إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الحديث > رسالة بعنوان: «تقوية قلوب أهل السنة بثبوت حديث من أراد أن ينصح لسلطان فلا يبده علانية». ــ ملف [word – pdf] مع نسخة الموقع.

رسالة بعنوان: «تقوية قلوب أهل السنة بثبوت حديث من أراد أن ينصح لسلطان فلا يبده علانية». ــ ملف [word – pdf] مع نسخة الموقع.

  • 13 سبتمبر 2023
  • 11٬105
  • إدارة الموقع

تقوية قلوب أهل السُّنة بثبوت حديث مَن أراد أنْ يَنصح لسلطان فلا يُبده علانية

 

الحمد لله الملِك الأعلى، وسلَّم على النَّبي محمد المُرتضَى، وآله وصحبِه وصَلَّى

وبعد، أيُّها الفُضَلاء النُّبلاء ــ زادكم الله عِلمًا بشريعته وعملًا ــ:

فهذه رسالة في بيان:

1 ــ ثُبوت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلا يُبْدِهِ عَلانِيَةً … )).

وذِكر إسناده وطُرقه، وما لِرواته مِن مُتابعات، ومَن صحَّحه مِن العلماء، وما لِمعناه مِن شواهد ثابتة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

2 ــ وأنَّ تضعيفَه مِن قِبَل قِلَّة مِن طلبة العلم المُعاصرين ــ سدَّدهم الله ــ ليس بسديد ولا صواب.

3 ــ وأنَّ هذا الحديث حتى ولو لم يُوجد، فالحُكم الموجود فيه ــ وهو: نصيحة الحاكم سِرًّا، فيما بين الناصح وبينَه ــ قد دلَّت عليه:

أوَّلًا ــ آثار الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ الصَّحيحة المُتعدِّدة، وستأتي في آخِر هذه الرِّسالة.

وقد ذكرتها أيضًا مع غيرها في رسائل أُخْرى لِي، ردَدت بها على تقريرات الشيخ محمد على فركوس الباطلة والمُخالِفة لِسبيل السَّلف الصالح ــ رحمهم الله ــ في هذا الباب.

وهي خمس رسائل، وموجودة في موقعي على شبكة الإنترنت.

ثانيًا ــ نِسبَة أكابر أهل العلم الرَّاسخين مِن أهل السُّنة والحديث والجماعة هذا الحُكم إلى السَّلف الصالح، وإلى مذهبهم.

وقد نقلت أسماءهم وكلامهم مع المصادر في رسالة لي بعنوان:

«تروية المُتفقِّهة بأدلة خطأ الشيخ فركوس فيما ذهب إليه مِن تجويز الإنكار على الحاكم علنًا في غَيبته».

ونَقل آخَرون غيرها عنهم، وعن غيرهم مِن العلماء أيضًا.

ثالثًا ــ قواعد فقه الشريعة التي استفاضت وتنوَّعت آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في تقريرها وتثبيتها.

كقاعدة: «سدِّ ذرائع الشَّر»، وقاعدة: «دَرْء المفاسد مُقدَّم على جلْب المصالح»، وغيرهما.

هذا، وأسأل الله: أنْ ينفع بهذه الرِّسالة الكاتب والقارئ، إنَّه سميع مُجيب، واسع الفضل والعطاء.

ثم أقول مُستعينًا بالله ــ جلَّ وعلا ــ القدير العزيز:

قال ابن أبي عاصم ــ رحمه الله ــ في كتابه “السُّنة” (1096):

حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بَقيَّة، حدثنا صفوان بن عمرو، عن شُريح بن عُبيد، قال: قال عِياض بن غَنْم لِهشام بن حَكيم ألم تَسمع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلا يُبْدِهِ عَلانِيَةً، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَخْلُوا بِه،ِ فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ، فَذَاكَ، وَإِلا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ )).

وإسناد رجال هذا الحديث  كلهم ثقات، كما قال غير واحد مِن أهل العلم بالحديث.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ ترجمة رجال هذا الإسناد، وما قيل فيهم:

الراوي الأوَّل: عمرو بن عثمان بن كثير بن سعيد، وهو ثقة.

وقد وثقه: أبو داود، والنسائي، ومسلَمة بن القاسم، وأبو علي الجياني، وغيرهم.

وقال عنه أبو حاتم الرَّازي: «صدوق».اهـ

وتابعه عليه أيضًا اثنان مِن الرُّواة عن شيخة بَقِيَّة بن الوليد:

المُتابِع الأوَّل ــ نُعيم بن حمَّاد الخُزاعي.

وهو: «صدوق يُخطِئ كثيرًا»، كما في كتاب “تقريب التهذيب”، لابن حجَر العسقلاني.

وقد أخرج مُتابعته هذه:

أبو عُبيد القاسم بن سلَّام في كتابه “الأموال” (113).

المُتابِع الثاني ــ الثقة يزيد بن عبد ربِّه الزُّبيدي الجُرْجُسي.

وقد وثقه: ابن مَعين، والعِجلي، وأبو بكر بن أبي داود، والذهبي، وابن حجَر العسقلاني، وغيرهم.

وقال عنه أحمد: «لا إله إلا الله ما كان أثبتَه، ما كان فيهم مِثله».اهـ

يَعني: في أهل حِمْص.

وقال عنه أبو حاتم الرَّازي: «كان صدوقًا».اهـ

وذكره ابن حِبَّان في كتابه “الثقات”، وأخرج له مسلم في “صحيحه”.

وقد أخرج مُتابعته هذه:

الطبراني في كتابه “مُسند الشاميين” (977).

الراوي الثاني: بَقِيَّة بن الوليد، وهو ثقة.

وقد وثقه: أبو زُرعة الرَّازي، والعِجلي، وابن سعد، ويعقوب بن شيبة، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم.

وسئُل عنه ابن مَعين فقال: «إذا حدَّث عن الثقات مِثل صفوان بن عمرو، وغيره، وأمَّا إذا حدَّث عن أولئك المجهولين فلا».اهـ

وقال عنه أبو زُرعة الرَّازي: «إذا حدَّث عن الثقات فهو ثقة».اهـ

وقد رَوى حديثه هذا: عن الثقة صفوان بن عمرو.

وقال عنه النسائي: «إذا قال “حدَّثنا، وأخبرَنا”، فهو ثقة».اهـ

وقد صرَّح بالتحديث في هذا الحديث.

وقال عنه ابن عَدِي: «إذا رَوَى عن أهل الشام، فهو ثبْت، وإذا رَوى عن غيرهم خلَّط».اهـ

وحديثه هذا عن شيخ شامي.

وتابعه أيضًا اثنان مِن الرُّواة عن شيخه صفوان بن عمرو:

المُتابِع الأوَّل ــ أبو المُغيرة عبد القدوس بن الحجَّاج، وهو ثقة أو صدوق.

وقد وثقه: العِجلي، والدارقطني، وأحمد بن صالح، وابن حجَر العسقلاني، والذهبي، وغيرهم.

وذكره ابن حِبَّان، وابن خلفون، في “الثقات”، وأخرج له البخاري، ومسلم.

وقال عنه النسائي ومسلَمة بن القاسم: «ليس بِه بأس».اهـ

وقال عنه أبو حاتم الرَّازي: «كان صدوقًا».اهـ

وقد أخرج مُتابعته هذه:

أحمد في “مُسنده” (15333).

المُتابِع الثاني ــ صدَقة بن عبد الله السَّمين.

وهو: ضعيف، كما في كتاب “تقريب التهذيب”، لابن حجَر العسقلاني.

وقد أخرج مُتابعته هذه:

ابن عَدي في كتابه “الكامل في الضعفاء” (5/ 18 ــ رقم:924)، وابن عساكر في كتابه “تاريخ دمشق” (47/ 264-267 ــ رقم:5486).

الراوي الثالث: صفوان بن عمرو بن هَرِم السَّكْسَكِي، وهو ثقة.

وقد ثقه: ابن مَعين، ودُحيم، وأبو حاتم الرَّازي، والنسائي، وابن سعد، والعِجلي، وابن خِراش، وابن حجَر العسقلاني، وغيرهم.

وقال عنه أحمد: «ليس بِه بأس».اهـ

وقال عنه عمرو بن علي: «ثبْت في الحديث».اهـ

وقال عنه عبد الرحمن بن إبراهيم: «ثبْت».اهـ

الراوي الرابع: شُريح بن عُبيد الحضرمي، وهو ثقة، ومِن التابعين.

وقد وثقه: النسائي، ومحمد بن عوف، ودُحيم، والعِجلي، وابن حجَر العسقلاني، وغيرهم.

وذكره ابن حِبَّان في كتابه “الثقات”، وقال عنه في كتابه “مشاهير علماء الأمصار”: «كان ثبتًا».اهـ

قلت:

وقد ضعَّف بعض طلاب العلم المُعاصرين ــ سدَّدهم الله ــ هذا الحديث بالانقطاع.

وقالوا: شُريح بن عُبيد لم يَسمع مِن عياض بن غَنْم، ولا مِن هشام بن حكيم.

مع أنَّهم ــ سدَّدهم الله ــ فيما وقفت عليه مِن كتاباتهم وصوتياتهم لم يَذكروا عن إمام سابق ولو واحد، بل ولا عن مُتأخِّر:

أنَّه نصَّ على عدم السَّماع هذا ونفاه.

ولا نقلوا الإعلال للحديث بالانقطاع عن إمام سابق ولو واحد، بل ولا عن مُتأخِّر.

ولعلَّهم بَنَوا هذا الانقطاع على أمور:

الأمر الأوَّل:

قول المُتأخِّر أبي بكر الهيثمي ــ رحمه الله ــ في كتابه “مجْمع الزوائد” (5/ 229 ــ رقم: 9161):

«رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أنَّي لم أجِد لِشُريح مِن عياض وهشام سماعًا، وإنْ كان تابعيًّا».اهـ

وهذا ليس جزمًا مِنه بالانقطاع، كما جزَموا، وقد اعتبره الألباني ــ رحمه الله ــ مِنه تحفُّظًا ونظرًا.

