إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: ” شر الحسد والحاسدين وتحصين المحسودين “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” شر الحسد والحاسدين وتحصين المحسودين “.

  • 25 أكتوبر 2016
  • 2٬284
  • إدارة الموقع

 شر الحسد والحاسدين وتحصين المحسودين

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــ

أحمد اللهَ القويَّ العزيز، الرقيبَ الحفيظ، الذي عليه المعتمد، وإليه المستند، ومنه المستمد، وهو على كل شيء قدير، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد، أفضل عباده، وأكمل أحبابه، وأخشاهم له، وأعلمهم به، وعلى آله وأصحابه المقتدين به في كل حالاته، المسارعين إلى نشر سننه وأحكامه وأيامه.

أما بعد، أيها الناس:

 اتقوا الله تعالى، واعملوا ليوم تنكشف فيه السرائر، وتظهر فيه مخبآت الصدور والضمائر، وتدور فيه على المجرمين الدوائر، وتُحصى فيه الصغائر والكبائر، وتُنصب فيه موازين الأعمال، وتُنشر الصحائف، فكل عبد إلى ما قدمه لنفسه صائر، فآخذ كتابه بمينه، وآخذ كتابه بشماله، فيا خيبة الظالم والفاجر، ويا سعادة من استجاب لله ورسوله.

ثم اعلموا أن الله سبحانه قد أمركم بالاستعاذة به من شر الحاسد إذا حسد، فقال سبحانه في سورة الفلق: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }.

إذ الحسد داءٌ خطير من أدواء القلوب يُصيب النفوس، ومرضٌ عُضال يُصاب به الغني والفقير، والواجد والمحروم، والعالم والجاهل، والوجيه والمطيع، والذكر والأنثى.

والحاسد هو: الذي يكره حصول نعمة الله لغيره، ويُحب إنْ وُجِدَتْ عند المحسود أن تُسلب منه، وإن لم توجد أنْ لا تحصل له.

وسواء كانت نعمة علم ومعرفة، أو نعمة مال وتجارة وكثرة مشترين، أو نعمة منزلة وجاه بين الناس، أو نعمة مركب وملبس، أو نعمة صحة بدن وقوة، أو نعمة مأكل ومشرب، أو نعمة طِيب ولد وزوجة، أو نعمة أمن واستقرار، أو نعمة سُمعة طيبة وذِكر حسن، أو نعمة حسن صورة وجسد، أو نعمة وظيفة جيدة ومنصب.

حتى قيل في شأن الحاسد: “البخيل يبخل بماله، والشحيح يبخل بمال غيره، والحسود أشر منهما حيث يبخل بنعم الله على عباده”.

فأيُّ وضاعة، وأي صغار، وأي دناءة، وأي ضعف، أن يتمكن هذا الداء من أعماق بعض النفوس، بل وتراه يظهر في أقوال وأفعال صاحبها، وفي كيده ومكره، وشره وضرره، وبيعه وشرائه، وتعامله وتعاطيه.

ومن الحسد يتولد الغِّل والحقد، وتنبعث النفرة والكراهية، ويحصل البغي والعدوان، والقطيعة والهجران، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وزجر، فصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا )).

والحُسَّاد على نوعين:

الأول: نوعٌ يحسد ويكره في قلبه نعمة الله على غيره، لكنه لا يتعرض للمحسود بشيء من الأذى والتعدي لا بالقول ولا بالفعل، وإنما تجده مهمومًا مغمومًا يضيق صدره ذرعًا من نعمة الله على غيره بالمال أو الجاه والمكانة أو العلم والفقه أو الوظيفة والمنصب، أو غير ذلك.

والثاني: نوعٌ يحسد ويكره في قلبه، ومن شدة أثر الحسد على قلبه تجده يسعى في أذية من يحسد بالقول، وربما يزيد بالفعل، فتراه يذم ويغتاب، ويكذب ويمكر، ويَشي ويسعى في الأذية، ويُلقي التهم ويُعظِّم الأخطاء، ويستجمع الزلات ويحفظها، ولا يقبل المعذرة والرجوع، ويُبَغِّض المحسود إلى الناس بما يستطيع.

بل إن الحسد قد يوقع في أشر من ذلك، فبسببه قَتل الأخ أخاه لأبيه وأمه، حيث قَتل قابيلُ هابيلَ لما تقبَّل الله قربانه ولم يَتقبَّل منه، وبالحسد عقَّ إخوة يوسف أباهم، فوضعوا أخاهم الصغير الضعيف في الجُبِّ، ثم باعوه للسيارة، وفرَّقوا بينه وبين أبيه فلم يلقه إلا بعد أن أصبح رجلًا ذا سلطان وجاه.

والحسد هو أول ذنب عصي الله تعالى به في السماء، إذ حسد إبليسُ آدمَ ـ عليه السلام ـ فامتنع عن أمر ربه له بالسجود لآدم، فخسر قُربه من ربه، وخسر آخرته، حيث قال: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }.

وهو أول ذنب عصي الله به في الأرض حيث قَتل أحد ابني آدم أخاه: { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }.

ويالله كم تولد بسبب ذنب الحسد من عداوة، وكم حصل به من قطيعة، وكم تفرَّق به من شمل، وكم زالت به من ألفة وأُنس؟.

وقد نُقل عن معاوية  ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( كُلُّ النَّاسِ أَقْدِرُ عَلَى رِضَاهُ إلَّا حَاسِدَ نِعْمَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُرْضِيهِ إلَّا زَوَالُهَا )).

وانتظم هذا أحدهم فقال:

كُلُّ العَدَاوَاتِ قَدْ تُرْجَى مَوَدَّتُهَا … إلا عَدَاوَةَ مَنْ عَادَاكَ مِنْ حَسَدِ

وأكثر ما يقع الحسد بين أهل الصنعة والمهنة والوظيفة الواحدة، وبين أهل الشرف والجاه المتماثل، وبين أهل البيوت والمتاجر المتجاورة، وبين أهل السن المتقارب، والصحبة المتماثلة.

وإنما ينشأ الحسد من العُجب وحُبِّ الذات، فتسول للحاسد نفسُه أنّ المحسود ليس أهلًا لنعمة الله التي حصلت له من جاه أو مال أو علم وفقه أو مكانة أو وظيفة أو غيرها، وكفى بهذا معاداة للمنعم، وهو الله عزَّ وجلّ، إذ هو من قدَّر ذلك وقضاه، وامتنَّ به وأنعم، وله الحكمة البالغة فيما أعطى وقسَم لعبده من خير وفضل.

والحسد شرٌّ تلازمه شرور العجب والاحتقار والكبر، وقد جمع إبليس هذه الشرور كلها، فحسد آدم عُجبًا بنفسه، فقال: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }.

ورآه لا يستحق السجود احتقارًا له، فقال: { أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ }.

ثم تكبَّر ولم يسجد، ورضي باللعنة والخزي، ويالِقُبح وشناعة صفة يكون إبليس إمامًا فيها، ولا يجني منها صاحبها إلا الإثم والوزر.

والحسد شره حاصل على صاحبه قبل غيره، لأنه يأكل قلبه، ويؤرق جفنه، ويقض مضجعه، ولا يكون شرًا على غيره إلا إذا ظهرت آثاره، بأن كان قادرًا على الإضرار بالمحسود، أو ساعيًا فيه، ولهذا قال الله تعالى: { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }.

ومعنى: { إِذَا حَسَدَ } أي: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه، وحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود قولًا أو فعلًا، أو بهما جميعًا.

ويدخل في الاستعاذة بالله من الحسد: العين، فإن العين حق، والإصابة بها لها سببان:

الأول: أن ينظر الإنسان إلى الشيء نظرة إعجاب به أو استعظام من غير دعاء بالبركة.

حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: (( إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ )).

الثاني: أن ينظر الإنسان إلى الشيء نظرة حسد من غير دعاء بالبركة.

حيث صحَّ عن أبي سعيد ـ رضي الله عنه -: (( أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ )).

بارك الله لكم ونفعكم بما سمعتم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــ

الحمد لله مُسْتوجِبِ الحمد والعبادة، المتابع لأهل طاعته إعانته وإمداده، والصلاة والسلام على نبيه وحبيبه محمد خاتم أنبيائه، وعلى آله وأصحابه أهل الدين والإمامة، ومن اتَّبع هداه ورشاده.

أما بعد، أيها الناس:

صحَّ في الحديث أنه قِيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ»، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ، نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» )).

وصحَّ عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – أنه قال لرجل من الصحابة: (( سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ )).

يشير – رضي الله عنه – إلى خُلوِّه وسلامته من الغش والحسد.

أيها المسلمون:

إن للتخلص من شرور الخلق من إنس وجن بالحسد والعين والمسِّ طُرق عدة، ومن هذه الطرق ما يأتي:

أولًا: تعليق الإنسان قلبه بالله – جل وعلا -، وتفويض أموره إليه، وإقباله عليه، وثقته به في دفعه ودفاعه عنه، وبهذا يتحقق توكله على الله ربه.

فقد قال سبحانه: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، ومن كان الله كافيه وواقيه فليطمأن قلبه، وليسكن خاطره، ولتهدأ فرائصه، وليقوى جأشه، ولا يخشى ويخاف من أذى الإنس والجن، ومن ظلمهم وعدوانهم، ومكرهم وكيدهم، وبغيهم وتسلطهم.

ثانيًا: استعمال الأذكار والأوراد الشرعية التي جاءت في القرآن وصحيح السنة النبوية، فيحفظها العبد، ويتحصن بها، ويقولها في أوقاتها ومحالها.

ومن هذه الأوراد:

أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وأذكار دخول الخلاء والخروج منه، وأذكار السفر، وأذكار نزول المكان، وأذكار الكرب والغم والحزن والهم، وذكر الله عند دخول البيت، والتسمية عند الأكل والشرب، وعند كشف العورة.

ثالثًا: إعمار البيوت بقراءة القرآن وتلاوته.

حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ )).

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ ))، والبطلة هم: السَّحَرَةُ.

هذا وأسأل الله أن يحفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ومن تحت أرجلنا، وأن يجنبنا كيد الكائدين، ومكر الماكرين، اللهم قو إيماننا بك، وزد في توكلنا عليك، واجعل قلوبنا متعلقة بك، اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع، وارفع عنهم الأمراض والأوبئة، وارفع عنهم التشرد والتفرق، وأعذهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك سميع الدعاء، وقوموا إلى صلاتكم.