إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: ” اتقوا الله ولا تتساهلوا فتُوقِعوا الطلاق بالثلاث فإنَّه مُحرَّمٌ ومُنكَر “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” اتقوا الله ولا تتساهلوا فتُوقِعوا الطلاق بالثلاث فإنَّه مُحرَّمٌ ومُنكَر “.

  • 6 مارس 2019
  • 879
  • إدارة الموقع

اتقوا الله ولا تتساهلوا فتُوقِعوا الطلاق بالثلاث فإنَّه مُحرَّمٌ ومُنكَر

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــ

الحمد لله عند مُفتَتَحِ كل خُطبة، وذِكرِ كل نِعمة، وصلَّى الله وسلَّم على سيِّدنا محمد النَّبي الأُمِّيِّ المبعوثِ رحمة وهداية، وعلى آله وأصحابه وأتباعه مِن أهل كل بلاد وناحية، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وحدَه لا شريكَ له، الكامل في أسمائه وصفاته وأفعاله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخاتَم أنبيائه، وأفضل رُسله.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فاتقوا الله  تعالى بمعرفة الحق واتباعه، ومعرفة الباطل واجتنابه، فإنَّ العلم بذلك مِن آكد الواجبات، وأهمِّ المُهمَّات، وأعظمِ زاد الآخِرة، وإنَّه شفاءٌ لِلعِيِّ، ودواءٌ للجُهَّال، وسلامةٌ مِن الآفات، ومَن أرادَ الله بِه خيرًا فقَّههُ في الدين، ومَن لم يُرد بِه خيرًا أعرضَ عن طلبه وهجَره، فأصبحَ مِن الخاسرين: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }.

واعلموا أنَّ من شواهد تقواهُ: أنْ يكون طلاقُكم موافقًا لشريعته الرحيمة، لا يُخالفها في جميع الأحوال، لا في حال الرِّضا والغضب، ولا حالِ الكُره والبُغض، ولا حالِ الشِّدة والضَّيم، ولا حالِ الحُزن والأسَى.

ثُمَّ اعلموا: أنَّ إيقاع الرَّجل الطلاق على امرأته ثلاثًا أو أكثرَ في جُملةٍ واحد، ولفظٍ واحد، كأن يقولَ لها: “أنت طالقٌ بالثلاث”، أو “أنت طالقٌ أنت طالق أنت طالق” أو “أنت طالقٌ مئة” محرَّمٌ غير جائز، وآثمٌ مَن تلفَّظ بِه، وعاصٍ لِله سبحانه، وبهذا قال أكثر العلماء مِن الصحابة والتابعين فمَن بعدهم مِن فقهاء الأمصار، بل ذَكر الإمام مُوَفَّقُ الدين ابن قُدامة ــ رحمه الله ــ وغيرُه تحريمَه إجماعًا مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ويَدُلُّ على تحريمه أمور ثلاثة:

الأمر الأوَّل: غضبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشديد على مَن أوقع الطلاق ثلاثًا، وجعْلُه ذلك تلاعبًا بكتاب الله ــ عزَّ وجلَّ ــ.

حيث صحَّ عن محمودِ بن لَبِيدٍ أنَّه قال: (( أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانًا، ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟ )).

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ عند هذا الحديث: ففي هذا الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم غَضِبَ على مَن طلَّق ثلاثًا بكلمة واحدة، وجعَل هذا لعبًا بكتاب الله، وأنكَر أنْ يُفعَل هذا وهو بينهم، حتى استأذنه رجلٌ في قتله.اهـ

وقال الفقيه أبو العباس القُرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ عقب هذا الحديث: وهذا يَدُلُّ على أنَّه محرَّم ومُنكر.اهـ

الأمر الثاني: نصُّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنَّ الطلاق بالثلاث معصيةٌ لله تعالى وإثْمٌ.

ومِن النُّصوص الواردة عنهم ــ رضي الله عنهم ــ:

أولًا ــ ما صحَّ عن عَلقَمة ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةً فَقَالَ: بَانَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ، وَسَائِرُهُنَّ مَعْصِيَةٌ )).

وثانيًا ــ ما أخرجه الإمام مسلم في ” صحيحه” عن ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ أنَّ رجلًا استفتاه بأنَّه أوقع الطلاق على امرأته ثلاثًا، فأجابه بقوله: (( وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ )).

وثالثًا ــ ما صحَّ عن مالك بن الحارث ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ــ رضي الله عنه ــ فَقَالَ: إِنَّ عَمَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَأَكْثَرَ، فَقَالَ: عَصَيْتَ اللَّهَ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، وَلَمْ تَتَّقِ اللَّهَ ــ عَزَّ وَجَلَّ  ــ فَيَجْعَلَ لَكَ مَخْرَجًا )).

ورابعًا ــ ما ثبت عن واقِع بن سَحْبَانٍ ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( سُئِلَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ــ رضي الله عنه ــ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ، قَالَ: أَثِمَ بِرَبِّهِ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ )).

الأمر الثالث: ضربُ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ لِمَن يُوقِع الطلاق ثلاثًا حتى يُوجِعَه.

حيث صحَّ عن أنس ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ عُمَرُ ــ رضي الله عنه ــ إِذَا أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ أَوْجَعَهُ ضَرْبًا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا )).

فاتقوا الله ــ عباد الله ــ عند تطليقكم لزوجاتكم، فلا يكون إلا عند سببٍ يقتضيه، ووجودِ داعيه، وإلا فهو مكروه.

