إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > خطبة مكتوبة بعنوان: ” إنَّ السَّعيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفتن “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” إنَّ السَّعيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفتن “.

  • 16 ديسمبر 2014
  • 5٬620
  • إدارة الموقع

إنَّ السَّعيد لَمَن جُنِّب الفتن

الخطبة الأولى:ــــــــــــــ

الحمدُ لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون، وبعدله ضلَّ الضَّالون، لا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الصادق المأمون، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين هُم بهديه مستمسكون، وسلِّم تسليمًا مزيدًا إلى يوم الدين.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

اتقوا الله حقَّ تقاته، وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته، ولا تغرنَّكم الحياة الدنيا بما فيها مِن زهرة العيش ولذّاته، فإنَّها دار امتحان وبلاء، ومنزِل تَرْحة وعناء، نَزَعَتْ عنها نفوس السُّعداء, وانتُزِعت بالكُره مِن أيدي الأشقياء، وحال بينهم وبين ما أمّلوه القدر والقضاء، فقد قَرُب الرَّحيل، وذُهِبَ بساعات العُمُر وأوقاته: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.

أيها الناس:

إنَّ العالم الإسلامي اليوم تجتاح كثير مِن بلدانه أمواج عاتية مِن الفتن، فتن تحرق الدِّين، وتحرق العقل، وتحرق البدن، فتن اجتالت الأنفس والثمرات، وأذهبت الأموال والممتلكات، وأحرقت المدن والأرياف، فتن أفزعت الرجال والنساء، الصغار والكبار، والفتن إذا حلَّت بأرض قوم لا تُصيب الظالم وحدَه، بل يَصلى بنارها الجميع، ويلحق ضررُها الصغيرَ والكبير والصغير، والذَّكر والأنثى، ، وقد قال الله ــ جلَّ وعزَّ ــ مُلفِتًا أنظارنا لذلك ومُحذِّرًا: { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً }.

وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال لأصحابه: (( تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، فقَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ )).

ويا لله كم جرَّت الفتن على المسلمين مِن شرور عظيمة، وفساد عريض، فكم مِن نفس سُفك دمها؟ وكم مِن أُسْرة رُمِّلت ويُتِّمت وشُرِّدت؟ وكم مِن جسد أُصِيب وجُرِح؟ وكم مِن متجر سُرق ونُهب؟ وكم مِن مركبة أُتْلِفت؟ وكم مِن طريق قُطِع وأُغْلِق؟ وكم مِن مصانع أو أنابيب أو محطات وقود أو كهرباء أو نفط أو غاز قد فُجِّرت أو أُحْرِقت؟ وكم مِن امرأة أو صغير أو مُسِنٍّ أو شاب خُوِّف وأُهِين؟ وكم مِن مريض أُعِيق عن الخروج لعلاجه ودوائه؟ وكم مِن صلاة ضُيِّعت؟ وكم مِن عابر سبيل أُرْعِب ونُهب؟ وكم مِن مدرسة أُقْفِلت؟ وكم مِن بيت لم يَخرج وليه لكسب الرزق لساكنيه؟ وكم وقعت مِن خسائر في اقتصاد البلد؟ وكم أُضْعِف مِن الأمن ورجالاته؟ وكم حصل مِن التَّفرُق والتناحر بين أهل البلد الواحد، وكم مِن الفوضى العارمة انتشرت، وكم أفلَت مِن مُجرم مِن السِّجن والعقوبة؟ وكم تجرأ مِن قاطع طريق وسارق ومغتصب؟.

أيها الناس:

إنَّ مِن علامات قُرب القيامة الظاهرة، وأشراط الساعة الأكيدة، كَثْرة الفتن بين المسلمين، ونًشوب القتل والاقتتال بينهم، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ )).

وهذا ما نُعايش بعضه اليوم، ونُشاهده صباح مساء، حتى صار حديثنا في كل وقت، وعند كل مجلس ولقاء، بل وصل الحال إلى ما هو أشدّ، وصل الحال إلى أنْ يخوض المسلم بنفسه في الفتن، ويولجها باب القتل والاقتتال، بل قد لا يَدري لِمَا جُرَّ لهذه المعارك، وكيف انزَجَّ في غمارها، ولا يَعرف لأيِّ شيء يَقتُل مَن هو مُسلم مثله، ولماذا يُهرِق دم مَن يُصلِّي ويُزكِّي ويصوم ويحُج ويقرأ القرآن ويَذْكر الله مثله، ولقد صحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَل،َ وَلاَ يَدْرِى الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ )).

ماذا يَحسب هؤلاء القوم دماء المسلمين، أيحسبونها هيِّنة عند الله خالقها؟ لا والله ليست كذلك، بل هي عظيمة عنده، حتى إنَّه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في شأنها: (( لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ )).

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم قال: (( لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا )).

بل إنَّ الله قد جمع لقاتل النفس المؤمنة عمدًا وقصدًا خمس عقوبات غليظة، فقال سبحانه: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }.

فمَن يقوى على تَحَمُّل هذه العقوبة الشديدة فيغامر بنفسه لأجل الدنيا أو الحِزب أو الجماعة أو القبيلة أو المَنْصِب؟

وإنَّ الملائكة ــ عليهم السلام ــ ليلعنون مَن يُشير إلى أخيه المسلم بسلاح ويُشهره في وجهه، فكيف بما هو أشدّ، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ )).

أيها الناس:

إنَّ مِن الأمور المخالفة للدِّين والشريعة أزمنة الفتن، ما يقع مِن بعض مَن يَنتسب إلى العلم والدعوة أو مَن يِعرِف السياسة والاقتصاد أو مَن يُلِمّ بالتأريخ والوقائع، عبر الخطب، أو الندوات، أو الإذاعات، أو الفضائيات، أو الصُّحف، أو المجلات، أو مواقع الإنترنت، والوتس آب وتويتر والفيس بوك، وغيرها: مِن الكلام الذي يَزيد في استمرار الفتن، ويُبقِي الخوف والاضطرابات، ويُعَزِّز التدمير والإفساد، أفلا يعلم فاعل ذلك أنَّه وإنْ لم يُشارك بسلاح فهو مشارك في وِزر كل دَمٍ أُرِيق أو فقر زاد أو خوف توسَّع أو مالٍ أُتْلْف بسب كلامه أو مقاله، ألا يعلم أنَّ الواجب أزمنة الفتن هو السَّعيُّ في إخمادها وإطفائها، والعملُ على وقف نَزيف الدماء والأموال والانقسام، والدعوةُ إلى رجوع الناس إلى تحكيم القرآن والسُّنَّة فيما يجري بينهم وبين حاكمهم، ألا يعلم هذا أنَّ العلماء متفقون لا اختلاف بينهم على: أنَّ السُّنَّة الواجبة أزمنة الفتن وأوقات القتل والاقتتال هي كَفُّ اليد واللسان إلا مِن خير.

حيث قال الإمام حرْبٌ الكِرماني ــ رحمه الله ــ: “هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السُّنَّة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المُقتدَى بهم فيها مِن لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وأدركت مَن أدركت مِن علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمَن خالف شيئًا مِن هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج مِن الجماعة، زائل عن منهج السُّنَّة، وسبيل الحق، فكان قولهم: الإمساك في الفتنة سُنَّة ماضية واجب لزومها، ولا تُعِن على الفتن بيد، ولا لسان، ولكن اكفف يدك، ولسانك، وهواك، والله المعين”.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ: استقرَّ أمْر أهل السُّنَّة على ترْك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَور الأئمة، وترْك قتالهم.اهـ

بل إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر المسلم عند نُشوب فتن القتل والاقتتال بين المسلمين أنْ يَكْسِر ما في يده مِن سلاح، ويلزم جوف بيته حتى تَضعُف أو تَنقطع أسباب دخوله ومشاركته في القتل والاقتتال، وأكدَّ عليه أنْ يكون كالخيِّر مِن ابني آدم حيث صبر على قتل أخيه له، ولم يُقاتله، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( اكْسِرُوا قُسِيَّكُمْ، ــ يَعْنِي: فِي الْفِتْنَةِ ــ وَاقْطَعُوا الْأَوْتَارَ، وَالْزَمُوا أَجْوَافَ الْبُيُوتِ, وَكُونُوا فِيهَا كَالْخَيِّرِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ )).

أيُّها الناس:

إنْ كنا نُريد أزمنة الفتن السعادة والسلامة لديننا ودنيانا فلنَكُفَّ أيدينا وألسنتنا ومقالاتنا عن الخوض في الفتن أو المشاركة، ونجتنبَ أماكنها وساحاتها، ونُقفلَ أسماعنا عن دعاتها وقنواتها وإذاعاتها التي تزيد في إشعالها، وتُطيل أمدها، وتُقوِّي أمرها، لِمَا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِىَ فَصَبَرَ فَوَاهًا )).

وحُقَّ له أنْ يكون سعيدًا، ومِن السعداء، فقلبه لم تتشرَّبْه الفتن، ولم يَنتفخ بشبهاتها، ولم يَتقلَّب بتقلُّباتها وتقلُّبات أهلها ودعاتها، ويداه لم تتلطَّخ بدمائها وسرقاتها وترويعاتها، وقدماه لم تَمش في معاركها، ولا قوَّت أهلها، وصحيفة أعماله لم تُسوّد بآثامها.

فاللهم اجعلنا مِن السعداء الذين جُنِّبوا الفتن، وأعذنا مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك سميع الدعاء.

الخطبة الثانية:ــــــــــــــ

الحمد لله الحيِّ القيوم، والصلاة والسلام على البشير النَّذير، وعلى آله وصحبه ومَن وَلَاه.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

إنَّ مِن المفاهيم التي غُيِّبَت عن أذهان كثير أزمنة الفتن، وبُدِّلَت أوقات القتل والاقتتال بين المسلم وأخيه، غيَّبَها طلاب الحكم، ودعاة الأحزاب، ورموز الجماعات، وبعض أهل الإعلام والسياسة: مفهوم الشهيد، حيث وصفوا مَن قُتل في الفتن والمظاهرات والاعتصامات والمسيرات والاقتتال بين المسلمين مِن صفوفهم وأفراد تنظيمهم أو مَن يوصلهم إلى مآربهم وما يطمحون إليه: بأنه شهيد، ولعمر الله متى كان مَن هذا حاله شهيدًا؟ متى كان المقتول لأجل حطام الدنيا ودراهمها ووظائفها شهيدًا؟ متى كان المقتول لأجل الديمقراطية أو حُرِّية الأديان أو الصحافة أو الكلمة شهيدًا؟ متى كان المقتول في التظاهُر والثورة على حاكمه المسلم شهيدًا؟ متى كان المقتول لأجل الأحزاب والجماعات والتنظيمات شهيدًا؟ ليس هذا والله في دين محمد صلى الله عليه وسلم بشهيد، الشهيد قد بيَّنه صلى الله عليه وسلم في سُنَّته غاية البيان، فلا يغيب حتى عن العُميان، فصحَّ عن أبي موسى ــ رضي الله عنه ــ أنَّه  قال: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )).

هذا هو الشهيد، إنَّه الذي يُقتل في أثناء المعركة بين المسلمين والكفار، ويُريد مِن قتاله إعلاء كلمة الله ودينه وشرعه، وتحت راية وليِّ أمْرِه.

وهناك نوع آخَر يكون في الشريعة شهيدًاء لِمَا صحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (( مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ )).

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنَّه قال: (( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ )).

وهذا الحديث في الرجل يكون معه ماله فيعترضه اللصوص وقطاع الطريق لأخذه منه، فله أنْ يمنعهم ويدافعهم ولو أدَّى ذلك إلى المقاتَلة، فإنْ قُتِل بسبب ذلك فهو شهيد، وأمَّا إنْ كان الآخذ لِماله هو حاكمه فلا يجوز له أنْ يقاتله البتَّة، بل يصبِر، لِمَا أصحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )).

وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم مِن فقهاء ومُحدِّثين، كما قال ذَكَر الحافظ ابن المنذر ــ رحمه الله ــ.

أيها الناس:

إنَّ الذنوب هي سبب كل بلاء وشِرٍّ وفتنة تَحِلّ بالعباد والبلاد، لقول الله تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }.

وإنَّ مَن نظر إلى واقع أكثر المسلمين اليوم فما عسى أنْ يرى؟ إنَّها ذنوب تتواصل، ومنكرات تتجدَّد، وفواحش تتزايد، وبٌعدٌ عن الدِّين يَكبُر ويَكثُر.

فالبِدار البِدار إلى التوبة النَّصوح والاستغفار، والإقلاعِ عن الذنوب، والقيامِ بما فرض الله وأوجب، إنْ كنا نُريد أنْ تتحسَّن أحوالنا، ويَقوى أمنُنا، ويَعلو اقتصادنا، ويُولَّى علينا خيارنا، ونكون في رغَد عيش وسَعة، وسعادة نفس وطمأنينة، فالله الكريم قد وعد، ووعده حقٌ لا يتخلَّف، إذ قال سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }.

أيها الناس:

أكثروا مِن الطاعات أوقات الفتن، فالأعمال الصالحة مِن أعظم أسباب حماية العباد مِن الفتن، فهي تُقوِّي الإيمان، وتزيد في الثبات، والله لا يُخيِّب مَن أقبل عليه ولزم طاعته، ومَن عامل الله بالتقوى والطاعة حال رخائِه، عامله الله باللُّطف والإعانة حال شِدَّته، حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ )).

ورغَّب النبي صلى الله عليه وسلم أُمَّته في الإكثار مِن الطاعات أزمنة الفتن، وبيَّن لهم عِظم أجْرها، فصح عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ )).

والمراد بالهَرْج: الفتنة واختلاط أمور الناس، كما قال الفقيه النَّووي ــ رحمه الله ــ.

هذا، وأسأل الله أنْ يجعلنا مِن التائبين المصلحين المرحومين، اللهم ارفع الضُّر عن المتضررين مِن المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، والخوف والجوع، والأوبئة والأمراض، وجنِّبنا وإيَّاهُم الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم وفِّق جميع ولاة أمور المسلمين إلى مراضيك، وأصلح بهم الدِّين والدنيا، والعباد والبلاد، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، وارزقهم النَّعيم في قبورهم والسُّرور، واختم لنا ولهم برضوانك والجنة، يا سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.