الأمر الثاني:

قول محمد بن عوف ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “تهذيب الكمال” (12/ 446 ــ ترجمة رقم: 2726)، حين سُئل عن شُريح بن عُبيد أسمِع مِن أحد مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:

«ما أظن ذلك، وذلك أنَّه لا يقول في شيء مِن ذلك سمعت، وهو: ثقة».اهـ

وهذا ظن، وليس بيقين.

وقد خالفه البخاري ــ رحمه الله ــ في كتابه “التاريخ الكبير” (4/ 230 ــ ترجمة رقم: 2618)، فنَصَّ على سماعه مِن بعض الصحابة، فقال:

«سمع معاوية بن أبي سفيان، وعن فضالة بن عُبيد».اهـ

وبمِثله قال: الدارقطني، وأبو أحمد الحاكم ــ رحمهما الله ــ، وغيرهما.

الأمر الثالث:

ذِكر بعض العلماء: أنَّ شُريح بن عُبيد كان يُرسِل كثيرًا، أو لم يَسمع مِن جمْع مِن الصحابة.

وهذا أيضًا لا يَكفي للجزْم بالانقطاع، ما لم يوجد نصٌّ عن إمام بعدم السَّماع، أو تاريخ وأشباهه يَمنع اللقيا بالصَّحابيين، أو أحدهما.

ولم أقف بعد بحث مُتعدِّد ومُتكرِّر وواسع، وفي كُتب المراسيل والتراجم والتخريج:

على أحد مِن الأئمة أنَّه نصَّ على عدم سماعه مِن عياض بن غَنْم وهشام بن حَكيم ــ رضي الله عنهما ــ.

والجزْم بشيء في السماع ونفيه دُون سلَف مُتقدِّم, ولا عالم مُحدِّث كبير راسخ مُتأخِّر أو مُعاصر صعْب وليس بسهل.

وقد قال الألباني ــ رحمه الله ــ في تعليقة على كتاب “السُّنة” (2/ 521 ــ رقم:1096)، لابن أبي عاصم، عقب هذا الحديث:

«إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وبقية مُدَّلس، وقد صرَّح بالتحديث، وقد تُوبِع كما يأتي.

وفي سماع شُريح مِن عياض وهشام نظر، كما يَأتي عن الهيثمي.

وقال الهيثمي في “المَجمع” (5/ 229): “رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أنَّي لم أجد لشُريح مِن عياض وهشام سماعًا، وإنْ كان تابعيًّا”.

قلت: وإنَّما أبدَى الهيثمي هذا التَّحفظ ــ مع أنَّ شريحًا قد سمع مِن معاوية بن أبي سفيان، كما قال البخاري، ومِن فضالة بن عُبيد، كما قال ابن ماكولا ــ:

لأنَّه قد رَوى عن جمْع آخَر مِن الصحابة، ولم يَسمع مِنهم كما بيَّنه الحافظ في “التهذيب”»اهـ

قلت:

ومع هذا التحفُّظ والنظر والإعلال بالانقطاع المُتقدِّم، فقد حصلت أُمور عدَّة تُزيله، وتُقوي ثبوت هذا الحديث، وأنَّه صحيح:

الأمر الأوَّل:

أنَّ التابعي شُريح بن عُبيد الحضرمي قد تُوبع، وقُرِن بغيره، وقد يكون مَن تابعه ــ وإنْ لم يُسمَّوا ــ سمعوا مِن الصحابي راوي هذا الحديث.

حيث قال أحمد ــ رحمه الله ــ في “المُسنَد” (15333):

حدثنا أبو المُغيرة، حدثنا صفوان، حدثني شُريح بن عُبيد الحضرمي، وغيره، قال:

(( جَلَدَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ صَاحِبَ دَارَا حِينَ فُتِحَتْ، فَأَغْلَظَ لَهُ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ الْقَوْلَ حَتَّى غَضِبَ عِيَاضٌ، ثُمَّ مَكَثَ لَيَالِيَ، فَأَتَاهُ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ هِشَامٌ لِعِيَاضٍ: أَلَمْ تَسْمَعِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

«إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا، أَشَدَّهُمْ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا لِلنَّاسِ»؟

فَقَالَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ: يَا هِشَامُ بْنَ حَكِيمٍ، قَدْ سَمِعْنَا مَا سَمِعْتَ، وَرَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

«مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ».

وَإِنَّكَ يَا هِشَامُ لَأَنْتَ الْجَرِيءُ، إِذْ تَجْتَرِئُ عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ، فَهَلَّا خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ السُّلْطَانُ، فَتَكُونَ قَتِيلَ سُلْطَانِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى )).

ورجال هذا الإسناد ثقات، وقد تقدَّموا.

ولم يَبق في إسناده إلا: عبد القدوس بن الحجَّاج الخولاني أبو المُغيرة الشامي الحِمْصي، وهو ثقة، أو صدوق.

وقد وثقه: العِجلي، وأحمد بن عبد الله بن صالح، والدارقطني، والذهبي، وابن حجَر العسقلاني، وغيرهم.

وقال عنه أبو حاتم الرَّازي: «صدوق يُكتب حديثه».اهـ

وقال عنه النسائي، ومسلَمة بن القاسم: «ليس بِه بأس».اهـ

وذكره ابن حِبَّان في كتابه “الثقات”، وأخرج له البخاري، ومسلم.

الأمر الثاني:

جاءت واسطة بين التابعي شُريح بن عُبيد الحضرمي وبين الصحابي راوي هذا الحديث، وهي: التابعي الثقة جُبير بن نُفير الحضرمي، فزال الانقطاع إنْ ثبت وجوده.

وقد أدرَك جُبير بن نُفير زمَن النَّبوة، وعاش في الجاهلية والإسلام، إلا أنَّه لم يَر النبي صلى الله عليه وسلم.

وأبوه نُفَير، مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ.

ووثقه: أبو زُرعة الرَّازي، وأبو حاتم الرَّازي، والعِجلي، وابن سعد، والذهبي، والصفدي، وابن حجَر العسقلاني، وغيرهم.

وقال عنه النسائي: «ليس أحد مِن كبار التابعين، أحسن رواية عن الصحابة مِن ثلاثة: قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النَّهدي، وجُبير بن نُفير».اهـ

وأخرج له مسلم في “صحيحه”.

ورَوى عنه التابعي: شُريح بن عُبيد، ورَوى عن الصحابيين: عياض بن غَنْم، وهشام بن حَكيم.

وقد قال الحافظ ابن عساكر ــ رحمه الله ــ في كتابه “تاريخ دمشق” (47/ 266):

«وهو محفوظ مِن حديث جُبير».اهـ

فثبت الحديث بهذا وصحَّ، والحمد لله.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ طُرق هذه الواسطة التي تُزيل الانقطاع إنْ ثبت وجوده:

الطريق الأوَّل:

قال ابن أبي عاصم ــ رحمه الله ــ في كتابه “السُّنة” (1097):

حدثنا محمد بن عَوف، حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبي، عن ضَمْضَم بن زُرعة، عن شُريح بن عُبيد، قال: قال جُبير بن نُفير، قال عِياض بن غَنم لِهشام بن حَكيم: أولَم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فِي أَمْرٍ فَلَا يُبْدِهِ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُو بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ )).

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ ترجمة رجال هذا الإسناد، وما قيل فيهم:

الراوي الأوَّل: محمد بن عوف الطائي، وهو ثقة.

وقد ثقه: النسائي، وأبو علي الجياني، ومسلَمة بن القاسم، وغيرهم.

وقال عنه ابن حجَر العسقلاني: «ثقة حافظ».اهـ

وذكره ابن حِبَّان في كتابه “الثقات“، وقال: «كان صاحب حديث يَحفظ».اهـ

وقال عنه أبو حاتم الرَّازي: «صدوق».اهـ

وقال عنه الخلَّال: «هو إمام حافظ في زمانه، معروف بالتقدُّم في العلم والمعرفة على أصحابه، وكان أحمد يَعرف له ذلك، ويَقبل مِنه».اهـ

وقال عنه ابن عَدي: «هو عالم بحديث الشام صحيحًا وضعيفًا».اهـ

الراوي الثاني: محمد بن إسماعيل بن عيَّاش.

وقد قال عنه أبو داود: «لم يَكن بذاك».اهـ

وقال عنه أبو زُرعة الرَّازي: «كان لا يَدري أمر الحديث».اهـ

وقال عنه أبو حاتم الرَّازي: «لم يَسمع مِن أبيه شيئًا، حملوه على أنْ يُحدِّث فحدَّث».اهـ

قلت:

وقد صرَّح محمد بن إسماعيل بن عيَّاش هُنا، وفي مواطن مُتعدِّدة بالتحديث لِهذا الحديث عن أبيه إسماعيل بن عياش.

وقال ابن حجَر العسقلاني ــ رحمه الله ــ في كتابه “تقريب التهذيب”: «عابوا عليه أنَّه حدَّث عَن أبيه بغير سماع».اهـ

ولم يَزِد على ذلك بتجريح أو تعديل لِمحمد بن إسماعيل بن عيَّاش، كما هي عادته مع مَن يَذكر مِن الرُّواة في كتابه هذا.

