إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: ” المتكاسلون والغافلون عن الحج “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” المتكاسلون والغافلون عن الحج “.

  • 24 أغسطس 2014
  • 1٬226
  • إدارة الموقع

المتكاسلون والغافلون عن الحج

الخطبة الأولى:

الحمد لله الوليِّ الحميد، الفعالِ لما يُريد، الذي خضعت له الرقاب، وذلَّت له جميع العباد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نِديد ولا نظير، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيّد الرسل، وخلاصة العبيد، فاللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه أولي الأخلاق الفاضلة، والقول السديد، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الوعد والوعي، وسلِّم تسليمًا مزيدًا ما تعاقب ليل مع نهار.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله الملك العلام, العظيم الجبَّار, العزيز القهَّار, مُكورِ الليل على النهار, ومحيي العظام وهي رميم, واخشوا يومًا تُعرضون فيه عليه لا تخفي منكم خافية, يوم يحُصَّل ما في الصدور, ويَكون الناس إلى جنة أو نار تستعر.

واعلموا أن مِن تقواه ـــ جل وعلا ـــ المبادرةَ إلى حج بيته الحرام, امتثالًا لأمره, وتعظيمًا لجلاله, وإحسانًا لأنفسكم، ورفعة لدرجاتكم, وأداء لما وجب, فإنه تعالى قد أوجب عليكم الحج وفرضه في كتابه العزيز فقال ــ عزَّ شأنه ــ: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا }.

ووقف نبيكم صلى الله عليه وسلم خطيبًا في الناس، فقال لهم: (( أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا )) رواه مسلم.

وإن من دلائل تكريمه سبحانه لكم، ورحمته الشديدة بكم، وإِفْضَالِه لكم، وإنعامه عليكم في باب الحج إلى بيته الحرام، هذه الأمور:

أولًا: أنه تعالى جعل فريضة الحج إلى بيته الحرام إحدى الدعائم الخمس التي بُني عليها دينه الحنيف، فقال رسوله صلى الله عليه وسلم إليكم وإلى الناس: (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) رواه البخاري ومسلم.

وثانيًا: أنه تعالى لم يوجب الحج عليكم في العمر إلا مرة واحدة فقط، فقد ثبت عن نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ: كُتِبَ عَلَيْكُمِ الْحَجُّ، فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا، وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ )) رواه الإمام أحمد وغيره.

وثالثًا: أنه تعالى جعل الحج مِن أسباب مغفرة الذنوب، وإذهاب السيئات، فقد أخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )).

والرفث هو: الجماع في حال الإحرام ومقدماته مِن مباشرة للنساء أو تقبيل أو نظر بشهوة.

ويدخل فيه: النطق بالفحش، والقبيح من الكلام.

والفسوق: يشمل المعاصي كلها, معاصي القلب, ومعاصي اللسان, ومعاصي الجوارح مِن أيد وأقدام وعيون وآذان وفروج وغيرها.

وثبت عن شقيق بن سلمة ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( أَرَدْتُ الْحَجَّ، فَسَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ فَقَالَ: إِنْ تَكُنْ نِيَّتُكَ صَادِقَةً، وَأَصْلُ نَفَقَتِكَ طَيِّبَةً، وَصُرِفَ عَنْكَ الشَّيْطَانُ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ عَقْدِ حَجِّكَ، عُدْتَ مِنْ سَيِّئَاتِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أَمُّكَ)) رواه الفاكهي في “أخبار مكة”. 

ورابعًا: أنه تعالى جعل الحج مِن أعظم أسباب دخول الجنة، والتنعم بما فيها مِن خيرات حِسان، ومآكل ومشارب ومساكن، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ )) رواه البخاري ومسلم.

والحج المبرور هو: الحج الذي ليس فيه ما يُبطله مِن محظورات الإحرام, ولا ما يُنقص ثوابه مِن محظورات أو الذنوب والآثام قولية كانت أو فعلية.

وخامسًا: أنه تعالى جعل الحج مِن أسباب العتق من النار ــ أعاذنا الله مِن شرها ــ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ )) رواه مسلم.

وسادسًا: أنه تعالى جعل الحج مِن أنواع الجهاد في سبيله، إذ قالت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال صلى الله عليه وسلم لها: (( لاَ، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ )) رواه البخاري.

وسابعًا: أنه تعالى جعل متابعة الحج والعمرة مِن أسباب سَعة الرزق, وذهاب الفقر, ومحو الذنوب, وتكفيرها، فقد  ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا: يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ )) رواه النسائي وغيره.

فماذا نريد بعد هذا الفضل مِن فضل؟ وماذا نريد بعد هذا الإكرام مِن إكرام؟ وماذا نريد بعد هذه الأجور مِن أجور؟.

وصدق الله القائل في كتابه العزيز ممتنًا علينا: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم والسنة النبوية, ونفعني وإياكم بما فيهما مِن الأحكام والمواعظ والعِبر، والحمد لله رب العالمين.

 الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد، أيها الناس:

ماذا ينتظر مَن لم يحج فريضته بعد أن سمع هذه الأحاديث النبوية؟ أينتظر أن يفجأه الموت وهو لم يؤد فريضته بعد, أم ينتظر حتى يُبتلى بمرض أو كِبَرٍ يُقعدانه فلا يستطيع الحِراك, أم ينتظر الفقر والحاجة بعد وجود النفقة والمال؟ ألم يسمع قول ربه ــ جلَّ وعلا ــ له ولغيره آمرًا ومحرضًا ومرغبًا: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }.

وامتثال أمر الله تعالى بالمسارعة إلى المغفرة والجنة إنما يكون بالمبادرة والعجلة إلى الطاعات مِن فرائض ومستحبات قبل نزول الموت، وحلول الأجل، وحصول ما يعوق مِن مرض أو كِبَر أو حبس أو فتن أو حروب أو أعمال مشغلة، ألم نسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم آمرًا لنا ومرهبًا: (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)) رواه مسلم.

وثبت عن غنيم بن قيس ــ رحمه الله ــ أنه قال مبينًا لنا حال سلفنا الصالح مِن الصحابة والتابعين ـــ رضي الله عنهم ـــ : (( كُنَّا نَتَوَاعَظُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِأَرْبَعٍ، كُنَّا نَقُولُ: اعْمَلْ فِي شَبَابِكَ لِكِبَرِكَ، وَاعْمَلْ فِي فَرَاغِكَ لشُغْلِكَ، وَاعْمَلْ فِي صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَاعْمَلْ فِي حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ)) رواه ابن المبارك في كتاب “الزهد”، وغيره.

فالحذر الحذر ـــ عباد الله ـــ مِن التكاسل عن أداء فريضة الحج، مع وجود الصحة والعافية، وحصول الميسرة في الرزق، وتوافر الأمن في الطريق, فقد ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( لِيَمُتْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا رَجُلٌ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، وَجَدَ لِذَلِكَ سَعَةً، وَخُلِّيَتْ سَبِيلُهُ، لَحِجَّةٌ أَحُجُّهَا وَأَنَا صَرُورَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سِتِّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعٍ )) رواه البيهقي وغيره.

وثبت عن الأسود بن يزيد ـ رحمه الله ـ أنه قال لرجل من قومه مُوسر: (( لَوْ مِتَّ وَلَمْ تَحُجَّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْكَ )) رواه ابن أبي شيبة وغيره.

وثبت عن عبد الله بن معقل ـ رحمه الله ـ أنه سئل عن رجل مات ولم يحج وهو موسر؟ فقال: (( مَاتَ وَهُوَ لِلَّهِ عَاصٍ )) رواه ابن أبي شيبة.

وثبت عن سعيد بن جبير- رحمه الله- أنه قال: (( لَوْ كَانَ لِي جَارٌ مُوسِرٌ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ )) رواه ابن أبي شيبة.

وقد ذهب أكثر أهل العلم، منهم: مالك وأبو حنيفة وأحمد إلى أن الحج واجب على المكلف على الفور إذا توفرت الاستطاعة, ومَن أخَّرَه وأجَّلَه أثِمَ وكان لِربه عاصيًا.

وقال العلامة العثيمين ـ رحمه الله ـ:

كيف تطيب نفس المؤمن أن يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه وهو يعلم أنه مِن فرائض الإسلام وأركانه, كيف يبخل بالمال على نفسه في أداء هذه الفريضة, وهو ينفق الكثير مِن ماله فيما تهواه نفسه, وكيف يوفر نفسه عن التعب وهو لا يجب في العمر سوى مرة واحدة, وكيف يتراخى ويؤخرّ أداءه وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه, فاتقوا الله عباد الله, وأدوا ما فرضه الله عليكم مِن الحج تعبدًا لله تعالى, ورضًا بحكمه, وسمعًا وطاعة لأمره, إن كنتم مؤمنين, ومَن لم يحج مع قدرته على الحج فإن إسلامه غير تام, فانتهزوا الصحة في الأبدان, والأمن في الأوطان, أما ترون كيف يسر الله لكم الأسفار, وكيف أزال عنكم ما يصحبها مِن الأضرار والأخطار, تخرجون مِن بلادكم إلى أم القرى آمنين, وترجعون منها بصحة وعافية مطمئنين, لا تخافون عدوًا ولا قاطعًا, والسفر بضعة أيام, وفي رواحل برية، ورواحل جوية, على أكمل الوجوه, وأتم الراحات, نفقات يسيرة, ونعم جليلة كثيرة, وقد بسطت لنا الأموال, ويسرت لنا الصعوبات الثقال, أما علمتم بما كان الناس يعانونه في أسفارهم قبل زمن قليل, يعانون المخاوف والقلق, والتعب في الحط والرفع, والنزول والرحيل, وينفقون نفقات باهضة, ومال كثير, ومع ذلك فهم يتلقون ما أصابهم بصدور رحبة, ونفوس طيبة, يبتغون بذلك ما عند الكريم الجليل.اهـ.

فاللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، وعلم لا ينفع، وعين لا تدمع ودعوة لا يستجاب لها، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم إنا نسألك متابعة القرآن والسنة في أقوالنا وأفعالنا واعتقاداتنا، اللهم أرفع الضر عن المتضررين من المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الفتن والشرور، وارفع عنهم الخوف والجوع، وارفع عنهم الأمراض والأوبئة، وارفع عنهم الجلاء والنزوح من بلدانهم، اللهم قربهم إلى التوحيد وأبعدهم عن الشرك، وقربهم إلى السنة وأبعدهم عن البدع، وقربهم من الطاعة وأبعدهم عن المعاصي، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لما تحب وترضى، وأزل بهم الشرك والبدع والمعاصي، واحفظ بهم التوحيد والسنة، وأضعف بهم البغي والعدوان والظلم والفساد، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وسائر أهلينا وقرابتنا صغارهم وكبارهم، رجالهم ونساءهم، الحي منهم والميت، إنك سميع الدعاء، وأقول ما سمعتم، واستغفر الله لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم.

 

 

خطبة ألقاها:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد