إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الحديث > خطبة مكتوبة بعنوان: ” بعض المعاني النفيسة المأخوذة من حديث: (( احفظ الله يحفظك )) “. ملف [ word – pdf] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” بعض المعاني النفيسة المأخوذة من حديث: (( احفظ الله يحفظك )) “. ملف [ word – pdf] مع نسخة الموقع.

  • 26 أكتوبر 2023
  • 3٬169
  • إدارة الموقع

بعض المعاني النَّفيسة المأخوذة مِن حديث: (( احفظ الله يحفظك ))

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي أسبَغَ على عبادِهِ النِّعمةَ، وكتبَ على نفسِهِ الرَّحمة، وأنَّ رحمتَهُ تغلِبُ غضَبَه، وأشهدُ أنْ لا الهَ إلا اللهُ أرحَمُ الراحمينَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الذي ختَمَ بِهِ النَّبيِّينَ، وأرسلَهُ رحمةً للعالمينَ، وبعثَهُ بالإسلامِ المُهيمِنِ على كلِّ دِينٍ، اللهمَّ فصَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ حِزبِ اللهِ المُفلِحين.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فقد ثبتَ أنَّ ابنَ عباسٍ ــ رضيَ اللهُ عنهُما ــ قالَ: (( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» )).

وفي لفظٍ آخَرَ: (( احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )).

ومِن الفوائدِ المُستنبَطةِ مِن هذا الحديثِ:

أنَّ مَن حفظَ حُدودَ اللهِ بامتثالِ أوامرِهِ واجتنابِ نواهِيهِ، وعبادتِهِ وفقَ ما شرِع، وليسَ بالأهواءِ والبدعِ، كانَ جزاؤهُ مِن جِنسِ العملِ.

لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ: (( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ )).

حيثُ يحفظُهُ اللهُ في دِينِهِ بتسلِمِهِ مِن الشُّبهاتِ المُضِلَّةِ، والشهواتِ المُضِرَّةِ، كما قالَ اللهُ سبحانَهُ في حفظِهِ لِنبيِّهِ الكريمِ يوسف ــ عليهِ السلامُ ــ: { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ }.

ويحفظُهُ في دُنياهُ مِن الشُّرورِ، كما قالَ اللهُ سبحانَهُ: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ }، أي: ملائكةٌ يَتعاقبونَ عليهِ، حرَسٌ بالليلِ وحرَسٌ بالنَّهارِ، يحفظونَ بدَنَهُ ورُوحَهُ مِن الأسواءِ والحادثاتِ، ومِن كلِّ مَن يُريدُهُ بسُوء.

وكما قالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ: { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ }، إي: إنْ نصَرتُمُ اللهَ بعبادَتِهِ كما جاءَ في شريعتِهِ، واجتِنابِ الشِّركيات والبدعِ والمعاصِي نصَركُم على أعدائِكُم في الحُروبِ، وغيرِها.

ومِن الفوائدِ المُستنبَطةِ مِن هذا الحديثِ:

أنَّ مَن تعرَّفَ إلى اللهِ في حالِ رخائِهِ وسَعَتِهِ وسلامَتِهِ بأنْ أخلصَ عملَهُ للهِ، واتَّقاهُ، واستقامَ على طاعتِهِ، وانزَجَرَ عن معصيتِهِ، سيجدُ الخيرَ الكثيرَ مِن اللهِ، ودَفْعَ الضُّرِّ عنهُ في حالِ شدَّتِهِ وكرْبِهِ وبلائِهِ وضِيقِهِ وهمِّهِ وغمَّهِ وقهرِه.

لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ: (( تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ )).

وقد قالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ مُبشِّرًا: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ }، وقالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ في شأنِ حفظِهِ وتفريجِهِ عن نبيِّهِ يُونس ــ عليهِ السلامُ ــ: { فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }.

وفي القِصَّةِ الصَّحيحة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في شأنِ “الثلاثةِ الرِّجالِ الذينَ آوَاهُمُ المَبيتُ بالليلِ إلى غارٍ تأكيدٌ لِذلكَ، حيثُ انحدَرتْ صخرةٌ وسدَّتْ عليهِم بابَ هذا الغارِ، وتوسَّلوا إلى اللهِ بأعمالٍ لهُم صالحةٍ عمِلوها في حالِ رخائِهم، فتوسَّلَ أحدُهُم بِبِرِّهِ والديهِ، وتوسَّل الثاني بحفظِهِ للأمانةِ وتنميَتِها وردِّها لِصاحِبِها، وتوسَّل الثالثُ بتركِهِ الفاحشةَ مِن أجلِ اللهِ بعدَ قُدرَتِهِ عليها، فكشَفَ اللهُ ما بِهِم مِن كرْبٍ، وأزالَ ما حلَّ بِهِم مِن ضَرَرٍ، فتَزحزَحَتِ الصخرةُ حتَّى تمكَّنوا مِن الخروجِ مِن ذلكِ الغارِ”.

وسيَجِدِ اللهَ أمامَهُ يَدُلُهُ على كلِّ خير، ويَذودُ عنهُ كلَّ شَرٍّ، ويَحوطُهُ ويَرعاه.

وأمّا مَن أضاعَ حُدودَ اللهِ ولم يَحفظْها، فلا يَحصلُ لهُ الحفظُ مِن اللهِ، كمَا قال اللهُ سبحانَهُ: { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ }، بل هوَ مُهدَّدٌ بالعقوباتِ، حيثُ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعزَّ ــ: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، وقال تعالى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ }.

ومِن الفوائدِ المُستنبَطةِ مِن هذا الحديثِ:

تقويةُ النفوسِ، وطمأنَةُ القلوبِ، وتهدِئِةُ العقولِ، حتى يذهبَ عنها الخوفُ والقلَقُ والاضطِرابُ، وخشيةَ أذَى الناسِ، ولِئلَّا تتعلَّقَ في دُنيَاها بما عندَ الخلقِ، وإعطائِهِم لهَا، ومنعِهِم عنها، بأنَّ الضَرَّ والنَّفعَ بيدِ اللهِ وإليهِ وحدَهُ، ولنْ يَحصُلَ لهُم إلا ما كَتبَه عليهِم، وقدَّرَهُ لهُم، حتى ولو تعاضَدتْ جميعُ الأُمَّةِ على خلافِه.

لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ: (( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ)).

ولَمَّا ذَكرَ اللهُ تعالى أذِيَّةَ السَّحرةِ حينَ قالَ سبحانَه: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ }، طمأنَ قلوبَ عِبادِه، وربَطَ جأشَها، وقوَّى عزيمَتَها، فقالَ ــ جلَّ وعلا ــ بعدَ ذلكَ مُباشَرةً: { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ }.

ألَا فاتقوا اللهَ ــ عبادّ اللهِ ــ ولا تخشوا إلا إيَّاهُ، ولا تتوكَّلوا إلا عليهِ، وسارعِوا إلى مَرضَاتِهِ، وحاسِبوا أنفُسَكُم قبلَ أنْ تُحاسَبُوا.

هذا، وأسألُ اللهَ أنْ يَنفعنِي وإيَّاكُم بِما سمِعتُم، إنَّهُ جوادٌ كريم.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ أرحَمِ الرَّاحمينَ، وصلاتُهُ وسلامُهُ على رسولِهِ إلى الإنسِ والجِنِّ أجمعينَ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أتباعِهِ على الحقِ المُبين.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ مِن الفوائدِ المُستنبَطةِ مِن الحديثِ النَّبويِّ المُتقدِّم:

تبشيرَ المؤمنينَ حتى لا يَقنَطوا أو يَجزَعُوا أو تدخُلَهُم الهُمومُ والأحزانُ والوساوسُ بأنَّ الصَّبرَ ينتجُ عنهُ النَّصرُ بإذنِ اللهِ، وأنَّ الكرَبَ والشدَّةَ يَكشِفُها اللهُ بالفرَجِ الذي يَعقُبُها، وأنَّ العُسرَ يُعقبُهُ اليُسرِ مِن الله.

لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ: (( وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )).

وقد قالَ اللهُ سبحانَهُ مُبشِّرًا عبادَهُ الصَّابرينَ: { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا }، وقالَ تعالى: { بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ }.

وقال اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ واعدًا بالفرَجِ والتفريجِ: { وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ }.

وجاءَ بإسنادٍ صحَّحَهُ الحاكمُ والذهبيُّ، وحسَّنَهُ ابنُ حَجَرٍ العسقلانيُ ــ رحمهمُ اللهُ ــ: (( أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ حُصِرَ بِالشَّامِ، وَقَدْ تَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ: «سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ مَا يَنْزِلُ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مَنْزِلَةِ شِدَّةٍ إِلَّا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ بَعْدَهَا فَرَجًا، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وَإِنَّهُ يَقُولُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }» )).

هذا، وأسأل الله: أنْ يحفظَنا مِن بينِ أيدِينا، ومِن خلفِنا، وعن أيمانِنا، وعن شمائلِنا، ومِن فوقِنا، ومِن تحتِ أرجلِنا، وأنْ يجنِّبَنا كيدَ الكائدينَ، ومَكرَ الماكرينَ، اللهمَّ قوِّ إيمانَنا بِك، وزِدْ في توكلِنا عليكَ، واجعل قلوبَنا مُتعلِّقةً بِك، اللهمَّ إنَّا نعوذُ بِكَ مِن علمٍ لا يَنفع، ونفسٍ لا تَشبَع، وقلبٍ لا يَخشَع، ودعاءٍ لا يُستجَاب، اللهمَّ إنَّا نسألُكَ عِيشةً سَويَّة، ومِيتَتةً نقيَّة، ومَرَدًّا غيرَ مُخْزٍ، اللهمَّ ارفعِ الضُّرَ عن المُتضَرِّرينَ مِن المسلمينَ في فلسطين، وأبدِلْ خوفَهُم أمْنًا، وجُوعَهُم شِبَعًا، وأمراضَهُم صِحَّةً وعافية، وبلائِهُم فرَجًا، وكرْبَهُم زوالًا، وأهلكِ اليهودَ المُعتَدِين، وأنزِلْ بِهِم بأسَكَ الشديد، إنَّك يا ربَّنا سميعُ الدُّعاء، وأقولُ هذا وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.

تنبيه: هذه الخطبة فيها كلمات مأخوذة مِن “تفسير”السعدي، وتعليقات العُثيمين والعبَّاد على كتاب “الأربعين النَّووية”، وعن ابن قيِّم الجوزيَّة، وغيرهم.