وقال أيضًا في كتابه “نتائج الأفكار” (1/ 172)، بعد كلام أبي حاتم الرَّازي المُتقدِّم:

«قلت: ولعلَّه كانت له مِن أبيه إجازة، فأطلَق فيها التحديث، أو تجوَّز في إطلاق التحديث على الوجادة».اهـ

وقال أيضًا في كتابه “تهذيب التهذيب” (9/ 61)، في ترجمة محمد بن إسماعيل بن عيَّاش:

«وقد أخرج أبو داود، عن محمد بن عوف، عنه، عن أبيه عدَّة أحاديث، لكن يَروونَها بأنَّ محمد بن عوف رآها في أصل إسماعيل».اهـ

وقال الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “صحيح سُنن أبي داود” (2/ 8 ــ رقم:250ــ الأصل)، عقب أحد أحاديث محمد بن إسماعيل:

«قلت: وأعلَّه صاحب “العون” بالانقطاع، قال: “لأنَّ ابن عوف ومحمد بن إسماعيل كلاهما لم يَسمع مِن إسماعيل بن عياش”.

وهذا مِنه بناءً على القول المرجوح في ترْك العمل بالوجادة، وليس عليه العمل، وما علومنا وما روايتنا إلا مِن طريق الوجادة.

ولذلك لم يُعِل الحديثَ بها: المُنذري، وابن القيِّم، والشوكاني، فتنبَّه».اهـ

ومِن باب الزِّيادة، ورفع شأن محمد بن إسماعيل بن عيَّاش:

فقد رَوى عنه الإمام الثقة الثبت أبو زُرعة الرَّازي ــ رحمه الله ــ.

وقد قال ابن حجَر العسقلاني ــ رحمه الله ــ في كتابه “لِسان الميزان” (2/ 416 ــ ترجمة رقم: 1720)، عن أحد الرَّواة غير محمد بن إسماعيل بن عيَّاش:

«قال ابن القطان: “حاله مجهول”.

قلت: بل هو ثقة، فمِن عادة أبي زُرعة أنْ لا يُحدِّث إلا عن ثقة».اهـ

ومَن كان حاله كهذا الحال:

فإنَّ حديثه لا أقل مِن أنْ يُقبل في باب الشواهد والمُتابعات.

فكيف وقد جاء ما يَشهد له؟

الراوي الثالث: ضَمْضَم بن زُرعة الحضرمي، وهو ثقة أو صدوق.

وقد وثقه: ابن مَعين، وابن نُمير، والألباني، ومحمد علي آدم الإتيوبي.

وقال عنه أحمد بن محمد بن عيسى:«ليس بِه بأس».اهـ

وذكره ابن حِبَّان في كتابه “الثقات”.

ولمَّا ذكره ابن خلفون في كتابه “الثقات” قال: «وثقه ابن نُمير، وغيره».اهـ

وقال ابن حجَر العسقلاني في كتابه “تقريب التهذيب”: «صدوق يَهم».اهـ

وأمَّا في كتابه “فتح الباري” (9/ 665): فقد وثقه.

وقال عنه أبو حاتم الرَّازي: «ضعيف».اهـ

الراوي الرابع: إسماعيل بن عيَّاش، وهو ثقة في حديثه عن الشاميين.

وإسماعيل بن عياش شامِي حِمْصِي، وثِقة فيما رواه عن الشاميين، وحديثه عنهم صحيح، كما نصَّ على ذلك جمْع مِن كبار الأئمة.

ورُواة هذا الحديث جميعهم وحتى جُبير بنُ نُفير مِن أهل الشام، وأهل حِمْص.

وقد قال ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “تهذيب سُنن أبي داود” (1/150):

«وهذا الحديث رواه أبو داود: مِن حديث محمد بن إسماعيل بن عياش، عن أبيه، عن ضَمْضَم بن زُرعة، عن شُريح بن عُبيد، عن جُبير بن نُفير، عن ثوبان.

وهذا إسناد شامي, وأكثر أئمة الحديث يقول: “حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح“, ونصَّ عليه أحمد بن حنبل».اهـ

الطريق الثاني:

قال ابن أبي عاصم ــ رحمه الله ــ في كتابه “الآحاد والمثاني” (876):

حدثنا محمد بن عوف، نا عبد الحميد بن إبراهيم، نا عبد الله بن سالم، نا الزُّبيدي، حدثني الفضيل بن فضالة، يَرُدُّه إلى ابن عائذ، يَرُدُّه إلى جُبير بن نًفير، أنَّ عياض بن غَنْم وقع على صاحب داريَّا حين فُتِحت، فأتاه هشام بن حَكيم فأغلظ له القول، ومَكث عياض ليالي، فأتاه هشام يَعتذر إليه، فقال: يا عياض ألم تَسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدَّهُمْ عَذَابًا لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا»، فَقَالَ عِيَاضٌ: يَا هِشَامُ، إِنَّا قَدْ عَلِمْنَا الَّذِي عَلِمْتَ، وَرَأَيْنَا الَّذِي رَأَيْتَ، وَصَحِبْنَا الَّذِي صَحِبْتَ، أَوَ لَمْ تَسْمَعْ يَا هِشَامُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ يَقُولُ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ نَصِيحَةٌ لِذِي سُلْطَانٍ فَلْيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَنْصَحْهُ، فَإِنْ قَبِلَهَا، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ»، وَإِنَّكَ يَا هِشَامُ لَأَنْتَ الْجَرِيءُ إِذْ تَجْتَرِئُ عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ، فَمَا خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ سُلْطَانُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَكُونَ قَتِيلَ سُلْطَانِ اللَّهِ تَعَالَى؟ )).

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ ترجمة رجال هذا الإسناد، وما قيل فيهم:

الراوي الأوَّل: محمد بن عوف الطائي.

وقد تقدَّم قريبًا أنَّه ثقة.

الراوي الثاني: عبد الحميد بن إبراهيم الحضرمي الحِمصي، وهو ضعيف.

وقد قال عنه الذهبي: «قال أبو حاتم: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بشيء، وقواه غيره».اهـ

وذكره ابن حِبَّان في كتابه “الثقات”.

وقال عنه ابن حجَر العسقلاني في كتابه “تقريب التهذيب”: «صدوق، إلا أنَّه ذهبت كتبه فسَاء حفظه».اهـ

وقد تابعه أيضًا عن شيخه عبد الله بن سالم الأشعري:

عمرو بن الحارث بن الضَّحَّاك الزُّبيدي الحِمْصي.

فيَتقوى بِه.

وقد ذكره ابن حِبَّان في كتابه “الثقات”، وقال عنه: «مُستقيم الحديث».اهـ

وَقَال عنه ابن حجَر العسقلاني في كتابه “تقريب التهذيب”: «مقبول».اهـ

وقال عنه الذهبي: «لا تُعرَف عدالته».اهـ

وقد أخرج مُتابعته هذه:

البخاري في كتابه “التاريخ الكبير” (7/ 18 ــ ترجمة رقم:84)، والطبراني في كتابيه “مُسند الشاميين” (1874)، و “المُعجم الكبير” (1007)، والحاكم في “المُستدرك” (5269)، والبيهقي في كتابه “السُّنن الكبرى” (16660).

الراوي الثالث: عبد الله بن سالم الأشعري الحِمصي، وهو ثقة.

وقد وثقه: الدارقطني، وابن عبد الرحيم، وابن حجَر العسقلاني.

وذكره ابن حِبَّان وابن خلفون في كتابيهما “الثقات”.

وقال عنه النسائي: «ليس بِه بأس».اهـ

وقال عنه الدارقطني:«مِن الأثبات».اهـ

وقال عنه الذهبي: «صدوق».اهـ

وأخرج له البخاري في “صحيحه”.

الراوي الرابع: محمد بن الوليد بن عامر الزَّبيدي الحِمْصي، وهو ثقة.

وقد ثقة: ابن مَعين، وأبو زُرعة الرَّازي، والنسائي، والعِجلي، وابن سعد، ومحمد بن عوف الطائي، وغيرهم.

وقال عنه علي ابن المَديني، ودُحيم، وابن حجر العسقلاني: «ثقة ثبت».اهـ

وقال عنه الخليلي: «ثقة حُجَّة إذا كان الراوي عنه ثقة».اهـ

وذكره ابن حِبَّان، وابن شاهين، في “الثقات”.

الراوي الخامس: التابعي فضيل بن فَضَالة الهوزني الشامي الحِمْصي.

وقد ذكره ابن حِبَّان في كتابه “الثقات”.

وقال عنه الذهبي: «كان ثقة».اهـ

ورَوى عنه جمْع مِن الثقات.

وتلميذه في هذا الحديث، هو: محمد بن الوليد الزُّبيدي.

وقد قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: «كان محمد بن الوليد الزُّبيدي لا يأخذ إلا عن الثقات».اهـ

وهذا يُقوي توثيقه.

الراوي السادس: التابعي عبد الرحمن بن عائذ الأزدي الثُّمالي الشامي، وهو ثقة.

بل قيل: إنَّه صحابي، وقال بعضهم: هو وهْم، وقال آخَرون: لا يَصح.

وقد وثقه: النسائي، وابن حجَر العسقلاني، والألباني، وغيرهم.

وذكره ابن حِبَّان في كتابه “الثقات”.

ويَشهد لهذا الإسناد ويُقويه:

أوَّلًا: ما أخرجه الطبراني في كتابيه “مُسند الشاميين” (1874)، و “المُعجم الكبير” (1007)، مِن طريق:

عمرو بن إسحاق بن زِبْريق الحِمصي، وعُمارة بن وَثِيمة المصري، وعبد الرحمن بن معاوية العُتْبي.

ــ ثلاثتهم ــ:

ثنا إسحاق بن زِبْريق الحِمصي، ثنا عمرو بن الحارث، ثنا عبد الله بن سالم، عن الزُّبيدي، ثنا، الفُضيل بن فَضَالة، يَرُدَّه إلى ابن عائِذ، يَرُدُّه ابن عائِذ إلى جُبير بن نُفير، بنحوه.

ثانيًا: ما أخرجه البيهقي في كتابه “السُّنن الكبرى” (16660)، مِن طريق:

محمد بن إسماعيل، عن إسحاق بن زِبْريق الحِمصي، بنفس الإسناد، ونحو المَتن.

ثالثًا: ما أخرجه البخاري في كتابه “التاريخ الكبير” (7/ 18 ــ ترجمة رقم:84)، مِن طريق:

إسحاق بن زِبْريق الحِمصي، بنفس الإسناد، ونحو المتن.

رابعًا: ما أخرجه الحاكم في كتابه “المُستدرك” (5269)، مِن طريق:

عمرو بن إسحاق بن زِبْريق الحِمصي، عن أبيه، عن عمرو بن الحارث، بنفس الإسناد، ونحو المَتن.

قلت:

وإسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضَّحَّاك بن مُهاجر بن زِبريق الزُّبيدي الحِمْصي.

قد قال عنه مسلَمة بن القاسم: «ثقة».اهـ

وذكره ابن حِبَّان في كتابه “الثقات”.

وقال عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم الرَّازي: «سمعت أبِي يقول: سمعت يحيى بن مَعين وأثنَى على إسحاق بن الزِّبريق خيرًا، وقال: الفتى: “لا بأس بِه، ولكنَّهم يَحسدونه”، وسُئل أبي عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء فقال: “شيخ”».اهـ

وفي عدد مِن كُتب الرِّجال: «قال أبو حاتم: “لا بأس بِه، سمعت ابن مَعِين أثنَى عليه خيرًا”، وقال أبو داود: “ليس بشيء”».اهـ

وقال عنه النسائي: «ليس بثقة إذا رَوى عن عَمْرو بن الحارث».اهـ

وقال ابن حجَر العسقلاني: «صدوق يَهم كثيرًا، وأطلَق محمد بن عوف أنَّه يكذب».اهـ

وفي تكذيبه هذا له نظر شديد، إذ ابن عوف لا يُقارَن بمَن تقدَّم مِن الأئمة ــ رحمهم الله ــ.

وقد رَوى هذا الحديث عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء أربعة، وهُم:

«عمرو بن إسحاق بن زِبْريق الحِمصي، وعُمارة بن وَثِيمة المصري، وعبد الرحمن بن معاوية العُتْبي، ومحمد بن إسماعيل الترمذي».

فيَتقوَّون ببعض، لاسيَّما وفيهم مَن قد وُثِّق.

وقد صحَّح هذا الحديث: الحاكم في كتابه “المُستدرَك”.

الأمر الثالث:

أنَّ صفوان بن عمرو بن هَرِم السَّكْسَكِي راوي هذا الحديث عن التابعي شُريح بن عُبيد الحضرمي، عن الصحابي ــ رضي الله عنه ــ قد رواه أيضًا بذكر جُبير بن نُفير الواسطة بينهما.

حيث قال أبو نُعيم الأصبهاني ــ رحمه الله ــ في كتابه “معرفة الصحابة” (5425):

«رَواه: بَقِيَّة، عن صفوان بن عمرو، عن شُريح، عن جُبير؟

ورَواه: الزَّبيدي، عن الفضل بن فَضَالة، عن ابن عائذ، عن جُبير بن نُفير».اهـ

الأمر الرابع:

أنِّي لم أجد أحدًا مِن العلماء الماضين المشهورين بعلم الحديث ــ رحمهم الله ــ قد نصَّ على تضعيفه لا بالانقطاع، ولا بالعموم.

بل قد صحَّحه: الحاكم، والألباني، وابن باز، ومُقبل الوادعي في آخِر قوليه، وغيرهم.

وقال الحافظ ابن عساكر في كتابه “تاريخ دمشق” (47/ 266):

«وهو محفوظ مِن حديث جُبير».اهـ

وقال المُحدِّث أبو بكر الهيثمي الشافعي في كتابه “مجمع الزوائد” (5/ 413-414): «ورجاله ثقات، وإسناده مُتصل».اهـ

وقال مرَّة: «إسناده حسن».اهـ

وقال العلامة زيد بن محمد هادي المدخلي: «حديث ثابت».اهـ

وقال العلامة عبد المُحسن العبَّاد: «ثبَت».اهـ

الأمر الخامس:

أنَّ لِمعناه وحُكمه في نصيحة الحاكم سِرًّا بين الناصح وبينَه شواهد مُتعدِّدة عن عدد مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ هذه الشواهد:

الشاهد الأوَّل:

ما أخرجه البخاري (3267)، ومسلم (2989)، واللفظ له، عن شَقيق بن سلَمة، عن أسامة بن زيد ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه:

(( قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ )).

وفي لفظٍ للبخاري:

(( قِيلَ لِأُسَامَةَ: لَوْ أَتَيْتَ فُلاَنًا فَكَلَّمْتَهُ، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لاَ أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ، إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ )).

وهذا الأثر كالإجماع.

الشاهد الثاني:

ما أخرجه أحمد في “المُسند” (19451)، وغيره، عن سعيد بن جُمْهَان ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ــ رضي الله عنه ــ  وَهُوَ مَحْجُوبُ الْبَصَرِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ وَالِدُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَتَلَتْهُ الْأَزَارِقَةُ، قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْأَزَارِقَةَ، لَعَنَ اللَّهُ الْأَزَارِقَةَ، حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُمْ كِلَابُ النَّارِ، قَالَ: قُلْتُ: الْأَزَارِقَةُ وَحْدَهُمْ أَمْ الْخَوَارِجُ كُلُّهَا؟ قَالَ: بَلَى الْخَوَارِجُ كُلُّهَا؟ قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَظْلِمُ النَّاسَ، وَيَفْعَلُ بِهِمْ، قَالَ: فَتَنَاوَلَ يَدِي فَغَمَزَهَا بِيَدِهِ غَمْزَةً شَدِيدَةً ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ جُمْهَانَ عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَسْمَعُ مِنْكَ فَأْتِهِ فِي بَيْتِهِ فَأَخْبِرْهُ بِمَا تَعْلَمُ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْكَ وَإِلَّا فَدَعْهُ، فَإِنَّكَ لَسْتَ بِأَعْلَمَ مِنْهُ )).

وقال الألباني ــ رحمه الله ــ: «إسناده حسن».اهـ

وقال حُمود التويجري ــ رحمه الله ــ: «إسناده جيد».اهـ

وقال مُقبل الوادعي ــ رحمه الله ــ: «هذا حديث حسن».اهـ

وقال أبو بكر الهيثمي ــ رحمه الله ــ: «رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات».اهـ

وذَكره الحافظ ضياء الدِّين المقدسي ــ رحمه الله ــ في كتابه: “الأحاديث المُختارة أو المُستخرَج مِن الأحاديث المُختارة ممَّا لم يُخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما” (180-181).

الشاهد الثالث:

ما أخرجه سعيد بن منصور في “سُننه” (746)، واللفظ له، وابن أبي شيبة في “مصنَّفه” (37307)، ، وغيرهما، عن سعيد بن جُبيرٍ ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:

(( قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ــ: آمُرُ إِمَامِي بِالْمَعْرُوفِ؟ قَالَ: إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا، فَإِنْ كُنْتَ وَلَا بُدَّ فَاعِلًا، فَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَلَا تَغْتَبْ إِمَامَك )).

وإسناده حسن أو صحيح.

وعند ابن المُقرئ في “مُعجمه” (1230)، والبيهقي في كتابه “شُعب الإيمان” (7185)، أنَّه قال لابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ:

(( أَمِيرِي آمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ … )).

تنبيه:

ذَكر بعض المعاصرين ــ سدَّدهم الله ــ في إشارة إلى تضعيف هذا الحديث:

بأنَّ أصله في “صحيح مسلم” (2613) دون زيادة النصيحة للحاكم سِرًا.

حيث أخرج مسلم، واللفظ له، وغيره، مِن طُريق هشام بن عُروة والزُّهري، عن عُروة بن الزُّبير، عن هشام بن حكيم بن حِزام، قال:

(( مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمِ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا» )).

وفي لفظ آخَر عند مسلم:

(( أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ وَجَدَ رَجُلًا وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ النَّبْطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» )).

ويُجاب عن هذه الإشارة للتضعيف مِن وجوه:

الوجْه الأوَّل:

أنَّ الإسناد الذي فيه زيادة ذِكر النَّصيحة للحاكم سِرًّا يَختلف عن إسناد حديث الاقتصار على لفظ: (( إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا ))، ولا يرجعان إلى إسناد واحد.

الوجْه الثاني:

أنَّهم لم يَذكروا لهُم لهم سلفًا في هذا الإعلال.

ولم أجده بعد بحث شديد، ومُتعدِّد عن أحد مِن علماء الحديث لا المُتقدِّمين مِنهم، ولا المُتأخِّرين.

الوجْه الثالث:

أنَّ زيادة ذِكر النَّصيحة للحاكم سِرًّا قد جاءت مِن طريق ثابت، وعن رواة ثقات، ولِمعناها وحُكمها شواهد مُتعدِّدة وثابتة عن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ.

الوجْه الرابع:

أنَّ الحديث قد جاء فيه ذِكر واقعتين مُختلِفتين:

ــــ واقعة العقوبة في الشمس، والترهيب مِنها ببيان أنّها تعذيب.

ــــ وواقعة الإنكار على الأمير، وكيف يكون.

والرَّاوي قد يَسوق الحديث لِمناسبة، فيقتصر على واحدة مِنهما، وقد يجمعهما.

وقد جاء في رِوايات هذا الحديث، ذِكر التعذيب فقط، وذِكر نصيحة السلطان فقط، وذِكر الأمرين جميعًا، وهو الأقل.

وقد كان الشيخ مُقبل بن هادي الوادعي ــ رحمه الله ــ يُعِلُّ الحديث بهذا الأمر.

فأطلعه بعض طلاب العلم ــ سدَّدهم الله ــ على طُرقه، فرَجع عن هذا القول، وصوَّب قول الشيخ الألباني ــ رحمه الله ــ في تصحيحه.

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجُنيد.