إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: ” تعظيم حقِّ الجار وفضل حُسن الجوار في شريعة الإسلام “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” تعظيم حقِّ الجار وفضل حُسن الجوار في شريعة الإسلام “.

  • 8 مارس 2018
  • 991
  • إدارة الموقع

تعظيم حقِّ الجار وفضل حُسن الجوار في شريعة الإسلام

الخطبة الأولى:ــــــــــــ

الحمد لله مولى الحمد وأهله، أحمدُه تعالى على نعمه وفضله وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أنْ لا إله إلا الله الذي كتب الإحسان على كل عبد خلقه، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أكرم نبي بعثه، وبالرحمة أرسله، وبطيِّب الأخلاق جمَّله وكمَّله، فصلى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أفضل أمته مِن بعده.

أما بعد، فيا عباد الله:

إن شريعة الإسلام الرَّفيعة الجليلة قد جعلت للجيران على بعضهم حقوقًا، رغَّبَت في أدائها وأمَرت، ورهَّبَت مِن تضييعها وزجرت؛ فمَن قام بها حَقَّ القِيام فقد عظَّم شعائر الله تعالى: { وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }.

ومَن فرَّط فيها فقد أساء وتَعَدَّى وظلم: { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ }.

وإنَّ ربكم ــ عزَّ وجلَّ ــ قد أمركم بالإحسان إلى جميع الجيران، فامتثلوا ما أمَر به، وأحسنوا إلى جيرانكم مسلمين كانوا أو غير مسلمين، ولا تُسيئوا إليهم، فقال سبحانه: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا }.

وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ )).

واعلموا أنَّ الإحسان إلى الجيران يشمل كُلَّ أَوْجُهِ الإحسانِ:

مِن الخُلُق الرَّفيع، والأدب الجميل، والكلمة الطيِّبة النافعة، وقضاء الحوائج، والوقوف معه في الشدائد والمكروهات، ونُصحه بالرِّفق والخطاب اللَّيِّن، ولُقياه بالوجه السَّمح الطَّلْق، والحفظ له في أهله وعياله وبيته وماله، والإهداء إليه، والتَّصَدُق عليه إنْ كان فقيرًا، وستر عيوبه وزلاته، وإكرام زائره، والتيسير عليه، وتفريج كُربه، وعيادته إنْ مرض، وتهنئته إذا حصل ما يُهنأ به، وتعزيته إنَّ مات له قريب، وإطعامه إنْ جاع، والصَّفح عنه إذا أخطأ أو تجاوز، واحتمال أذيته، وترك التضييق عليه، ونحو ذلك.

عباد الله:

إنَّ للجار منزلة عظيمة في شريعة الإسلام، حتى إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ظن أنَّ الجار سيرِث جاره إنْ مات، مِن كثرة إيصاء جبريل ــ عليه السلام ــ له بالجار، إذ صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ )).

وبكثرة الإحسان إلى الجار ترتفع منزلة العبد عند ربه سبحانه، لِما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( خَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ )).

وحُسن الجِوار مِن أسباب عِمران الديار، وزيادة الأعمار، لِمَا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( حُسْنُ الْخُلُقِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَحُسْنُ الْجِوَارِ: يَزِدْنَ فِي الْأَعْمَارِ, وَيُعَمِّرْنَ الدِّيَارَ )).

عباد الله:

إنَّ الإهداء إلى الجيران مِن أحسن ما يُورِّث المحبَّة، ويَنزِع الضغائن، ويُزيل الأحقاد، ويقوِّي الصِّلة، ويزيد الأُلفة والتراحُم، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في بيان أثر الهدية: (( تَهَادَوْا تَحَابُّوا )).

وبِبذل المعروف للجار أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فقد صحَّ عن أبي ذرٍّ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( إِنَّ خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَانِي إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ )).

وصحَّ عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لاَ تَحْقِرَنَّ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ مَعْرُوفًا لِجَارَتِهَا وَلَوْ كَانَ فِرْسِنَ شَاةٍ )).

وفِرْسِنُ الشاة هو: عظمها الذي فيه لحم قليل.

وصحَّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ــ رضي الله عنهما ــ: (( أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً، فَقَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِي الْيَهُودِيِّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ )).

وصحَّ عن أمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت: (( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» )).

وأمَّا إذا جاع الجار فالأمر أشدّ، حيث جاء في حديث نصَّ على ثبوته الإمام الألباني ــ رحمه الله ــ وغيره، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وجارهُ جَائِع )).

عباد الله:

إيِّاكم وأذية الجار – صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو غير مسلم ــ فإنَّ أذيته مُحرَّمة شديدًا، ومعصية غليظة شنيعة، وإثمُها عظيم مُضاعف، حتى إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل الاعتداء على عِرض الجار أعظمَ وأفظع مِن الاعتداء على عِرض غيره، وجعل السَّرِقة مِن الجار أعظمَ مِن السَّرِقة مِن غيره، فصحَّ عن ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ؟ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ )).

