إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > التاريخ والسيرة > خطبة مكتوبة بعنوان: ” منزلة الصحابة في الشريعة وشيء من مناقب ملك أهل الإسلام معاوية “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” منزلة الصحابة في الشريعة وشيء من مناقب ملك أهل الإسلام معاوية “.

  • 20 سبتمبر 2018
  • 497
  • إدارة الموقع

منزلة الصحابة في الشريعة وشيء مِن مناقب ملك أهل الإسلام معاوية

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــ

الحمد لله الذي وسع كل شيءٍ رحمةً وعلمًا، ورَفع بعض خلقه على بعض مِنَّةً مِنْه وفضلًا، وله الحِكَم الباهرة فيما اختار، ومَن اصطفى، لا يُسأل عمَّا يَفعل وهُم يُسألون، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، الذي خُتمت بِه الأنبياء والمرسلون، وبُعث رحمة للعالمين، فاللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وعلى أزواجه وذريته وباقي آل بيته، وعلى أصحابه البَرَرة الأنجاب، السابقين إلى تصديقه ونُصرته، والناقلين لِسُنَنه وأحكامه، والباذلين أنفسهم وأموالهم لِنشر دينه، وهداية الناس إليه، حتى كان جميعُه راجعًا إلى نَقلهم، فلهم مثل أجور كلِّ مَن اهتدى بشيء مِنه على مَرِّ الأزمان، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فاتقوا الله ربَّكم حقَّ التقوى، فإنَّ تقوى الله خيرُ لباسٍ لكم وزاد، وأفضلُ وسيلةٍ إلى رضا ربِّ العباد، حيث قال سبحانه: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ }، ثُمَّ اعلموا أنَّ مِن أعظم خِصال التقوى، وأجَلِّ صفات أهل الإيمان، وأحسَن خِلال المسلم، ودلائلِ جميل الدِّيانة، وشواهد صلاح الباطن، وعلامات وفُور العقل وصِحَّته: حُبَّ جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلامةَ القلوب والألسن جهتَهم، وذِكرَهم بين الناس بالجميل، وإعزازَهم وإجلالَهم وتوقيرَهم، ونَشرَ محاسِنهم وفضائِلهم، والدِّفاعَ عنهم، وموالاتَهم، والاستغفارَ لهم، والتَّرضِّيِّ عنهم، والثناءَ عليهم.

وعلى هذه العقيدة الطيِّبة الزَّكيَّة سار السَّلف الصالح أهل السُّنة والحديث على مَرِّ الأزمان، وتباين الأقطار، واختلاف الأجناس، والألوان، واللغات، وسَيستمرون عليها إلى قيام الساعة، ومَن قرأ القرآن المجيد فلن يَجد إلا هذه العقيدة، ومَن نَظر أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه زادته إيمانًا وتمسُّكًا بهذه العقيدة، ومَن وقف على أقوال أجِلَّة أهل بيت النُّبوة الصحيحة إليهم وجَد أنَّهم لا يَخرجون عن هذه العقيدة، ومَن قلَّبَ دواوين السُّنة المُطوَّلَة والمُختصَرة زادته ثباتًا إلى ثبات على هذه العقيدة، وعلى هذا الموقف النَّبيل جِهة الصحابة الكرام ــ رضي الله تعالى عنهم ــ.

وقد أثنى الله ــ عزَّ وجلَّ ــ في مواضع عديدة مِن القرآن على الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ ثناء زكَّى بِه بواطنهم وظواهرهم، وختَم بوعدِهم بالمغفرة والأجر العظيم، والرِّضى عنهم، والنَّعيمِ في الجِنان، فقال سبحانه: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }، وقال ــ جلَّ وعزَّ ــ: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }.

وجعلَهم النبي صلى الله عليه وسلم خيرَ أمَّته، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( خَيْرُ الناس قَرْنِي )).

أيُّها الناس:

إنَّ مِن الأمور التي اتفق عليها السَّلف الصالح أهل السُّنة والحديث وقرَّروها في كُتب الاعتقاد والسُّنة على اختلاف عصورهم، وبلدانهم، وأجناسهم، ولغاتهم، حتى لا يَكاد يَخلو مِن ذِكرها كتاب، هذه الأمور الثلاثة:

الأمر الأوَّل: الذَّم والقدح والتحذير والبُغض والبَراء مِن كل مَن يَذكُر الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ أو يَذكر أحدًا مِنهم بسوء، وأنَّه مُبتدِع ضالٌ مُنحرف خارج عن سَبيل الحق والهُدى.

حيث قال إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ في رسالته “أصولِ السُّنَّة”: “مَن انتقص واحدًا مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أبغضه لِحدَث كان مِنه، أو ذَكر مساويَه، كان مبتدِعًا، حتى يترَحَّم عليهم جميعًا، ويكونَ قلبُه لهم سليمًا”.

وقال الإمام أبو زُرعةَ الرازي ــ رحمه الله ــ: “إذا رأيت الرجل يَنتقِص أحدًا مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنَّه زنديق، وذلك أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسُّنَنَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما يُريدون أنْ يُجرِّحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب والسُّنَّة، والجرحُ بِهم أولى، وهُم زنادقة”.

وقد بيَّن الله حال أهل التُّقى والصلاح مِمَّن جاء بعد الصحابة جهة الصحابة، وأرشد إليه، وأنَّه التَّرحُم عليهم، والاستغفار لهم، وسلامة القلوب مِن الغِلِ والحقد والضغينة نحوهم، فقال سبحانه بعد أنْ أثنى على المهاجرين والأنصار ــ ر ضي الله عنهم ـــ، وذَكَر بعضَ جميل صفاتهم: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }.

وصحَّ عن أمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت في شأن المخذولين مِن الخوارج والروافض: (( أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبُّوهُمْ )).

الأمر الثاني: السُّكوت عمَّا شجر بين الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ مِن خلاف بعد مقتل الخليفة الراشد عثمان ــ رضي الله عنه ــ، حتى لا تَنجرَّ الألسن أو القلوب إلى ذَمِّ أو بُغض أو انتقاص أحد مِنهم.

لأنَّ أكثر ما يُروى مِن الأقاويل والقَصَص في ذلك كذِب، ومِنه ما زِيد فيه أو نُقِص حتى تغيَّر عن معناه الصحيح، والصحيح مِنه قليل جدًا، وهُم فيه إمَّا مجتهدون مُصيبون أو مجتهدون مُخطئون، ولهم مِن السوابق والفضائل ما يُوجب مغفرة ما يَصدر مِنهم إنْ صدر، حتى إنَّه يُغفر لهم مِن السيئات ما لا يُغفر لِمَن بعدهم، لأنَّ لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لِمَن بعدهم، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في عُذْر أهل الاجتهاد وأجرِهِم مع الخطأ، وعلى رأس المجتهدين الصحابة: (( إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ))، وجاء في عظيم أجْر الصحابة على المُقام مع النبي صلى الله عليه وسلم زمَنًا يسيرًا، ما ثبت عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ ))، وجاء في بيان عِظم فضل نفقة الصحابة اليسيرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ما صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ )).

ألا فلْنَحْذر مِن المجالس والمحاضرات والأشرطة والفضائيات ومواقع الإنترنيت التي تخوض فيما شجر بين الصحابة مِن خِلاف، حتى ولو لبَّسوا وجعلوه باسم التاريخ ومعرفته، فلا يُنظر إليها، ولا يُستمع لها، ولا يُجلَس للمتكلمين فيها، ولا تُقرأ في المواقع، ولا تُرسل مقاطعها عبر برامج التواصل، لأنَّ هذا قد يفضي إلى بغض أحد مِن الصحابة، أو الوقيعة فيه، أو تحريش الجُهَّال عليه، وفي هذا الهلكة والخُسْران، وقد نَقل الإمام ابن بَطَّة ــ رحمه الله ــ في “الإبانة الصغرى”: اتفاق سادات علماء هذه الأمِّة على ترْك النَّظر في الكتب التي تتكلم فيما شَجر بين الصحابة مِن خِلاف، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( الأَنْصَارُ لاَ يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ )).

الأمر الثالث: التمسك بما كان عليه الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ مِن العلم والعمل، ومتابعتهم فيه، مما ثبتت به الآثار عنهم.

فتُفهَم نصوص القرآن والسُّنة على ضوء ما فهموه، وتُجرى على ما أجْرَوه، ولا يُخرَج بها عن أقوالهم، ويُتابَعون في القول والفِعل والترْك في جميع أبواب الشريعة، لأنهم شهدوا التنزيل، ووعوه وحفظوه، وعرفوا التفسير والتأويل، فإن تكلموا أو عملوا أو كَفُّوا وهَجَروا فعن عِلم، وعلى هُدىً، وقد دَلَّ القرآن على تقرير هذا الأصل العظيم فقال تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }، فجعلَ سبحانه الصحابةَ متبوعين في الدِّين، وأثنى على مَن بعدهم باتِّباعِهم لهم، ووعدَهم مع مَن اتَّبَعهم إلى يوم القيامة برضاه عنهم، والخلودِ في الجنَّة.

وما ضلَّ مَن ضلَّ مِن الفِرق، ولا انحرف مَن انحرف مِن الجماعات، ولا زاغ مَن زاغ مِن الناس، إلا حين استقلَّ بفهمه للنصوص الشرعية، وخرج عن فهوم الصحابة، وما كانوا عليه مِن القول والعمل، والفِعل والترك.

وقد كانت أوَّل جملة بَدأ بها إمام أهل السُّنة أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ في رسالته “أصولِ السُّنة” أنْ قال: “أصول السُّنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بِهم”.

فاللهم اجعلنا مِمَّن يُحِبُّ صحابة نبيك صلى الله عليه وسلم حبًّا كثيرًا، ويتولاهم وينصُرهم، ويُجلُّهم ويوقِّرهم، ويترضى عنهم، ويَعرف لهم سابقتَهم وفضلَهم، ويَستغفر لهم، ويسير على طريقهم، ويَقتدي بهم، إنك سميع مجيب.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــ

الحمد لله مُعزِّ أوليائِه، ومُحِبِّ أهلِ طاعته، ومُخزِي شانئيهم ومَن قَلاهم، والصلاة والسلام على نبيِّه المؤيَّد بالبراهين والمعجزات، وعلى آل بيته، وعلى الصحابة الكِرام الأبرار، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فإنَّ مِن أجلَّاء الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ: الأميرَ المُبَجَّل، والملكَ الصالحَ العادلَ معاوية بنَ أبي سفيان ــ رضي الله عنه، وعن أبيه ــ، وإنَّ كل نَصِّ جاء في القرآن أو السُّنة النَّبوية في فضل الصحابة، والثناءِ عليهم، ووجوبِ محبَّتهم، ولزومِ توقيرهم واحترامهم، وحُرمَةِ سبِّهم والطعن فيهم، فمعاوية داخل فيه، وهو مِن أهله، لأنَّه مِن الصحابة.

وقد قِيل للإمام عبد الله بن المبارك  ــ رحمه الله ــ: “أيُّهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لَتُرابٌ في مِنْخَرَيِّ معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ وأفضلُ مِن عمر بن عبد العزيز”.

وقِيل للإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ: “أيُّهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لَسْنَا نَقيس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( خير الناس القرن الذي بعثت فيهم ))“.

وقِيل لِلمُعَافَى ابن عمران ــ رحمه الله ــ: “أيُّهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب على السائل، وقال له: أتجعل رجلًا مِن الصحابة مثل رجل مِن التابعين، معاوية صاحبه صلى الله عليه وسلم، وصِهره، وكاتبه، وأمينه على وحْيِ الله”.

أيُّها الناس:

إنَّ مناقب معاوية ــ رضي الله عنه ــ لكثيرة مشهورة، وحَسنٌ إمتاع القلوب، وتَشنيف الأسماع، وتنوير العقول بشيء منها.

فمِن هذه المناقب: أنَّه كان مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا بِه وصدَّقوه، ونصروه، وجاهدوا بين يديه، وتلقوا العلم عنه، وشرفُ الصُّحبة لا يَعدِله شرف.

ومِن هذه المناقب: أنَّه كان كاتبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يكتب عنه الوحي الذي أُنْزِلَ عليه هداية ورحمة للخلق، ولا يَشك مؤمن أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لن يَختار لكتابة وحْيِ الله إلا مَن كان عنده أمينًا عدلًا مرضيًّا.

ومِن هذه المناقب: أنَّه مِمَّن أعزَّ الله بِهم الإسلام وأهله، وكان الإسلام في عهدهم عزيزًا منيعًا، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لاَ يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَىْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ))، ومعاوية واحد مِن هؤلاء ألاثني عشَر خليفة.

ومِن هذه المناقب: دخوله في قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: (( أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا ))، ومعنى: (( أوجَبُوا )) أي: فعلوا أمْرًا يُوجِب لهم مغفرة ربِّهم، وقد كان معاوية أوَّل مَن رَكب البحر مِن الغُزاة في سبيل الله، بل كان أمير هذا الجيش، فهنيئًا له هذا الوعد الجميل، وهذه البشارة العظيمة مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومِن هذه المناقب: تَولية ثلاثةٍ مِن الخلفاء الراشدين المهديين له، وهُم: أبو بكر،وعمر، وعثمان ــ رضي الله عنهم ــ، حيث ولَّاه أبو بكر على بعض المَدَد الذي أرسله إلى بلاد الشام ناشرًا للإسلام، ومجاهدًا في سبيل الرحمن، ثُمَّ ولَّاه عمر على بعض أقاليم الشام بعد وفاة أخيه يزيد، ثُمَّ ولاه عثمان أميرًا على بلاد الشام كلها.

ومِن هذه المناقب: اتساع بلاد الإسلام في عهده، حتى وصلت إلى حُدود القسطنطينية، وشمال أفريقية، وحُدود روسيا، ويا لله كم ترتَّب على كثرة الفُتوح للأمصار في عهده مِن إسلام ملايين البَشر، فهنيئًا له ما سيأتيه مِن أجور كثيرة، وثواب عظيم، بسب إسلام هؤلاء.

فاللهم اجعلنا مِن المتبعين لنبيك صلى الله عليه وسلم، والمتمسكين بسُنَّته وهديه، والسائرين على طريقه، اللهم ارفع الضُّر عن المتضررين مِن المسلمين في كل أرض، وأعذنا وإيَّاهُم مِن الفتن ما ظهر مِنها وما بطن، ووفِّق ولاة أمورنا للقضاء على الشِّرك والبِدع والمعاصي، وإقامة الدين والعدل، وحفظ البلاد، وأكرمنا برضوانك والجنَّة، وجنِّبنا سخطك عنَّا والنار، ولا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، يا رحيم يا غفار، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.