إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: ” خطبة لجمعة وافقت يوم عيد الأضحى “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” خطبة لجمعة وافقت يوم عيد الأضحى “.

  • 1 سبتمبر 2017
  • 826
  • إدارة الموقع

خطبة لجمعة وافقت يوم عيد الأضحى

الخطبة الأولى: ــــــــــــــ

الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فاللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومَن على سبيله إلى الله يسير، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، أيها الناس:

فإنكم لا تزالون تَنْعمون بالعيش في أيام جليلة مباركة، ألا وهي يوم عيد النَّحر، وأيام التشريق، فأحسنوا فيها العمل وأكثروه، وازدادوا تقوىً لربكم سبحانه، بفعل أوامره، وبالبعد عن ما نهاكم عنه، واستمروا على ذلك إلى الممات، طاعة لأمره، حيث قال عزَّ شأنه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.

هذا وقد نوَّه الله تعالى بهذه الأيام، وأنها أيام ذِكرٍ له، فقال – جلَّ وعلا -: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ }.

وصحَّ عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: (( الأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ )).

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ )).

وأيام التشريق هي: اليوم الحادي عشر مِن شهر ذي الحجة، والثاني عشر، والثالث عشر إلى غروب شمسه.

وسُمِّيَت بأيام التشريق: لأن الناس كانوا يُشَرِّقون فيها لحوم الأضاحي في الشمس حتى تجفَّ ولا يدخلَ عليها العفن, فتَحفظَ لهم اللحم، ويظلون يأكلون منه أيامًا عديدة، إذ لم تكن عندهم ثلاجات تحفظ لهم اللحم عن الفساد أيامًا وشهورًا.

وهي أيام عيد لنا، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ )).

أيها الناس:

لا يجوز صيام يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى باتفاق العلماء، لا لِـمتطوعٍ, ولا لناذرٍ, ولا لقاض فرضًا, ولا لمتمتع لا يجد هدْيًا، لِما صحَّ عن أبي سعيد – رضي الله عنه – أنه قال: (( نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ )).

ولا يجوز أيضًا صيام أيام التشريق الثلاثة لا تطوعًا، ولا فرضًا، إلا لِمن لم يجد الـهَدْي، لِما صحَّ عن عائشة وابن عمر- رضي الله عنهما – أنـَّهما قالا: (( لم يُرَخَّص في أيام التَّشريق أن يُصَمْنَ إلَّا لمن لم يجد الـهَدْ ))، ولِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ )).

أيها الناس:

إن هذا اليوم، يومَ عيد الأضحي، هو يومُ الحجِّ الأكبر، وهو يوم النَّحر، ويوم نَحر الهدي والأضاحي تقرُّبًا إلى الله سبحانه، وقد صحَّ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ، فَقَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قَالَ: «هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» )).

وسُمِّي يومُ النحر يومَ الحج الأكبر: لأن معظم وأهم مناسك الحج تكون في ليلته ويومه، كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة، وذبح الهدي، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة، وسعي الحج.

أيها الناس:

إن هذا اليوم هو أوَّلُ وأفضل أيام ذبح الأضاحي، واليوم الذي ذبح فيه النبي صلى الله عليه وسلم أضحيته، ويمتد وقت ذبح الأضاحي إلى غروب شمس اليوم الثاني مِن أيام التشريق عند أكثر الفقهاء، وهو الثابت عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومَن لم يكن سيُضحي ثمَّ تيسَّر له مال في يوم العيد أو اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر قبل مغيب شمسه فنوي أن يُضحي فإنه يُمسك عن الأخذ مِن شعره وأظفاره وجلدة مِن حين نوى وحتى يذبح أضحيته، حيث ثبت عن نافع – رحمه الله – أنه قال: (( سَأَلَ أَبُو سَلَمَةَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – بَعْدَ النَّحْرِ بِيَوْمٍ فَقَالَ: إِنِّي بَدَا لِي أَنْ أُضَحِّيَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ شَاءَ فَلْيُضَحِّ الْيَوْمَ ثُمَّ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ )).