وثبت عن المِقداد بن الأسود ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (( مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟ قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ، فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟ قَالُوا حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهِيَ حَرَامٌ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ )).

فاتقوا الله ــ عباد الله ــ في جيرانكم، وارعوا حُرُمَاتهم، وأدُّوا إليهم حقوقهم، واجتنبوا أذيتهم، ولا تكونون مِن المسيئين إليهم، وأبعدوهم عن شُروركم، ولا تتعرَّضوا لهم بأذية قولية أوفِعلية، أو تتسبَّبوا في وقوع الأذى والشِّر بهم، واحجزوا نساءكم وأولادكم ــ ذكورًا وإناثًا صغارًا وكبارًا – عن ذلك، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ كانَ يؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلا يُؤْذي جارَهُ )).

وثبت عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ فُلَانَةَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا خَيْرَ فِيهَا هِيَ فِي النَّارِ»، قِيلَ: فَإِنَّ فُلَانَةَ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَتَصَدَّقُ بِأَثْوَارٍ مِنْ أَقِطٍ ،وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا بِلِسَانِهَا، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» )).

وصحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم توعَّد شديدًا، فقال: (( وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ“، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: “مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ )).

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنه قال: (( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ )).

وبوائِقُه هي: شرُّه وأذاه.

نفعني الله وإياكم بما سمعتم، وجعلنا مِن المحسنين إلى جيرانهم، ومِن أهل الإحسان في الجِوار، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:ــــــــــــ

الحمد لله التوَّاب الرحيم، الذي وسع كل شيء رحمة وعلمًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد الطَّيِّب المُطَيَّب، وعلى آله وأصحابه والتابعين، وعنَّا معهم يا ربَّ العالمين.

أما بعد، فيا عباد الله:

لقد كان الناس قبل الإسلام يُعَظِّمُون حقَّ الجِوَار، ويقومون به، ويتنافسون فيه، ويحترمون الجار احترامًا شديدًا، ويتفاخرون بحُسن الجوار، ويقولون الأشعار في ذلك، ويتناقلونها ويتوارثونها فيما بينهم، حتى قال قائلهم:

وأَغُضُّ طرفي ما بدَتْ لي جارَتي … حتى يُواري جارتي مأْواها

فجاء الإسلام مقرًّا لهم على ذلك، وجاعلًا ذلك مِن مُكمِّلات الإيمان، وخِصاله الحميدة العالية، وأعظَمَ الأجر في القيام بحقِّ الجوار، وأكثر الإثم في أذيَّة الجار، ونفَّر مِن الإساءة إليه.

فكونوا ــ يا عباد الله – مِن الجيران الصالحين، فإنَّ ذلك سعادة لكم ولجيرانكم، ومِن علامات قوة إيمانكم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ: الْجَارُ الصَّالِحُ )).

ولا تكونوا مِن جيران السوء الذين يَتعوذ جيرانهم مِنهم، ومِن شرِّهم، ومِن شرِّ أهليهم وذُرِّتهم، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السَّوْءِ فِي دَارِ الْمُقَامِ، فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ عَنْكَ )).

وجار دار المُقام هو: الجاري الذي يَسكن بجوارك في الحَضَر.

واحذروا أنْ يَترك جيرانكم بيوتهم بسبب أذيتكم أو شرِّ نسائكم وأبنائكم وبناتكم فتهلكوا، فقد ثبت عن ثوبان ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: ((مَا مِنْ جَارٍ يَظْلِمُ جَارَهُ وَيَقْهَرُهُ حَتَّى يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ إِلاَّ هَلَكَ )).

وثبت عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارًا يُؤْذِينِي، فَقَالَ: «انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَتَاعَكَ إِلَى الطَّرِيقِ»، فَانْطَلَقَ فَأَخْرِجَ مَتَاعَهُ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: لِي جَارٌ يُؤْذِينِي، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَتَاعَكَ إِلَى الطَّرِيقِ»، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، فَبَلَغَهُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى مَنْزِلِكَ، فَوَاللَّهِ لَا أُؤْذِيكَ أَبَدًا )).

هذا وأسأل الله: أنْ يتجاوز عن تقصيرنا وسيئاتنا، اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، ولجميع أهلينا، وبارك لنا في أعمارنا، وأعمالنا، وأقواتنا، وصحتنا، اللهم اكشف عن المسلمين ما نزل بهم مِن ضُرٍّ وبلاء، وفقر وتشرُّد، وضعف وتقصير، وقتل واقتتال، ووسع عليهم في الأمن والرِّزق والعافية، وجنَّبنا وجنِّبهم معنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأصلح ولاتنا، ودعاتنا، وجندنا، وسدِّدهم ووفقهم لِما يُرضيك، اللهم إنَّا نعوذ بك مِن جار السوء في دار المُقامة، اللهم اجعلنا جيرانًا صالحين مُصلِحين، ومِن خير الجيران عندك، يا سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم.