إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > رسالة بعنوان: ” إيناس البحاثة باستحباب العلماء الدعاء بعد الانتهاء من صلاة الفريضة وجمعٍ من مسائله ” . ــ ملف [word – pdf] مع نسخة الوقع.

رسالة بعنوان: ” إيناس البحاثة باستحباب العلماء الدعاء بعد الانتهاء من صلاة الفريضة وجمعٍ من مسائله ” . ــ ملف [word – pdf] مع نسخة الوقع.

  • 19 أغسطس 2014
  • 9٬721
  • إدارة الموقع

إيناس البحَّاثة باستحباب العلماء الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة وجمعٍ مِن مسائِله

 

الحمد لله المُنعِم الوهاب، والصلاة والسلام على النبي محمد المُنِيب الأوَّاه، وعلى الصَّحب له والأتباع والآل.

أمَّا بعد، أيُّها الأخ الأريب النَّبيه ــ زادك الله فقهًا وعملًا بشريعته ــ:

فهذا مبحث عزيز عن مشروعية دعاء الله ــ عزَّ وجلَّ ــ عقيب الانتهاء مِن صلاة الفريضة، وما لأهل العلم مِن فقهاء ومُحدِّثين ــ رحمهم الله ــ مِن كلام في استحبابه، وعن مسائله، وقد جعلْت عنوانه:

«إيناس البحَّاثة باستحباب العلماء الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة وجمعٍ مِن مسائِله».

عسَى الله ــ جلَّ وعلا ــ أنْ ينفع به طالب علم وهُدى، ويَجمع له بِه شتات ما علق في ذهنه عن هذه المسألة أثناء طلب العلم ومُذاكرته وقراءة كتب أهله، إنَّ ربِّي سميع الدُّعاء، وأهل الرَّجاء.

وسوف يكون الكلام عن هذا الموضوع في عشر وقفات مُختلفات تأتِي ــ بإذن الله ــ على غالب أو جميع ما يَتعلق بِه مِن مسائل.

تسهيلًا وتيسيرًا لِي ولأخي القارئ اللبيب ــ لا يَزال مِن الله في تسديد ــ.

فأقول مُستعينًا بالله القدير الكريم ربِّي ــ تبارَك وتقدَّس ــ:

الوقفة الأولى:

عن اتفاق العلماء المَنقول على استحباب الدُّعاء عقب الانتهاء مِن صلاة الفريضة.

أوَّلًا ــ قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع” (3/ 465):

«اتفق الشافعي، والأصحاب، وغيرهم ــ رحمهم الله ــ على:

أنَّه يُستحب ذِكر الله تعالى بعد السلام.

ويُستحب ذلك: للإمام والمأموم والمُنفرِد، والرَّجل والمرأة، والمسافر وغيره.

ويُستحب أنْ يدعو أيضًا بعد السلام بالاتفاق.

وجاءت في هذه المواضع أحاديث كثيرة صحيحة في الذِّكر والدُّعاء.

قد جمعتها في كتاب “الأذكار”، مِنها: عن أبي أُمَامَة ــ رضي الله عنه ــ …».اهـ

ثانيًا ــ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (5/ 254):

«واستحب أيضًا أصحابنا، وأصحاب الشافعي: الدُّعاء عقب الصلوات، وذكرَه بعض الشافعية اتفاقًا».اهـ

ولم يَتعقَّب ــ رحمه الله ــ هذا الاتفاق بشيء.

ثالثًا ــ قال الفقيه عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (1/ 241):

«فصل في الذِّكر بعدها.

أي: في الدُّعاء والذِّكر المشروع بعد الصلاة، وقد أجمع العلماء على استحبابه بعدها».اهـ

رابعًا ــ جاء في كتاب “مواهب الجليل في شرح مُختصَر خليل” (2/ 126-127)، لِلفقيه الحطاب الرُّعيني المالكي ــ رحمه الله ــ:

«ولا خلاف في مشروعية الدُّعاء خلْف الصلاة، فقد قال ــ عليه الصلاة والسلام ــ: (( أَسْمَعُ الدُّعاء جَوْفُ اللَّيْلِ، وَأدْبَارُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ))».اهـ

خامسًا ــ جاء في كتاب “لوامع الدُّرر في هَتك أستار المُختصَر” (2/ 514)، مِن كتب المالكية:

«واعلم أنَّه لا خلاف في مشروعية الدُّعاء خلْف الصلاة، فقد قال ــ عليه الصلاة والسلام ــ: (( أسمَع الدُّعاء جوف الليل، وأدبار الصلوات المكتوبة ))».اهـ

ومن باب الزيادة:

فقد قال الفقيه سليمان بن سحمان الحنبلي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “الدُّرر السَّنية في الأجوبة النَّجدية” (4/ 317):

«وأمَّا الدُّعاء بعد المكتوبة، فإنْ كان بالألفاظ الواردة في الأحاديث الصَّحيحة مِن الأذكار، مِن غير رفع اليدين، كما ورَد في “الصَّحيحين” وغيرهما مِن الكتب.

فالشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يَمنعه، ولا أحد مِن أتباعه، ولا أحد مِن أهل الحديث».اهـ

الوقفة الثانية:

عن النُّقول الواردة عن بعض الأئمة والعلماء ــ رحمهم الله ــ في استحباب الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة، أو فعلِهم له، أو إشارتهم إلى مشروعيته.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض مَن وقفت عليه مِنهم، مع ذِكر نصِّ كلامه، ومصدره:

1ــ الإمام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ــ رحمه الله ــ، المُلقَّب بالصادق.

حيث قال الحافظ ابن حجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (5/  138 ــ عند حديث رقم:6329 و 6330):

«وأخرج الطبري مِن رواية جعفر بن محمد الصادق، قال: (( الدُّعاء بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّعاء بَعْدَ النَّافِلَةِ، كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى النَّافِلَةِ ))».اهـ

2ــ التابعي الجليل قتادة بن دَعامَة السَّدوسي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال عبد الرزاق الصنعاني ــ رحمه الله ــ في “مصنفه”(3645):

عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ }، قال: (( إِذَا فَرَغْتَ مِنْ صَلَاتِكَ فَانْصَبْ فِي الدُّعاء )).

وإسناده صحيح.

وقال الحافظ ابن جَرير الطبري ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (24/ 498):

حدثنا بِشْر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ }، قال: (( أمرَه إذا فرَغ مِن صلاته أنْ يُبالغ في دعائه )).

وإسناده حسن أو صحيح.

وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ــ رحمه الله ــ في كتابه “تصحيح الدُّعاء” (ص:430):

«المطلب الأوَّل: الأذكار المشروعة بعد الصلاة…

ثم بعد الذِّكر يَشرع في الأدعية التي دَلَّ عليها مُجمَل قول الله تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ }، قال ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ: (( فإذا فرَغت مِن صلاتك فانصَب ــ أي: بالغ في الدُّعاء ــ وسَلْهُ حاجَتك ))، كما في تفسير ابن كثير، والقرطبي، وغيرهما، ونحوه عن مُجاهد، وقتادة، والضَّحَّاك والكَلبي ومُقاتِل».اهـ

3ــ الإمام محمد بن إدريس الشافعي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “الأُم” (1/ 243):

«وأَسْتَحِب للمُصلِّى مُنفردًا وللمأموم: أنْ يُطيل الذِّكر بعد الصلاة، ويُكثِر الدُّعاء رجاء الإجابة بعد المكتوبة».اهـ

4ــ الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ.

حيث قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (5/ 255 ــ عند حديث رقم:844):

«والمنقول عن الإمام أحمد: أنَّه كان يَجهر ببعض الذِّكر عقب الصلاة، ثم يُسر بالباقي، ويَعقد التسبيح والتكبير والتحميد سِرًّا، ويدعو سِرًّا».اهـ

وقال أيضًا (5/ 236 ــ عند حديث رقم:841-842):

«وقال القاضي أبو يَعلى في “الجامع الكبير”:

ظاهر كلام أحمد: أنَّه يسن للإمام الجهر بالذِّكر والدُّعاء عقب الصلوات بحيث يُسمِع المأموم، ولا يزيد على ذلك.

وذَكر عن أحمد نصوصًا تدُل على أنَّه كان يَجهر ببعص الذِّكر، ويُسِر الدُّعاء، وهذا هو الأظهر».اهـ

5ــ الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في “صحيحه” (عند حديث رقم: 6329) هذا التبويب:

«باب الدُّعاء بعد الصلاة».

ــــ وقال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “عُمدة القاري شرح صحيح البخاري” (22/ 293)، شارحًا هذا التبويب:

«أَي: هذا بابٌ في بيان الدُّعاء بعد الصلاة المكتوبة».اهـ

ــــ وقال الحافظ ابن حجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (11/ 137 ــ عند حديث رقم:6329 و 6330):

«أي: المكتوبة.

وفي هذه الترجمة رَدٌّ على مَن زَعم أنَّ الدُّعاء بعد الصلاة لا يُشرَع».اهـ

وقد كان الباب الذي عقده الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ قبل هذا الباب، هو:

«باب الدُّعاء في الصلاة».

ــــ وقال العلامة محمد علي آدم الإتيوبي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “سُنن النسائي” (15/ 382 ــ عند حديث رقم:1347):

«وهذه الدعوات وإنْ كانت مُحتمِلة لأنْ تكون قبل السلام.

لكنَّ الظاهر كونها بعد السلام، كما هو رأي المُصنِّف ــ رحمه الله تعالى ــ، فإنَّه أوردها لذلك.

وقد تَبِع في هذا الإمام البخاري ــ رحمه الله تعالى ــ حيث إنَّه عقد في “صحيحه” في كتاب “الدعوات” بابًا للدعاء في الصلاة، وبابًا للدعاء بعد الصلاة».اهـ

ــــ وقال أيضًا (15/ 385 ــ عند حديث رقم:1347):

«والحاصل أنَّ الذِّكر والدُّعاء بعد السلام مِن الصلاة مشروع، كما هو مذهب البخاري، والنسائي».اهـ

ــــ وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ــ رحمه الله ـــ في كتابه “تصحيح الدُّعاء” (ص:430):

«ولِذا عقد البخاري في “صحيحه” هذه الترجمة:

“باب الدُّعاء بعد الصلاة”، وقفاَه أهل “السُّنن” على ذلك، مِثل النسائي، وأبي داود، وابن خُزيمة، وغيرهم».اهـ

6ــ الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث السِّجِستاني ـ رحمه الله ـ.

حيث بوَّب في “سُننه” ( 1505- 1513) هذا التبويب:

«باب ما يقول الرجل إذا سلم».

ثم ذَكر تحته جملة مِن الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها بعد السلام مِن الصلاة.

7ــ الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في “سُننه” ( 3567) هذا التبويب:

«باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وتعوذه في دُبُر الصلاة».

وذكر تحته حديث مصعب بن سعد، وعمرو بن ميمون، أنَّهما قالا:

(( كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُكَتِّبُ الغِلْمَانَ وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُر الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ القَبْرِ» )).

8ــ الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شُعيب النسائي ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في “سُننه” (1346 و 1347 و 1348) هذه التبويبات:

ــــ «نوع آخَر مِن الذِّكر والدُّعاء بعد التسليم ».

ــــ ثمَّ ألحقه بهذا الباب:

«نوع آخَر مِن الدُّعاء عند الانصراف مِن الصلاة».

ــــ ثمَّ ثلَّث بقوله:

«باب التعوذ في دُبُر الصلاة».

وقال العلامة محمد علي آدم الإتيوبي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “سُنن النسائي” (15/ 382 ــ رقم:1347):

«اعلم أنَّه عقد المُصنِّف ــ رحمه الله تعالى ــ أبوابًا كثيرة لِبيان الأحاديث التي تدُل على مشروعية الدُّعاء دُبُر الصلاة، وأورَد فيها أحاديث كثيرة مُشتملة على دعوات كثيرة تُقرأ عقب الصلاة، وإنْ كان بعضها مُكرَّرًا.

وهذه الدعوات وإنْ كانت مُحتمِلة لأنْ تكون قبل السلام، لكن الظاهر كونها بعد السلام، كما هو رأي المُصنِّف ــ رحمه الله تعالى ــ، فإنَّه أوردَها لذلك، وقد تبع في هذا الإمام البخاري ــ رحمه الله تعالى ــ حيث إنَّه عقد في “صحيحه” في كتاب “الدعوات” بابًا للدُّعاء في الصلاة، وبابًا للدُّعاء بعد الصلاة».اهـ

9ــ الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة النَّيسابوري ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في “صحيحه” (1/ 366-367 و 369 ــ رقم:743-747و751) هذه التبويبات:

ــــ «باب جامع الدُّعاء بعد السلام في دُبُر الصلاة».

ــــ «باب التعوذ بعد السلام مِن الصلاة».

ــــ «باب الأمر بمسألة الرَّب ــ عزَّ وجلَّ ــ في دُبُر الصلوات المَعونة على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته والوصية بذلك».

ثم ذكر ــ رحمه الله ــ تحتها هذه الأبواب جملة مِن الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها بعد السلام مِن الصلاة.

10ــ الحافظ أبو بكر ابن المُنذر النَّيسابوري ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في كتابه “الأوسط” (3/ 400-402) هذا التبويب:

«ذِكر جامع الدُّعاء بعد التسليم».

ونقل تحته أدعية ثلاثة عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقولها إذا فرَغ مِن صلاته.

11ــ الحافظ أبو حاتم ابن حِبَّان البُسْتِي ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في “صحيحه” (2021 و 2025) هذين التبويبين:

ــــ «ذِكر الأمر بسؤال العبد ربَّه ــ جلَّ وعلا ــ أنْ يُعينه على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته في عقب الصلاة».

ــــ «ذِكر ما يُستحب للمَرء أنْ يَسأل الله ــ جلَّ وعلا ــ في عقيب الصلاة التفضُّل عليه بمغفرة ما تقدَّم مِن ذنْبه».

12ــ الإمام الحسين بن مسعود البَغوي الشافعي ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في كتابه “شرح السُّنة” (3/ 223 و230) هذا التبويب:

«باب الذِّكر بعد الصلاة».

وضمَّنه جُملة مِن الأذكار مع هذا الدُّعاء: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ )).

13ــ الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المَقدسي ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في كتابه “الترغيب في الدُّعاء” (ص:131 ــ رقم:80-87) هذا التبويب:

«باب في الدُّعاء عقيب الصلوات».

ثم ذَكر تحته جملة مِن الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها بعد السلام مِن الصلاة.

14ــ الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “المُغني” (2/ 251):

«فصل: ويُستحب ذِكر الله تعالى والدُّعاء عقيب صلاته، ويُستحب مِن ذلك ما ورَد بِه الأثر».اهـ

ــــ وقال أيضًا في كتابه “الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل”(1/ 44):

«فصل: ويُستحب ذِكر الله تعالى بعد انصرافه مِن الصلاة، ودعاؤه، واستغفاره».اهـ

15ــ الفقيه مَجْد الدِّين أبو البركات عبد السلام ابن تيمية الحنبلي ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في كتابه “المُنتقى في الأحكام الشرعية” (1/ 353-355 ــ رقم:807-813) هذا التبويب:

«باب: في الدُّعاء والذكر بعد الصلاة».

ثم ذكر تحته جملة مِن الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها عقب السلام مِن الصلاة.

16ــ القاضي مُحِب الدِّين أبو جعفر أحمد بن عبد الله الطبري الشافعي ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في كتابه “غاية الإِحكام في أحاديث الأحكام” (2/ 221-223رقم:2615-2623) هذا التبويب:

«ذِكر أذكاره وأدعيته صلى الله عليه وسلم عقيب السلام».

ثم ذَكر تحته جملة مِن الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها عقب السلام مِن الصلاة.

17ــ الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “المجموع” (3/ 465):

«قد ذَكرنا استحباب الذِّكر والدُّعاء للإمام والمأموم والمُنفرِد، وهو مُستحب عقب كل الصلوات بلا خلاف».اهـ

18ــ الفقيه أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “المُفهِم لِما أشكَل مِن تلخيص كتاب مسلم” (1/ 215 ــ قم:478-484):

«وقد اتفق مسَاق هذه الأحاديث والتي قبلها:

على أنَّ أدبار الصلوات أوقات فاضلة للدُّعاء والأذكار، يُرتَجَى فيها القبول، ويُبْلَغُ ببركة التفرُّغ لذلك إلى كل مأمول».اهـ

19ــ الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “الفتاوى” (ص:127-128):

«إنَّ دعاء الإمام للجماعة في أدبار الصلوات ليس في السُّنة ما يَعضُده، بل فيها ما يُنافيه، فإنَّ الذي يجب الاقتداء بِه سيِّد المُرسَلين محمد صلى الله عليه وسلم، والذي ثبَت عنه مِن العمل بعد الصلوات:

إمَّا ذِكر مُجرَّد لا دُعاء فيه، كقوله: (( اللهمَّ لا مانع لِما لا أعطيت ))، وأشباه ذلك.

وإمَّا دُعاء يَخُص بِه نفسَه، كقوله: (( اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت )) وأشباهه.

ولم يَثبت أنَّه دعا للجماعة، وما زال كذلك مُدَّة عمره، ثم الخلفاء الراشدون بعده، ثم السَّلف الصالح».اهـ

ــــ وقال أيضًا في كتابه “الاعتصام” (2/ 452-454):

«لأنَّ حاله ــ عليه السلام ــ في أدبار الصلوات مكتوبات أو نوافل كانت بين أمرين:

إمَّا أنْ يَذكر الله تعالى ذِكرًا هو في العُرْف غير دعاء، فليس للجماعة مِنه حظ إلا أنْ يقولوا مِثل قوله أو نحوًا مِن قوله، كما في غير أدبار الصلوات، كما جاء أنَّه كان يقول في دُبُر كل صلاة: (( لا إله إلا الله، وحدَه لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير … ))، ونحو ذلك.

فإنَّما كان يقوله في خاصَّة نفسِه، كسائر الأذكار، فمَن قال مِثل قوله فحسَن، ولا يُمكِن في هذا كله هيئة اجتماع.

وإنْ كان دعاء، فعامَّة ما جاء مِن دعائه ــ عليه السلام ــ بعد الصلاة مِمَّا سُمِع مِنه إنَّما كان يَخُص بِه نفسَه دُون الحاضرين، كما في الترمذي …».اهـ

ثم ذَكر ــ رحمه الله ــ خمسة أدعية كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها بعد سلامه مِن الصلاة.

وقال بعدها:

«فتأمَّلوا سياق هذا الأدعية كلها مَساق تخصيص نفسِه بها دُون الناس».اهـ

20ــ الفقيه علاء الدِّين علي بن إبراهيم ابن العطار الشافعي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “أدب الخطيب” (ص:148):

«وقد ثبتت أحاديث كثيرة في الأذكار والدعوات عقب الصلوات، فمَن أرادها فعليه بكتب الأذكار المُؤلفة في ذلك».اهـ

21ــ الفقيه ابن سيِّد الناس اليَعمري الشافعي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “النَّفح الشَّذي شرح جامع الترمذي” (4/ 563):

«الثانية عشرة:

قد ذَكرنا استحباب الذِّكر والدُّعاء للإمام والمأموم والمُنفرِد، وهو مُستحب عقيب الصلوات كلها بلا خلاف، وأمَّا مَن خصَّ ذلك بصلاتي الصُّبح والعصر فلا أصل له».اهـ

22ــ الفقيه تَقِي الدِّين أبو الفَتح المعروف بابن الإمام ــ رحمه الله ــ.

حيث بوَّب في كتابه “سلاح المؤمن في الدُّعاء والذِّكر” (ص:340 و 343 ــ رقم: 629- 638) هذا التبويب:

«ما يدعو بِه بعد الصلاة».

ثم ذَكر تحته جملة مِن الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها بعد سلامه مِن الصلاة.

23ــ الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “فتح الباري” (11/ 137-138 ــ عند حديث رقم:6329 و 6330)، مُعلِّقًا على قول الإمام البخاري: “باب الدُّعاء بعد الصلاة “:

«أي: المكتوبة، وفي هذه الترجمة رَدٌّ على من زَعم أن الدُّعاء بعد الصلاة لا يُشرَع».اهـ

ثم شرَع ــ رحمه الله ــ في رَد قول مَن قال بعدم المشروعية، وذكر عدَّة أحاديث في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاته.

24ــ الفقيه شمس الِّدين السَّخاوي الشافعي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “الأجوبة المُرضية فيما سُئل السَّخاوي عنه مِن الأحاديث النَّبوية” (3/ 893  ــ رقم:239 و 3/ 1012 ــ رقم:286):

«السُّنة أنْ يستفتح دعاء عقب الصلاة وغيرها بحمد الله تعالى، والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم».اهـ

25ــ جاء في كتاب “مراقي الفلاح شرح مَتن نور الإيضاح” (ص:119-120)، مِن كتب الحنفية:

«فصل: في الأذكار الواردة بعد الفرْض.

ويُستحب للإمام بعد سلامه أنْ يتحوَّل إلى يساره للتطوع بعد الفرْض، وأنْ يَستقبل بعدَه الناس، ويستغفرون الله ثلاثًا، ويقرؤون آية الكرسي والمُعوذات، ويُسبِّحون الله ثلاثًا وثلاثين، ويَحمدونه كذلك، ويُكبِّرونَه كذلك، ثم يقولون: “لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”، ثم يدعون لأنفسهم وللمسلمين». اهـ

ثم قال الشارح ــ رحمه الله ــ:

[ ثم يدعون لأنفسهم وللمسلمين ] بالأدعية المأثورة الجامعة لِقول أبي أُمَامَة: قيل يا رسول الله أيُّ الدُّعاء أسمع؟ قال: (( جوف الليل الأخير، ودُبُر الصلوات المكتوبات )) ولقوله صلى الله عليه وسلم: (( والله إنِّي لأُحبِّك، أوصيك يا معاذ: لا تدعن دُبُر كل صلاة أنْ تقول: اللهمَّ أعنِّي على ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك ))». اهـ

26ــ الفقيه أبو عبد الله محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “المَدخل” (2/ 263):

«والسُّنة الماضية: أنْ لا يُترَك الذِّكر والدُّعاء عقب الصلاة». اهـ

27ــ جاء في كتاب “مواهب الجليل في شرح مُختصَر خليل” (2/ 126-127) للفقيه شمس الدِّين الحطاب الرُّعيني المالكي ــ رحمه الله ــ:

«ولا خلاف في مشروعية الدُّعاء خلف الصلاة، فقد قال ــ عليه الصلاة والسلام ــ: (( أَسْمَعُ الدُّعاء جَوْفُ اللَّيْلِ، وَأدْبَارُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ))».اهـ

28ــ جاء في كتاب “لوامع الدُّرر في هَتك أستار المُختصَر” (2/ 514)، مِن كتب المالكية:

«واعلم أنَّه لا خلاف في مشروعية الدُّعاء خلْف الصلاة، فقد قال ــ عليه الصلاة والسلام ــ: (( أسمَع الدُّعاء جوف الليل، وأدبار الصلوات المكتوبة ))».اهـ

29ــ الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي الحنبلي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “آداب المشي إلى الصلاة”(ص:11-12):

«ويُسن ذِكر الله، والدُّعاء والاستغفار عقب الصلاة، فيقول: “أستغفر الله” ثلاثًا، ثمَّ يقول: …

ثم يُسبِّح ويَحمد ويُكبِّر كل واحدة ثلاثًا وثلاثين، ويقول: …

والإسرار بالدُّعاء أفضل، وكذا بالدُّعاء المأثور، ويكون بتأدب وخشوع وحضور قلب ورغبة ورَهبة.

ويَتوسَّل بالأسماء والصفات والتوحيد، ويَتحرَّى أوقات الإجابة، وهي:

ثلث الليل الآخِر، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلاة المكتوبة، وآخِر ساعة يوم الجمعة.

وينتظر الإجابة ولا يَعجل فيقول: “قد دعوت ودعوت فلم يُستجب لي”.

ولا يُكرَّه أنْ يَخُص نفسَه إلا في دُعاء يؤمَّن عليه.

ويُكرَه رفع الصوت».اهـ

30ــ الفقيه الشريف محمد بن الأمير الصنعاني ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “سُبل السلام شرح بلوغ المرام” (ص980:-981 ــ عند حديث رقم:1465):

«يتأكد الدُّعاء بعد الصلاة المكتوبة، لحديث الترمذي عن أبي أُمَامَة …، وقد ورَدَت أحاديث في الدُّعاء بعد الصلاة معروفة».اهـ

31ــ الفقيه محمد بن علي الشوكاني ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “قطر الولي على حديث الولي” (ص:392):

«ومِمَّا يَنبغي لطالب الخير ملازمته الأدعية الواردة عقب الوضوء، وعقب الصلوات، وهي كثيرة».اهـ

32ــ الفقيه محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المُباركفُوري الهندي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “تُحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي” (2/ 169 ــ رقم:297-299):

«لا رَيب في ثبوت الدُّعاء بعد الانصراف مِن الصلاة المكتوبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا».اهـ

33ــ الفقيه الشريف صِدِّيق حسن القَنوجي البخاري الهندي ــ رحمه الله ــ.

إذ له ــ رحمه الله ــ رسالة طُبعت في كتابه “دليل الطالب على أرجح المطالب” (ص:521-527) بعنوان:

«الفاكهة العريضة في جواز رفع اليدين عند الدُّعاء بعد الفريضة».

وكان مِمَّا قاله فيها بعد حديث أبي أُمَامَة، وحديث معاذ بن جبل ــ رضي الله عنهما ــ، (ص:525):

«وهذان الحديثان يدُلان على الدُّعاء بعد الفريضة».اهـ

وقال أيضًا:

«وإلَّا الدُّعاء بعد الفريضة ثابت كما تقدم».اهـ

وقال أيضًا (ص:526):

«فثبت الدُّعاء بعد الفريضة».اهـ

34ــ الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن البابطين النجدي الحنبلي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال كما في كتاب “الدُّرر السَّنية في الأجوبة النَّجدية” (4/315 ):

«الدُّعاء بعد الفرائض، إنْ فعله إنسان بينه وبين الله فحسَن.

وأمَّا رفع الأيدي في هذه الحال فلم يَرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخير الهَدي هديه صلى الله عليه وسلم، ومِثل هذا ما أرَى الإنكار على فاعله، ولو رفع يديه».اهـ

35ــ الفقيه سليمان بن سحمان الحنبلي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال كما في كتاب “الدُّرر السَّنية في الأجوبة النَّجدية” (4/  317):

«وأمَّا الدُّعاء بعد المكتوبة، فإنْ كان بالألفاظ الواردة في الأحاديث الصَّحيحة مِن الأذكار، مِن غير رفع اليدين، كما ورَد في “الصَّحيحين” وغيرهما مِن الكتب، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يَمنعه، ولا أحد مِن أتباعه، ولا أحد مِن أهل الحديث».اهـ

36ــ الفقيه عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (1/ 241):

«فصل في الذِّكر بعدها.

أي: في الدُّعاء والذِّكر المشروع بعد الصلاة، وقد أجمع العلماء على استحبابه بعدها».اهـ

وقال أيضًا (1/ 245-246):

«ويُستحب للعبد إذا فرَغ مِن صلاته، واستغفَر الله، وذَكره، وهلَّله وسبَّحه وحمِده وكبَّره بالأذكار المشروعة عقب الصلاة مِمَّا تقدَّم، وغيره:

أنْ يُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو بما شاء، فإنَّ الدُّعاء عقب هذه العبادة مُستجاب».اهـ

37ــ العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ــ رحمه الله ــ.

حيث قال كما في كتاب “فتاوى نور على الدَّرب” (9/ 166-167 ــ قسم فالويه):

«الدُّعاء بعد الصلاة لا يُكرَه، بل مُستحَب، كونه يدعو بينَه وبين ربِّه في آخِر الصلاة بعد الذِّكر، كل هذا جاء في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فإذا دعا في آخِر الصلاة قبْل أنْ يُسلِّم هذا أفضل، وإنْ دعا بعد السلام وبعد الذِّكر فلا بأس، بينَه وبين ربِّه.

أمَّا أنْ يكون الدُّعاء جماعيًا مِن الجماعة أو مع الإمام، فهذا غير مشروع، بل بدعة، أو يكون مع رفع الأيدي، هذا بدعة بعد الفرائض، لم يُحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يرفع يديه بعد الفرائض الخمس، ولم يُحفظ عن أصحابه فيما بلغنا، فليس للناس أنْ يُحدِثوا شيئًا لم يفعله المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه.

لكن الدُّعاء لا بأس بِه بينَه وبين ربِّه، قبل السلام وبعد السلام، لا بأس».اهـ

38ــ العلامة  محمد ناصر الدِّين الألباني ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “سلسلة الأحاديث الضعيفة” (6/ 60 ــ رقم:2544):

«وجملة القول: إنِّه لم يَثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يرفع يديه بعد الصلاة إذا دعا.

وأمَّا دعاء الإمام وتأمين المُصلِّين عليه بعد الصلاة، كما هو المُعتاد اليوم في كثير مِن البلاد الإسلامية، فبدعة لا أصل لَها، كما شرح ذلك الإمام الشاطبي في “الاعتصام” شرحًا مُفيدًا جدًّا لا أعرِف له نظيرًا، فليُراجع مِن شاء البسط والتفصيل».اهـ

وظاهر كلامه هذا أنَّه ــ رحمه الله ــ يَرى مشروعية الدُّعاء بعد السلام مِن الصلاة إذا فعله الإنسان سِرًّا فيما بينَه وبين ربِّه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو، لكن من دون رفع لليدين.

39ــ العلامة صالح بن فوزان الفوزان ــ سلَّمه الله ــ.

حيث قال كما في كتاب “المُنتقى مِن فتاوى الفوزان” (2/ 680):

«الدُّعاء بعد الصلاة لا بأس بِه، لكن كل مسلم يدعو بمُفرده، يدعو لنفسه ولإخوانه المسلمين، ويدعو بمصالح دِينه ودُنياه، يدعو مُنفرِدًا، لا يكون الدُّعاء جماعيًّا.

أمَّا الدُّعاء الجماعِي بعد الصلاة فهو بدعة، لأنَّه لم يَرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن صحابته، ولا عن القُرون المُفضَّلة أنَّهم كانوا يدعون دعاءً جماعيًّا، بأنْ يرفع الإمام يديه، ثم يرفعون أيديهم ويدعو، وهُم يدعون معه، هذا مِن البدع.

أمَّا أنْ يدعو كل شخص بدون رفع صوت، ولا تشويش، فهذا لا بأس بِه، سواء كان بعد الفريضة، أو بعد النافلة».اهـ

ــــ وقال أيضًا في كتابه “المُلخَّص الفقهي” (1/ 159):

«ثم بعد الفراغ مِن هذه الأذكار يدعو سِرًّا بما شاء، فإنَّ الدُّعاء عقب هذه العبادة وهذه الأذكار العظيمة أحرَى بالإجابة, ولا يرفع يديه بالدُّعاء بعد الفريضة كما يَفعل بعض الناس، فإنَّ ذلك بدعة, وإنَّما يُفعل هذا بعد النافلة أحيانًا, ولا يَجهر بالدُّعاء, بل يُخفِيه، لأنَّ ذلك أقرب إلى الإخلاص والخشوع, وأبعد عن الرِّياء».اهـ

ــــ وقال أيضًا كما في شريط مُسجَّل له، وموجود بموقعه الإلكتروني:

«الدُّعاء بعد الصلاة الفريضة بأنْ يدعو الإنسان لِنفسه مُنفرِدًا، وبدون رفع صوت هذا مشروع ومطلوب».اهـ

40ــ العلامة ربيع بن هادي عُمير المَدْخَلي ــ سلَّمه الله ــ.

إذ سُئل كما في “مجموع كتبه ورسائله وفتاويه” (15/ 486) هذا السؤال:

«هل مَن يرفع يديه بعد الصلاة يُحكَم عليه بالبدعة؟».

فأجاب بقوله:

«لا نستطيع أنْ نعُد ذلك مِن البدع، رفع اليدين بعد الفراغ مِن الصلاة المكتوبة بالدُّعاء لا نستطيع أنْ نَحكُم على صاحبه بالبدعة.

لأنَّه عندَه عُمومات، بل عندَه بعض الأحاديث، والغالب في الدُّعاء رفع اليدين، رفع اليدين بالدُّعاء ثابت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فإذا رفع الإنسان يديه، يَعني: نُعلِّمه أوَّلًا فقط أنَّك رفعت يديك بالدُّعاء إثر المكتوبة، لأنَّ ذلك لم يَثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يَقبل فما نستطيع أنْ نَحكُم عليه بالبدعة.

لأنَّه كما قلنا هناك أدلة، يَعني: ورَدت في كثير مِن المواطن، بل وصلَت إلى حدِّ التواتر يرفع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه حينما يدعو».اهـ

وهذا ظاهر في أنَّه ــ سدِّده الله ــ يَرى مشروعية الدُّعاء بعد السلام مِن الفريضة، ولكن مِن دون رفع لليدين.

41ــ القاضي بكر بن عبد الله أبو زيد ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “تصحيح الدُّعاء” (ص:430):

«المَطلب الأوَّل: الأذكار المشروعة بعد الصلاة …

ثم بعد الذِّكر يَشرَع في الأدعية التي دَل عليها مُجمَل قول الله تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ } قال ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ: (( فإذا فرَغْتَ مِن صلاتِكَ فانَصَب ــ أي: بالغ في الدُّعاء ــ وسَلْهُ حاجَتَك ))، كما في تفسير ابن كثير، والقرطبي، وغيرهما، ونحوه عن مُجاهد، وقتادة، والضَّحَّاك، والكلبي، ومُقاتل.

ولذا عقد البخاري في “صحيحه” هذه الترجمة: “باب الدُّعاء بعد الصلاة”، وقفَاه أهل”السُّنن” على ذلك، مِثل النسائي وأبي داود وابن خُزيمة، وغيرهم».اهـ

وقال أيضًا (ص:438):

«وفي مسألتنا: السُّنة كما تَرى بعد السلام مِن الصلاة المكتوبة هو:

الذِّكر مع الرَّفع رفعًا يسيرًا في بعضه لا كُلِّه، والدُّعاء، وقراءة ما ذُكر مِن القرآن الكريم…

هذه سُنن أربع دَلَّ عليها هَدي النبي صلى الله عليه وسلم، وتعليمه لأمته في هذه العبادة المُقيَّدة بحال الفراغ مِن الصلاة المكتوبة، وما سوى ذلك فهو قدْر زائد على المشروع لا دليل عليه».اهـ

42ــ العلامة محمد علي آدم الإتيوبي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في شرحه على “سُنن النسائي” (15/ 385 ــ رقم:1347):

«قد تلخَّص مِمَّا ذُكِر مِن الأدلة: أنَّ الدُّعاء عقب الصلاة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا، فلا يَسع أحدًا إنكاره …

والحاصل: أنَّ الذِّكر والدُّعاء بعد السلام مِن الصلاة مشروع، كما هو مذهب البخاري والنسائي، وقد تقدَّم في كلام الحافظ ابن رجب أنَّه مذهب الإمام أحمد، بل نَقل أنَّ أصحاب أحمد وأصحاب الشافعي استحبُّوا الدُّعاء عقب الصلوات، وذكرَه بعض الشافعية اتفاقًا.انتهى.

فإذا ثبتت الأحاديث بذلك، وعمل بها أهل العلم أو بعضهم فلا وجْه للإنكار».اهـ

43ــ صنَّف الفقيه محمد هاشم التَّتَوي السِّندي ــ رحمه الله ــ رسالة بعنوان: «التُّحفَة المرغوبة في أفضلية الدُّعاء بعد المكتوبة».

وقد اختُصرت ضِمن مجموع طبع بعنوان:

«ثلاث رسائل في استحباب الدُّعاء ورفع اليدين فيه بعد صلاة المكتوبة» (ص:15-47).

44ــ صنَّف غير واحد مِن مُتأخِّري فقهاء الحنفية والشافعية والمالكية ــ رحمهم الله ــ:

رسائل مُفرَدة في مشروعية الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة بالسلام مِنها.

الوقفة الثالثة:

عن أدلَّة استحباب الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة.

إنَّ سبب ذهاب العلماء ــ رحمهم الله ــ إلى استحباب الدُّعاء عقب الانتهاء مِن صلاة الفريضة هو:

ثُبوت الدُّعاء في هذا الموضع عن سيّد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، وأصحابه البَررة الأخيار ــ رضي الله عنهم ــ.

وقد أشار إلى هذا جمْع عديد جدًّا مِن العلماء، مِنهم:

أوَّلًا ــ الفقيه المُحدِّث أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “المجموع” (3/ 465):

«ويُستحَب أنْ يدعو أيضًا بعد السلام بالاتفاق، وجاءت في هذه المواضع أحاديث كثيرة صحيحة في الذِّكر والدُّعاء قد جمعتها في كتاب “الأذكار”».اهـ

ثانيًا ــ الفقيه أبو إسحاق الشاطبي المالكي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتاب “الفتاوى” (ص:127-128):

«فإنَّ الذي يجب الاقتداء بِه سيِّد المُرسَلين محمد صلى الله عليه وسلم، والذي ثبَت عنه مِن العمل بعد الصلوات:

إمَّا ذِكر مُجرَّد لا دعاء فيه، كقوله: (( اللهمَّ لا مانع لِما لا أعطيت ))، وأشباه ذلك.

وإمَّا دُعاء يَخُص بِه نفسَه، كقوله: (( اللهمَّ اغفر لِي ما قدَّمت وما أخَّرت )) وأشباهه».اهـ

ثالثًا ــ الفقيه علاء الدِّين ابن العطار الشافعي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “أدب الخطيب” (ص:148):

«وقد ثبتت أحاديث كثيرة في الأذكار والدعوات عقب الصلوات، فمَن أرادها فعليه بكتب الأذكار المؤلفة في ذلك».اهـ

رابعًا ــ الفقيه المُحدِّث الشريف محمد بن الأمير الصنعاني ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “سُبل السلام” (ص:980-981ــ عند حديث رقم:1465):

«وقد ورَدت أحاديث في الدُّعاء بعد الصلاة معروفة».اهـ

خامسًا ــ الفقيه المُحدِّث محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المُباركفوري الهندي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في كتابه “تحُفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي” (2/ 169 ــ رقم:297-299):

«لا ريب في ثبوت الدُّعاء بعد الانصراف مِن الصلاة المكتوبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا».اهـ

سادسًا ــ الفقيه المُحدِّث محمد علي آدم الإتيوبي ــ رحمه الله ــ.

حيث قال في شرحه على “سُنن النسائي” (15/ 382 ــ رقم:1347):

«اعلم أنَّه عقد المُصنِّف ــ رحمه الله تعالى ــ أبوابًا كثيرة لِبيان الأحاديث التي  تدُل على مشروعية الدُّعاء دُبُر الصلاة، وأورَد فيها أحاديث كثيرة مُشتملة على دعوات كثيرة تُقرأ عقب الصلاة».اهـ

ــــ وقال أيضًا (15/ 385 ــ رقم:1347):

«قد تلخَّص مِمَّا ذُكر مِن الأدلة أن الدُّعاء عقب الصلاة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا، فلا يَسع أحدًا إنكاره».اهـ

ــــ وقال أيضًا:

«فإذا ثبتت الأحاديث بذلك، وعمل بها أهل العلم أو بعضهم فلا وجْه للإنكار».اهـ

سابعًا ــ العلامة المُحدِّث عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ــ رحمه الله ــ.

حيث إذ قال كما في كتاب “فتاوى نور على الدَّرب” (9/ 180 ــ قسم فتاويه):

«والإنسان إذا أحَبَّ أنْ يدعو بينَه وبين نفسِه، مِن دون رفع اليدين، ومِن دون الاجتماع مع الإمام.

بل كما جاءت بِه الأحاديث أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم دعا بعد السلام بالذِّكر المعروف عنه ــ عليه الصلاة والسلام ــ».اهـ

ــــ وقال أيضًا (9/ 166):

«الدُّعاء بعد الصلاة لا يُكرَه بل مُستحب، كونه يدعو بينَه وبين ربِّه في آخِر الصلاة، وبعد الصلاة بعد الذِّكر، كلُّ هذا جاء في الأحاديث عن النبي ــ عليه الصلاة والسلام ــ».اهـ

قلت:

والأدلة الواردة في اثبات الدُّعاء بعد السلام مِن صلاة الفريضة على أنواع ثلاثة:

النوع الأوَّل:

الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ ما وقفت عليه ثابتًا مِنها:

أوَّلاً: ما أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه” (591)، مِن طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي عمَّار، عن أبي أسماء، عن ثوبان ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا )).

قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفرُ الله، أستغفرُ الله، أستغفرُ الله.اهـ

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع فتاوى ورسائل فضيلته”(13/ 266-267):

«وأمَّا الدُّعاء أدبار الصلوات المكتوبة، ففيه: الاستغفار، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرَف مِن صلاته استغفر الله ثلاثًا.

والاستغفار: طلب المغفرة، وهو دعاء، لكن ظاهر السُّنة فيه عدم الرفع».اهـ

ثانيًا: ما أخرجه الأئمة أحمد (22119 و 22126)، والبخاري في “الأدب المفرد”(690)، واللفظ له، وأبو داود (1522)، والنسائي (1303)، وابن خُزيمة (751) والحاكم، (1010 و 5194 ) وابن حِبَّان (2021)، عن مُعاذ بن جبل ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( أَخَذَ بِيَدِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ، قُلْتُ: وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ، قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهَا فِي دُبُر كُلِّ صَلَاتِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: قُلِ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» )).

وفي لفظ أحمد، وأبي داود، وغيرهما:

(( أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ )).

وقد صحَّحه: ابن خُزيمة، وابن حِبَّان، والحاكم، والنَّووي، والذهبي، وابن حجَر العسقلاني، والخطيب الشِّربيني، وابن الطَّيب، والسَّخاوي، وابن باز، والألباني، ومُقبل الوادعي، ومحمد علي آدم الإتيوبي، وغيرهم

وقال المُحدِّث أبو الحسن المؤيد الطُّوسي ــ رحمه الله ــ: «حديث عزيز حسن».اهـ

وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ: «ثبَت».اهـ

وقال المُحدِّث أبو بكر الهيثمي ــ رحمه الله ــ: «رواه أحمد، ورجاله رجال الصَّحيح غير موسى بن طارق، وهو ثقة».اهـ

وقال الفقيه عبد الرحمن ابن قاسم ــ رحمه الله ــ: «سنده جيد».اهـ

ثالثًا: ما أخرجه الإمام مسلم  في “صحيحه” (709)، عن البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ أَوْ تَجْمَعُ  عِبَادَكَ» )).

رابعًا: ما أخرجه الإمام البخاري في “صحيحه” (2822)، عن عمرو بن ميمون الأَوْدِيِّ، عن سعد ين أبي وقاص ــ رضي الله عنه ــ أنَّه: (( كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبُر الصَّلاَةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ )).

وفي رواية مُصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه ــ رضي الله عنه ــ عند البخاري (6390)، أنَّه قال:

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ، كَمَا تُعَلَّمُ الكِتَابَةُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ القَبْرِ» )).

خامسًا: ما أخرجه الأئمة أحمد (20409 و 20447)، والنسائي (5465 و  1347)، واللفظ له، وابن خُزيمة (747) والحاكم (927 )، عن مسلم بن أبي بن أبي بَكرَة أنَّه قال:

(( كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُر الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ».

فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ، فَقَالَ أَبِي: أَيْ بُنَيَّ، عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ عَنْكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُر الصَّلَاةِ )).

وقد صحَّحه: ابن خُزيمة، وابن جَرير الطبري، وابن حِبَّان، والحاكم، والذهبي، والألباني، ومحمد علي آدم الإتيوبي، وغيرهم

وحسَّنه: الترمذي، وابن حجَر العسقلاني.

سادسًا: ما أخرجه الأئمة أبو داود في “سُننه” (1509)، واللفظ له، وابن الجارود (179)، وابن حِبَّان (2025)، وغيرهم، عن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» )).

ما أخرجه الإمام مسلم  في “صحيحه” (771-201)، وغيره، عن مِن طريق يوسف المَاجِشُون، حدثني أَبِي، عن عبد الرحمن الأعرجِ، عن عُبيد الله بن أبي رافعٍ، عن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ  الْمُشْرِكِينَ …، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ )).

وأخرجه أيضًا:

الإمام مسلم  في “صحيحه” (771-202)، بلفظ:

(( وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ … » )) إلى آخر الحديث.

وصحَّحه: مسلم، والترمذي، وابن خُزيمة، وابن حِبَّان، وأبو عَوانة، والنَّووي، وشُهْدة الإبري الكاتبة، وأحمد شاكر، والألباني، ومحمد علي آدم الإتيوبي، وغيرهم.

تنبيه مُهِم:

ــــ قال الحافظ ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “زاد المَعاد” (2/ 287-288):

«وذكر أبو داود، عن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ:

(( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلَّم مِن الصلاة قال: «اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمت، وما أخَّرت، وما أسرَرت، وما أعلَنت، وما أسرَفت، وما أنت أعلم به مِنِّي، أنت المُقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت )).

هذه قطعة مِن حديث علي الطويل الذي رواه مسلم في استفتاحه ــ عليه الصلاة والسلام ــ وما كان يقوله في ركوعه وسجوده.

ولمسلم فيه لفظان:

أحدهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله بين التشهد والتسليم.

وهذا هو الصواب.

والثاني: كان يقوله بعد السلام.

ولعله كان يقوله في الموضعين، والله أعلم».اهـ

ــــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (3/ 465):

«ولا مُنافاة بين الروايتين فهُما صحيحتان، وكان يقول الدعاء في الموضعين، والله أعلم».اهـ

ــــ وقال العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم” (3/ 1021-1022- الأصل):

«قال الحافظ: “ويُجمَع بينهما بحَمْل الرِّواية الثانية على إرادة السَّلام، لأنَّ مَخرَج الطريقين واحد، وأورَده ابن حِبَّان في “صحيحه”، بلفظ: (( كان إذا فرَغ مِن الصلاة وسلَّم … )).

وهذا ظاهر في أنَّه بعد السَّلام، ويحتمل أنَّه كان يقول ذلك قبل السَّلام وبعدَه”.

قلت ــ أي: الألباني ــ:

وهذا الاحتمال لا بُدَّ مِن المصير إليه، وإلا فإحدى الرِّوايتين خطأ مِن بعض الرُّواة، أو رِواية بالمعنى.

والرواية التي عند ابن حِبَّان، قد أخرجها قبله أحمد في “المُسند” (1/ 102) بإسناد صحيح، والله أعلم».اهـ

النوع الثاني:

الآثار الواردة عن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ ما وقفت عليه ثابتًا مِنها:

أولاً: ما أخرجه الحافظ ابن أبي شيبة في “مُصنَّفه” (3033)، فقال:

حدثنا وكيع، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدَة قال:

(( كَانَ أَبُو مُوسَى إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي» )).

وإسناده حسن.

وقال العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ: «وسنده صحيح».اهـ

وقال ابن أبي شيبة في “مُصنَّفه” (29255)، أيضًا:

حدثنا وكيع، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى أنَّه كان يقول إذا فرَغ مِن صلاته:

(( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي )).

وإسناده حسن كسابقه.

وأبو موسى الصحابي، هو: الأشعري ــ رضي الله عنه ــ.

ثانيًا: ما أخرجه الحافظ ابن أبي شيبة في “مُصنَّفه” (29268)، فقال:

حدثنا عَبيدَة بن حُميد، عن الرُّكين بن الرَّبيع، عن أبيه، قال:

(( كَانَ عُمَرُ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْتَهْدِيكَ لِأَرْشَدِ أَمْرِي، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ فَتُبْ عَلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي فَاجْعَلْ رَغْبَتِي إِلَيْكَ، وَاجْعَلْ غِنَائِي فِي صَدْرِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقَتْنِي، وَتَقَبَّلْ مِنِّي، إِنَّكَ أَنْتَ رَبِّي» )).

وجاء في كتاب “سلاح المؤمن في الدعاء” (638)، لابن الإمام:

(( وَاجْعَلْ غِنَايَ فِي صَدْرِي )).

وإسناده حسن إلى الرَّبيع بن عُميلة الفزاري، وهو ثقة.

وقد وثقه: ابن مَعين، وابن سعد، والعِجْلي، وابن حِبَّان، والذهبي، وابن حجَر العسقلاني.

ولم أجد مَن ذكر روايته عن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ.

وقد رَوى عن:

علي بن أبي طالب، وحُذيفة بن أُسيد الغفاري، وسمُرة بن جُندب، وعبد الله بن مسعود، وعمَّار بن ياسر ــ رضي الله عنهم ــ.

وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في كتابه “التاريخ الكبير” (3/ 270 – رقم:922):

«رَبيع بن عُميلة الفزاري الكوفي، سمع ابن مسعود، وكان في أهل الرِّدة زمَان خالد بن الوليد».اهـ

وقال المُحدِّث مُغلطاي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال تهذيب الكمال” (4/ 344 ــ ترجمة رقم: 1552):

«وقال البخاري في “تاريخه الكبير”: “كان في ــ وفي نُسخة مِن ــ أهل الرِّدة زمَن خالد بن الوليد».اهـ

وهذا يَدُلُّ على أنَّه قد عاصر عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ، لأنَّ حروب الرِّدة كانت في أوِّل عهد أبي بكر الصديق ــ رضي الله عنه ــ.

ومات خالد ــ رضي الله عنه ــ في خلافة عمر.

وابنُه الرُّكين، قد رَوى عن بعض الصحابة ــ رضي الله عنه ــ.

كأبي الطُّفَيل عامر بن واثلة، وعبد الله بن الزُّبير، وعبد الله بن عمر بن الخطاب.

ثالثًا: ما أخرجه الحافظ ابن أبي شيبة في “مُصنَّفه” (29257)، فقال:

حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه كان يقول:

(( اللَّهُمَّ تَمَّ نُورُكَ فَهَدَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ، وَعَظُمَ حِلْمُكَ فَعَفَوْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ، وَبَسَطْتَ يَدَكَ فَأَعْطَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ، رَبَّنَا وَجْهُكَ أَكْرَمُ الْوُجُوهِ، وَجَاهُكَ خَيْرُ الْجَاهِ، وَعَطِيَّتُكَ أَفْضَلُ الْعَطِيَّةِ وَأَهْنَؤُهَا، تُطَاعُ رَبَّنَا فَتَشْكُرُ، وَتُعْصَى رَبَّنَا فَتَغْفِرُ، تُجِيبُ الْمُضْطَرَّ، وَتَكْشِفُ الضُّرَّ، وَتَشْفِي السَّقِيمَ، وَتُنْجِي مِنَ الْكَرْبِ، وَتَقْبَلُ التَّوْبَةَ، وَتَغْفِرُ الذَّنْبَ لِمَنْ شِئْتَ، لَا يُجْزِئُ آلَاءَكَ أَحَدٌ، وَلَا يُحْصِي نَعْمَاءَكَ قَوْلُ قَائِلٍ )) يَعْنِي: يَقُولُ بَعْدَ الصَّلَاةِ».اهـ

وإسناده حسن أو صحيح.

وأخرجه الحافظ الطبراني في كتابه “الدُّعاء” (2/ 1068 رقم:734)، فقال:

حدثنا عثمان بن عمر الضَّبِّي ثنا عبد الله بن رجاء أنبأ إسرائيل.

ح وحدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير بن معاوية.

ح وحدثنا أبو خليفة ثنا الوليد الطيالسي ثنا شعبة.

كلهم: عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي ــ رضي الله عنه ــ أنَّه كان يقول دُبُر الصلاة:

(( تَمَّ نُورُكَ فَهَدَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ، وَعَظُمَ حِلْمُكَ فَعَفَوْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ، وَبَسَطْتَ يَدَكَ فَأَعْطَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ، رَبَّنَا وَجْهُكَ أَكْرَمُ الْوُجُوهِ، وِجَاهُكَ خَيْرَ الْجَاهِ وَعَطِيَّتُكَ أَنْفَعُ الْعَطَايَا، تُطَاعُ رَبَّنَا فَتُشْكَرُ وَتُعْصَى رَبَّنَا فَتَغْفِرُ، تُجِيبُ الْمُضْطَرَّ وَتَكْشِفُ الضُّرَّ، وَتَشْفِي السَّقِيمَ، وَتُنْجِي مِنَ الْكَرْبِ، لَا يُجْزِي بِآلَائِكَ أَحَدٌ، وَلَا يُحْصِي نِعَمَكَ قَوْلُ قَائِلٍ )).

النوع الثالث:

إجماع عن العلماء ــ رحمهم الله ــ على مشروعية الدُّعاء بعد السلام مِن صلاة الفريضة.

وقد تقدَّم نَقل هذا الإجماع في أوَّل هذه الرسالة عن:

النَّووي الشافعي، والحطاب الرُّعيني المالكي، وابن قاسم الحنبلي ــ رحمهم الله ــ وغيرهم.

الوقفة الرابعة:

عن الإجابة عن قول بعض مَن ذهب مِن العلماء المُتأخِّرين إلى أنَّ مَحَلَّ الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم هو بعد التشهد وقبل السلام مِن صلاة الفريضة وليس بعدَه.

مال الإمام الكبير والفقيه النِّحرير أحمد بن عبد الحليم ابن تيميَّة الحراني الدمشقي ــ رحمه الله ــ:

إلى عدم الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة.

وحمَل ــ رحمه الله ــ:

الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك على ما بعد التشهد وقبل السلام، لأنَّه قد جاء بعضها بلفظ:

(( دُبُر الصَّلاة )).

وذَكر ــ رحمه الله ــ في وجْه الاحتجاج لِهذا القول:

أنَّ دُبُر الشيء مِنه، كالحيوان فدُبُره مِنه.

ويُقوِّي ذلك عنده ــ رحمه الله ــ:

1ــ أمرُ النبي صلى الله عليه وسلم بالدُّعاء قبل السلام مِن الصلاة وبعد التشهد.

حيث  أخرج الإمام البخاري في “صحيحه” (835 )، عن عبد الله بن مسعود ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلاَةِ، قُلْنَا: السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَقُولُوا السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعاء أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو )).

وأخرج الإمام مسلم في “صحيحه” (588)، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:

(( إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ )).

2ــ وكون الدُّعاء في أثناء الصلاة ألصَق بباب مُناجاة الله تعالى من الدُّعاء بعد الانصراف بالسلام مِن الصلاة.

حيث قال ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مجموع الفتاوى” (22/ 499)، في تأييد هذا القول:

«وأمّا لفظ: (( دُبُر الصلاة )) فقد يُراد بِه: آخِر جُزء مِنه، وقد يُراد بِه: ما يَلِي آخِر جُزء مِنه، كما في دُبُر الإنسان، فإنَّه آخِر جُزء مِنه، ومِثله لفظ العقِب، قد يُراد بِه الجزء المُؤخر مِن الشيء كعقب الإنسان، وقد يُراد بِه ما يَليِ ذلك.

فالدُّعاء المذكور في دُبُر الصلاة:

إمَّا أنْ يُراد بِه آخِر جُزء مِنها ليوافق بقيَّة الأحاديث، أو يُراد بِه ما يَلِي آخِرها، ويكون ذلك ما بعد التشهد، كما سمَّي ذلك قضاء للصلاة وفراغًا مِنها، حيث لم يَبق إلا السلام المُنافي للصلاة، بحيث لو فعله عمدُا في الصلاة بطلت صلاته، ولا تبطل سائر الأذكار المشروعة في الصلاة.

أو يكون مُطلَقًا أو مُجمَلًا.

وبكل حال، فلا يجوز أنْ يُخَصَّ بِه ما بعد السلام، لأنَّ عامة الأدعية المأثورة كانت قبل ذلك، ولا يجوز أنْ يشرَع سُنَّة بلفظ مُجمَل يُخالف السُّنة المتواترة بالألفاظ الصريحة».اهـ

ــــ وقال أيضًا (22/ 519):

«بل إنَّما كان دعاؤه في صُلب الصلاة، فإنَّ المُصلِّي يُناجي ربَّه، فإذا دعا حال مُناجاته له كان مُناسبًا.

وأمَّا الدُّعاء بعد انصرافه مِن مُناجاته وخطابه، فغير مناسب.

وإنَّما المَسنون عقب الصلاة هو الذِّكر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم مِن التهليل والتحميد والتكبير».اهـ

ــــ وقال أيضًا (22/ 513):

«ولو دعا الإمام والمأموم أحيانًا عقيب الصلاة لأمر عارض لم يُعَد هذا مُخالفًا للسُّنة، كالذي يداوم على ذلك، والأحاديث الصحيحة تدُل على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو دُبُر الصلاة قبل السلام، ويأمر بذلك، كما قد بسَطنا الكلام على ذلك، وذكرنا ما في ذلك مِن الأحاديث، وما يُظن أنَّ فيه حُجَّة للمُنازِع في غير هذا الموضع».اهـ

ــــ وقال أيضًا (22/517-518):

«ومِنهم: مَن استحبه أدبار الصلوات كلها، وقال: لا يُجهر بِه إلا إذا قصد التعليم، كما ذكر ذلك طائفة مِن أصحاب الشافعي، وغيرهم.

وليس معهم في ذلك سُنَّة إلا مُجرَّد كون الدُّعاء مشروعًا، وهو عقب الصلوات يكون أقرب إلى الإجابة.

وهذا الذي ذكروه قد اعتبره الشارع في صُلب الصلاة، فالدُّعاء في آخِرها قبل الخروج مشروع مسنون بالسُّنة المتواترة، وباتفاق المسلمين، بل قد ذهب طائفة مِن السَّلف والخلَف إلى أنَّ الدُّعاء في آخِرها واجب، وأوجبوا الدُّعاء الذي أمر بِه النبي صلى الله عليه وسلم آخِر الصلاة بقوله: (( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: مِن عذاب جهنم، ومِن عذاب القبر، ومِن فتنة المَحيا والممات، ومِن فتنة المسيح الدجال ))، رواه مسلم، وغيره.

وكان طاووس يأمر مَن لم يُدع بِه أنْ يُعيد الصلاة، وهو قول بعض أصحاب أحمد، وكذلك في حديث ابن مسعود: (( ثم ليتخيَّر مِن الدُّعاء أعجبه إليه ))، وفي حديث عائشة وغيرها: أنَّه كان يدعو في هذا الموطن، والأحاديث بذلك كثيرة.

والمناسبة الاعتبارية فيه ظاهرة، فإنَّ المُصلِّي يُناجِي ربَّه، فما دام في الصلاة لم يَنصرف، فإنَّه يُناجِي ربَّه، فالدُّعاء حينئذ مُناسب لحاله.

أمَّا إذا انصرف إلى الناس مِن مناجاة الله لم يكن موطن مُناجاة له ودعاء، وإنَّما هو موطن ذِكر له وثناء عليه، فالمُناجاة والدُّعاء حين الإقبال والتوجه إليه في الصلاة، أمَّا حال الانصراف مِن ذلك فالثناء والذِّكر أولَى».اهـ

ــــ وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “زاد المعاد”(1/ 295):

«ودُبُر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا ــ يَعني بِه: ابن تيمية ــ يُرجِّح أنْ يكون قبل السلام، فراجعته فيه فقال: “دُبُر كل شيء مِنه، كدُبُر الحيوان”».اهـ

ــــ وقال أيضًا (1/ 249-250):

«وعامَّة الأدعية المُتعلِّقة بالصلاة، إنَّما فعلَها فيها، وأمر بها فيها، وهذا هو اللائق بحال المُصلِّي، فإنَّه مُقبِل على ربِّه يُناجيه ما دام في الصلاة، فإذا سلَّم مِنها انقطعت تلك المُناجاة، وزال ذلك المَوقف بين يديه، والقُرب مِنه، فكيف يَترك سؤاله في حال مُناجاته والقُرب مِنه والإقبال عليه، ثم يسأله إذا انصَرف عنه؟

ولا رَيب أنَّ عكس هذا الحال هو الأولَى بالمُصلِّي، إلا أنَّ هاهُنا نُكتة لطيفة، وهو: أنَّ المُصلِّي إذا فرَغ مِن صلاته وذَكر الله وهلَّله وسبَّحه وحمِده وكبَّره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استُحِب له أنْ يُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دُبُر الصلاة، فإنَّ كل مَن ذَكر الله وحمِده وأثنى عليه وصلَّى على رسول الله صلى الله عليه وسلم استُحِب له الدُّعاء عقيب ذلك، كما في حديث فضالة بن عُبيد: (( إذا صلَّى أحدكم فليَبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليُصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء )) قال الترمذي: حديث صحيح».اهـ

قلت:

وقد أُجِيبَ عن هذا الكلام أو الاستدلال بعدَّة أمور:

الأمر الأوَّل:

ما أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه” (709)، عن البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ أَوْ تَجْمَعُ  عِبَادَكَ» )).

وهو نصٌّ صريح في أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا بعد السلام مِن صلاته، وأنَّ ما بعد السلام مِن مواطن دعاء الله ــ عزَّ وجلَّ ــ، كقبل السلام.

الأمر الثاني:

ما أخرجه الحافظ ابن أبي شيبة في “مُصنَّفه” (3033)، فقال:

حدثنا وكيع، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدَة، قال:

(( كَانَ أَبُو مُوسَى إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي )).

وإسناده حسن.

وقال العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ: «وسنده صحيح».اهـ

وقال ابن أبي شيبة في “مُصنَّفه” (29255)، أيضًا:

حدثنا وكيع، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى أنَّه كان يقول إذا فرَغ مِن صلاته:

(( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي )).

وإسناده حسن كسابقه.

وهُما صريحان في أنَّ أبا موسى الأشعري ــ رضي الله عنه ــ كان يدعو بعد الفراغ مِن صلاته بالسلام مِنها، وأنَّ ما بعد السلام مِن مواطن دعاء الله ــ عزَّ وجلَّ ــ، كقبل السلام.

الأمر الثالث:

ما أخرجه الحافظ ابن أبي شيبة في “مُصنَّفه” (29268) فقال:

حدثنا عَبيدَة بن حُميد، عن الرُّكين بن الرَّبيع، عن أبيه، قال:

(( كَانَ عُمَرُ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْتَهْدِيكَ لِأَرْشَدِ أَمْرِي، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ فَتُبْ عَلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي فَاجْعَلْ رَغْبَتِي إِلَيْكَ، وَاجْعَلْ غِنَائِي فِي صَدْرِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقَتْنِي، وَتَقَبَّلْ مِنِّي، إِنَّكَ أَنْتَ رَبِّي» )).

وإسناده حسن إلى الرَّبيع بن عُميلة الفزاري.

وقد تقدَّم قريبًا الكلام على هذا الأثر بتوسع.

وهو صريح في أنَّ عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ كان يدعو بعد الانصراف بالسلام مِن صلاته، وأنَّ ما بعد السلام مِن مواطن دعاء الله ــ عزَّ وجلَّ ــ، كقبل السلام.

الأمر الرابع:

أنَّ جملة مِن الأذكار التي تُقال بعد السلام مِن الصلاة بالإجماع قد جاءت في الأحاديث الصَّحيحة بلفظ:

(( دُبُر كُلِّ صَلاة )) أو (( دُبُر الصَّلاة )).

ومن أمثلتها:

ــــ التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين.

ــــ وقراءة سوَر المُعوِّذات.

ــــ وقراءة آية الكرسي.

ــــ وقول: «لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له المُلك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نَعبد إلا إيِّاه، له النِّعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مُخلِصين له الدِّين ولو كَرِه الكافرون».

وقد حملها العلماء بإجماعٍ على ما بعد السلام.

فتُعامَل الأدعية التي جاء فيها: (( دُبُر كُلِّ صَلاة )) أو (( دُبُر الصَّلاة )) نفس معاملتها، حتى يُخرِجها دليل صحيح صريح، ولا نصَّ في الإخراج، ولا إجماع.

كيف والدُّعاء بعد الانصراف مِن الصلاة، قد ثبَت بصيَغ أُخْرى أصرَح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

كما جاء في حديث البَراء بن عازب، وأثر أبي موسى الأشعري، وأثر عمر بن الخطاب ــ  رضي الله عنهم ــ.

ــــ وفي تقرير هذا يقول الحافظ ابن حجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (11/ 137ــ عند حديث 138 ــ رقم:6329 و 6330):

«فإنْ قِيل: المُراد بدُبُر كل صلاة قُرْب آخِرها، وهو التشهد.

قُلنا: قد ورَد الأمر بالذِّكر دُبُر كل صلاة، والمُراد بِه بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا حتى يَثبت ما يُخالفه».اهـ

ــــ وقال الفقيه الشريف صِدِّيق حسن القنوجي الهندي ــ رحمه الله ــ في رسالة له طبعت في كتابه “دليل الطالب على أرجح المطالب” (ص:525-526) عنوانها “الفاكهة العريضة في جواز رفع اليدين عند الدُّعاء بعد الفريضة”:

«لكن فيه نظر، لأنَّ لفظ “الدُبُر” كما يُطلق على ما يكون مِن جنس المُضاف، كما في قوله تعالى: { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرهُ }، هكذا يُطلَق على ما لا يكون مِن جنس المُضاف، نحو قوله تعالى: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } أي: آخَر الليل عقب غروبها، ومِثل: عتق التدبير.

فهذا اللفظ مشترك بين كلا الإطلاقَين، وعندما لا يَصح حمْل اللفظ المشترك على معنى أو معنيين بدون دليل، فسبيل التحكيم هُنا الرجوع إلى الاستعمال الشرعي.

وبيانه أنَّه جاء في البخاري: (( تُسبِّحون وتحمَدون وتكبِّرون خلْف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين )).

والمُراد بالخلْف هُنا: دُبُر الصلاة، وهو عقب الخروج مِنها، وهذا دليل على أنَّ المراد بالدُبُر خلْف الصلاة، يَعني: عقبها.

ويزيده بيانًا:

حديث أبي داود بلفظ: (( يَعنِي إثر كل صلاة )) أي: بعده.

ويزيده بيانًا:

حديث: (( مَن سبَّح دُبُر صلاة الغداة مائة تسبيحة، وهلَّل مائة تهليلة، غُفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر )).

والمُراد بالدُبُر هُنا: عقب الصلاة بعد الخروج بالتسليم.

ويزيده بيانًا:

حديث أبي ذر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من قال دُبُر الصلاة وهو ثان رجليه قبل أنْ يتكلم: لا إله إلى الله وحدَه لا شريك له )) إلخ، أخرجه الترمذي وقال: “حسن صحيح”.

وهذا نصُّ في مَحل النزاع، لأنَّه لو كان الُمراد بدُبُر الصلاة هُنا قبل السلام لم يَبق لقيد: (( وهو ثان رجليه ))، وقيد: (( قبل أنْ يتكلم )) أيُّ فائدة، فثبَت الدُّعاء بعد الفريضة، وانتهى تخصيص الحافظ ابن القيِّم بقبْل الصلاة».اهـ

ــــ وقال الفقيه محمد علي آدم الإتيوبي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “سُنن النسائي” (15/ 385 ــ رقم:1347):

«وأمَّا تأويل قوله: (( دُبُر الصلاة )) بأنَّه قبل السلام، لأنَّ دُبُر الحيوان مِنه، فغير مُسَلَّم.

لأنَّه صلى الله عليه وسلم علَّمهم الأذكار والدعوات، وأمرَهم أنْ يجعلوها دُبُر كل صلاة، فلا يَصح حمْل بعضها على ما قبل السلام كالدعوات، وبعضها على بعده كالتسبيح وقراء آية الكرسي، إذ لا دليل على التفريق، ولاسيَّما وبعضها فيه التصريح بأنَّه بعد السلام».اهـ

الأمر الخامس:

أنَّ عامَّة أهل العلم مِن فقهاء ومُحدِّثين قد حمَلوا لفظ: (( دُبُر الصَّلاة )) في هذه الأدعية على ما بعد السلام لا ما قبله، بل نُقِل الدُّعاء بعد السلام مِن الصلاة إجماعًا.

ولا رَيب أنَّ فهمَهم وفِقهَهم المؤيَّد بألفاظ أحاديث وآثار أُخْرى أولَى بالقبول والتقديم والعمل.

ويؤكد ذلك عنهم شيئان:

أحدهما: استحباب كثير مِنهم للدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة، واحتجاجهم بهذه الأحاديث أو بعضها عند تقرير هذا الحُكم.

وقد تقدَّمت أقوال بعضهم.

والثاني: تبويبات أئمة الحديث على هذه الأحاديث أو بعضها أو نحوها بالدُّعاء بعد السلام.

كما تقدَّم عن الأئمة البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن خُزيمة، وابن المُنذر، وابن حِبَّان، وغيرهم.

الوقفة الخامسة:

عن الإسرار بالدُّعاء بعد صلاة الفريضة، وأنَّه المشروع المُستحَب، وعكسه ممنوع.

الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة يكون عند عامَّة العلماء أو جميعهم:

سِرًّا لا جهرًا، بين العبد وبين ربِّه، وفي نفسِه.

ويدُل على هذا أمور:

الأمر الأوَّل:

قول الله تعالى في سورة “الإسراء”: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا }.

وقد أخرج البخاري (6327 و 7526)، ومسلم (447)، عن أُمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنّها قالت:

(( نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا } فِي الدُّعاء )).

ــــ وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأُم” (1/ 242)، في تفسير هذه الآية:

«يَعنى ــ والله تعالى أعلَم ــ: الدُّعاء، و “لا تَجهر”: ترفع، و “لا تُخافِت”: حتى لا تُسمِع نفسَك».اهـ

ــــ وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (5/ 238-239):

«وأمَّا الدُّعاء، فالسُّنة إخفاؤه.

وفي “الصحيحين”، عن عائشة في قوله تعالى: (( { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } أنَّها نزلت في الدُّعاء )).

وكذا رُوي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعن سعيد بن جُبير، وعطاء، وعكرمة، وعُروة، ومجاهد، وإبراهيم، وغيرهم.

وقال الإمام أحمد: يَنبغي أنْ يُسِر دعاءه، لهذه الآية، قال: “وكان يُكرَه أنْ يرفعوا أصواتهم بالدُّعاء”.

وقال الحسن: (( رفعُ الصوت بالدُّعاء بدعة )).

وقال سعيد بن المُسيب: (( أحدَث الناس الصوت عند الدُّعاء )).

وكرهه مجاهد، وغيره.

ورَوى وكيع، عن الرَّبيع، عن الحسن، والرَّبيع، عن يزيد بن أبَان، عن أنس: (( أنَّهما كَرِها أنْ يُسمِع الرَّجل جليسه شيئًا مِن دعائه )).

ووَرد فيه رُخصَةٌ مِن وجْهٍ لا يَصح».اهـ

الأمر الثاني:

ما أخرجه البخاري (2992)، واللفظ له، ومسلم (2704)، عن أبي موسى الأشعري ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ» )).

ــــ وقال الفقيه أبو الحسن ابن بطال المالكي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح البخاري” (5/ 152):

«قال الطبري: في هذا الحديث مِن الفقه:

كراهية رفع الصوت بالدُّعاء، وهو قول عامَّة السَّلف مِن الصحابة والتابعين».اهـ

ــــ وقال الفقيه أبو عبد الله العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج ــ رحمه الله ــ في كتابه “المَدخل” (2/ 280):

«وأمَّا الدُّعاء في السِّر فهو جائز أو مندوب بحسب الحال، وعلى هذا درَج السَّلف والخلَف ــ رضي الله عنهم ــ».اهـ

ــــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح مسلم” (17/  29-30 ــ رقم:2704)، عن هذا الحديث:

«فيه النَّدب إلى خفض الصوت بالذِّكر إذا لم تَدْع حاجة إلى رفعه، فإنَّه إذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه».اهـ

ــــ وقال أيضًا في كتابه “المجموع” (3/ 469):

«وهكذا قال أصحابنا: أنَّ الذِّكر والدُّعاء بعد الصلاة يُستحَب أنْ يُسِر بهما إلَّا أنْ يكون إمامًا يريد تعليم الناس، فيَجهر ليتعلموا، فإذا تعلموا وكانوا عالِمين أسرَّه.

واحتج البيهقي، وغيره، في الإسرار: بحديث أبي موسى الأشعري …».اهـ

ــــ وقال الفقيه علي بن سليمان المَرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في “تصحيح الفروع” (1/ 455 ــ مع كتاب “الفروع”):

«وقال المَجْد في “شرحه”:

ويُستحَب للإمام أنْ يُخفِي الدُّعاء عَقِيب الصلاة، لظاهر هذا الخبَر، وذَكَرَه، ولقوله تعالى: { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } وقوله تعالى: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً }، وإنْ جهَر بِه أو ببعضِه أحيانًا لِيُعلِّمه مَن يَسمعه، أو لِقصد صحيح سوى ذلك فحسن».اهـ

وقال الحافظ ابن أبي شيبة في “مُصنَّفه” (29671 و 8461):

حدثنا وكيع، عن مُبارَك، عن الحسن، قال:

(( كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعاء وَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا )).

وإسناده حسن.

وقال ابن أبي شيبة في “مُصنَّفه” (29669 و 8458)، أيضًا:

حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي هاشم ، عن مجاهد:

(( أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الدُّعاء فَرَمَاهُ بِالْحَصَى )).

وإسناده صحيح.

الأمر الثالث:

أنَّ الجهر بالدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة لا يَصح فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أثر عن السَّلف الصالح، وعلى رأسهم الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ.

ــــ حيث قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (5/ 254-255):

«وقد ذَكرنا فيما تقدَّم حديث دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عقب الصلاة جهرًا، وأنَّه لا يَصح، ولم يَصح في ذلك شيءٌ عن السَّلف».اهـ

ــــ وقال أيضًا (5/ 239-240)، عن الجهر بالدعاء:

«ووَرد فيه رُخصَةٌ مِن وجْهٍ لا يصح.

خرَّجه الطبراني مِن رواية أبي موسى: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الصبح يرفع صوته حتى يُسمِع أصحابه، يقول: اللهمَّ أصلِح لي دِيني الذي جعلته عِصمة أمري ــ ثلاث مرات ــ اللهمَّ أصلِح لي دُنياي التي جعلت فيها معاشي ــ ثلاث مرات ــ اللهمَّ أصلِح لي آخِرتي التي جعلت إليها مرجعي ــ ثلاث مراتٍ ــ )) وذَكر دعاء آخَر.

وفي إسناده: يزيد بن عياضٍ، متروك الحديث، وإسحاق بن طلحة، ضعيفٌ.

فأمَّا الحديث الذي خرَّجه مسلم، وغيره، عن البَراء بن عازب، قال:

(( كنا إذا صلَّينا خلْف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبَبنا أنْ نكون عن يمينه ليُقبِل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: «ربِّ قِني عذابك يوم تَبعث عبادك» )).

فهذا ليس فيه: أنَّه كان يَجهر بذلك حتى يَسمعه الناس.

إنَّما فيه: أنَّه كان يقوله بينَه وبين نفسِه، وكان يَسمعه مِنه أحيانًا جليسه، كما كان يُسمَع مِنه مِن خلفِه الآية أحيانًا في صلاة النَّهار».اهـ

ــــ وقال الإمام ابن تيمية الحرَّاني ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مُختصَر الفتاوى المصرية” (ص40)، للبعلي:

«وكذلك التثويب بين الأذان والإقامة لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كرهه أكثر الأئمَّة والسَّلف وعدُّوة بدعة.

وكذلك الجهر بالدُّعاء عقيب الصلوات».اهـ

الوقفة السادسة:

عن حُكم دعاء الإمام لِنفسه وللمأمومين جهرًا بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة، وتأمينهم على دعائه، والمعروف عند الناس “بالدُّعاء الجماعي”.

الدُّعاء الجماعي ــ بأنْ يَدعو الإمام لِنفسه جهرًا ومَن حضَر مِن المُصلِّين معه، وهُم يُؤمِّنون خلفَه على دعائه بعد السلام مِن صلاة الفريضة ــ:

لا يُعرَف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، ولا عن التابعين، ولا عن باقي السِّلف، ولا أئمة المذاهب الأربعة، وتلاميذهم.

والنُّصوص عن السَّلف الصالح والفقهاء الأوائل مُتضافرة في كراهية ذلك، أوعدم مشروعيته، أو أنَّه مِن البدع.

والمَنقول عنهم، والذي دَرجوا عليه، هو:

دعاء كل واحدٍ لِنفسه، سِرًا في نفسِه، بينَه وبين ربِّه.

ــــ حيث قال الإمام ابن جَرير الطبري ــ رحمه الله ــ كما في شرح “صحيح البخاري” (5/ 152)، لابن بطال:

«كراهية رفع الصوت بالدُّعاء هو قول عامَّة السَّلف مِن الصحابة والتابعين».اهـ

ــــ وقال الفقيه أبو عبد الله العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج ــ رحمه الله ــ في كتابه “المَدخل” (2/ 280):

«وأمَّا الدُّعاء في السِّر فهو جائز أو مندوب بحسب الحال، وعلى هذا درَج السَّلف والخلَف ــ رضي الله عنهم ــ».اهـ

ــــ وقال (2/ 263)، أيضًا:

«وكذلك يُستحب لكل واحد مِن المُصلِّين أنْ يدعو لِنفسِه ومَن حضَره مِن إخوانه المسلمين مِن إمام ومأموم.

وليَحذَروا جميعًا:

مِن الجهر بالذِّكر والدُّعاء، وبسط الأيدي عنده، أعنِي: عند الفراغ مِن الصلاة، إنْ كان في جماعة، فإنَّ ذلك مِن البدع، لِمَا تقدَّم ذِكره.

إلَّا أنْ يُريد الإمام بذلك تعليم المأمومين بأنَّ الدُّعاء مشروع بعد الصلاة فيَجهر بذلك».اهـ

ــــ وقال الفقيه شهاب الدِّين القَرافي المصري المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الفروق” (4/ 444 ــ عند الفرْق رقم:274):

«كما كَرِه مالك، وجماعة مِن العلماء ــ رحمهم الله ــ لأئمة المساجد والجماعات:

الدُّعاء عقيب الصلوات المكتوبات جهرًا للحاضرين».اهـ

ــــ وجاء في كتاب “فتح الباري” (5/ 238-239)، لابن رجب، عن الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

«يَنبغي: أنْ يُسِرَّ دعاءَه».اهـ

ــــوجاء فيه عنه أيضًا:

«وكان يُكرَه أنْ يرفعوا أصواتهم بالدُّعاء».اهـ

ــــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع” (3/ 469):

«وهكذا قال أصحابنا: أنَّ الذِّكر والدُّعاء بعد الصلاة يُستحَب أنْ يُسِر بهما».اهـ

ــــ وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (5/ 255):

«ومِن الفقهاء مَن يَستحب للإمام الدُّعاء للمأمومين عقب كل صلاة، وليس في ذلك سُنَّة، ولا أثر يُتبع».اهـ

وأراد ــ رحمه الله ــ بقوله: «ومِن الفقهاء» أي: قِلَّة مِن المُتأخِّرين البَعيدين عن زمَن السَّلف الصالح والفقهاء الأوائل.

ــــ وقال أيضًا (5/ 254-255):

« ذَكرنا فيما تقدَّم حديث دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عقب الصلاة جهرًا، وأنَّه لا يَصح، ولم يَصِح في ذلك شيءٌ عن السَّلف».اهـ

ــــ وقال الإمام ابن تيمية الحرَّاني ــ رحمه الله ــ  كما في “جامع المسائل”(4/ 316 طبعة: دار عالم الفوائد، تمويل: مؤسسة الراجحي):

«ومِنهم: مَن يدعو هوَ والمأمومون رافعين أيديهم وأصواتهم، وهذا أيضًا خلافُ السُّنة».اهـ

ــــ وقال أيضًا (7/ 317):

«دعاء الإمام والمأمومين جميعًا بعد الصلوات الخمس ليس مأمورًا بِه في الكتاب والسُّنة، ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، ولا استحبَّه أحد من الأئمة الأربعة.

لكن لو دعا الإنسان في نفسه عقيب الصلاة جاز ذلك سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو مُنفرِدًا».اهـ

ــــ وقال الفقيه أبو إسحاق الشاطبي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الفتاوى” (ص:127-128):

«إنَّ دعاء الإمام للجماعة في أدبار الصلوات ليس في السُّنة ما يَعضُده، بل فيها ما يُنافيه.

فإنَّ الذي يجب الاقتداء بِه سيِّد المُرسَلين محمد صلى الله عليه وسلم، والذي ثبَت عنه مِن العمل بعد الصلوات:

إمَّا ذِكر مُجرَّد لا دعاء فيه، كقوله: (( اللهمَّ لا مانع لِما لا أعطيت )) وأشباه ذلك.

وإمَّا دعاء يَخُص بِه نفسَه، كقوله: (( اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت )) وأشباهه.

ولم يثبُت أنَّه دعا للجماعة، وما زال كذلك مُدَّة عُمره، ثم الخلفاء الراشدون بعده، ثم السَّلف الصالح».اهـ

ــــ وقال أيضًا في كتابه “الاعتصام” (2/ 452-454):

«لأنَّ حاله ــ عليه السلام ــ في أدبار الصلوات مكتوبات أو نوافل كانت بين أمرين:

إمَّا أنْ يَذكر الله تعالى ذِكرًا هو في العُرف غير دعاء، فليس للجماعة مِنه حظ إلا أنْ يقولوا مِثل قوله أو نحوًا مِن قوله.

كما في غير أدبار الصلوات، كما جاء أنّه كان يقول في دُبُر كل صلاة: (( لا إله إلا الله، وحدَه لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير … )). ونحو ذلك.

فإنِّما كان يقوله في خاصة نفسِه، كسائر الأذكار، فمِن قال مِثل قوله فحسَن، ولا يمكن في هذا كله هيئة اجتماع.

وإنْ كان دعاء، فعامَّة ما جاء مِن دعائه ــ عليه السلام ــ بعد الصلاة مِمَّا سُمِع مِنه إنَّما كان يَخُص بِه نفسَه دون الحاضرين، كما في الترمذي …».اهـ

ثم ذَكر خمسة أدعية كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها بعد سلامه مِن الصلاة.

ــــ وقال بعد ذلك:

«فتأمَّلوا سياق هذا الأدعية كلها مَساق تخصيص نفسِه بها دون الناس».اهـ

ــــ وقال العلامة محمد ناصر الدِّين الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “سلسلة الأحاديث الضعيفة” (6/ 60 ــ رقم:2544):

«وجُملة القول:

إنَّه لم يَثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يرفع يديه بعد الصلاة إذا دعا.

وأمَّا دعاء الإمام وتأمين المُصلِّين عليه بعد الصلاة، كما هو المُعتاد اليوم في كثير مِن البلاد الإسلامية، فبدعة لا أصل لَها، كما شرح ذلك الإمام الشاطبي في “الاعتصام” شرحًا مُفيدًا جدًّا لا أعرف له نظيرًا، فليُراجع مَن شاء البسط والتفصيل».اهـ

ــــ وقال العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “فتاوى نور على الدَّرب” (9/ 179-180)، إجابة على سؤال نصُّه “الإمام يدعو والجماعة يقولون: آمين، فما حُكم ذلك في الشرع؟”:

«لا نعلم له أصلًا في الشرع، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك إذا صلَّى الفجر أو الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، ما كان يَفعل هذا الذي سألت عنه، وهو: “رفع اليدين، والدُّعاء مِن الإمام والمأمومين”.

هذا شيء لا أساس له، ولا يُشرع، بل هو بدعة، إذ لو كان مشروعًا لنَقله الصحابة، وبيَّنوه لَنا عن النبي ــ عليه الصلاة والسلام ــ.

ثم لو كان مشروعًا قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، لفعله الصحابة أيضًا، كالخلفاء الراشدين،وغيرهم مِن الصحابة، ولم يَثبت عنهم فيما نعلم أنَّهم فعلوا ذلك، ولا أنَّهم نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فوجَب تركه.

والإنسان إذا أحَبَّ أنْ يدعو، يدعو بينَه وبين نفسِه، مِن دُون رفع اليدين، ومِن دُون الاجتماع مع الإمام، بل كما جاءت بِه الأحاديث أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم دعا بعد السلام بالذِّكر المعروف عنه ــ عليه الصلاة والسلام ــ.

لكنه لم يَثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه رفع يديه بعد السلام مِن الفريضة، ولا أنَّه دعا وأمَّن معه المأمومون.

والخير في اتِّباعه ــ عليه الصلاة والسلام ــ.

وهذه أمور ظاهرة يَعلمها الناس، ويراها الناس، فلو فعَل شيئًا مِن هذا لنَقله الصحابة وعرفوه ــ رضي الله عنهم وأرضاهم ــ.

فالواجب ترْك ذلك، لأنَّه لم يُنقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، والخير في اتِّباعهم وسُلوك سبيلهم ــ رضي الله عنهم ــ».اهـ

ــــ وقال أيضًا كما في كتاب “مجموع فتاويه” (4/ 360):

«لأنَّه لم يُحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ فيما أعلم:

أنَّهم دعوا بعد الصلوات الخمس أو بعد التراويح دعاء جماعيًّا».اهـ

ــــ وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع فتاوى ورسائل فضيلته” (13/ 258):

«وأمَّا الدُّعاء أدبار الصلوات ورفع اليدين فيه:

فإنْ كان على وجْهٍ جماعي، بحيث يفعله الإمام ويُؤمِّن عليه المأمومون، فهذا بدعة بلا شَك.

وإنْ كان على وجْهِ انفرادي:

فما ورَد بِه النص فهو سُنَّة.

مِثل: الاستغفار ثلاثًا، فإنَّ الاستغفار طلب المغفرة، وهو دعاء.

ومِثل: قول: (( اللهمَّ أعنِّي على ذِكرِك وشُكرِك وحُسن عبادتِك ))، عند مَن يَرى أنَّ ذلك بعد السلام.

ومِثل: قول: “رَبِّ أجرني مِن النَّار سبع مرات” بعد المغرب والفجر.

إلى غير ذلك مِمَّا ورَدت بِه السُّنة».اهـ

ــــ وقال أيضًا (13/ 273-274):

«دعاء الإمام بعد الصلاة بصوت جهوري، وتأمين المأمومين عليه:

مِن البدع المُنكَرة، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفاءه الراشدين، وسائر الأئمة، والمُحقِّقين مِن أتباعهم لم يفعلوها ولم يَروها مشروعة».اهـ

ــــ وقال العلامة محمد علي آدم الإتيوبي ــ رحمه الله ــ في شرح على “سُنن النسائي” (15/385 رقم:1347):

«وأمَّا ما اعتاده الناس في كثير من البلدان:

مِن الدُّعاء الجماعي بعد الصلاة، بأنْ يدعو الإمام أو غيره ويُؤمِّن القوم، فلم يَصح له دليل، ولا هو منقول عن السَّلف.

كما تقدَّم عن الحافظ ابن رجب ــ رحمه الله تعالى ــ.

فالحذَر كل الحذَر مِن إحداث ما لم يكن في عهد السَّلف، فإنَّ ذلك بلا ريب سبب التَّلف».اهـ

الوقفة السابعة:

عن حُكم تخصيص الدُّعاء بعد الفريضة بصلاتين لا تَنفُّل بعدهما، وهُما صلاة العصر وصلاة الفجر.

ــــ قال الفقيه ابن سيِّد الناس اليَعمري الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “النَّفح الشَّذي شرح جامع الترمذي” (4/ 563):

«قد ذَكرنا استحباب الذِّكر والدُّعاء للإمام والمأموم والمُنفرِد.

وهو مُستحَب عقيب الصلوات كلها بلا خلاف، وأمَّا مَن خصَّ ذلك بصلاتي الصُّبح والعصر فلا أصل له».اهـ

ــــ وقال الفقيه المُحدِّث أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع” (3/ 465):

«وأمَّا ما اعتاده الناس أو كثير مِنهم مِن تخصيص دعاء الامام بصلاتي الصبح والعصر:

فلا أصل له.

وإنْ كان قد أشار إليه صاحب “الحاوي”، فقال: “إنْ كانت صلاة لا يُتنفل بعدها كالصبح والعصر، استدَبر القِبلة واستقبَل الناس ودعا، وانْ كانت مِمَّا يُتنفل بعدها كالظهر والمغرب والعشاء، فيَختار أنْ يَتنفل في منزله.

وهذا الذى أشار إليه مِن التخصيص:

لا أصل له، بل الصواب استحبابه في كل الصلوات».اهـ

ــــ وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “زاد المعاد في هَدي خير العباد” (1/ 249):

«وأمَّا تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر: فلم يَفعل ذلك هو صلى الله عليه وسلم، ولا أحد مِن خلفائه، ولا أرشَد إليه أُمَّته، وإنَّما هو استحسان، رَآه مَن رَآه عِوضًا مِن السُّنة بعدهما».اهـ

ــــ وقال الإمام ابن تيمية الحرَّاني ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (22/ 517):

«ومِنهم: مَن يَستحب ذلك عقيب الفجر والعصر، كما ذكر ذلك طائفة مِن أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم.

ولم يكن معهم في ذلك سُنَّة يَحتَجون بها، وإنَّما احتَجوا بكون هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما».اهـ

ــــ وقال الفقيه أبو عبد الله ابن مُفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه كتابه “الفروع” (1/ 454):

«ويدعو الإمام بعد الفجر والعصر لحضور الملائكة فيها، فيُؤمنون على الدُّعاء، والأصح: وغيرهما، جزَم بِه صاحب “المُحرَّر”، وغيره».اهـ

ويُؤكِّد بطلان هذا التخصيص:

ما أخرجه الأئمة أحمد (22119 و 22126)، والبخاري في “الأدب المُفرَد” (690) واللفظ له، وأبو داود (1522)، والنسائي (1303)، وابن خُزيمة (751)، والحاكم (1010 و 5194 )، وابن حِبَّان (2021)، عن معاذ بن جبل ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( أَخَذَ بِيَدِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ، قُلْتُ: وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ، قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهَا فِي دُبُر كُلِّ صَلَاتِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ )).

وفي لفظ أحمد، وأبي داود، وغيرهما:

(( أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ )).

وقد صحَّحه: ابن خُزيمة، وابن حِبَّان، والحاكم، والنَّووي، والذهبي، وابن حجَر العسقلاني، والخطيب الشِّربيني، وابن الطَّيب، والسَّخاوي، وابن باز، والألباني، ومُقبل الوادعي، ومحمد علي آدم الإتيوبي، وغيرهم

وقال المُحدِّث أبو الحسن المؤيد الطُّوسي ــ رحمه الله ــ: «حديث عزيز حسن».اهـ

وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ: «ثبَت».اهـ

وقال المُحدِّث أبو بكر الهيثمي ــ رحمه الله ــ: «رواه أحمد، ورجاله رجال الصَّحيح غير موسى بن طارق، وهو ثقة».اهـ

وقال الفقيه عبد الرحمن ابن قاسم ــ رحمه الله ــ: «سنده جيد».اهـ

ووجْه الاستدلال مِن هذا الحديث:

أنَّ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( تَقُولُهَا فِي دُبُر كُلِّ صَلَاتِكَ )) أو (( لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ )) عام، فتَدخل فيه جميع الصلوات الخمس المكتوبة.

التي يُتنفَّل بعدها كالظهر والمغرب والعشاء، والتي لا يُتنَفل بعدها كالفجر والعصر.

لأنَّ “كل” مِن صِيغ العُموم عند أهل اللغة والفقه والأصول.

الوقفة الثامنة:

عن حُكم رفع اليدين مع الدُّعاء الذي يكون بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة.

وجدت لأهل العلم والفقه مِن المُتأخِّرين ــ رحمهم الله ــ في رفع اليدين عند الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة بالسلام مِنها ثلاثة مسالك:

المَسلَك الأوَّل:

أنَّ اليدين تُرفعان مع هذا الدعاء الفردي السِّري.

وإلى هذا المَسلَك ذهب:

1 ــ الفقيه القسطلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إرشاد الساري شرح صحيح البخاري” (ص:73 ــ مِن كتاب “نُزل الأبرار بالعلم بالمأثور مِن الأدعية والأذكار”).

2 ــ والفقيه الحلواني الحنفي ــ كما في كتاب “مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح” (ص:119-120).

3 ــ والفقيه عبد الله بافضل السعدي الحضرمي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُقدِّمة الحضرمية” (ص:73).

4 ــ والفقيه الشريف صِدِّيق حسن خان القنوجي البخاري ــ رحمه الله ــ في رسالته: “الفاكهة العريضة في جواز رفع اليدين عند الدُّعاء بعد الفريضة” (ص:521-527 ــ مِن كتابه “دليل الطالب على أرجح المطالب”).

وكذلك في كتابه: “نُزل الأبرار بالعلم بالمأثور مِن الأدعية والأذكار” (ص:73).

5 ــ والفقيه أبو العُلا المُبارَكفوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “تُحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي” (2/ 170-174 ــ عند حديث رقم:299).

6 ــ والفقيه محمد هاشم التَّتوي السِّندي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التُّحفة المرغوبة في أفضلية الدُّعاء بعد المكتوبة”.

7 ــ والفقيه محمد بن عبد الرحمن الأهدل الزَّبيدي ــ في كتابه “سُنِّية رفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة”.

واحتجَّ أهل هذا المَسلَك:

بعُموم أحاديث رفع اليدين في الدُّعاء ومُطلقاتِها التي تشمل ما بعد الفريضة، حتى يقوم دليل على إخراجها.

ومِن هذه الأحاديث:

أوَّلًا ــ ما أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه”(1015)، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }  وَقَالَ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }  ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ )).

ثانيًا ــ ما أخرجه الأئمة أحمد (23715)، وأبو داود (1488)، واللفظ له، والترمذي (3556)، وابن ماجه (3865)، وابن حِبَّان (876)، والحاكم (1830 و 1832)، وغيرهم، عن سلمان الفارسي ــ رضي الله عنه ــ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا )).

وقال الإمامان الترمذي والبغوي ــ رحمهما الله ــ عقبه: «حديث حسن غريب».اهـ

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ في كتابه “بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية” (4/ 502):

«رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: “حديث حسن غريب”، قال: ورواه بعضهم ولم يَرفعه، وهذا لا يَضر».اهـ

وقال الحافظ ابن حجَر العسقلاني ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (11/ 143):

«وسنده جيد».اهـ

قال أيضًا في كتابه “الأمالي الحلبية” (3)، عقب حديث جابر:

«هذا حديث غرِيب من هذا الوجْه، والمَتن حسن».اهـ

وقال المُحدِّث المُناوي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التيسير بشرح الجامع الصغير” (1/ 251):

«إسناده جيد».اهـ

وصحَّحه: الحاكم، وابن حِبَّان، والذهبي، والألباني، وابن باز.

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “جامع العلوم والحِكَم” (1/ 270 ــ عند الحديث العاشر):

«ورُوي نحوه مِن حديث أنس، وجابر، وغيرهما».اهـ

ومِن كلام أهل هذا المَسلَك:

ــــ ما قاله الفقيه الشريف صِدِّيق حسن القَنوجي البخاري الهندي ــ رحمه الله ــ في رسالة له طُبعت في كتابه “دليل الطالب على أرجح المطالب” (ص:525-526) بعنوان: “الفاكهة العريضة في جواز رفع اليدين عند الدُّعاء بعد الفريضة”:

«رفع اليدين في الدُّعاء ثابت بكلٍّ مِن قول النبي صلى الله عليه وسلم وفِعله، مُطلَقًا لا مُقيَّدًا بالفريضة لا نفيًا ولا إثباتًا.

فعُموم الأدلة ومُطلَقاتِها تشمل الفريضة حتى يقوم دليل على تخصيصها».اهـ

ــــ وقال أيضًا في كتابه “نُزل الأبرار بالعلم بالمأثور مِن الأدعية والأذكار” (ص:73):

«والحاصل: أنَّ رفع اليدين في الدُّعاء، أيِّ دعاء كان، وفي أيِّ وقت كان، بعد الصلوات الخمس أو غيرها، أدبٌ مِن أحسن الآداب.

دلَّت عليه الأحاديث عُمومًا وخُصوصًا، ولا يَضر ثبوت هذا الأدب عدم رواية الرِّفع في الدُّعاء بعد الصلاة، لأنَّه كان معلومًا لِجميعهم، فلم يَعتنوا بذكره في هذا الحين».اهـ

ومِن باب الزيادة:

جاء في كتاب “البيان والتحصيل” (17/ 132)، لأبي الوليد محمد ابن رُشد القرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ:

«في رفع اليدين في الدُّعاء.

قال مالك: (( رأَيت عامر بن عبد الله بن الزُّبير يرفع يديه وهو جالس بعد الصلاة يدعو )).

فقيل له: أَتَرى بذلك بأسًا؟ قال: لا أرَى بذلك بأسًا.

قال القاضي:

إجازَة مالك في هذه الرِّواية لِرفع اليدين في الدُّعاء عند خاتمة الصلاة، نحو قوله في “المُدونة”، لأنه أَجاز فيها رفع اليدين في الدُّعاء، في مواضع الدُّعاء، كالاستسقاء، وعرفة، والمشعر الحرام، لأنَّ خاتمة الصلاة موضع للدعاء.

واختلَف قوله في “المُدونة” في المقامين عند الجمرتين، فرآه في كتاب “الصلاة” مِن مواضع الدُّعاء ترفع الأيدي فيهما، ولم يَره في كتاب “الحج الأوَّل” مِن مواضع الدُّعاء التي تُرفع الأيدي فيها.

وسُئل: في رسْم يتخذ الخِرقة لِفرْجه مِن سماع ابن القاسم مِن كتاب “الصلاة” عن رفع اليدين في الدُّعاء؟. فقال: ما يُعجِبني.

فظاهره خلاف لِما في هذه الرواية، ولِما في “المُدونة”.

وقد يحتمل أنْ يتأول ذلك على أنَّه إنَّما أراد الدُّعاء في غير مواضع الدُّعاء، ولذلك قال: “إِنَّه لا يُعجبه رفع اليدين في ذلك”».اهـ

المَسلك الثاني:

أنَّ اليدين لا تُرفعان مع هذا الدعاء الفردي السِّري.

وإلى هذا المَسلَك ذهب:

1 ــ الإمام ابن تيمية الحرَّاني ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “جامع المسائل” (4/ 316 ــ طبعة: دار عالم الفوائد، تمويل: مؤسسة الراجحي).

2 ــ والإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ كما في كتاب: “نُزل الأبرار بالعلم بالمأثور من الأدعية والأذكار” (ص:73).

3 ــ والفقيه عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب الحنبلي ــ رحمه الله ــ.

4 ــ والفقيه عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن الحنبلي ــ رحمه الله ــ.

5 ــ والفقيه سليمان بن سحمان الحنبلي ــ رحمه الله ــ .

6 ــ والفقيه صالح بن محمد الشّثْري الحنبلي ــ رحمه الله ــ .

7 ــ والفقيه عبد الله بن عبد الرحمن البابطين الحنبلي ــ رحمه الله ــ.

كما نُقِل عنهم جميعًا في كتاب “الدُّرر السَّنية في الأجوبة النَّجدية” (4/ 315-317).

8 ــ والفقيه المُحدِّث عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “فتاوى نور على الدَّرب” (9/ 179-178 و 196 و 207 ــ قسم فتاويه).

9 ــ والفقيه المُحدِّث محمد ناصر الدِّين الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “سلسلة الأحاديث الضعيفة” (6/ 60 ــ عند حديث رقم:2544).

10 ــ والفقيه محمد بن صالح بن عثيمين ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مجموع فتاوى ورسائل فضيلته” (13/ 281).

11 ــ والفقيه صالح بن فوزان الفوزان ــ سلَّمه الله ــ في كتابه “المُلخَّص الفقهي” (1/ 159).

12 ــ والمُحدِّث ربيع بن هادي المَدخلي ــ سلَّمه الله ــ كما في كتاب “مجموع كتبه ورسائله وفتاويه” (15/ 486).

13 ــ والقاضي بَكر بن عبد الله أبو زيد ــ رحمه الله ــ في كتابه “تصحيح الدُّعاء” (ص:437 و 438).

14 ــ والمُحدِّث عبد المحسن بن حمد العَبَّاد ــ سلَّمه الله ــ كما في شرحه على “سُنن أبي داود”.

ووجْه هذا المَسلَك:

أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يُنقل عنه أنَّه رفع يديه في هذا المَوضِع، ولو رُفِع لنُقل، واشتهر العمل بِه في القُرْن الأوَّل، وتناقله الناس عن أهله.

لأنَّه مِمَّا تَتداعَى الهِمَم لِنقلِه، حيث يُفعل أمام المُصلِّين كل يوم خمس مرَّات، والمُصَلُّون خلَف النبي صلى الله عليه وسلم وخلَف أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ كُثر جدًّا.

وهذا استدلال قوي، ووجيه وظاهر.

ومِن كلام أهل هذا المَسلَك:

أوَّلًا ــ قال العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “فتاوى نور على الدَّرب” (9/ 141 ــ قسم فتاويه):

«لأنَّ النبي ما كان يَفعل ذلك ــ عليه الصلاة والسلام ــ، لم يُحفظ عنه أنَّه بعد الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر رفع يديه بالدُّعاء، فلا يَنبغي رفعهما، لأنَّ علينا أنْ نتأسَّى بِه صلى الله عليه وسلم في الفِعل والترْك».اهـ

ــــ وقال أيضًا (9/ 180):

«لكنَّه لم يَثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه رفع يديه بعد السلام مِن الفريضة، ولا أنَّه دعا وأمَّن معه المأمومون، والخير في اتِّباعه ــ عليه الصلاة والسلام ــ.

وهذه أمور ظاهرة يَعلمها الناس، ويراها الناس، فلو فعَل شيئَا مِن هذا لنَقله الصحابة وعرفوه ــ رضي الله عنهم وأرضاهم ــ.

فالواجب ترْك ذلك، لأنَّه لم يُنقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، والخير في اتِّباعهم وسُلوك سبيلهم ــ رضي الله عنهم ــ».اهـ

ــــ وقال أيضًا (9/ 207):

«ولو كان هذا واقعًا لنَقله الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، فإنَّهم نقلوا كل شيء، فهُم أُمَناء».اهـ

ــــ وقال أيضًا كما في “مجموع فتاويه” (9/ 239):

«هكذا الدُّعاء بعد الفرائض الخمس الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ما كان صلى الله عليه وسلم يَرفع يديه بعد شيء مِنها.

فالسُّنة في مِثل هذا ألَّا تُرفع الأيدي، بل الرفع في هذا بدعة، لأنَّه لم يَثبت عنه ــ عليه الصلاة والسلام ــ، ولا عن أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ.

ومعلومٌ أنَّه صلى الله عليه وسلم لا خير إلا دَلَّ الأُمَّة عليه، ولا شَر إلَّا حذَّرها مِنه».اهـ

ثانيًا ــ قال العلامة محمد ناصر الدِّين الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “سلسلة الأحاديث الضعيفة ” (6/ 60 ــ رقم:2544):

«وجُملة القول: إنَّه لم يَثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يرفع يديه بعد الصلاة إذا دعا».اهـ

المَسلَك الثالث:

عدم الإنكار على مَن رفع يديه مع هذا الدعاء ناهيك عن التبديع لَه.

وهو قول وجيه، وله استدلال.

ــــ حيث قال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن البابطين الحنبلي ــ رحمه الله ــ  كما في كتاب “الدُّرر السَّنية في الأجوبة النَّجدية” (4/ 315 ):

«الدُّعاء بعد الفرائض، إنْ فعلَه إنسان بينَه وبين الله فحسَن.

وأمَّا رفع الأيدي في هذه الحال فلم يَرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخير الهَدي هديه صلى الله عليه وسلم.

ومِثل هذا ما أرَى الإنكار على فاعله، ولو رفع يديه».اهـ

ــــ وقال العلامة ربيع بن هادي عُمير المَدْخَلي ــ سلَّمه الله ــ كما في كتاب “مجموع كتبه ورسائله وفتاويه” (15/ 486) إجابة على هذا السؤال “هل مَن يَرفع يديه بعد الصلاة يُحكَم عليه بالبدعة؟”:

«لا نستطيع أنْ نعُد ذلك مِن البدع، رفع اليدين بعد الفراغ مِن الصلاة المكتوبة بالدُّعاء لا نستطيع أنْ نَحكُم على صاحبه بالبدعة.

لأنَّه عندَه عُمومات، بل عندَه بعض الأحاديث، والغالب في الدُّعاء رفع اليدين، رفع اليدين بالدُّعاء ثابت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فإذا رفع الإنسان يديه، يَعني: نُعلِّمه أوَّلًا فقط أنَّك رفعت يديك بالدُّعاء إثر المكتوبة، لأنَّ ذلك لم يَثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يَقبل فما نستطيع أنْ نَحكُم عليه بالبدعة.

لأنَّه كما قلنا هناك أدلة، يَعني: ورَدت في كثير مِن المواطن، بل وصلَت إلى حدِّ التواتر يَرفع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه حينما يدعو».اهـ

الوقفة التاسعة:

عن الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة، هل هو خاص بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع، أو يدعو المُصلِّي بالمأثور وبما تيسِّر له وشاء.

الذي وجدته في كلام أكثر مَن وقفت على كلامهم مِن أهل العلم ــ رحمهم الله ــ:

أنَّ إقامة هذه السُّنة تحصل بمُجرَّد الدُّعاء، سواء كان بالوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المَوضِع، أو بعُموم أدعيته، أو بأيِّ دعاء جائز، إلَّا أنَّ الدُّعاء بالوارد عندهم مُتأكد، وسُنَّة في ذاته.

ويُقوي هذا الأمر:

اختلاف الأدعية المنقولة الثابتة في هذا المَوضِع عن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ.

إذ نُقِل عنهم غير ما نُقِل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونُقِل عن عمر بن الخطاب نوع، وعن علي بن أبي طالب نوع، وعن أبي موسى الأشعري نوع.

وقد تقدَّم ذِكر ألفاظها ومَن خرَّجها ودرجتها.

ومن كلام العلماء ــ رحمهم الله ــ في تأكيد هذا القول أو تقريره:

أوَّلًا: قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأُم” (1/ 243):

«وأستَحِب للمُصلِّى مُنفرِدًا وللمأموم: أنْ يُطيل الذِّكر بعد الصلاة، ويُكثر الدُّعاء رجاء الإجابة بعد المكتوبة».اهـ

والشاهد مِن كلامه هو قوله:

«ويكثر الدُّعاء رجاء الإجابة».اهـ

والوارد الصَّحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع يسير وليس بكثير.

ثانيًا: قال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (2/ 251):

«فصل: ويُستحَب ذِكر الله تعالى، والدُّعاء عقيب صلاته، ويُستحَب مِن ذلك ما ورَد بِه الأثر».اهـ

وفي كلامه هذا:

استحباب الدُّعاء عقيب الصلاة، إلا أنَّ المُستحب مِن هذه الأدعية هو الوارد.

ثالثًا: قال الفقيه أبو عبد الله العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج ــ رحمه الله ــ في كتابه “المَدخل” (2/ 263):

«وكذلك يُستحب لكل واحد مِن المُصلِّين أنْ يدعو لِنفسِه ومَن حضَره مِن إخوانه المسلمين مِن إمام ومأموم».اهـ

فنصَّ ــ رحمه الله ــ على دعاء المُصلِّي لِغيره، مع أنَّ سائر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب دعاء لِنفسه دُون غيره.

رابعًا: جاء في كتاب “مراقي الفلاح شرح مَتن نور الإيضاح” (ص:119-120)، من كتب الحنفية:

«فصل: في الأذكار الواردة بعد الفرض: ….

ثم يدعون لأنفسهم وللمسلمين».اهـ

خامسًا: جاء في كتاب “إعانة الطالبين على حَل ألفاظ فتح المُعين” (1/ 215)، من كتب الشافعية:

«ثم يدعو بعد ذلك بالجوامع الكوامل، وهي:

“اللهمَّ إنِّي أسألك مُوجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة مِن كل إثم، والغنيمة من كل بِر، والفوز بالجنَّة والنجاة مِن النَّار”.

“اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الهَم والحُزن، وأعوذ بك من العْجز والكسَل، وأعوذ بك مِن الجُبن والبُخل والفشَل، ومِن غلَبَة الدَّين وقهْر الرجال”.

“اللهمَّ إنِّي أعوذ بك مِن جَهد البلاء، ودرَك الشقاء، وسُوء القضاء، وشماتة الأعداء”.

“اللهمَّ إنِّي أسألك العافية في الدُّنيا والآخِرة”.

اللهمَّ …. ».اهـ

سادسًا: قال الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي النَّجدي الحنبلي ــ رحمه الله ــ  في كتابه “آداب المشي إلى الصلاة” (ص:11-12):

«ويُسن ذِكر الله، والدُّعاء والاستغفار عقب الصلاة، فيقول: “أستغفر الله” ثلاثًا، ثمَّ يقول: …

ثم يُسبِّح ويَحمد ويُكبِّر كل واحدة ثلاثًا وثلاثين، ويقول: …

والإسرار بالدُّعاء أفضل، وكذا بالدُّعاء المأثور، ويكون بتأدب وخشوع وحضور قلب ورغبة ورَهبة.

ويَتوسَّل بالأسماء والصفات والتوحيد، ويَتحرَّى أوقات الإجابة، وهي:

ثلث الليل الآخِر، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلاة المكتوبة، وآخِر ساعة يوم الجمعة.

وينتظر الإجابة ولا يَعجل فيقول: “قد دعوت ودعوت فلم يُستجب لي”.

ولا يُكرَّه أنْ يَخُص نفسَه إلا في دُعاء يؤمَّن عليه.

ويُكرَه رفع الصوت».اهـ

سابعًا: قال الفقيه عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (1/ 245-246):

«ويًستحب للعبد إذا فرَغ مِن صلاته واستغفر الله وذَكرَه وهلَّله وسبَّحه وحمِده وكبَّره بالأذكار المشروعة عقب الصلاة مِمَّا تقدَّم، وغيره:

أنْ يُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو بما شاء، فإنَّ الدُّعاء عقب هذه العبادة مستجاب».اهـ

وقوله: “ويدعو بما شاء”.

ظاهر في جواز الدُّعاء بغير المأثور، وحصول السُّنة بِه.

ثامنًا: قال العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “فتاوى نور على الدَّرب” (9/ 160 ــ قسم فتاويه):

«ويأتي بالأذكار الشرعية، ويدعو لِمَا أحَبَّ، بينَه وبين نفسِه، مِن دُون رفع يدين، هذا هو السُّنة».اهـ

ــــ وقال أيضًا (9/ 196):

«ولكن يدعو الإنسان في نفسه بعد الذِّكر بما يَسر الله».اهـ

تاسعًا: قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان ــ سلَّمه الله ــ كما في كتاب “المُنتقى مِن فتاوى الفوزان” (2/ 680):

«الدُّعاء بعد الصلاة لا بأس بِه، لكن كل مسلم يدعو بمُفردِه، يدعو لِنفسه ولإخوانه المسلمين، ويدعو بمصالح دِينه ودُنياه، يدعو مُنفرِدًا، لا يكون الدُّعاء جماعيًّا».اهـ

ــــ وقال أيضًا في كتابه “المُلخَّص الفقهي” (1/ 159):

«ثم بعد الفراغ مِن هذه الأذكار يدعو سِرَّا بما شاء، فإنَّ الدُّعاء عقب هذه العبادة وهذه الأذكار العظيمة أحْرَى بالإجابة».اهـ

الوقفة العاشرة:

عن ترتيب الدُّعاء بعد صلاة الفريضة هل هو قبْل الذِّكر أو بعدَه أو معه وفي أثنائه.

مَن نظر في بعض كتب فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة:

سَيجد أنَّهم يُقدِّمون لفظ الذِّكر على لفظ الدُّعاء.

فيقولون مثلًا:

ويُستحب الذِّكر والدُّعاء بعد السلام مِن الصلاة.

ومِن صريح كلام بعضهم في تقديم الذِّكر على الدُّعاء ما سيأتي:

أوَّلًا ــ جاء في كتاب “مراقي الفلاح شرح مَتن نور الإيضاح” (ص:119-120)، مِن كتب الحنفية:

«ويُستحب للإمام بعد سلامه: أنْ يتحوَّل إلى يساره للتطوع بعد الفرض، وأنْ يَستقبل بعده الناس، ويستغفرون الله ثلاثًا، ويقرؤون آية الكرسي والمُعوذات، ويُسبِّحون الله ثلاثًا وثلاثين ويَحمدونه كذلك ويُكبِّرونه كذلك، ثم يقولون: “لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”.

ثمَّ يدعون لأنفسهم وللمسلمين».اهـ

ثانيًا ــ جاء في كتابي “تُحفة المُحتاج في شرح المِنهاج” (2/ 104) و “حاشية الجمل” (1/ 402)، مِن كتب الشافعية:

«قال البكري في “الكنز”:

ويَندب عقب السلام مِن الصلاة أنْ يَبدأ بالاستغفار ثلاثًا، ثم قوله: “اللهمَّ أنت السلام”، ثم يقول: “اللهمَّ لا مانع” إلخ، ويَختم بعد ذلك بما ورَد ِمن التسبيح والتحميد والتكبير المُشار إليه، ثم يدعو.

فُهِم ذلك كله مِن الأحاديث الواردة في ذلك».اهـ

ثالثًا ــ قال الفقيه عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (1/ 245-246):

«ويُستحب للعبد إذا فرَغ مِن صلاته واستغفر الله وذَكرَه وهلَّله وسبَّحه وحمِده وكبَّره بالأذكار المشروعة عقب الصلاة مِمَّا تقدَّم، وغيره:

أنْ يُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو بما شاء».اهـ

رابعًا ــ قال العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ــ رحمه الله ــ كما في “فتاوى نور على الدَّرب” (9/ 166-167 ــ قسم فتاويه):

«الدُّعاء بعد الصلاة لا يُكرَه، بل مُستحب، كونه يدعو بينَه وبين ربِّه في آخِر الصلاة بعد الذِّكر».اهـ

ــــ وقال أيضًا (9/ 185):

«إذ أتيت بالأذكار تدعو بعد السلام أيضًا، بينَك وبين نفسِك، بينَك وبين ربِّك، بعد الذِّكر».اهـ

خامسًا ــ قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان ــ سلَّمه الله ــ في كتابه “المُلخَّص الفقهي” (1/ 159):

«ثم بعد الفراغ مِن هذه الأذكار يدعو سِرًّا بما شاء، فإنَّ الدُّعاء عقب هذه العبادة وهذه الأذكار العظيمة أحْرَى بالإجابة».اهـ

سادسًا ــ قال العلامة أحمد بن يحيى النَّجمي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الرَّب الودود في الفتاوى والرسائل والرُّدود” (3/ 262-263):

«الدُّعاء بعد الصلوات المكتوبة مُباشرة هذا خلاف السُّنة، بل السُّنة عمل الذِّكر بعد السلام مِن الصلاة، وأذكُر مِمَّن نصَّ على كراهته النووي ــ رحمه الله ــ في “شرح مسلم”.

وينبغي للإنسان أنْ يَبدأ بالذكر الوارد، وهو الاستغفار بعد السلام، ثم قول….، إذا فعَل ذلك، بعد ذلك إذا أراد أنْ يدعو فلا بأس».اهـ

سابعًا ــ قال القاضي بكر بن عبد الله أبو زيد ــ رحمه الله ــ في كتابه “تصحيح الدُّعاء(ص:430):

«ثم بعد الذِّكر يَشرع في الأدعية».اهـ

قلت:

وقد يُقال: إنَّ الأمر في هذا واسع، ولا تشديد فيه.

لأنَّ مَن نظر إلى الأحاديث الثابتة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة وجدَها على ضربين:

الضِّرب الأوَّل:

نصوص ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم فيها تقديم بعض الأدعية على بعض الأذكار.

ومِن هذه النصوص:

أوَّلًا: ما أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه”، عن ثوبان ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًاً، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ» )).

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مجموع فتاوى ورسائل فضيلته” (13/ 266-267):

«وأمَّا الدُّعاء أدبار الصلوات المكتوبة، ففيه: الاستغفار.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرَف مِن صلاته استغفر الله ثلاثًا.

والاستغفار: طلب المَغفرة، وهو دعاء، لكن ظاهر السُّنة فيه عدْم الرفع».اهـ

ثانيًا: ما أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه”، عن البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ أَوْ تَجْمَعُ  عِبَادَكَ» )).

وهذا يُشعر بأنَّ البَراء ــ رضي الله عنه ــ قد سمع هذا الدُّعاء مِن النبي صلى الله عليه وسلم حين أقبل عليهم بوجهه.

فيكون بهذا قد وقع مِنه صلى الله عليه وسلم قبل التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير والقراءة.

وقد أخرج الإمام مسلم  في “صحيحه” (592)، عن أُمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنّها قالت في وقت إقباله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه:

(( كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلاَّ مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ» )).

الضِّرب الثاني:

نصوص ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ليس فيها تحديد.

ومِن هذه النصوص:

أوَّلًا ــ ما أخرجه الإمام أحمد، والبخاري في “الدب المُفرَد”، واللفظ له، وغيرهما، عن مُعاذ بن جبل ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:

(( أَخَذَ بِيَدِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ، قُلْتُ: وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ، قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهَا فِي دُبُر كُلِّ صَلَاتِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: قُلِ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» )).

وقد تقدَّم ذِكر مَن صحَّحه.

ثانيًا ــ ما أخرجه الإمام أحمد، وغيره، عن مُسلم بن أبي بَكرة أنَّه قال:

(( كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُر الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ».

فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ، فَقَالَ أَبِي: أَيْ بُنَيَّ، عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ عَنْكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُر الصَّلَاةِ )).

وقد تقدَّم ذِكر مَن صحَّحه.

ثالثًا ــ ما أخرجه الإمام البخاري في “صحيحه”، عن سعد بن أبي وقاص ــ رضي الله عنه ــ قال:

(( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبُر الصَّلاَةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» )).

رابعًا ــ ما أخرجه الإمامان مسلم في “صحيحه” (771-202) وأبو داود (760) في “سُننه” واللفظ له، وغيرهما، عن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال في شأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم:

(( وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ )).

وفي الختام، أقول:

هذا ما وجدته وجمعته حول هذه المسألة.

فما كان فيه مِن صواب فمِن فضل وتوفيق الواحد المَنَّان، وما كان في مِن زلَل أو تقصير فمِّني ومِن الشيطان، وليس الله ــ عزَّ وجلَّ ــ ورسوله صلى الله عليه وسلم ودِينُه في شيء مِنه.

والله ــ جلَّ وعلا ــ المسؤول:

أنْ يجعله خالصًا لوجهه، مُدنِيًا مِن رضاه، وأنْ ينفع بِه كاتبه وقارئه ومُفقِّه الناس بِه، إنُّه سميع الدُّعاء، وأهل الرَّجاء، وواسع الفضل والعطاء، وهو سبحانه حسبُنا ونِعم الوكيل.

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.

تنبيه:

كانت كتابة هذه الرسالة قبل نحو (15) سَنَة، وطًبعت عام (1435 هــ).

وانتهيت مِن مُراجعتها مُجدَّدًا في صبيحة يوم الجمعة (26/ 12 / 1444 هــ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفهارس

المُقدِّمة:

[ ص:1 ]

الوقفة الأولى: عن اتفاق العلماء المَنقول على استحباب الدُّعاء عقب الانتهاء مِن صلاة الفريضة.

[ ص:1 ــ 3 ]

الوقفة الثانية: عن النُّقول الواردة عن بعض الأئمة والعلماء ــ رحمهم الله ــ في استحباب الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة، أو فعلِهم له، أو إشارتهم إلى مشروعيته.

[ ص:3 ــ 22 ]

الوقفة الثالثة:  عن أدلَّة استحباب الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة.

[ ص:22 ــ 33 ]

الوقفة الرابعة: عن الإجابة عن قول بعض مَن ذهب مِن العلماء المُتأخِّرين إلى أنَّ مَحَلَّ الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم هو بعد التشهد وقبل السلام مِن صلاة الفريضة وليس بعدَه.

[ ص:33 ــ 43 ]

الوقفة الخامسة: عن الإسرار بالدُّعاء بعد صلاة الفريضة، وأنَّه المشروع المُستحَب، وعكسه ممنوع.

[ ص:43 ــ 47 ]

الوقفة السادسة: عن حُكم دعاء الإمام لِنفسه وللمأمومين جهرًا بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة، وتأمينهم على دعائه، والمعروف عند الناس “بالدُّعاء الجماعي”.

[ ص:47 ــ 54 ]

الوقفة السابعة: عن حُكم تخصيص الدُّعاء بعد الفريضة بصلاتين لا تَنفُّل بعدهما، وهُما صلاة العصر وصلاة الفجر.

[ ص:54 ــ 57 ]

الوقفة الثامنة: عن حُكم رفع اليدين مع الدُّعاء الذي يكون بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة.

[ ص:57 ــ 65 ]

الوقفة التاسعة: عن الدُّعاء بعد الانتهاء مِن صلاة الفريضة، هل هو خاص بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع، أو يدعو المُصلِّي بالمأثور وبما تيسِّر له وشاء.

[ ص:65 ــ 69 ]

الوقفة العاشرة: عن ترتيب الدُّعاء بعد صلاة الفريضة هل هو قبْل الذِّكر أو بعدَه أو معه وفي أثنائه.

[ ص:69 ــ 37 ]

الفهارس:

[ ص:74 ــ 76 ]