أيها الناس:

إن مِن السُّنَن في يوم عيد الأضحى وأيام التشريق الثلاثة تكبيرَ الله – عزَّ وجلَّ -: “الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد” بعد السلام مِن صلاة الفريضة، وفي سائر الأوقات مِن ليل أو نهار، لثبوت ذلك عن سلف الأمة الصالح مِن أهل القرون الأولى، وعلى رأسهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الإمام البخاري – رحمه الله – في “صحيحه”: (( وَكَانَ عُمَرُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا )).(( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ، وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا )).

أيها الناس:

إن طوائف كثيرة مِن النَّاس قد جعلوا العيد موسمًا لزيارة المقابر والجلوس فيها والتَّجمع عندها، وقراءة الفواتح لأهلها، فما إن ينتهوا مِن صلاة العيد إلا وتوجهوا إليها، ولا يُعرف هذا الفعل عن سلف الأمة الصالح، فما جعلها موسمًا للزِّيارة في العيد، ولا خصَّصها بالزِّيارة فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته – رضي الله عنهم – ولا مَن بعدهم، ولا أئمة المذاهب الأربعة، وإن لم نقتد بهؤلاء الأكابر الأجلاء فبمَن؟ وأكثر الناس لا يعلمون أن هذه عادة شيعية رافضية وتلقتها عنهم الصوفيه، فنشروها بين الناس.

نفعني الله وإياكم بما سمعتم، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــ

الحمد لله الملك الأعلى، وسلَّم على أشرف المخلوقين محمدٍ، وعلى آله وصحبه وصلَّى.

أما بعد، أيها الناس:

إن هذه الجمعة المباركة قد وافقت يوم عيد الأضحى، وإن السُّنَّة أن يُقيم الإمام بالناس صلاة الجمعة وخطبتها، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وغيرهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقيم الجمعة بالناس، حيث صحَّ عن النعمان بن بشير – رضي الله عنه – أنه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ «بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»، وَ «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ )) رواه مسلم.

ونُقلت إقامتها بالناس عن خليفة راشد، فصحَّ عن أبي عبيد أنه قال: (( شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ – رضي الله عنه – فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ» )) رواه البخاري.

وأما المأمومون الذين صلوا العيد مع الإمام فالمستحب في حقهم شهود الجمعة، فإن لم يحضروها فلا جُناح عليهم، ويُصلون في بيوتهم ظهرًا، لِما تقدَّم عن عثمان – رضي الله عنه – مِن الرُّخصة، وقد قال معاوية بن أبي سفيان لزيد بن أرقم – رضي الله عنهم -: (( أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُصَلِّ» ))، ولهذا الحديث شواهد قد يتقوى بها، وصححه جمع مِن المحدِّثين.

وأما مَن لم يشهد صلاة العيد مع الإمام فيجب عليه شهود صلاة الجمعة، فإن لم يشهدها أثِمَ، وكان لربه عاصيًا، وأقدم على فِعل ذنب عظيم.

هذا وأسأل الله تعالى أن يحفظنا مِن بين أيدينا، ومِن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومِن فوقنا، ومِن تحت أرجلنا، وأن يجنبنا كيد الكائدين، ومكر الماكرين، اللهم قوِّ إيماننا بك، وزد في توكلنا عليك، واجعل قلوبنا متعلقة بك، اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع، وارفع عنهم الأمراض والأوبئة، وارفع عنهم التشرد والتفرق، وأعذهم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم بارك لنا في أعمارنا وأعمالنا وأوقاتنا وأموالنا وأهلينا، واغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وجميع المسلمين، اللهم قاتل النصيريين والحوثيين والخوارج، ومزِّقهم شرَّ مُمزق، واخذلهم في العالمين، اللهم وفق خادم الحرمين وجميع نُوَّابه ووزرائه وعماله وجنده لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، وأعظم لهم الأجر والمثوبة على ما يقومون به جهة الحج والحجيج، إنك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم.