إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > التاريخ والسيرة > خطبة مكتوبة بعنوان: «أحكام ومسائل وفوائد تتعلق بالمسجد الأقصى المبارك». ملف: [word] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: «أحكام ومسائل وفوائد تتعلق بالمسجد الأقصى المبارك». ملف: [word] مع نسخة الموقع.

  • 3 نوفمبر 2022
  • 308
  • إدارة الموقع

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

أحكام ومسائل وفوائد تتعلق بالمسجد الأقصى المبارك

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ المَحمودِ على السَّراءِ والضَّرَّاء، المُتكفِّلِ بأرزاقِ البريَّةِ جمْعاء، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه إمامُ الأتقياء، اللهمَّ صَلِّ عليه وعلى آلِ بيتِه وأصحابِه وسَلِّم إلى يومِ الحشرِ والجزاء.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ مِن أفضلِ المساجدِ عندَ أهلِ الإسلام، وأحبِّها إليهم، وأعظمِها مكانةً في قلوبِهم، وأكثرِها قُدْسِيَّةً: «المسجدَ الأقصَى المُبارَك».

فهذا المسجدُ المُبارَكُ، المسجدُ الأقصَى، مسجدُ بيتِ المَقدِس، هوَ: قِبلةُ المسلمينَ الأولى في صلاتِهم، حيثُ صحَّ أنَّه: (( لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا }، فَوُجِّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ )).

هذا المسجدُ المُبارَكُ، هوَ: المسجدُ الذي أُسْرِيَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم إليه ليُعرَجَ بِه مِن هُناكَ إلى السماواتِ العُلَى، لِقولِ اللهِ سبحانه: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }، ولمَّا كذَّبَت قريشٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في أنَّه أُسْرِيَ بِه إليه، أظهرَ اللهُ له بيتَ المَقدِس، فأخذَ يَصِفُهُ لهُم وهو ينظرُ إليه، حيثُ صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ )).

هذا المسجدُ المُبارَكُ، هوَ: ثاني مسجدٍ وُضِعَ في الأرضِ لِعبادَةِ الله وحدَه، حيثُ صحَّ عن أبي ذَرٍّ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: «المَسْجِدُ الحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «المَسْجِدُ الأَقْصَى»، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً» )).

هذا المسجدُ المُبارَكُ، هوَ: أحدُ المساجدِ الثلاثةِ التي لا يجوزُ السَّفرُ لِعبادةِ اللهِ إلا إليها، لِمَا صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ ))، وإيلياء هيَ: «بيتُ المَقدِس».

هذا المسجدُ المُبارَكُ: الصلاةُ فيه تُضاعَف، ولَهَا فضلٌ عظيم، لِمَا ثبتَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ» ))، وفي حديثٍ نصَّ على ثُبوتِهِ جمْعٌ مِن العلماءِ، عن ميمونةَ مَوْلَاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّها قالت: (( يَا رَسُولَ اللهِ: أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟, فَقَالَ: «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فَإِنَّ صَلاَةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ» )).

هذا المسجدُ المُبارَكُ: قد صلَّى فيه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليلةَ المِعرَاجِ ركعتين، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ )).

هذا المسجدُ المُبارَكُ: قد صلِّى فيهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إمامًا بالأنبياءِ ــ عليهم السلام ــ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُم ))، وثبتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ بِالنَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ إِمَامًا، ثُمَّ عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا )).

هذا المسجدُ المُبارَكُ: مَن نذرَ أنْ يُصلِّي فيهِ جازَ لهُ أنْ يَقضِيَ نذرَهُ بالصلاةِ في مسجدِ الكعبةِ، لِمَا صحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ “الْفَتْحِ” فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «صَلِّ هَاهُنَا» ))، ويجوزُ عند أكثرِ العلماءِ: «أنْ يَفِيَ بنذرِهِ بالصلاةِ في المسجدِ النَّبوي»، لأنَّ المسجدَ الحرامَ والمسجدَ النَّبويَّ أفضلُ مِن المسجدِ الأقصى باتفاقِ العلماء، والصلاةَ فيهما أفضلُ، وأكثرُ أجْرًا.

هذا المسجدُ المُبارَكُ: قد بشَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بفتحِ المسلمينَ له، ودُخولِهِ تحتَ حُكمِ الإسلامِ وأهلِه، حيثُ صحَّ عن عَوفِ بنِ مالكٍ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: «اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ ))، وقد فتَحَهُ عمرُ بنُ الخطابِ ــ رضي الله عنه ــ صُلحًا بعدَ موتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بخمسِ سِنينَ وأشهُر، وذلكَ لِخمسٍ مَضَت مِن شهرِ ذِي القَعْدَةِ، سنةَ عشرٍ مِن الهجرةِ.

هذا المسجدُ المُبارَكُ: لا يأتيهِ المَسيحُ الدَّجَّال، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( أَنْذَرْتُكُمُ الدَّجَّالَ، أَنْذَرْتُكُمُ الدَّجَّالَ، أَنْذَرْتُكُمُ الدَّجَّالَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ، وَإِنَّهُ فِيكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ، وَإِنَّهُ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَبْلُغُ فِيهَا كُلَّ مَنْهَلٍ، وَلَا يَقْرَبُ أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ: مَسْجِدَ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدَ الطُّورِ، وَمَسْجِدَ الْأَقْصَى )).

هذا المسجدُ المُبارَكُ: أرضُهُ أرضُ المَحشَر، حيثُ جاءَ في حديثٍ نصَّ على ثُبوتِهِ جمْعٌ مِن العلماءِ، عن مَيمونةَ مَوْلَاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّها قالت: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هُوَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ, ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ» ))، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((«هَاهُنَا تُحْشَرُونَ، رُكْبَانًا، وَمُشَاةً، وَعَلَى وُجُوهِكُمْ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَحْوِ الشَّامِ )).

هذا المسجدُ المُبارَكُ، المسجدُ الأقصى: ليسَ بِحَرَمٍ باتفاقِ العلماء، ولا يوجدُ في الأرضِ إلا حَرَمَانِ، حُرَمُ مكةَ، وهوَ حَرَمٌ بنصِّ القرآن والسُّنةِ واتفاقِ العلماء، وحَرَمُ المدينةِ النَّبويةِ، وثبتَ أنَّه حَرَمٌ بالسُّنةِ النَّبويةِ المُتواتِرَة، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ )).

أيُّها المسلمون:

إنَّ “الصَّخرَةَ” التي تقعُ في وسطِ فِناءِ المسجدِ الأقصَى، والتي بُنِيَت عليها قُبَّةٌ، واتخذَّها اليهودُ قِبلةً لهُم، وكانت النَّصارَى مِن قبلُ تُلقِي عليها الزُّبالةَ والقذَرَ، مُعانَدةً لليهودِ الذين يُعظِّمونَها، ويُصلَّونَ إليها، لم يَرِدْ في فضلِها حديثٌ صحيحٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، حيثُ قالَ الإمامُ ابنُ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ ــ رحمه الله ــ: «وكلُ حديثٍ في “الصَّخرةِ” فهوَ كذِبٌ مُفترَى، وأرفعُ شيءٍ في “الصَّخرةِ” أنَّها كانت قِبلةَ اليهودِ، ولمَّا أرادَ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطابِ ــ رضي الله عنه ــ أنْ يَبنِيَ المسجدَ الأقصَى استشارَ الناسَ: هل يَجعلهُ أمامَ الصِّخرةِ أو خلفَها؟ فقال له كَعْبٌ: (( يا أميرَ المؤمنينَ ابنهِ خلْفَ الصَّخرةِ، فقال: يا ابنَ اليهوديةِ خالطَتكَ اليهوديةُ، بل أبنِيهِ أمامَ الصَّخرةِ حتى لا يَستقبِلَها المُصلُّون )) فبَناهُ حيثُ هوَ اليوم، وقد أكثرَ الكذابونَ مِن الوضْعِ في فضائلِها، وفضائلِ بيتِ المَقدِس».

وقال الإمامُ ابنُ تيميَّةَ ــ رحمه الله ــ: «ويَظنُ البعضُ أَنَّ المسجدَ الأَقصَى هوَ الصَّخْرَةُ والقُبَّةُ المُحيطةُ بها، وليس كذلك، وكانت الصَّخرةُ مكشوفةً، ولم يكن أحدٌ مِن الصحابةٍ، لا وُلَاتُهم، ولا علماؤُهم يُخصُّها بعبادة، وكانت مكشوفةً في خلافةِ عمر وعثمان، وكذلكَ في خلافةِ عليٍّ، ثمَّ كذلكَ في إمارةِ معاويةَ، وابنِه، وابنِ ابنِه، فلمَّا كان في زمَنِ عبدِ الملِك، كان هو الذي بَنَى القُبَّةَ على الصَّخرة»، وقال أيضًا: «ولم يُصَلْ عمرُ ولا المسلمونَ عندَ الصَّخرة، ولا تمسَّحوا بها، ولا قبَّلوها، وقد ثبتَ أنَ عبدَ اللهِ بنَ عمر ــ رضي الله عنهما ــ: (( كان إذا أتَى بيتَ المَقدِسِ دخلَ إليه، وصلَّى فيه، ولا يَقرَبُ الصَّخرةَ ولا يأتيها، ولا يَقرَبُ شيئًا مِن تلكَ البِقاع ))، وكذلكَ نُقلَ عن غيرِ واحدٍ مِن السَّلفِ المُعتبَرين، وذلكَ أنَّ سائرَ بِقاعِ المسجدِ لا مَزِيَّةَ لبعضِها عن بعض، إلا ما بَنَى عمرُ لمُصَلَّى المسلمين»، وقال أيضًا: « وأمَّا أهلُ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعينَ لهُم بإحسانٍ فلم يكونوا يُعظِّمونَ الصَّخرَة، إنَّما يُعظِّمُها اليهودُ، وبعضُ النَّصارى، وما يَذكرهُ بعضُ الجُّهالِ فيها مِن أنَّ هُناكَ أثَرُ قدَمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأثَرُ عِمامتِهِ، وغيرِ ذلك، فكُلُّهُ كذِب».

