إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الحديث > خطبة مكتوبة في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (( اتق الله حيثُما كنت … ))

خطبة مكتوبة في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (( اتق الله حيثُما كنت … ))

  • 28 ديسمبر 2016
  • 4٬304
  • إدارة الموقع

خطبة في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (( اتق الله حيثُما كنت ))

الخطبة الأولى:ـــــــــــ

الحمد لله العليم الحليم، الودود الغفور، الغنيِّ الكريم، الذي جعل الأدب الشرعي عنوان التوفيق، ومَنَّ به على مَن شاء مِن عباده فهداهم إلى جميل الأخلاق، وأكملِ الآداب، وخذَل مَن شاء مِنهم بحكمته فانحطوا في أسافِل الأخلاق، ورذائِل الأحوال، وشَرِس الطِّباع، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد أحسن الناس خُلقًا، وأعلاهم أدبًا، وأفضلهم طبعًا، الذي أدَّبه ربُّه فأحسن تأديبه، وأثنى على خُلُقه ووصفه بالعظيم ليُقتَدى به فيه، ويُنسَج على مِنواله، وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى وأهل التُقى إلى يوم الحشر والجزاء.

أما بعد، أيها الناس:

فقد صحَّ عن نبيِّكم صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:

(( أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ )).

وجوامع الكَلِم: الكلمات والألفاظ القلية المُوجزة التي تحوي المعاني والمسائل العديدة.

ولو نظرنا في غالب الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مِن جهة الألفاظ لوجدناها قليلة موجزة.

ولو نظرنا إليها مِن جهة المعاني والفوائد والمسائل التي تُستَنبط مِنها وتُستَخرج لوجدناها كثيرة جدًا، حتى إنْ عددًا كثيرًا مِن أهل العلم قد كتب مجلدًا كاملًا أو رسالة مستقلة أو عشرات الأوراق في شرح حديث واحد مِن أحاديثه صلى الله عليه وسلم.

ودونكم ــ سلَّمكم الله ــ حديثًا واحدًا مختصرًا مِن أحاديثه صلى الله عليه وسلم يُؤكد لكم ذلك، ويزيد في التوضيح، مِن أنَّه صلى الله عليه وسلم أُكْرِم مِن ربِّه سبحانه فأُعْطِيَ جوامع الكَلِم، حيث ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أحد أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ فقال له:

(( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )).

وقد انتظم هذا الحديث النَّبوي ثلاثة أشياء:

الأول: مُعاملة العبد مع ربِّه سبحانه، وكيف تكون، وقد جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: (( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ )).

والثاني: مُعاملة العبد لنفسه إذا قصَّرت في جنْب الله تعالى، وقد جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: (( وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا )).

والثالث: مُعاملة العبد مع الناس، وكيف تكون، وقد جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: (( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )).

ولو أراد عالم أو طالب علم أنْ يَشرح هذه الثلاثة حقَّ شرحها، فيُبَيِّن مسائلها وشواهدها، ويَذكُر ما تنتظمه مِن معانٍ وأحكام، وما حوته مِن فوائد، لاحتاج إلى عدَّة خُطب أو لقاءات، ولو كتب حولها بيده فستكون في ورقات كثيرة، ولكن لا بأس بشرحٍ مُختصر يُناسب مقام الخُطبة، وحال الحضور.

فقوله صلى الله عليه وسلم: (( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ )) معناه المختصر:

افعل ما أمرك الله به، وأوجبه عليك، واجتنب كل ما نهاك عنه، وحرَّمه عليك، في السِّر والعلانية، حيث يراك الناس، وحيث لا يرونك، سواء كنت لوحدك في السَّكن أو العمل أو المركبة أو الطريق، أو كنت مع غيرك يَرون فِعالك ويسمعون كلامك، وسواء كنت في بلدك يَراك أهلك وعيالك وقبيلتك وعشيرتك وأصحابك فتخشى الفضيحة والذَّم إنْ فعلت ما يَحْرُم، أو كنت في بلاد الغُربة والسَّفر لا يَراك إلا مَن لا يعرفك مِن الغُرباء والأباعِد، لا تخاف مِن لومٍ ولا عِتاب ولا سُمعة سيئة.

وقد قال قتادة بن دعامة ــ وهو من أجلَّاء تلامذة الصحابة ــ واعظًا لِمَن كان في قلبه حياة: (( وَاللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ يَا ابْنَ آدَمَ لَشُهُودًا مِنْ رَبِّكَ فَرَاقِبْهُمْ، وَآثِرِ اللَّهَ فِي سَرَائِرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، الظُّلْمَةٌ عِنْدَهُ ضَوْءٌ، وَالسِّرُ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ )).

وقوله صلى الله عليه وسلم:  (( وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا )) فجميل جدًا إتيانه بعد قوله صلى الله عليه وسلم: (( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ )).

لأنَّ المؤمن الذي يتقي ربَّه لا بُدَّ أنْ يقع مِنه تقصير في حقِّ ربِّه، أو حقِّ نفسه، أو حقوق المخلوقين، لأنَّ كل ابن آدم خَطَّاء، فأمَره صلى الله عليه وسلم بما يَدفع هذا التقصير والزَّلل ويَمحوه، وذلك بأنْ يُتبِع السَّيئةَ بالحسنة لتمحوها.

والحسنة هي: كل عمل صالح يُقرِّب إلى الله تعالى.

وأعظم الحسنات الدافعة للسيئات: التوبة النصوح، والاستغفار، والإنابة إلى الله بذكره وحُبِّه، وخوفه ورجائه، والطَّمعِ فيه، وفي فضله كل وقت، وقد قال ــ عزَّ شأنه ــ: { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }.

وقال – جلَّ وعلا ــ: { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ }.

وكم في نُصوص القرآن والحديث النَّبوي مِن ترتيب المغفرة وحَطِّ الخطايا على الأعمال الصالحة القولية والفعلية والقلبية.

فصحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: { أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» )).

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا: يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ )).

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ )).

وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم: (( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )).        

فأوَّل الخُلُق الحسن: أنْ تَكُفَّ عن الناس أذاك مِن كل وجه، وتعفو عن مساوئهم وأذيتهم لك، ثم تعاملهم بالإحسان القولي والإحسان الفعلي.

وأخَصُّ ما يكون بالخلق الحسن: سَعة الحلم على الناس، والصبر عليهم، وعدم الضجر مِنهم، وبشاشة الوجه، ولُطف الكلام، والقول الجميل المؤنس للجليس، المُدخِل عليه السُّرور، المُزيل لوحشته ومشقَّة حِشمته، وقد يَحسُن المِزاح أحيانًا إذا كان فيه مصلحة، لكن لا ينبغي الإكثار مِنه، وإنَّما المزاح في الكلام كالملح في الطعام، إنْ عُدم أو زاد على الحدّ فهو مذموم.

ومِن الخُلُق الحسن: أنْ تُعامل كل أحدٍ بما يليق به، ويُناسب حاله مِن صغير وكبير، وعاقل وأحمق، وعالم وجاهل، وحاكم ومحكوم.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه سُئل عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: (( تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ )).

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ )).

وثبت عنه الله عليه وسلم أنَّه قال: (( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ )).

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ )).

وسبحان ربِّك ربِّ العِزَّة عما يصفون، وسلامٌ على المرسَلين، والحمد لله ربِّ العالمين.

الخطبة الثانية:ـــــــــــ

الحمد لله المحمود على كل حال، عالمِ الغيب والشهادة الكبير المُتَعال، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، فاللهم صَلِّ عليه وسلَّم وبارك وعلى الصَّحْب الكِرام والآل، ما تعاقبت الأيام مع الليال.

أما بعد، أيها الناس:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله الملك الجبَّار الذي هو على كل أفعالنا رقيب، وباتِّبَاع أوامره بلا تسويف ومُعاندة، فإنَّ أجلَ الله قريب، وبالكفِّ عن عصيانه قبل أنْ يُدركنا عذابه المُصيب، وتمتعوا بالعمل الصالح قبل أنْ تُمنعوا، وقد أتاح الله لكم المُهَل والفُرصة، وأُنْذِرُكم شِدَّة بأسِه فحاذروه، وأنيبوا إلى ربِّكم وراقبوه، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأغضبوه، فانتقم مِنهم حين خالفوه.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ }.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنَّا سيئها إلا أنت، اللهم إنَّا نعوذ بك مِن الشِّقاق والنفاق وسوء الأخلاق، اللهم ارفع الضر عن المتضررين مِن المسلمين في كل مكان، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع والتَّشرد، وارفع عنهم الأوبئة والأمراض، وأعذنا وإيَّاهم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وجميع أهلينا، اللهم مَن كان مِنهم حيًّا فبارك له في عُمُره وعمله ورِزقه وصِحته، ومَن كان مِنهم مَيتًا فارحمه رحمة واسعة، تَفسح له بها في قبره، وتُنعِّمه في جنَّتك، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لِما تُحب وترضى، وألِّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، إنَّك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.