وقد قال الفقيه ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ: وأجمعوا على أنَّ الطلاق في حالة استقامة الزوجين مكروه، إلا أنَّ أبا حنيفة قال: هو حرام مع استقامة الزوجين.اهـ

ولا يكون أيضًا إلا وِفْقَ شريعة الله في وقته فلا يحصل وقتَ حيضٍ أو طُهرٍ جُومِعَ فيه، فذلك مُحرَّم، وهو طلاق البدعة.

بل أوقِعُوهُ في وقتٍ طُهرٍ لم يُجَامَع فيه أو وقتٍ حَمْلٍ وحَبَل قد بان، فذلك طلاق السُّنة، وبهذا جاءت السُّنة النبوية، وعليه اتفق العلماء، فصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في حقِّ مِن طلق امرأته وهي حائض: (( مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا )).

واجعلوه أيضًا وِفْقَ شريعته سبحانه في العدد فلا يُوقَع إلا واحدة فقط.

وقد قال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ: الطلاق مِنه طلاق سُنَّة أباحه الله تعالى وطلاق بدعة حرَّمه الله.

فطلاق السُّنة: أنْ يطلقها طلقة واحدة إذا طهُرت مِن الحيض قبل أنْ يجامعها؛ أو يطلقها حاملًا قد تبيَّن حملها.

فإنْ طلقها وهي حائض أو وطئها وطلقها بعد الوطء قبل أنْ يتبيَّن حملها فهذا طلاق محرٌّم بالكتاب والسُّنة وإجماع المسلمين.

وإنْ طلقها ثلاثًا بكلمة أو بكلمات في طُهر واحد قبل أنْ يراجعها مثل أن يقول: أنت طالقٌ ثلاثًا، أو أنت طالقٌ ألف طلقة، أو أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ونحو ذلك مِن الكلام، فهذا حرام عند جمهور العلماء مِن السَّلف والخلَف.اهـ

وقال الرَّب ــ تبارك اسمه ــ آمرًا لكم وزاجرًا في أوَّل سورة الطلاق: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا }.

والحمد لله على كل حال، والحمد له ظاهرًا وباطنًا، إنِّ ربِّي غنِيٌّ حميد.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــ

الحمد لله الذي هو خيرٌ حافظًا وهو أرحمُ الراحمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على محمد النَّبيِّ الأُمِّيِّ المبعوثِ رحمةً للعالَمين، وعلى آله وأصحابه الكرام الميامِين، وزوجاته أُمَّهاتِ المؤمنين، وبالله ربِّي أستعين.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فلقدْ كثُرَ في هذه الأزمنة إيقاعُ الطلاقِ بالثلاث ورُبَّما أكثر، وتساهلَت الجموعُ الغَفيرةُ مِن الرجال في التلفُّظ بِه، وباتوا يُخرِبُونَ بُيوتَهُم بألسنتهم، ويَهدمونَ أسرَهُم بأنفسِهم، ويُمزِّقونَ شملَ أهليهم، فيتيهَ الأبناء والبنات ويَتضرَّروا شديدًا.

وهذه الكَثْرة ناتجةٌ إمَّا عن ضَعفٍ في الدين، أو جهلٍ بأحكام الشريعة، أو نقصٍ في العقل، أو عجْزٍ عن كَبح النفسِ وضبطِها عندَ الغضب، وحينَ المُلاسَنةِ مع الزوجةِ، والتأذي مِن قولها أو فِعلها.

ولِيَعْلَمِ المُطلِّق بالثلاث أو أكثر ــ أصلحه الله وسدَّده ــ أنَّه قد ورَّطَ نفسه وأوقعها في أمرين خطيرين، وعاقبتين شديدتين:

الأوَّلى: الإثم، لأنَّ إيقاعَ الطلاق بالثلاث معصية لله مُحرَّمةٌ ومُنكَر، كما دَلَّ على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المُتقدِّم، وأقوال أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ السابقة، ومِن ذلك ما أخرجه الإمام مسلمٌ في “صحيحه” عن ابن عمرَ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال لرجلٍ طلَّقَ امرأتَه بالثلاث: (( وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلاَثاً، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلاَقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ )).

والثانية: حُرْمَة زوجتهِ عليهِ حتى تنكحَ زوجًا غيرَه عند عامة العلماء والفقهاء، مِنهم: الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.

بلْ قال الإمام ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ: وعلى هذا جماعةُ العلماءِ والفقهاء بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب مِن أهل الفقه والحديث.اهـ

وصحَّت الفتوى بذلك عن عديدٍ مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فصحَّ عن مالك بن الحارث ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ــ رضي الله عنه ــ فَقَالَ: إِنَّ عَمَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَأَكْثَرَ، فَقَالَ: عَصَيْتَ اللَّهَ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، وَلَمْ تَتَّقِ اللَّهَ ــ عَزَّ وَجَلَّ  ــ فَيَجْعَلَ لَكَ مَخْرَجًا )).

بارك الله لي ولكم فيما سمعتم، ونفعنا بِه، وجعَلَنا ممِّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم فقهنا في الدين، وارزقنا العمل به، واجعله لنا أُنسًا وسَعة في القبور، ويوم الحشر والنشور، واغفر لنا ولوالدينا، وارزقهم السعادةَ في الحياة وبعد الممات، وأصلح الزوجاتَ والعيال، وزدهم إيمانًا وهدىً ورشدًا، اللهم ارفع الضر عن المتضررين مِن المسلمين في كل مكان، ووفق ولاة أمور المسلمين إلى كل خير ورُشد، وسددهم للقضاء على الشرك والبدع والمعاصي، وارزقهم النوابَ الصالحينَ الناصحين، وأعنَّا على السمع والطاعة لهم بالمعروف، ورُدَّ عنا وعنهم كيدَ الكفار، ومكرَ الفجار، وإضلالَ علماءِ أهل البدع والأهواء، إنك سميعُ الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.