وسُبحانَ اللهِ عددَ خلقِه، ورِضَا نفسِه، وزِنَةَ عرْشِه، ومِدادَ كلماتِه.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي بنعمَتِه تَتِمُّ الصَّالحات, وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على النبيِّ المَبعوثِ لِيُتَمِّمَ صالحَ الأخلاق.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فاتقوا اللهَ حقَّ تقواه، واعلموا أنَّ مِن تقواهُ: أنْ تعلموا أنَّه لا يجوزُ لكُم عندَ حُصولِ الاعتداءاتِ في فلسطينَ أو القُدسِ أو المسجدِ الأقصَى سَبُّ ولَعنُ حُكَّامِكُم المسلمين، ولا التحريضُ عليهم، ولا الانجرافُ في ذلكَ إلى أهلِ المآربِ والأحزابِ السياسيَّةِ والأعداء، لأنَّ هذهِ الطريقةَ تزيدُ الشُّرورَ والفِتنَ، ولا تُصلِحُ الأوضاع، والمؤمنُ ليسَ بفاحشٍ ولا بذِيء، بل إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد نَفَى ذلكَ عنه، حيثُ ثبتَ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: (( لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الفَاحِشِ، وَلَا البَذِيءِ ))، وثبتَ عن أنَسٍ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلَا تَغِشُّوهُمْ، وَلَا تَبْغَضُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ» ))، والمؤمنُ الحقُّ مُدرِكٌ أنَّه مُحَاسَبُ على ما يَنطقُ بِه لسانُهُ في حقِّ حاكمٍ أو غيرِ حاكم، ومَن يُحِب ومَن يَكرَه، لا يَغِب عنه قولُ ربِّه سبحانه مُرَهِّبًا له: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }.

وكذلكَ لا يجوزُ حينَها وعندَها: أنْ يَفتاتَ أحدٌ على حاكمِ بلدِهِ في مسائلِ العلاقاتِ مع الدُّولِ الأُخْرى، فيَتظاهرَ عليه لِطردِ سفيرٍ، أو قطعِ علاقةٍ مع دولة، أو الضَّغطِ عليها اقتصاديًا، لأنَّ هذهِ الأمورَ مِن اختصاصِ الحاكمِ لا الرَّعية، وهوَ الذي يُقدِّرُ المصالحَ والمفاسدَ العائدةَ على بلدِه أو بلادِ المسلمين الأُخْرى باتِّخاذِ مِثلِ هذهِ الإجراءات، وأعرَفُ بمآلاتِ هذهِ الأفعالِ وعواقِبها، وأدْرَى بحالِ دولَتِه مِن ضعفٍ وقوَّة واقتصاد، ومكرِ أعدائِها بها وقوتِّهم، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قيلَ له: (( أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَمْنَعُونَا حَقَّنَا وَيَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ» )).

واعلموا: أنَّه قد مَضَى على احتلالِ اليهودِ المُعتدِين، والصَّهاينةِ المُجرمين، لِشَرْقِيِّ القُدِسِ الذي يَحتوي على المسجدِ الأقصَى المُبارَكِ أكثرُ مِن خمسينَ سَنَة، وعلى احتلالِهِم لِغَرْبِيِّ القُدْسِ أكثرُ مِن سبعينَ سَنَة.

فاللهمَّ يا حَيُّ يا قيومُ ارفعِ الضُّرَ عن المُتضرِّرينَ مِن إخوانِنا المسلمين في في فلسطين، وادفعْ عنهم هذا البلاءَ الذي نزَلَ بِهِم، اللهمَّ ارْحَم موتاهُم، واشفِ مرضاهُم وجرحاهُم، واربط على قلوبِهم فلا يقولوا ولا يفعلوا إلا ما يُرضيك، اللهمَّ قاتلِ اليهودَ المُعتدِين، وخالِف بينَ كلمتِهم، وألقِ الرُّعبَ في قلوبِهم، وأنزِل عليهم رِجزَكَ وعذابكَ إلَه الحق، وَرُدَّ كيدَهُم ومَكْرَهُم وأسلِحَتَهُم في نُحورِهم، واغفرْ لنَا ولجميعِ المسلمين، إنَّك يا ربَّنا سميعٌ مُجِيب، قويٌ قادرٌ قاهِر، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكم.