْر يوم عرفة إلى عصر آخِر أيَّام التشريق».اهـ

الموضع الثاني:

في سائر الأوقات مِن ليلٍ أو نهار.

ويُسمَّى هذا عند العلماء: “بـالتَّكبير المُطلَق”.

لأنَّ فِعله لا يتقيَّد بوقت، بل يُكبِّر المسلم في أيِّ وقت شاء مِن ليل أو نهار، وفي بيته أو مركبته أو سُوقه أو طريقه أو عمله، ويُكبِّر وهو قائم أو جالس أو مُضطجِع أو في أثناء مشيه.

ويَبدأ هذا التكبير المُطلَق:

«مِن بعد غروب شمس آخِر يوم مِن أيَّام شهر ذي القَعدة، ويَستمر إلى آخِر يوم مِن أيَّام التشريق قبل غروب شمسه، ثُمَّ يُقطع».

ومِمَّا تقدَّم يُعلَم:

أوَّلًا ــ أنَّ يوم عرفة، ويوم النَّحر الذي هو أوَّل أيَّام عيد الأضحى، وأيَّام التشريق، قد اجتمع فيها التكبيران جميعًا، المُطلَق والمُقيَّد.

ثانيًا ــ افتراق التكبير المُطلَق عن المُقيَّد مِن جهة الوقت بأنَّه مشروع أيضًا في الأيَّام الثمانية التي قبل يوم عرفة.

الوقفة الثانية:

عن الإجماع المنقول على مشروعية التكبير المُقيَّد في يوم عرفة، ويوم عيد الأضحى، وأيَّام التشريق.

أولًا ــ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 124):

«اتَّفق العلماء على أنـَّه يُشرع التَّكبِير عقيب الصلوات في هذه الأيـَّام في الجُملة.

وليس فيه حديث مرفوع صحيح، بل إنـَّما فيه آثار عن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، ومَن بعدهم، وعمَل المسلمين.

وهذا يَدلُّ على أنَّ بعض ما أجمَعت الأمَّـة عليه لم يُنقل إلينا فيه نصٌّ صريح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، بل يُكتَفى بالعمل بِه».اهـ

ثانيًا ــ قال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 220):

«وأمَّـا التَّكبير في النَّحر فهو أوكَد مِن جهة أنـَّه يُشرَع أدبار الصلوات، وأنـَّه مُتفقٌ عليه».اهـ

ثالثًا ــ قال الفقيه ابن رُشد القُرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” (1/ 513):

«واتفقوا أيضًا على: التَّكبير في أدبار الصلوات أيَّام الحج».اهـ

رابعًا ــ قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (5/ 32):

«وأمَّا التَّكبير المقيَّد فيشرع في عيد الأضحى بلا خلاف، لإجماع الأمَّة».اهـ

وقال أيضًا (5/ 31):

«السُّنَّة أنْ يُكبَّر في هذه الايَّام خلْف الفرائض، لِنقل الخلَف عن السَّلف».اهـ

خامسًا ــ قال الفقيه شمس الدِّين الزَّركشي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “مُختصر الخِرَقِي” (2/ 236):

«تضمَّن هذا الكلام مشروعية التكبير عقب الصلوات في عيد النَّحر، ولا نزاع في ذلك في الجُملة».اهـ

وقال أيضًا (2/ 238):

«وأمَّا مَحَلُّه فعقب الصلوات المفروضات في جماعة بالإجماع الثابت بنقل الخَلَف عن السَّلف».اهـ

ونقله عنه هذا الإجماع أيضًا:

العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (2/ 517).

ولم يَتعقبه بشيء، فدَلَّ على إقراره له.

ومِن باب الزيادة:

1 ــ فقد قال الفقيه أبو الحسن ابن بَطَّال المالكي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح البخاري” (2/ 563):

«وأمَّا تكبير محمد بن عليٍّ خلْف النافلة، فهو قول الشافعي.

وسائر الفقهاء: لا يَرون التكبير إلا خلْف الفريضة».اهـ

2 ــ وقال الفقيه علاء الدِّين الكاساني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” (1/ 197):

«ولنا: ما رُوي عن علي وابن مسعود أنَّهما كانا لا يُكبِّران عَقيب التطوعات، ولم يُروَ عن غيرهما خلاف ذلك، فحلَّ مَحَلَّ الإجماع».اهـ

3 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (3/ 291):

«ولَنَا: قول ابن مسعود، وفِعل ابن عمر، ولم يُعرف لَهُما مُخالف مِن الصحابة، فكان إجماعًا.

ولأنَّه ذِكرٌ مُختصٌّ بوقت العيد، فاختُص بالجماعة، ولا يَلزم مِن مشروعيته للفرائض، مشروعيته للنوافل، كالأذان والإقامة».اهـ

4 ــ وقال الفقيه عون الدِّين ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح” (1/ 259 – قسم اختلاف العلماء):

«واتفقوا على أنَّ هذا التكبير في حقِّ المُحِلِّ والمُحْرِم خلْف الجماعات».اهـ

ويَعني بقوله: “واتفقوا” أي: الأئمة الأربعة.

5 ــ وقال الفقيه جمال الدِّين يوسف بن عبد الهادي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “مغني ذوي الأفهام” (7/ 379 – مع شرحه: “غاية المرام”):

«ويُكبِّر (و) عقب كل فريضة في جماعة».اهـ

والواو (و) تَعني: اتفاق المذاهب الأربعة على حُكم المسألة.

6 ــ وقال الفقيه المَحلِّي الشافعي المصري ــ رحمه الله ــ في كتاب “مزيد النِّعمة لجمع أقوال الأئمة” (ص:158)، ناقلًا اتفاق الأئمة الأربعة:

«وأنَّ التكبيرات سُنَّة خلف الجماعة».اهـ

7 ــ وقال الفقيه ابن حزْم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى بالآثار” (3/ 306 – مسألة رقم: 551):

«مسألة:

والتكبير إثْر كل صلاة، في الأضْحى، وفي أيَّام التشريق، ويوم عرفة، حسَنٌ كله».اهـ

الوقفة الثالثة:

عن وقت بداية ونهاية التكبير المقيَّد بأدبار الصلوات.

ــــ يكون وقت التكبير المقيَّد بالنسبة لِمَن في الأمصار وليسوا حُجَّاجًا:

«مِن فجْر يوم عرفة إلى صلاة العصر مِن آخِر أيَّـام التشريق، ثم يُقطع».

حيث قال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 220):

«أصحُّ الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السَّلف والفقهاء مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ والأئمة:

أنْ يُكبَّر مِن فجْر يوم عرفة إلى آخِر أيَّـام التشريق عقِب كل صلاة».اهـ

وقال أيضًا (24/ 224):

«ولأنَّه إجماعٌ مِن أكابر الصحابة».اهـ

وقال الحافظ ابن كثير الشافعي ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (1/ 561):

«وأشهرها الذي عليه العمل:

أنَّه مِن صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر مِن آخِر أيَّام التشريق».اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (6/ 124):

«وقد حَكَى الإمام أحمد هذا القول إجماعًا مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ.

حكاه: عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس».اهـ

وقال أيضًا (6/ 126):

«والإجماع الذي ذَكره أحمد إنَّما هو في ابتداء التكبير يوم عرفة مِن صلاة الصبح.

أمَّا آخِر وقته، فقد اختلف فيه الصحابة الذين سمَّاهم».اهـ

وقال الفقيه شمس الدِّين السَّرخسِي الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المبسوط” (2/ 42):

«اتفق المشايخ مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ: عمر، وعلي، وابن مسعود، أنـَّه:

يُبدأ بالتكبير مِن صلاة الغداة مِن يوم عرفة».اهـ

وقال الإمام مُوفق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (3/ 288-289):

«ولأنَّه إجماع الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، رُوي عن: عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود.

وقِيل لأحمد: بأيِّ حديث تذهب إلى أنَّ التكبير مِن صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخِر أيَّام التشريق؟

قال: بالإجماع، عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، ــ رضي الله عنهم ــ».اهـ

ــــ وأمَّا بالنسبة لِوقته في حق الحُجَّاج:

فالأصح مِن أقوال أهل العلم ــ رحمهم الله ــ أنَّهم كمَن لم يَحُجّ.

فيكون على هذا القول تكبيرهم:

«مِن فجْر يوم عرفة، ويَستمر إلى عصر آخِر يوم مِن أيَّام التشريق، ثم يُقطع».

وهو مذهب أبي حنيفة، وقولٌ للشافعي.

وذلك لِعموم الآثار الثابتة عن الصحابة، كعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس ــ رضي الله عنهم ــ، إذ لم تُفرِّق بين حاجٍّ وغيره.

حيث اتفقت على الابتداء مِن الفجر، واتفق علي بن أبي طالب ــ وهو خليفة راشد له سُنَّة مُتَّبَعة ــ، وابن عباس ــ رضي الله عنهم ــ، على الانتهاء بصلاة العصر.

وذهب سفيان ابن عُيينة، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، والشافعي في قول:

«إلى أنَّ الحاج يُكبِّر مِن ظهر يوم النَّحر».

ثم اختلفوا في وقت انتهاء تكبيره.

فمِنهم مَن قال: يَنتهي بصلاة فجر آخِر أيَّام التشريق.

ومِنهم مَن قال: يَنتهي بصلاة عصره.

الوقفة الرابعة:

عن بعض الآثار الواردة عن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ ومَن بعدهم في التَّكبير خلْف صلاة الفريضة في يوم عرفة، ويوم عيد الأضْحى، وأيَّام التشريق.

أوَّلًا ــ قال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” (عند حديث رقم: 970)، جازمًا:

(( وكان ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ يكبِّر بمنًى تلك الأيـَّام، وخلْف الصَّلوات، وعلى فراشه، وفي فُسْطاطه، ومجلسه، ومَمشاه، تلك الأيـَّام جميعًا )).

ووصلَه:

الحافظ ابن المُنذر في كتابه “الأوسط” (2199)، والفاكهي في “أخبار مكة” (4/ 228 – رقم: 2583).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (2/ 462)، بعد أثر ابن عمر هذا، وغيره مِن الآثار عن الصحابة:

«وقد اشتملت هذه الآثار على وجود التَّكبير في تلك الأيام عقب الصلوات، وغير ذلك مِن الأحوال».اهـ

ثانيًا ــ أخرج الحافظ الطبراني ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُعجم الكبير” (13074)، عن عمر بن نافع، عن أبيه:

(( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَمْ يُكَبِّرْ دُبُرَ الصَّلَاةِ )).

وإسناده حسن أو صحيح.

وأخرجه أيضًا:

الحافظ ابن المُنذر ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأوسط” (2212).

ومَفهوم هذا الأثر:

أنَّ ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ كان يُكبِّر خلْف الفرائض إذا صلَّاها في جماعة.

ثالثًا ــ نَقل شَقيق ــ رحمه الله ــ، عن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ:

(( أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُكَبِّرُ بَعْدَ الْعَصْرِ )).

[ أخرجه: ابن أبي شَيبة  في “مصنَّفه” (5631 ) واللفظ له، والحاكم في “المُستدرك” (1113)، وابن المُنذر في كتابه “الأوسط” (2203). ]

وقد صحَّح هذا الأثر:

1 ــ الحافظ أبو عبد الله الحاكم ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُستدرك” (1113).

2 ــ والحافظ ابن حَجَر العسقلاني ــ رحمه الله ــ في كتابه “الدِّراية في تخريج أحاديث الهداية” (1/ 222).

3 ــ والعلامة الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “إرواء الغليل” (3/ 125 – عند حديث رقم: 651).

رابعًا ــ نَقل عْكرمة ــ رحمه الله ــ، عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ:

(( أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لَا يُكَبِّرُ فِي الْمَغْرِبِ، يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» )).

[ أخرجه: ابن أبي شَيبة في “مصنَّفه” (5646 و 5655)، ومُسدَّد في “مسنده” (757 – كما في كتاب “المطالب العالية”)، والحاكم في “المستدرك” (1114)، والطبراني في كتابه “فضل عشر ذي الحِجَّة” (41). ]

وصحَّح هذا الأثر:

1 ــ الحافظ أبو عبد الله الحاكم ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُستدرك” (1114).

2 ــ والعلامة الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “إرواء الغليل” (3/ 125 – عند حديث رقم: 651).

وقال المُحدِّث البوصيري الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إتحاف الخِيَرة المَهَرة” (2/ 326):

«ورجاله ثقات».اهـ

خامسًا ــ قال إبراهيم بن يزيد النَّخعي ــ رحمه الله ــ وهو مِن أجلاء التابعين:

(( كَانُوا يُكَبِّرُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَحَدُهُمْ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» )).

[ أخرجه: ابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (5650). ]

وإسناده صحيح.

سادسًا ــ قال الإمام مالك بن أنس ــ رحمه الله ــ في كتابه “الموطأ” (1406):

(( الأَمْرُ عِنْدَنَا: أَنَّ التَّكْبِيرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خلْف الصَّلَوَاتِ.

وَأَوَّلُ ذلِكَ: تَكْبِيرُ الْإِمَامِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، دُبُرَ صَلاَةِ الظُّهْرِ مِنْ  يَوْمِ النَّحْرِ.

وَآخِرُ ذلِكَ: تَكْبِيرُ الْإِمَامِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، دُبُرَ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ )).

وقال الفقيه الشَّاه ولِيُّ الله الدهلوي الهندي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حُجَّة الله البالغة” (2 / 126):

«وقد استفاض عن الصحابة والتابعين وأئمة المُجتهدين تكبير يوم عرفة وأيَّام التشريق على وجوه.

أقربها أنَّ يُكَبّر دُبر كل صلاة: مِن فجْر عرفة إلى عصر آخِر أيام التشريق، “الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد”».اهـ

وضعَّف الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “زاد المعاد في هَدي خير العِباد” (2/ 360):

الحديث المرفوع في التكبير في هذه الأيام خلْف الصلوات، ثُمَّ نَقل عمل السَّلف الصالح على هذا التكبير.

فقال ــ رحمه الله ــ:

«ويُذكر عنه: (( أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَيَقُولُ: “اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ” )).

وهذا وإنْ كان لا يَصح إسناده، فالعمل عليه».اهـ

وقد تقدَّمت آثار الصحابة على هذا التكبير، وإجماعهم عليه، وإجماع مَن بعدهم مِن الفقهاء على مشروعيته.

الوقفة الخامسة:

عن التكبير المُقيَّد هل هو قبْل قول أذكار صلاة الفريضة أمْ بعد قولها.

المشهور عند أهل العلم ــ رحمهم الله ــ:

أنَّ التكبير المُقيَّد يُقال قبْل أذكار صلاة الفريضة.

لأنَّه شِعار خاص بهذه الأيَّام القليلة، فيُقدَّم على غيره.

وهو المذكور في عدد مِن كتب المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ نصّ كلامهم، مع ذِكر مصدره، وجُزئه وصفحته:

أولًا ــ مذهب الإمام أبي حنيفة النُّعمان ــ رحمه الله ــ.

1ــ جاء في كتاب “الفتاوى الهندية في مذهب الإمام أبي حنيفة النُّعمان” (1/ 152):

«ويَنبغي أنْ يُكبِّر متصلًا بالسلام، حتى لو تكلَّم أو أحدث مُتعمِّدًا سقط، كذا في “التهذيب”».اهـ

2ــ وجاء في كتاب “الأصل” (1/ 325) للفقيه محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ــ رحمهما الله ــ:

«قلت: فكيف التَّكبير؟

قال: إذا سلَّم الإمام، قال: “الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد” بلغَنا ذلك عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود».اهـ

وجاء في نفس الكتاب أيضًا (1/ 326):

«قلت: أرأيت المُحرِم يوم عرفة إذا صلَّى وسلَّم أيَبدأ بالتكبير أو  بالتلبية؟

قال: بل يَبدأ بالتكبير، ثم يُلبَّي.

قلت: لِم؟

قال: لأنَّ التكبير أوجبَهما.

قلت: أرأيت الإمام إذا كان عليه سجدتا السهو أيُكبِّر  قبل أنْ يسجدهما؟

قال: لا، ولكنَّه يسجدهما، ويسلِّم، ثم يُكبِّر.

قلت: أرأيت رجلًا سَبقه الإمام بركعة في أيَّام التشريق أيُكبِّر مع الإمام حين يسلِّم أو يقوم فيَقضِي؟

قال: بل يقوم فيقضي، فإذا سلَّم كبَّر».اهـ

3ــ وجاء في كتاب “المبسوط” (2/ 78) للفقيه شمس الدِّين السَّرخسي الحنفي ــ رحمه الله ــ:

«والتكبير أنْ يقول بعد التسلِّيم: “الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد”».اهـ

ــــ وجاء فيه أيضًا (2/ 80):

«والتكبير يُؤدَّى في فور الصلاة».اهـ

ثانيًا ــ مذهب الإمام مالك بن أنس ــ رحمه الله ــ.

1ــ جاء في كتاب “كفاية الطالب الرَّباني لرسالة أبي زيد القيرواني” (1/ 395)، للفقيه أبي الحسن النفراوي المالكي ــ رحمه الله ــ:

«فإنْ حضَرت أيَّام النَّحر [ فليُكبِّر الناس ] استحبابًا [ دُبُرَ الصلوات ] المفروضات الحاضرة قبل التسبيح والتحميد والتكبير».اهـ

2ــ وجاء في “حاشيته العدوي على كفاية الطالب” (1/ 498) مِن كتب المالكية:

«قوله: [ قبل التسبيح ] أي: وقبل آية الكرسي».اهـ

3ــ وجاء أيضًا في كتاب “الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني” (ص: 252)، للفقيه صالح بن عبد السميع الآبي الأزهري المالكي ــ رحمه الله ــ.

بنحو ما جاء في كتاب “كفاية الطالب الرَّباني لرسالة أبي زيد القيرواني” (1/ 498).

ثالثًا ــ مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي ــ رحمه الله ــ.

1ــ جاء في كتاب “المجموع شرح المُهذَّب” (5/ 36) للفقيه أبي زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ:

«قال القاضي أبو الطَّيِّب في “الْمُجَرَّد”: وقد نَصَّ الشافعي على هذا فقال: “فإذا سَلَّمَ كَبَّرَ خلف الفرائض”».اهـ

2ــ وجاء في “حاشية الجَمل” (2/ 103) للفقيه سليمان العجيلي الأزهري الشافعي المعروف بالجمَل ــ رحمه الله ــ:

«[ قوله أيضًا: وعَقِب كل صلاة، إلخ ]: ويُقدَّم على أذكارها، لأنَّه شعار الوقت، ولا يتكرَّر، فكان الاعتناء بِه أشد مِن الأذكار».اهـ

3 و 4ــ وبنحوه أيضًا جاء:

ــــ في كتاب “حاشية الشرواني” (3/ 51 – بذيل “تُحفة المُحتاج في شرح المِنهاج”)،.

ــــ و كتاب “حاشية الشبراملسي” (2/ 397 – بذيل: “نهاية المُحتاج إلى شرح المِنهاج”)، وغيرهما مِن كتب الشافعية.

رابعًا ــ مذهب الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ.

1ــ جاء في كتاب “الإنصاف في معرفة الراجح مِن الخلاف” (5/ 374) للفقيه علاء الدِّين المَرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ:

«فوائد:

الأولى: يُكبَّر الإمام إذا سلَّم مِن الصلاة، وهو مُستقبِل القبلة، على ظاهر ما نَقل ابن القاسم عنه.

وقدَّمه في “الفُروع”، و “الرِّعاية الكبرى”، و “الفائق”، و “تجريد العناية”، وابن رَزين في “شرحه”.

واختاره أبو بكر، والمُصنِّف، والشارح، قال في “الفروع”: والأشهر في المذهب أنَّه يُكبِّر مُستقبِل الناس.

قال في “تجريد العناية”: هو الأظهر، وجزَم بِه في “مجْمع البحرين”، وقدَّمه ابن تميم، والحواشي.

وقِيل: يُخَيَّر بينهما، وهو احتمال في “الشَّرح”، وقيل: يُكبِّر مُستقبِل القبلة، ويُكبِّر أيضًا مُستقبِل الناس».اهـ

2ــ وجاء في كتاب “كشَّاف القِناع عن متن الإقناع” (2/ 58)، لِمنصور البهوتي ــ رحمه الله ــ:

«[ يؤيده: لو أخَّر الرَّمي إلى بعد صلاة الظهر، فإنَّه يجتمع في حقِّه التكبير والتلبية، فيبدأ بالتكبير ثم يُلبِّي نصًّا ] لأنَّ التكبير مِن جنس الصلاة.

قلت: ويُؤخذ مِنه: تقديمه على الاستغفار، وقول: “اللهم أنت السلام” إلى آخِره».اهـ

3ــ وقال العلامة عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (2/ 519):

«يُؤيده: أنَّه لو أخَّرَ الرَّمْي حتى صلَّى الظهر، اجتمع في حقِّه التكبير والتلبية، فيَبدأ بالتكبير، لأنَّ مِثله مشروع في الصلاة، فهو بها أشْبَه.

ويُؤخذ مِنه: تقديمه على الاستغفار والتهليل والتسبيح.

وهو الذي عليه عمل الناس».اهـ

الوقفة السادسة:

عن صِيَغ التَّكبير.

جاءت عِدَّة صِيغ عن الصَّحابة ــ رضي الله عنهم ــ في هذا التكبير:

الأولى: (( اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ )).

وثبَتت عن عبد الله بن عباس ــ رضي الله عنهما ــ.

[ وقد أخرجها: ابن أبي شَيبة في “مُصنَّفه” (1/ 489-490 – رقم:5645 و 5654). ]

الثانية: (( اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ )).

وثبَتت عن عبد الله بن مسعود ــ رضي الله عنه ــ.

[ وقد أخرجها: ابن أبي شَيبة في “مُصنَّفه” (1/ 488-490 ــ رقم: 5632 و 5633 و 5650-5652)، والفِريابي في “أحكام العيدين” (62)، وغيرهما. ]

وصحَّحها: العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ، وغيره.

وثبَتت هذه الصِّيغة أيضًا عن جمْعٍ مِن التَّابعين ــ رحمهم الله ــ.

وثبَت عند ابن أبي شَيبة في “مُصنَّفه” (1/ 490 – رقم:5649)، عن التابعي إبراهيم النَّخعي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( كَانُوا يُكَبِّرُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَحَدُهُمْ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ )).

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 220)، عن هذه الصِّيغة مِن التكبير، إنَّها:

«صِفة التكبير المنقولة عن أكثر الصحابة».اهـ

الثالثة: ما ثبَت عن سلمان الفارسي ــ رضي الله عنه ــ عند عبد الرزاق في “مصنَّفه” (20581)، ومِن طريقه البيهقي في “سُننه” (3/ 316 – رقم: 6282)، واللفظ له، عن أبي عثمان النَّهدي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( كَانَ سَلْمَانُ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ يُعَلِّمُنَا التَّكْبِيرُ يَقُولُ: كَبِّرُوا: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، أَوْ قَالَ: تَكْبِيرًا، اللهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ صَاحِبَةٌ، أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلَدٌ، أَوْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا، اللهُمَّ اغْفِرْ لَنَا، اللهُمَّ ارْحَمْنَا )).

وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (2/ 462) عن هذه الصِّيغة:

«أصحُّ ما ورَد».اهـ

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد